Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

تكريس التبعــــــــــية
عبد المجيد راشد   Friday 23-11 -2007

تكريس التبعــــــــــية من الإنفتاح الى الإصلاح فى الإقتصاد المصرى

دراسة :ـ

الجزء الأول
الردة على "المشروع الناصري" وتجربة الانفتاح الاقتصادي"

لفهم معنى الانفتاح الاقتصادي وطبيعة هذه السياسة ودلالتها، لابد من الرجوع إلى الوثائق القومية الأساسية وبالذات ورقة أكتوبر، والتي أصدرها الرئيس محمد أنور السادات ونشرها في 1974.
فلقد جعلت ورقة أكتوبر من الانفتاح احد المهام الرئيسية للمجتمع المصري في المرحلة القادمة، وجاء هذا انطلاقا من تشخيص الورقة لمشكلات مصر الاقتصادية، فهي ترى أن عبء الإنفاق العسكري قد هبط بمعدل النمو في مصر 6.7% سنويا خلال ألفترة 1956 - 1965 إلى اقل من 5% سنويا بعد ذلك، وهي ترى أن استعادة المعدل القديم للنمو يجعلنا "في أمس الحاجة إلى موارد خارجية" ومن هنا كانت الدعوة للانفتاح الاقتصادي، وهي دعوة مبنية على تقدير لاحتياجات الاقتصاد المصري من ناحية والفرص المتاحة للتمويل من ناحية أخرى، ولا تتمثل فائدة الانفتاح طبقا لورقة أكتوبر في تزويد مصر بالموارد المالية اللازمة للتنمية فحسب، بل وأيضا في تزويد مصر "بأحدث وسائل التكنولوجيا الحديثة" ولا يفوت ورقة أكتوبر أن تؤكد أن "الانفتاح الذي اعلناه هو انفتاح على العالم كله شرقه وغربه" مع الترحيب بالاستثمار الأجنبي لما يحمله معه من معرفة تكنولوجية نحتاج إليها، فالانفتاح الاقتصادي في تصور ورقة أكتوبر، وهي الوثيقة الأساسية في هذا المجال، يعنى فتح الاقتصاد المصري للاستثمار الخاص المباشر من الخارج.
ومن أهم العلامات البارزة على طريق الانفتاح ما يلى :-
1) القانون رقم 43 لسنة 1974 وتعديلاته، وهو أهم خطوة منفردة اتخذت على طريق الانفتاح، فقد فتح باب الاقتصاد المصري لراس المال العربي والأجنبي في شكل استثمار مباشر في كل المجالات تقريبا، وعلى وجه التحديد، يذكر القانون مجالات التصنيع والتعدين والطاقة والسياحة والنقل واستصلاح الأراضي والإنتاج الحيواني والثروة المائية والإسكان والامتداد العمراني وشركات الاستثمار وبنوك الاستثمار وبنوك الأعمال وشركات إعادة التامين والبنوك وبيوت الخبرة ألفنية وغيرها من المجالات، وتقرير انفراد راس المال العربي والأجنبي في مجالات بنوك الاستثمار وبنوك الأعمال التي يقتصر نشاطها على العمليات التي تتم بالعملات الحرة حتى كانت فروعا لمؤسسات مركزها بالخارج، وعدم جواز تأميم المشروعات أو مصادرتها فضلا عن إعفاء الأرباح التي تحققها المشروعات التي تنشا طبقا لهذا القانون من الضريبة على إيرادات القيم المنقولة وملحقاتها والضريبة على الأرباح الصناعية والتجارية وملحقاتها الضريبة العامة على الإيراد لمدة خمسة سنوات ويسرى الإعفاء ولذات المدة على عائد الأرباح التي يعاد استثمارها في المشروع والاحتياطيات الخاصة وتعفي الأسهم من رسم الدفعة النسبي لمدة خمس سنوات، كما يكون الإعفاء بالنسبة لمشروعات التعمير وإنشاء المدن الجديدة واستصلاح الأراضي لمدة عشر سنوات يجوز مدها "بقرار من رئيس الجمهورية" إلى خمسة عشر عاما ...... الخ.
2) القانون 118 لسنة 1975 للاستيراد والتصدير، وهذا القانون ينص على أن يكون الاستيراد مفتوحا للقطاع الخاص كما هو مفتوح للقطاع العام وكذلك مجال التصدير، وكنتيجة لهذه التعديلات تم تفكيك احتكار الدولة وسيطرتها على التجارة الخارجية.
3) قانون النقد الأجنبي رقم 97 لسنة 1976، وهذا القانون قصد به تحرير معاملات النقد الأجنبي في الداخل وبذلك مكن البنوك الخاصة والتي يشارك فيها راس المال الأجنبي بحكم القانون 32 لسنة 1977 من الحصول على الودائع بالعملات الأجنبية.
4) نظام الاستيراد بدون تحويل عملة، والذي استحدث عام 1974، ومكن هذا النظام أي شخص لديه موارد بالنقد الأجنبي أن يستخدمها في الاستيراد مباشرة دون الحاجة للرجوع للجهاز المصرفي.
5) إنهاء العمل باتفاقات التجارة والدفع، والتي أدت إلى الانتقال لممارسة التجارة الخارجية على أساس المعاملات الحرة وأصبح بذلك تخطيط التجارة الخارجية مستحيلا، وجعل تجارة مصر الخارجية عرضه لقوى السوق وتقلباتها الحادة، ومثل هذا الإجراء خطوة حاسمة في سبيل إعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية الدولية لمصر وإعادة ربط الاقتصاد المصري بعجلة السوق الرأسمالية العالمية.
