Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

السياسة الاقليمية لإيران
تغريد كشك   Tuesday 20-11 -2007

السياسة الاقليمية لإيران مثلت الثورة الإيرانية أول ثورة إسلامية ناجحة فى العصر الحديث، وهي الحدث الذي كان له أكبر الأثر على سياستها الخارجية بسبب التغيير الحادث في داخل إيران وفى رؤيتها للعالم الخارجى ولتغير خريطة الحلفاء والخصوم في البيئة الدولية والإقليمية. ومنذ تلك اللحظة التاريخية عانى صانع القرار الإيراني من الحيرة والتخبط بين ما تمليه المصلحة القومية ومتطلبات الأهداف الأيدولوجية التي غيرت من مصادر التهديد للدولة الإيرانية والفرص السانحة أمام النظام الإيراني.
ولكن كيف تتشكل سياسة طهران الاقليمية؟.
لعله السؤال الاهم الذي يتردد في ذهن المتابع للسياسة الايرانية نظراً للارتباط العميق بين سياسة ايران وقضايا الشرق الاوسط، التي لايجسدها الوضع في الخليج والعراق، وفي الاراضي الفلسطينية المحتلة فقط، بل وفي ارتباط قضايا المنطقة بالسياسة الدولية، ومما يزيد اهمية موضوع سياسة ايران الاقليمية وكيفية تشكلها في طهران، هو ان ايران تعد الان من أكبر بلدان المنطقة، ولها تأثير متعدد الأوجه في هذه القضايا.

تتعدد محطات السياسة الاقليمية الايرانية بحكم تعدد وتنوع جيران ايران فإلى الشرق الايراني أفغانستان، وفي الغرب العراق وتركيا، وشمالاً دول كانت سابقاً في اطار الاتحاد السوفيتي السابق، وفي الجنوب دول الخليج العربية.
نظرة اجمالية الى خارطة العلاقات التي حكمت طهران مع عواصم الجوار الجغرافي على مدى العقدين الأخيرين، تبين ان الصبغة الاساسية لهذه العلاقات كان التوتر وعدم الاستقرار، وهو أمر مفهوم في بعض جوانبه، سواء بسبب الطموحات الثورية للايرانيين التي صاحبت اطاحة الامام الخميني وأنصاره بسلطة محمد رضا بهلوي امبراطور ايران السابق وأحد مرتكزات السياسة الاميركية في الشرق الاوسط، أو بسبب المخاوف التي اثارها انتصار ثورة الخمينى وسط مجموعة من البلدان التي تشكل نقائضا سياسية وايدلوجية ودينية ومذهبية تحيط بايران من كل الاتجاهات.

في العقدين الاخيرين حدثت تبدلات ملموسة في خارطة علاقات طهران مع جيرانها، بل ان هذه التطورات أخرجت ملامح التغيير في علاقات ايران الى ما هو ابعد من دول الجوار الاقليمي المباشر، وصولاً الى الدائرة الاقليمية الاوسع، فحدثت تغييرات ايجابية في علاقات ايران مع مصر وبلدان المغرب العربي، وطرأت تغيرات في علاقات ايران مع الهند وباكستان والدول الخارجة عن سيطرة الاتحاد السوفييتي السابق.