6) إعادة تنظيم القطاع العام، وقد بدأت سنة 1975 حين صدر القانون 111 بإلغاء المؤسسات العامة التي تقوم بدور الشركات القابضة التي تنسق وتخطط وتتابع أنشطة الشركات التابعة لها.
تلك هي نقاط الارتكاز الأولى لسياسة الانفتاح الاقتصادي والتي أحدثت تحولات هيكلية في الاقتصاد المصري من عدة وجوه، ففي المقام الأول، نجد أن باب الاقتصاد قد فتح بعد سلسلة من التعديلات على مصراعيه لراس المال الأجنبي والتي تسيطر عليه الشركات متعددة الجنسيات مما أدى إلى تكريس سيطرة هذه الشركات على الاقتصاد المصري وبالتالي فكل التنمية الحادثة لابد أن تكون "تنمية تابعة".
وفي المقام الثاني، فرغم انه من المبادئ الدستورية المقررة في مصر أن القطاع العام يسيطر على القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد القومي إلا أن القانون 43 لسنة 1974 معدلا بالقانون 32 لسنة 1977 لا يحدد مجالا معينا للقطاع العام، فكل مجالات النشاط الاقتصادي تقريبا مفتوحة للاستثمار الأجنبي الخاص، وفي المقام الثالث، فطالما أن الشركات التي تنشا طبقا للقانون المذكور تعتبر من شركات القطاع الخاص أيا كانت صفة رؤوس الأموال المساهمة فيها، فأن هذا يقلص حجم القطاع الــعام بالمقارنة إلى القطاع الخاص.
لقد أدى الانفتاح الاقتصادي إلى نتائج اقتصادية عديدة، كان أبرزها من ناحية أولى، أدى الانفتاح الاقتصادي إلى تجزئة الاقتصاد المصري، فقد تحول إلى مجموعة متمايزة وأحيانا متنافرة من الاقتصاديات، فلم يعد الأمر قاصرا على القطاعيين العام والخاص والقطاع التعاوني، وإنما ظهرت إلى جانب هذه القطاعات أربعة قطاعات أخرى هي القطاع المحلى المختلط القائم على المشاركة بين راس المال المحلى وراس المال العام، والقطاع الأجنبي الخالص المملوك للأجانب، والقطاع المشترك الذي يقوم على المشاركة بين راس المال العام وراس المال الأجنبي، والقطاع المختلط القائم على المشاركة بين راس المال الخاص المحلى وراس المال الأجنبي، وبالتالي أصبح الاقتصاد المصري منقسما إلى أجزاء عديدة، فكل منها قواعده والياته الخاصة، مثل السوق الخاصة وقواعد خاصة بالتسعير وتشغيل العمال والأجور والتمويل ...... الخ.
ومن ناحية ثانية، فقد أدى الانفتاح إلى أضعاف القطاع العام، والذي كان يمثل الركيزة الأساسية لما حدث من نمو اقتصادي في الستينات، وكان الأداة ألفعالة للسيطرة المركزية على الاقتصاد و السند الرئيسي في ممارسة التخطيط، وإذا كان القطاع العام لم يتعرض بأكمله للتصفية "الجسدية" في زمن الانفتاح، فمن المؤكد انه قد تعرض لما هو اخطر، وهو التصفية في زمن الانفتاح، فمن المؤكد انه قد تعرض لما هو اخطر، وهو التصفية "الروحية" والتفريغ "المعنوي" فقد انخفض نصيب القطاع العام في الاستثمارات الإجمالية بانتظام من نحو 90% في أوائل السبعينات إلى نحو 77% في عام 1979 وإلى نحو 75% خلال سنوات الخطة الخمسية "82 / 83 - 86 / 87" ولا يقل أهمية من ذلك ما جرى للقطاع العام من استنزاف للخبرات والمهارات والعمالة المدربة، ليس فقط بالهجرة إلى الدول العربية، بل وانتقالها إلى الشركات الانفتاحية، أي لتشغيل القوة المنافسة للقطاع العام ذاته.
ومن ناحية ثالثة، أدى الانفتاح إلى ظهور مراكز قوى جديدة، فقد نشأت مراكز قوى اقتصادية اكتسبت نفوذا وهيمنة لا يستهان بها على توجيه السياسات الاقتصادية ووضع القرارات العامة.
ومن ناحية رابعة، أدى الانفتاح الاقتصادي إلى "نمو هشا" في الاقتصاد المصري، فهو نمو خدمي بالدرجة الأولى لم تكن الأولوية فيه للقطاعات السلعية كالزراعة والصناعة وإنما للقطاعات غير السلعية كالتجارة والتوزيع والمال والإسكان ألفاخر والنقل الخاص وسياحة الأغنياء وما إليها فبينما بلغت معدلات النمو في القطاعات الخدمية من 12% إلى 14% لم يزد معدل نمو الزراعة عن 2% على أكثر تقدير ولم يتعد معدل النمو في قطاع الصناعة والتعدين 6% طبقا للإحصاءات الرسمية، كذلك فانه نمو لا يستند إلى عناصر القوة الذاتية للاقتصاد المصري بقدر ما يستند أما إلى اعتبارات طبيعية كالطفرة في استخراج البترول وتصديره أو اعتبارات خارجية مثل حركة الملاحة العالمية وتأثيرها على إيرادات قناة السويس أو الأوضاع الخاصة بدول الخليج وتأثيرها على استيراد العمالة المصرية، أو تدفق الاستثمارات الخارجية الأخطر من ذلك القروض والمعونات الخارجية، وهو نمو هش لا يستمر لأمد طويل، هذا فضلا عن انه نمو "مرهون" للأجانب، فهو مثقل من البداية بعبء دين خارجي ضخم، اتجه للتزايد في سنوات الانفتاح، على الرغم من أن أحدى ذرائع الانفتاح هي تقليل الاعتماد على القروض الأجنبية وإحلال الاستثمارات الأجنبية محلها، غير أن ما جاء إلى البلاد من استثمارات أجنبية كان قليلا، ولم يزد في مجموعه عن 2 مليار دولار طوال السنوات من 1974 - 1979، ولم تتعد رؤوس الأحوال العربية والأجنبية ثلث رؤوس أموال الشركات الانفتاحية التي تم الموافقة عليها منذ 1974 وحتى 1985 ومن جهة أخرى فقد قفز حجم الدين الخارجي من 2.1 مليار دولار سنة 1973 إلى نحو 15 مليار دولار في 1979 ثم ما يقرب من 20 مليار دولار 1983، وبالجملة لم تر البلاد من غيث الاستثمار الأجنبي سوى القطراتـ وتم إغراقها في بحر من الديون الخارجية بالإضافة إلى ذلك فأن هذا "النمو الهش" اقترن باتساع الفوارق بين الطبقات، وبالتالي ازدياد حدة الصراع الطبقي في المجتمع.
ومن ناحية خامسة، أدى الانفتاح إلى "تفشى الطفيلية" فقد شهدت مصر نموا هائلا في الأنشطة الطفيلية منذ أن دخلت عهد الانفتاح، وقد اتخذ النشاط الطفيلي صورا عديدة مثل استغلال النفوذ السياسي والإداري، والارتشاء، والتواطؤ مع القطاع الخاص على حساب القطاع العام، والمضاربة في الأراضي والمباني، وتضخيم الأزمات، والاتجار في السوق السوداء، والتهريب، والتهرب من دفع الرسوم والضرائب الجمركية، والاستيلاء على أموال الدولة، وغيرها مما ظهر في محاكمات الفساد بعد رحيل السادات، وهي ظواهر بالغة الخطورة، وأثرت سلبيا على نظام القيم في المجتمع لما تنطوي عليه من استغلال ومن انفصام في العلاقة بين الجهد والكسب، ولها عواقب وخيمة في المجال الاقتصادي سواء من حيث العبث بنظام الحوافز الذي يقوم على مبدأ ربط الأجر بالجهد ولما يترتب عليها من انصراف عن العمل المنتج الذي هو أساس النمو الاقتصادي ولما تضعه من عراقيل أما التخطيط، حيث يتعذر معها إجراء الحسابات الاقتصادية المعتادة والتنبؤ بالسلوك المحتمل للاقتصاد القومي.
ومن ناحية سادسة، أدى الانفتاح إلى التضخم الانفجاري، فقد اتخذ التضخم صورة انفجارية في سنوات الانفتاح، فالثابت من الإحصاءات الرسمية للأسعار أن معدل التضخم لم يكن يتجاوز 3% - 4% حتى سنة 1973، بينما بدا المعدل في الزيادة بخطوات متسارعة منذ سنة 1974 فقد قفز معدل التضخم إلى 11% في عام 1974 ثم إلى 13% في 1977 ثم إلى 21% في 1980، وطبقا لتقرير صادر عن وزارة الاقتصاد، فأن التضخم قد بلغ في المتوسط 13.5% خلال ألفترة من 1973 - 1979 ونحو 22.3% في المتوسط خلال السنتين 1978 - 1979، وقد بلغ 25% في 81 / 82 طبقا لتصريح وزير الاقتصاد د. مصطفي السعيد في ذلك الوقت.
ومن ناحية سابعة، أدى الانفتاح الاقتصادي إلى اغتيال التخطيط، وكانت أسوأ نتائج الانفتاح الاقتصادي، فبرغم أن المادة 3 من قانون الاستثمار قد نصت على أن "يكون استثمار المال العربي والأجنبي في جمهورية مصر العربية لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية في إطار السياسة العامة للدولة وخطتها القومية" فأن أحدا من المسئولين عن الانفتاح لم يأخذ هذه المادة مأخذ الجد، بما فيهم السادات نفسه، فقد قال "يوم أن تكون هناك خطة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية فأن راس المال سيهرب" مما يوحى بأن غياب التخطيط لم يكن من قبيل السهو، وإنما كان مقصودا أو مدبرا من البداية لتهيئة المناخ المناسب للانفتاح.
لقد كانت النتيجة النهائية لسياسة "الانفتاح الاقتصادي" هي وقوع الاقتصاد المصري في فخ التبعية، فلم يعد محلا للجدل أن مصر في عهد الانفتاح قد صارت تابعة تبعية كاملة للمركز الرأسمالي العالمي، فقد كان عام 1976 شاهدا على تجربة التحديث التابع وتدخل صندوق النقد الدولي ضامنا لتدفق قروض الحكومات والمصارف العالمية بهدف فتح الاقتصاد أمام صادرات ورؤوس أموال المركز الرأسمالي، ثم عودة الصندوق للتدخل في أعوام 1977 و 1978 و 1981 و 1986 بعد رصف سبل التدخل، فالافتراض عن الخارج أصبح الوجه الآخر لعجز البناء الاقتصادي التابع، حيث يؤدى عجز ميزان المدفوعات إلى اللجوء للاقتراض الخارجي، ويؤدى الاقتراض إلى تراكم أعباء خدمة الدين من أقساط وفوائد، بما يؤدى إلى الاقتراض من جديد لعلاج العجز، ويتدخل الصندوق لعلاج عجز المدفوعات وتسهيل الاستدانة من الخارج ثم لإعادة جدولة الدين، وتكون النتيجة تكريس التبعية.