كانت العوامل الداخلية ذات أثر أكبر من العوامل الخارجية في هذه التغييرات ،فقد شهدت ايران تحولات سياسية مهمة بعد التوجه الى بناء نظام تختلط فيه القيم الدينية والديمقراطية، نظام يتم بموجبه الوصول الى السلطتين التنفيذية والتمثيلية عبر صناديق الانتخاب، وهو أمر فرض مبدأ التداول على السلطة وحرية الصحافة وتعددها، وتشكيل منابر وجماعات سياسية، تطرح برامج وتوجهات عقائدية وسياسية متباينة، وهو الامر الذي يعبر عنه، الانقسام الكبير الظاهر في ايران بين التيارين الاصلاحي والمحافظ، وكل واحد من هذين التيارين يضم طيفاً واسعاً من الاتجاهات والجماعات والشخصيات.
ولاينفصل هذا التطور السياسي في ايران عن تطورات الوضعين الاقتصادي والاجتماعي، حيث فرضت سنوات حرب الخليج الاولى بين ايران والعراق والحصار الاميركي المفروض على ايران، دوراً ملحوظاً في ترديات الوضع الاقتصادي لكثير من الايرانيين ولاسيما الفئات الدنيا من المجتمع الايراني الذي تسجل فيه النساء حضوراً مميزاً ويشكل الشباب القسم الاكثر حيوية وحضوراً فيه، وبموجب هذه الظروف عجزت الدولة الايرانية عن تأمين فرص عمل للوافدين الجدد الى سوق العمل الايرانية والذين يصل عددهم سنوياً الى مليون شخص.

لقد فرضت الوقائع الايرانية الداخلية تأثيراتها المباشرة في تشكل سياسة ايران الاقليمية، بحيث تمت صياغة سياسة تعاون وتوافق ايراني مع المحيط الاقليمي، وهي في الحد الادنى محاولة للتقليل من المشاكل والخلافات القائمة والمحتملة مع بلدان الجوار الاقليمي، ويمكن ملاحظة المستوىالاول في مستويات السياسة الخارجية من خلال نموذج سياسة التعاون الاقليمي الايرانية الصاعدة مع سوريا ودول الخليج العربية وروسيا، حيث تسعى ايران الى تعزيز علاقاتها مع هذه الدول على قاعدة نظام تعاون سياسي أقتصادي اقليمي محتمل.

أما المستوى الثاني في سياسة ايران الاقليمية، فتمثله سياسة التوافق التي يجسدها بصورة عملية واقع علاقات ايران مع كل من تركيا والعراق حيث تشكل علاقات الاولى مع اسرائيل والولايات المتحدة دور المانع المباشر لنمو وتطوير علاقات تعاون تركية ايرانية، فيما تلعب (ترسبات الحرب) العراقية ـ الايرانية دورها في عدم تحقيق تقدم ملموس دائم في العلاقات بين طهران وبغداد.

المستوى الثالث في سياسة ايران الاقليمية، تجسده سياسة التقليل من المشاكل والخلافات، ولعل المثال الاوضح في هذا الموقف الايراني من السلطة الفلسطينية ومن السلطة الجديدة في افغانستان، والسلطة الفلسطينية في نظر الايرانيين كانت حتى وقت قريب نتيجة توافقات لاتتقاطع والسياسة الايرانية بل تتعارض معها.

خلاصة القول ان السياسة الاقليمية الايرانية تقوم على الاحتياجات والمصالح، بل وفي بعض الاحيان سياسة براغماتية، لاتخلو في بعض الاحيان من تعارضات مع الايمانات الايدلوجية والشعارات السياسية المعلنة.


إيران وتطور العلاقات مع العرب

لعبت العقيدة دور الركيزة الأساسية لرؤية إيران الثورية للعالم الخارجي خاصة في العقد الأول من عمرها. وتعبر مقولة الخميني أصدق تعبير عن ذلك حين أعلن "إننا نواجه الدنيا مواجهة عقائدية". لقد قدمت الثورة لغة خطابية جديدة ومتفردة للتعبير عن الخارج (وكذلك الداخل) فتميزت بإسلامية المفاهيم من خلال الاقتباس الناجح والمؤثر من القرآن الكريم الذي أعطاها الفعالية المطلوبة للتأثير على المتلقي لهذا الخطاب، وتلخص المعيار الأساسي للتمييز والتفرقة على المستوى الخارجي في مصطلح "الاستكبار".