الجزء الثانى
الاقتصاد المصري من بدايات حكم مبارك إلى سياسة "الإصلاح الاقتصادي"

مع تغير القيادة السياسية المصرية في 1981، تردد التعبير عن الحاجة إلى إعادة النظر، على نحو جدي، في السياسات الاقتصادية المتبعة بهدف وقف التدهور في حالة كل من المديونية الخارجية والهيكل الاقتصادي.
فعندما تسلم الرئيس مبارك مقاليد الحكم، كانت سحب الأزمة الاقتصادية التي تراكمت في سماء الاقتصاد المصري قد بدأت تتكاثف على نحو واضح وكانت أهمها هي تراكم جبل من الديون الخارجية وارتفاع واضح في أعباء خدمتها وعجز مستمر في ميزان المدفوعات المصري مع تضاؤل واضح في حجم الاحتياطيات الدولية النقدية وتزايد شديد في اعتمادنا الغذائي على الخارج، وتدهور بليغ في معدل الادخار المحلى واعتماد مصر على الموارد الخارجية لتمويل الاستثمارات المحلية، وعجز كبير في الموازنة العامة للدولة، وزحف راكض للتضخم المحلى والمستورد وبطء في معدل النمو الاقتصادي.
وفي ضوء هذا الوضع الاقتصادي الحرج، وعدم وضوح الصورة وفقدان مصداقية الخطاب الإعلامي الساداتي، والتي كانت تؤكد دوما على سلامة أوضاع الاقتصاد المصري وإننا سائرون على طريق الرخاء بعد التوقيع على معاهدة "كامب ديفيد" وأن موارد مصر التي كانت توجه وتبدد في الحروب سوف توجه إلى اقتصاديات السلام وإنعاش الاقتصاد المصري، وأن إنهاء حالة الحرب مع "إسرائيل" سوف يجعل المعونات والاستثمارات الأجنبية تتدفق على مصر للإسراع بخطاها على طريق النمو.
في ضوء هذا الوضع حرص الرئيس حسنى مبارك في أوائل حكمه على أن يتعرف على حقيقة الوضع الاقتصادي المصري، ومن هنا جاءت دعوته إلى عقد مؤتمر اقتصادي على مستوى عال، يضم نخبة مختارة من الاقتصاديين المصريين، وهو المؤتمر الذي عقد في ألفترة ما بين 13 - 15 فبراير 1982، وشارك في حضور بعض جلساته، وكان هناك إحساس بأن الأوضاع والسياسات الاقتصادية القائمة تحتاج إلى مراجعة، لأن الاستمرار في هذه السياسات سوف يؤدى إلى أخطار شديدة ينعكس أثرها ليس على الاقتصاد فحسب بل أيضا على الأوضاع الاجتماعية والسياسية، الداخلية والخارجية، وعقد المؤتمر وحضره ثمانية وأربعون اقتصاديا مصريا.
وقد تم الاتفاق على كثير من القضايا والتي رفعت إلى الرئيس مبارك ولخصها أستاذنا الدكتور رمزي زكى في الآتي :-
1) أن التعديلات المقترحة لإصلاح المسار الاقتصادي سوف تتم مع المحافظة التامة على المقومات الرئيسية الحالية للاقتصاد المصري بقيادة الدولة والقطاع العام والتنسيق بينهما وبين الدور الضروري للقطاعين الخاص والتعاوني والاستمرار في سياسة الانفتاح والتعاون الدولي الخارجي مع التعديلات التي تزيل ما شابها من سلبيات.
2) حشد الطاقات القومية الطبيعية والبشرية والمالية والتنظيمية، حكومية كانت أو شعبية، ووضع السياسات ألفعالة في مختلف المجالات وفقا لتخطيط قومي شامل، تلتزم به الدولة والقطاع العام، ويسترشد به القطاع الخاص والفردي بما يخدم خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية وفقا لأسلوب التخطيط القومي المناسب مما يؤدى إلى التكامل والتنسيق بين مختلف السياسات وتحديد الأولويات.
3) أن تكون التغيرات المطلوبة ذات بعد اجتماعي واضح وذلك بالتركيز على خلق فرص للعمالة الحقيقية المنتجة، بدلا من تكدس التوظيف العاطل، والعمل على تحسين توزيع الدخول ورعاية الطبقات الأقل دخلا، وضمان التنسيق بين عوامل الإنتاج المختلفة من راس المال وإدارة وعمالة ماهرة لرفع مستوى الإنتاج السلعي خاصة وزيادة الدخل القومي عامة.
4) تبنى المؤتمر قضية مكافحة البطالة والحرص على تحقيق التوظف الكالم كهدف عزيز، باعتبار أن اثمن ما تملكه مصر هم البشر.
5) ولمواجهة عجز الموازنة العامة نادى المجتمعون بضرورة تخفيض الإنفاق العام غير الضروري وكذلك الإنفاق المظهري، نظرا لما يستنزفه من موارد ومن تأثير سلبي على معنوية مختلف طبقات الشعب وضرورة تحسين تحصيل الضرائب وزيادة الضرائب على الاستهلاك الترفي.
6) كذلك نوقشت قضية الدعم وسبل ترشيده، وكانت هناك بالمؤتمر معارضة شديدة بعدم المساس بالدعم، إلا بعد استنفاذ إجراءات الوفر في أوجه الإسراف في الإنفاق الحكومي وبقدر ما يتحقق من زيادة في الأجور وتحسين في توزيع الدخل، حيث أن الدعم يكفل الرعاية الضرورية للطبقات الشعبية ويحميها من التضخم وارتفاع الأسعار وازدياد نفقات المعيشة.
7) أما فيما يتعلق بدعم قطاعات الإنتاج السلعي "الزراعة والصناعة" فقد اتفق المجتمعون على ضرورة زيادة إنتاج هذه القطاعات بما يفي بالاحتياجات الأساسية للشعب وفقا لخطط محددة ومتناسقة ضمن إطار الخطة العامة للدولة، ففي المجال الزراعي لاحظ أعضاء المؤتمر كيف تدهور نصيب ألفرد من الرقعة الزراعية "سبع فدان" وانه يلزم للمحافظة على هذا النصيب حتى عام 2000 أن تكون هناك إضافة تقدر بثلاثة ملايين فدان جديد، وهو ما يعنى ضرورة استصلاح ما بين 150 - 180 ألف فدان سنويا مع الاهتمام بزيادة الإنتاجية وموارد المياه، وفي المجال الصناعي، كان هناك إجماع على أن تكون الأولوية لإنتاج السلع الوسيطة اللازمة للإنتاج الزراعي والتشييد ولقطاع الصناعة والبترول والقطاعات الأخرى وتنفيذ برنامج لإحلال الواردات عن طريق صناعات تنتج سلعا ضرورية محلية بدلا من الاستيراد، وذلك على أسس اقتصادية، وفي ظل حماية محددة ومحسوبة، مع رقابة الأسعار والجودة.