اعتبر المنظور الإيرانى مفهومي الاستقلالية والحكم الإسلامي المحورين الأيديولوجيين الرئيسيين، وهما في الواقع المدخلان الأيديولوجيان اللذان أثرا بشكل أو بآخر على تطور العلاقات العربية الإيرانية، فحينما زاد التمسك بهما زادت درجة التوتر في هذه العلاقات، وهو ما ساد في الثمانينيات خاصة في ظل الحرب العراقية الإيرانية وموقف العرب المساند للعراق أمام ما عرف بالتهديد الإيرانى للمنطقة، وما يميز الجمهورية الإسلامية الإيرانية أنها تمتلك بالفعل نظرية سياسية لماهية الحكم الإسلامي محورها _ مفهوم ولاية الفقيه _ وتراها الحل الإسلامي الحقيقي لمشاكل العالم الإسلامي.
إذا ما اعتبرنا أن مفهوم الحكم الإسلامي ومفهوم الاستقلالية هما حجرا الزاوية في الرؤية الأيديولوجية الثورية الإيرانية، فيمكن القول أن المحور الأول حكم علاقة إيران بدول الخليج مما قاد إلى علاقات متوترة معها، أما بالنسبة لاستقلاليتها ولعداءها للدور الأميركى والإسرائيلي فقد كان عامل تقارب على مستوى عربي آخر وهو سوريا والسودان تم فى إطاره التغاضي عن المحور الأيديولوجي الآخر خاصة مع سوريا.
ومن ناحية أخرى ظل تأثير الثورة الإيرانية الإسلامية على المنطقة العربية تأثيرا فكريا وأيديولوجيا ومعنويا بالأساس.
إن انحسار نطاق التأثير داخل محيط الأفكار ارتبط بالقيود التي فرضها النظام الدولي على إيران، ومع مرور الوقت والاتجاه نحو مزيد من البراجماتية بدأ يخف الصراع بين متطلبات المصلحة القومية والمصلحة الأيديولوجية.
لم يتحقق الفتور في العلاقات الإيرانية العربية والعداء في بعض الحالات إلا فى البدايات الأولى للثورة ثم بدأ التغيير بالتدريج مع تغير لهجة خطاب النظام الإيراني وخفوت حدته وتحوله لمزيد من البراجماتية على المستوى الخارجي ولم يعد هذان المحوران يتحكمان في مسار العلاقات مع العرب.
بقبول قرار 598 بدأت مرحلة جديدة في السياسة الخارجية الإيرانية تجاه العرب، فلم تعد الحرب محورا لرسم الأهداف الخارجية الإيرانية. وعملت إيران على تحسين صورتها الخارجية مع اهتمام واضح بالتسلح وعمليات إعادة البناء. وبدأ صوت البراجماتيين يعلو و بدأت تتحسن العلاقات مع العالم العربي.
وفي سياق قضية الحركات الإسلامية التي طالما كانت عائقا أمام وجود علاقات عربية إيرانية سلسة لم تلعب إيران دورا تكوينيا أو تثويريا للحركات الإسلامية في الوطن العربي، لكنها لعبت دورا تحفيزيا ومعنويا إذا ما استثنينا دعمها للجماعات ، بذلك لم يتعد تأييد إيران للحركات الإسلامية في المنطقة نطاق الدعم المعنوي أو تقديم النموذج الرائد اذا ما استثنيا حركتي حماس وحزب الله، وهذا النموذج اهتز بسبب ظروف إيران الداخلية ونجاح معظم الدول التي توجد بها جماعات إسلامية معارضة في تحجيم عملها.
وقد عرف ك.ج. هولستى السياسة الخارجية بأنها أفعال الدولة تجاه البيئة الخارجية والظروف المحيطة بعملية صنع القرارات التى تؤدى لاتخاذ هذه الأفعال من جانب الدولة.
وهنا ننتقل بشكل أكثر تحديدا إلى مستوى السياسات الإقليمية،ونعنى هنا سياسات إيران ذات الصلة بأقاليم ودول أخرى داخل العالم الإسلامى ، مما يفيد معه أن نأخذ فى الاعتبار أن صناع السياسة الخارجية الإيرانية يطبقون فى مناسبات عديدة مبادئ قريبة من تلك المستخدمة فى السياسات الداخلية على سياستها الخارجية تجاه العالم الإسلامى بوصفها تتم داخل نظام فرعىمتجانس، ويمكننا فهم ذلك بالطبع فى ضوء الأيديولوجية الإسلامية للثورة والجمهورية فى إيران.
إيران وأمن الخليج