8) ليس من مصلحة الاقتصاد المصري أن يظل اعتماده متزايدا على العالم الخارجي، خاصة أن تزايد أعباء خدمة الدين وأقساطه قد تزيد على موارده السنوية مما يلقى عبئا على الموارد الذاتية فضلا عن مخاطر الاعتماد على موارد خارجية، وكذلك ضرورة إصلاح الخلل في ميزان المدفوعات وما يتطلبه ذلك من ترشيد للواردات وزيادة في الصادرات وفي معدل الادخار المحلى وضرورة تخصيص عائد تصدير البترول لتمويل الاستثمارات المحلية.
9) أما فيما يتعلق بالقطاع الخاص، وهو ركيزة أساسية في الانفتاح الاقتصادي، فقد أشار المجتمعون إلى غلبة النشاط التجاري والمضاربات العقارية على سلوكه في تلك الآونة، واستغلاله مزايا قانون الاستثمار الأجنبي لإنتاج السلع الاستهلاكية والكمالية ولهذا كانت هناك توصية بأن يراعى مستقبلا الموافقة على المشروعات التي تتفق مع سياسة الدولة في توفير الاحتياجات الضرورية للشعب، ورفع المستوى التكنولوجي وتشجيع التصدير السلعي، واجتذاب رؤوس الأموال العربية والأجنبية للتنمية والاستثمار وتفضيل المشروعات التي تقام خارج المدن وفي المناطق الجديدة.
كانت هذه تقريبا، هي أهم الرؤى التي تمخض عنها المؤتمر الاقتصادي والتي وأن لم ترسم في مجموعها استراتيجية شاملة لتنمية مصر ونهوضها ولكنها في جميع الأحوال رسمت في مجموعها ملامح توجهات اقتصادية واجتماعية أفضل مما كان سائدا في فترة الانفتاح المنفلت في عقد السبعينات.
والمثير للدهشة حقا، هو أن المؤتمر عقد وانتهي دون أن تنعكس هذه الرؤية في إصلاح مسار الاقتصاد المصري فيما بعد، إذ سرعان ما نسى المؤتمر وعلقت الأتربة بأوراقه وبحوثه التي كان وراءها جهد ضخم ودراسات عديدة وأفكار مصرية مبدعة.
وجاءت الخطة الخمسية الأولى للسنوات (81 / 1982 - 86 / 1987) مخيبة للآمال، بل جاءت على الضد تماما مما كان عليه الاجماع في المؤتمر، فقد تزايد الاعتماد على القروض الخارجية، وتراجع دور التخطيط، وتخلت الدولة عن قيادة التنمية، وفككت وأضعفت القطاع العام تمهيدا لبيعه، وألغت الدعم، وأطلقت حرية تكوين الأسعار، ولم تهتم بمشكلة العمالة وزيادة البطالة، وتزايد التعاون في توزيع الدخل والثروة، ففي 30 يونيو 1986 كان إجمالي مديونية مصر الخارجية قد زاد بنسبة 26% عما كان في 1981 فزاد من 30 بليون دولار إلى حوالي 37.8 بليون دولار، وانخفضت إيرادات مصر من البترول بنسبة 36%، وظلت المصادر الثلاثة الرئيسية الأخرى للعملات الأجنبية (تحويلات العاملين بالخارج وقناة السويس والسياحة) راكدة تقريبا، وثبت معدل تدفق الاستثمارات الأجنبية الخاصة عند نحو بليون دولار سنويا، ولم يتجاوز معدل الزيادة في صادرات مصر من السلع الأولية "غير البترول" 4% في السنة، ومع تواضع الزيادة في الصادرات الصناعية، كان إجمالي قيمة الصادرات من السلع والخدمات في 85 / 86 اقل في الواقع مما كان في 81 / 82 بنسبة 11% وارتفع العجز في ميزان الحسابات الجارية بميزان المدفوعات من 1.7 بليون دولار في 81 / 82 إلى 3.5 بليون دولار في 85 / 1986.
ولم تك الخطة الخمسية الثانية (86 / 1987 - 91 / 1992) بأحسن حال من سابقتها، فبعد أن بلغ معدل النمو في الناتج القومي الإجمالي، بالأسعار الثابتة 8% في ألفترة (75 - 1982) انخفض إلى 5% في السنوات الثلاث التالية (83 - 1985) ثم إلى نحو 1% في ألفترة (86 / 1987 - 98 / 1990) ومع معدل لنمو السكان يبلغ نحو 2.7% تدهور مستوى المعيشة خلال النصف الثاني من الثمانينيات بمعدل سنوي قدره نحو 1.7% في السنة، زاد الأمر خطورة أن مصر أصيبت بصدمة خارجية في مطلع عام 1986 متمثلة في انخفاض نفاجئ وكبير في أسعار البترول، ولم يقتصر اثر هذه الصدمة على الانخفاض الكبير في إيرادات مصر من صادرات البترول، بل كانت لها آثار غير مباشرة تمثلت في تراخى تحويلات المصريين العاملين في الدول العربية الغنية بالبترول، وانخفاض إيرادات السياحة بسبب انخفاض عدد السياح العرب من نفس هذه الدول، كما أن هذا الانخفاض في إيرادات البترول اقترنت به زيادة حادة في التزامات مصر المتعلقة بخدمة الديون، فطبقا لاحد المسئولين في صندوق النقد الدولي، بلغ حجم هذه الالتزامات في 85 / 1986 ما لا يقل عن 5.5 بليون دولار (2.9 بليون لسداد جزء من اصل الدين و 2.6 بليون كفوائد) وهو ما يكاد يساوى ضعف مبلغ خدمة الديون في 1981، وأكثر من 50% من قيمة إجمالي الصادرات من السلع والخدمات في 85 / 1986.
وكان لابد لذلك كله وما عكسه من سياسات أن يثمر في النهاية تلك الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي انتهت بنظام الحكم أن يوقع مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في عام 1991 اتفاقا من شانه أن تتولى هاتان المؤسستان رسم وتحديد سياستنا الاقتصادية والاجتماعية عبر ما عرف باسم سياسة "الإصلاح الاقتصادي". .

وثمة نقطة هامة جديرة بالتسجيل في هذا المقام ، وهي أن الإتجاه نحو تنفيذ برامج التثبيت الإقتصادي والتكيف الهيكلي و المعروفة بما يسمى بسياسة " الاصلاح الاقتصادى " ، وما تنطوي عليها من إنفتاح وتحرر وإعمال لآليات إقتصاد السوق ، هذا الإتجاه لم يأت كنتيجة لضغوط داخلية من قبل القوى والفئات الرأسمالية ، التي إتسمت – ولا تزال – بالضعف والهشاشة والتبعية لرأس المال العالمي في عديد من الدول، ولكنه اقترن في جانب هام منه بضغوط بعض القوى والمؤسسات الخارجية وبخاصة صندوق النقد والبنك الدوليين ، كما أن الدولة بأجهزتها ومؤسساتها هي التي تدير عملية تطبيق برامج التثبيت والتكيف.(4) وبذلك فإن العوامل الخارجية خاصة الضغوط التي مارستها مؤسسات التمويل الدولية هي العامل الحاسم في توجيه السياسة الإقتصادية لإتخاذ إجراءات ما يسمي " بالإصلاح الإقتصادي " ..

ففي عام 1989 صاغ الإقتصادي "جون ويليمسون" نائب رئيس البنك الدولي ما عرف " بتوافق واشنطن" .. وهو مجموعة السياسات والتوصيات والمبادئ التوجيهية التي تم التوصل إليها بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وحكومة الولايات المتحدة ، ومقر هذه الأطراف الثلاثة العاصمة الأمريكية واشنطن( )...
كما يحتوي على مجموعة من الإتفاقات غير الرسمية "إتفاقات جنتلمان" ، عقدت طيلة الثمانينات والتسعينات بين الشركات الرئيسيةالعابرة للقارات وبنوك وول ستريت، وبنك الإحتياطي الإتحادي الأمريكي والمنظمات المالية الدولية " البنك الدولي صندوق النقد الدولي" .( )وقد صاغ جون ويليمسون "التوافق" ومبادئه الأساسية بزعم أنها تطبق على أي فترة تاريخية ، وأي إقتصاد ، وأي قارة ، وبإستهداف التوصل بأسرع ما يمكن إلى تصفية أي هيئة أو تنظيم من جانب الدولة، والتحرير الأكمل بأسرع ما يمكن لكل الأسواق "الثروات، رؤوس الأموال، الخدمات، البراءات " 0
وفي النهاية إقامة حكم كونى بلا دولة ، وسوق عالمي موحد ومنظم ذاتياً تماماً .