عقب انتصار ثورة إيران عام 1979 مباشرةً، أعلنت إيران رفضها للعب دور شرطى الخليج الذي كان يلعبه نظام الشاه، ودعت إلى أن يكون أمن الخليج مسؤولية الدول المطلة عليه، ورفضت أية ترتيبات أمنية إقليمية لا تكون إيران طرفاً فيها.
ويتصل الدور الإيرانى فى منطقة الخليج بالتواجد والتأثير الإيرانى هناك فى ضوء النسبة العالية من الشيعة ضمن سكان بعض دول الإقليم خاصة البحرين وموقعهم السياسى والاقتصادى غير المتميز بهذه الدول، كذلك قامت إيران بشكل مستمر بمناورات عسكرية وبحرية فى الخليج كما واجهت إيران اتهامات بدعم واستضافة جماعات معارضة خاصة الجماعات الشيعية من هذه الدول، وانتقاد مؤسسات نظم الحكم التقليدية، وتنظيم مؤتمرات سنوية لرجال الدين المؤيدين لها من دول الإقليم، وقد أثبت ذلك أن أولوية إيران متمثلة فى الحفاظ على الثورة فى الوطن الأم لا تحول دون القيام بدعاية فى الخارج وأحياناً دعم جماعات تمرد تحاول إسقاط حكام دول الإقليم.
وكذلك كان لدى إيران تحفظات على استبعادها من مجلس التعاون الخليجى، ففى عام 1986 أعلن ميرحسين موسوى رئيس الوزراء الإيرانى حينذاك أن المجلس هو "مجلس التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية "، وذهب إلى حد تهديد أعضاء المجلس بإثارة الثورات فى بلادهم، وفى أفضل الظروف لم تعتبر إيران المجلس مسئولاً عن الحفاظ على أمن الخليج، وإنما مجرد ساحة تعاون فيما بين أعضائه، واستمرت دوائر الحكم الإيرانى ترى فى المجلس محاولة لاحتواء كل من إيران و العراق، و الجماعات الإسلامية الراديكالية، وعبر عقد الثمانينات استخدمت إيران أسلوب العصا والجزرة تجاه مجلس التعاون الخليجى، بينما أخذت فى الاعتبار دعم المجلس للعراق خلال حربه مع إيران و فى فترة لاحقة اعتماد دول المجلس على العلاقة مع الولايات المتحدة خاصة على الصعيد العسكرى أثناء و عقب حرب الخليج الثانية 1990 / 1991.
وقد حافظت إيران دائماً على حوار متواصل ، وإن كان متقطعاً ، مع دول الخليج عبر المراحل المختلفة، وعقب انتهاء حرب الخليج الأولى سعت إيران لتقديم ضمانات لدول الخليج بأنها لا تسعى لتصدير ثورتها بالقوة بل عبر إعطاء القدوة والنموذج، وبأن ليس لها أطماع للهيمنة فى الخليج. وقد ركز الهجوم الدبلوماسى الإيرانى لتحسين العلاقات مع دول الخليج منذ عام 1988 على إجراءات بناء الثقة، بما فى ذلك إعادة تأكيد احترامها لسيادة جيرانها ونبعت هذه المواقف ضمن عوامل أخرى من حاجة إيران لبيئة إقليمية مستقرة لحل مشكلاتها المعلقة مع العراق ولتحقيق تنميتها الاقتصادية الوطنية، وكانت هذه التطمينات ضرورية أيضاً عقب هجمات إيران ضد ناقلات نفط سعودية وكويتية عام 1987، مما أدى حينذاك إلى إدانة قوية من مجلس التعاون الخليجى ضد الاعتداء الإيرانى على حرية الملاحة فى الخليج كما أدى إلى دفع الولايات المتحدة لإرسال قوات أمريكية إلى مياه الخليج بطلب من الكويت، وقد أطلقت هذه القوات النار على سفن إيرانية كما أسقطت طائرة ركاب إيرانية فى يوليو 1988.
ومنذ نهاية حرب الخليج الأولى تحسنت علاقات إيران مع عمان وقطر وبدرجة أقل مع المملكة العربية السعودية التى نجح الرئيس رفسنجانى فى إعادة العلاقات معها عام 1994 كعنصر استقرار فى المنطقة مستفيدا من الفرصة التى أتاحها الغزو العراقى للكويت. واستمرت علاقات إيران مع البحرين والإمارات العربية المتحدة تواجه بعض الصعوبات نظراً لاستمرار الاتهامات البحرينية لإيران بأنها تدعم المعارضة الشيعية ضد الأسرة الحاكمة هناك، ولتصاعد النزاع مع الإمارات العربية المتحدة حول الجزر الثلاثة أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى التى سيطر عليها جيش الشاه عام 1971.
ورغم ان إيران قد قامت أحياناً باستخدام جماعات خليجية معارضة خاصة جماعات شيعية، لممارسة ضغوط على حكومات تلك الدول حتى تتعامل بشكل طبيعى مع الحكم الإسلامى فى إيران وتشركه فى أية ترتيبات للأمن والتعاون الإقليمى، فإنها أخطرت فى عدة مناسبات ممثلى عدد من حركات المعارضة المقيمين على أراضيها أنها لن تسمح لهم بالقيام بأية أنشطة ضد حكوماتهم انطلاقاً من إيران إلا على المستوى الإعلامى فقط ، وقد جاءت هذه الإجراءات فى إطار محاولات إيران لتحسين علاقاتها مع هذه الحكومات.
وحول البعد العسكرى للمفهوم الإيرانى لأمن الخليج فإن جهود إيران تتصل لاستعادة قوتها العسكرية بجهودها لتدعيم موقعها المتميز فى الخليج، ولهذا الغرض سعت إيران للحصول على أسلحة متقدمة من مصادر متعددة تضمنت روسيا، الصين، كوريا الديموقراطية وجمهوريات سوفيتية سابقة.
لا شك أن حرب الخليج الثانية مثلت نقطة تحول إيجابية في انفتاح إيران على العالم العربي، فقبلها لم تكن القيادة الإيرانية تأمل في أن تمارس دورا إقليميا مهيمنا، إلا أنه بعد انكسار قوة العراق العسكرية أصبح النظام الإيراني يتمتع بهامش واسع من حرية الحركة في المنطقة.
قامت العراق عقب احتدام أزمة الخليج الثانية بقبول اتفاقية الجزائر لتحييد القوة الإيرانية في الصراع، وذلك بعد حرب استمرت ثماني سنوات، كما استغلت إيران الخلافات العربية– العربية في ظل ما ساد من تداعيات انتهاء حرب الخليج الأولى والخوف الخليجي من القوة العراقية وظهرت عدة عوامل دولية وإقليمية أخرى ساعدت على توطيد العلاقات الإيرانية الخليجية، فقد شهدت المنطقة تطورات هامة في مقدمتها دخول كل من الهند وباكستان السباق النووي فالأولى تمتلك سواحل طويلة على الطريق المؤدي لبحر عمان والخليج والبحر الأحمر والثانية ترتبط ارتباطا مباشرا بإيران عبر حدود برية تتجاوز الخمسمائة كيلومتر، ثم جاء تصاعد الأزمة الأفغانية وسيطرة طالبان وعلاقاتها الطيبة بباكستان، وبالمثل جاء التعاون الإستراتيجي العسكري بين تركيا وإسرائيل وانعكاساته السلبية على الأمن القومي العربي والإيراني على السواء دافعا قويا لتكريس الرغبة الإيرانية في الانفتاح على دول الخليج والمنطقة العربية عامة في وقت تذبذبت فيه عملية السلام ثم توقفت، وتطلعت إيران إلى أن تصبح القوة الرئيسية في منطقة الخليج، فهي تمتلك من المقومات الموضوعية ما يسمح لها بذلك.
تقوم إستراتيجية النظام الإيراني –أيا كان شكله- على تأمين استقرار منطقة الخليج من خلال نظام أمن إقليمي تضطلع فيه إيران بدور قيادى مهيمن طارد لأي وجود قوي من قبل قوة أخرى من المنطقة (ومن باب أولى من خارجها). فمن ثوابت السياسة الخارجية الإيرانية منذ الثورة رفض الوجود الأجنبي في منطقة الخليج ولا يقتصر هذا الرفض على الوجود الأميركي بل لأي وجود من قوى إقليمية كبرى خارج النطاق الجغرافي لمنطقة الخليج. وهي الرؤية الكامنة وراء رفض صيغة 6+2 الخاصة بإعلان دمشق الذي هو وفق الرؤية الإيرانية يدخل دولا أخرى مثل مصر، مما قد يضر بالتوازن الذي لا تريد إيران تهديده، ويجيء العمل على استقرار منطقة الخليج هدفا في حد ذاته من أجل توجيه طاقات المنطقة للتنمية الداخلية وإنهاء أحد المبررات التي يسوقها الطرف الأميركى لوجود قوات أجنبية كبيرة بالخليج.