وهذه هي المبادئ الرئيسية التي يقوم عليها:
1ـ من الضروري – في كل بلد مدين – البدء في إصلاح المالية العامة وفق معيارين: تخفيض العبء الضريبي على الدخول الأكثر إرتفاعاً ، لحفز الأغنياء على القيام بإستثمار إنتاجي ، وتوسيع القاعدة الضريبية ، وبوضوح ، منع الإعفاءات الضريبية للأفقر ، من أجل زيادة مقدار الضريبة.
2ـ أسرع وأكمل تحرير ممكن للأسواق المالية .
3ـ ضمان المساواة في المعاملة بين الإستثمارات الوطنية والإستثمارات الأجنبية من أجل زيادة مقدار – وبالتالي ضمان – هذه الأخيرة .
4 ـ تصفية القطاع العام بقدر الإمكان ، وخصخصة المنشآت التي تملكها الدولة ، أو هيئة شبيهة بالدولة .
5 ـ أقصي حد من إلغاء الضوابط في إقتصاد البلد ، من أجل ضمان الفعل الحر للمنافسة بين مختلف القوي الإقتصادية الموجودة .
6 ـ تعزيز حماية الملكية الخاصة .
7ـ تشجيع تحرير المبادلات بأسرع الوسائل الممكنة بهدف تخفيض الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة كل سنة.
8ـ لما كانت التجارة الحرة تتقدم بواسطة الصادرات فينبغي في المقام الأول تشجيع تنمية تلك القطاعات الإقتصادية القادرة على تصدير منتجاتها .
9 ـ الحد من عجز الميزانية.
10ـ خلق شفافية الأسواق : فينبغي أن تمنع معونات الدولة للعاملين الخاصين في كل مكان ، وعلى دول العالم الثالث التي تقدم دعماً من أجل إبقاء أسعار الأغذية الجارية منخفضة أن تتخلي عن هذه السياسة ، أما عن مصروفات الدولة فينبغي أن تكون للمصروفات المخصصة لتعزيز البني الأساسية الأولوية على غيرها.( )

فتوافق واشنطن ، "Washington Consenus" ، كانت أهم توجيهاته، مبدأ حكومة الحد الأدنى ، وأقل تدخل ممكن من جانب الدولة ، التثبيت الإقتصادي بغرض السيطرة على التضخم " التضخم المنخفض " ، عدم الحرص الزائد على خفض البطالة ، وتجنب العمالة الكاملة " الكثيفة " ، إحلال الواردات ، عدم وجود معدلات شديدة الإرتفاع للإدخار، مثل تلك الموجودة في اليابان ، تيسير الخصخصة ، دعم الأسواق .( )