بالرغم من تذبذب العلاقات الايرانية الخليجية بسبب قضيتي الجزر واضطرابات البحرين، استمرت كل من قطر وعمان في علاقة قوية مع إيران خاصة وأن مضيق هرمز فرض خصوصية التعاون العسكري والأمني بين إيران وعمان. وانضمت لهما بعد ذلك الكويت بدرجة أو بأخرى مع استمرار العلاقات متدهورة مع كل من الإمارات وبدرجة أقل البحرين، ثم جاء الانفتاح الكبير بعد الجفوة كما هو الحال مع السعودية. فثمة رهان خليجي على التوجهات الايرانية المعتدلة لتجاوز المرحلة السابقة وتقديم طرح جديد للإشكاليات المتبادلة بدون تقديم تنازلات حيال القضايا الخلافية مثل قضية الجزر التي يتمسك فيها الطرف الإيراني بأسلوب المفاوضات الثنائية وليس غيرها، أو عملية السلام قبل توقفها والتي ترى إيران أنها لن تقود لسلام عادل يرد الحقوق للفلسطينيين أو غيرهم وترى أن ما حدث في جنوب لبنان قد يكون نموذجا يحتذى به.
ولعل العلاقة الإيجابية التي بدأتها السياسة الخارجية الإيرانية تجاه السعودية صاحبة أكبر نفوذ بين دول الخليج خاصة منذ زيارة رفسنجانى لها عام 1998 تعد ركيزة لانطلاقة إيرانية جديدة تجاه منطقة الخليج، فقد نجح التنسيق الإيراني السعودي في مضمار الأوبك وسياسة إنتاج النفط في تحقيق مكاسب لكلتا الدولتين، حيث كانت العلاقة التعاونية بين الدولتين التي توثقت منذ تولي خاتمي الرئاسة في الحفاظ على الإجماع بين دول الأوبك، وبارتفاع أسعار النفط حققت إيران مكاسب اقتصادية وسياسية فزاد الثقل الجديد لإيران في الأوبك من وزن إيران في المنطقة، ولعل النجاح الإيراني على صعيد الأوبك كان من بين الدوافع الهامة التي دفعت الولايات المتحدة لتخفيف بعض القيود على التجارة مع إيران قبل الحرب على العراق.
وفي ما يخص العراق لا تنتقد إيران بالشدة المطلوبة الحرب الأكريكبة على العراق حيث ان إضعاف العراق أمر لازم للإبقاء على توازنات القوى في المنطقة، ولكنه الإضعاف بدون التقسيم بسبب التركيبة السكانية للإيرانيين والتي تتهدد في حالة إنشاء دولة كردية شمال العراق.
وننتقل الآن إلى تناول الموضوعين المترابطين : مواقف إيران تجاه ترتيبات الأمن الإقليمية فى الخليج ودور الولايات المتحدة فى هذه الترتيبات.