والحديث عن " توافق واشنطن " لا ينبغي أن يمر دون الإشارة إلى الأسباب الجوهرية التي أدت إليه .
فحينما اندلعت الأزمة الإقتصادية في المنظومة الرأسمالية منذ بداية حقبة السبعينات من هذا القرن ، وأنهت بذلك سنوات الإزدهار اللامع لعالم ما بعد الحرب (1945 – 1971) ، وكان من الواضح أن تلك الأزمة تختلف عن الأزمات الدورية العادية (الدورات الاقتصادية القصيرة والمتوسطة المدى ) من حيث أنها ذات طابع هيكلي طويل المدى وذلك بسبب طبيعة المرحلة الجديدة التي إنتقلت إليها الرأسمالية بعد تسارع عمليات التدويل وسرعة حركة الثورة العلمية والتكنولوجية وما أحدثته من تغيرات مذهلة في قوي الإنتاج ، على أن هذه الأزمة قد عبرت عن نفسها ، في التحليل النهائي ، في أزمة تراكم رأس المال سواء في صعيده المحلي ( حيث تدهورت معدلات الربح وزادت البطالة مع التضخم ) ، أو على صعيده العالمي ( إنهيار عصر ثبات أسعار الصرف وإضطراب أسواق النقد الدولية ، أزمة أسعار النفط ، تغيير علاقات القوي النسبية بين اليابان ، وأوروبا ، والولايات المتحدة ، الإضطرابات الحادة في علاقات العجز والفائض بين الدول ) .
وفي الوقت الذي حاولت فيه البلاد الرأسمالية الصناعية أن تواجه هذه الأزمة داخلياً من خلال الليبرالية الجديدة التي راهنت على إضعاف تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي وتغيير أشكال علاقتها بالقطاع الخاص ، وهو الأمرالذي ترجم في النهاية التراجع عن الكينزية والإتجاه نحو السياسات النيوكلاسيكية المحافظة التي تؤمن بالفاعلية المطلقة لقوي السوق والحرية الفردية ، فإن الرأسمالية حاولت في صعيدها العالمي أن تواجه أزمتها عن طريق تطبيق نوع من الكينزية العالمية خلال الفترة من 1973 – 1982 حينما راحت تضخ كميات هائلة من القروض إلى بلدان العالم الثالث عن طريق تدوير فوائض النفط الدولارية و السيولة المتراكمة فى السوق الأوربية للدولار لتمويل عجز موازيين مدفوعات هذه البلاد و تمكينها من تمويل وارداتها من الدول الرأسمالية الصناعية ، صحيح أن هذه الكنزية العالمية قد خفضت ، إلى حد ما من حدة الكساد التضخمي في المراكز الرأسمالية ، لكن هذه الكنزية التي إستهدفت زيادة حجم الطلب الكلي الفعال العالمي من خلال الإئتمان الدولي المفرط سرعان ما أدت إلى اندلاع أزمة مديونية عالمية مزعجة أصبحت تهدد بإنهيار نظام الائتمان الدولي وحركات رؤوس الأموال القصيرة والطويلة الآجل، وأدت من ثم إلى حدوث إضطراب في علاقة الشمال بالجنوب .( )
ونظراً لأن الرأسمالية تتعلم دائماً من أزماتها ، فقد أدركت أن ضبط وتنظيم علاقاتها مع بلاد العالم الثالث في مرحلة التوسع القادمة وعلى النحو الذي يجنبها من تكرار الوقوع في أزمة المديونية وعلى النحو الذي يؤهلها لإستمرار نقل ونزح الفائض الإقتصادي من هذه البلاد ، أدركت أن ذلك يتطلب خلق آليات جديدة للسيطرة على مجمل الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية في تلك البلاد " نمط التخصص وتقسيم العمل ، توزيع الدخل ، دور الدولة، العلاقات الاقتصادية الخارجية ، ضبط قوة العمل عند مستويات أجرية منخفضة ." . وهذه الآليات الجديدة ، التي تعرف الآن تحت مصطلح المشروطية Conditionality التي تنطوي عليها برامج التثبيت والتكيف الهيكلي ، قد شكلت ، في الحقيقة عبر دقة صياغتها وشروطها ما يمكن أن يسمى بأول مشروع أممي مُحكم لرأس المال الدولي بهدف إخضاع الجنوب لشروط التراكم والتوسع الرأسمالي في الشمال . وهذا المشروع تروج له المنظمات الدولية ( صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ) والشركات دولية النشاط والمستثمرين الأجانب على أنه سيمكن بلاد العالم الثالث من التغلب على إختلالاتها الهيكلية والقيود التي تعوق النمو الإقتصادي وعلاج مشكلات الفقر والبطالة . وعليه فإن هذا المشروع هو عملية لا مهرب منها ويجب قبوله كما هو ، وإلا فإن الأحوال الإقتصادية والإجتماعية لهذه البلاد ستستمر في التدهور ، وستفرض عليها العزلة الدولية ، وستستبعد من التعامل . ويعتمد هذا المشروع ، في خطابه الإعلامي والأيديولوجي ، على الليبرالية المطلقة التي ترتكز على إضعاف قوة الدولة وإبعادها عن التدخل في النشاط الإقتصادي ، والإعتماد على آليات السوق والمراهنة على الدور " القائد " الذي سيلعبه القطاع الخاص ( مع تصفية القطاع العام ) والإنفتاح بقوة على الإقتصاد الرأسمالي العالمي.( )


[email protected]
http://www.maktoobblog.com/rashd_karama


 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  تحرير مصر كتلة تاريخية تنمو ..و قوى وطنية فى انتظار ائتلاف التغيير

 ::

  نقاط مضيئة فى تاريخ التنمية (1)

 ::

  خدود خالد يوسف الحمراء

 ::

  سياسة التثبيت و التكيف الهيكلى

 ::

  الطريق الى العصيان المدنى

 ::

  سياسة " الإنفتاح الاقتصادى" بمصرو نتائجها

 ::

  معضلات الاقتصاد المصرى

 ::

  مشروع أمريكا الامبراطورى فى غرفة الانعاش

 ::

  مخطط تفتيت الأمة


 ::

  ضرورة اتخاذ موقف عربي لمجابهة مشروع قانون الاستفتاء الاسرائيلي

 ::

  قافلة الحرية هل تحرك المياه الراكدة

 ::

  جمهور الإعلام الرياضي العربي سنة 2009

 ::

  متطوعو الإغاثة الزراعية ينزلون إلى شوارع مدينة نابلس ويحرضون الجماهير ضد البضائع الإسرائيلية

 ::

  طلعت سقيرق ، صوت الغضب والامل في القصيدة الفلسطينية

 ::

  أيَّ دولة نريد؟؟

 ::

  80% من أبناء الخليج مصابون بالقولون العصبي

 ::

  السياحة العلاجية في تايلاند

 ::

  بئر زمزم.. سر نبعه الغامض وفيضانه المستمر وخواص اللبن والعسل

 ::

  أهو مغرب عربي ؟ ..... أم مغرب كبير ؟؟؟



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  موضوعات في تجاوز فشل السياسات السلطوية والإنقسامية

 ::

  إيران والأكراد ..وذكرى اغتيال قاسملو

 ::

  التصور الشعبى للقرارات الصعبة التى وعدنا بها الرئيس

 ::

  رسائل الأحزمة الناسفة في السعودية

 ::

  من يحاسب حزب الله

 ::

  انتصار الديموقراطية

 ::

  على هامش أداء شرطة المرور بغزة: لا لِحَقٍّ يراد به باطل!

 ::

  الدين والحياة الطيبة

 ::

  التشكيك بوطنية الشيعة في الخليج

 ::

  الدلالات العشر للحكم القضائى بمصرية تيران وصنافير

 ::

  جرائم أمريكا المتوحشة

 ::

  رمضان في السياسة في الاقتصاد ... لماذا نتوقف؟

 ::

  لماذا نكره إيران؟

 ::

  الانقلاب التركي بين التشكيك والحقيقة






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.