فقد اتهم الدكتور لاريجانى ولاحقاً الدكتور ولاياتى فى ديسمبر 1995 الولايات المتحدة بعدم السعى لحل " المسألة العراقية " لتبرير تواجد قواتها فى الإقليم خاصة فى أعين الدول العربية، وبمحاولة الإضرار بعلاقات إيران بدول الخليج من خلال تصوير وجود تهديد من جانب قوة إقليمية قوية (إيران فى هذه الحالة فى ظل غياب تهديد عراقى)، وبما أن هذه الدول ضعيفة، يكون الاستنتاج هو أنها تحتاج حماية عسكرية من الولايات المتحدة، وقد عددت إيران ثلاثة عناصر تعتبرها تهديدا لأمن الإقليم : التواجد والتدخل الأمريكيين ، السياسات العدوانية العراقية ، وأخيراً غياب الهوية الوطنية والهياكل السياسية الفعالة فى دول الخليج . وأضاف د. لاريجانى أن المنطقة ستكون آمنة عندما يتم الحد من التواجد والتدخل الأجنبيين، وعندما تنتهى الاعتداءات الإقليمية، وعندما تتحرك دول الإقليم تجاه هوية أصيلة. وقد شعرت إيران بالقلق حول إمداد دول الخليج بأسلحة متقدمة معتبرة ذلك تهديداً لأمنها القومى وتدعيما للهيمنة الأمريكية على إقليم الخليج، وقد هاجمت وسائل الإعلام الإيرانية بشكل متواصل تواجد سفن بحرية عسكرية أجنبية فى الخليج، داعية إلى إنهاء التسهيلات الأمنية والعسكرية التى تمنحها دول الإقليم لقوى خارجية دولية، واتهمت الولايات المتحدة بإخافة دول الخليج من إيران لتضعها تحت هيمنتها من خلال مجلس التعاون الخليجى.
وبصفة عامة فقد بقيت القيادة الإيرانية متشككة فى الأهداف الأمريكية فى منطقة الخليج بما فى ذلك الاتفاقيات الأمنية الثنائية بين الولايات المتحدة مع معظم الدول أعضاء مجلس التعاون الخليجى.
وعقب نهاية حرب الخليج الثانية، كانت الأولوية بالنسبة لإيران هى التفاوض من أجل نظام إقليمى جديد مع دول مجلس التعاون الخليجى، وبالتالى تعاطفت إيران مع مفاهيم " الاعتماد على الذات " و " الخليجة " التى رفعها حينذاك مجلس التعاون الخليجى بهدف تقليل اعتماد دول المجلس على الولايات المتحدة والغرب وتعزيز دور إيران الإقليمى وإحداث توازن للقوى بين مختلف أطراف إقليم الخليج، وفى هذا الإطار عملت إيران على إنشاء علاقة مترابطة بين مجلس التعاون الخليجى ومنظمة التعاون الاقتصادى، إلا أنها نفت إمكانية إنشاء ترتيبات أمنية إقليمية فى الخليج فى المستقبل المنظور تكون هى طرفاً فيها نظراً لأنه سيكون مطلوباً منها للانضمام إليها الالتزام بقواعد اللعبة فى " النظام العالمي الجديد" وبسبب العوائق التى تمنع أي تعاون إقليمى بين العرب وإيران. وبالمقابل رأت إيران أن أى ترتيب أمنى فى منطقة الخليج يستبعد أى دولة مطلة عليه لا يمكن أن يكون مكتملاً وإنما سيستفز الدول المتروكة خارجه، وتتناقض هذه الرؤية مع الجهود الأمريكية لإقامة نظام أحادى القطبية للأمن فى المنطقة تكون الولايات المتحدة فيه هى الضامن الوحيد لأمن حلفائها من دول مجلس التعاون الخليجى مقابل الدعم السياسى والمالى واللوجستيكى من هذه الدول للولايات المتحدة، ولهذا الغرض توصلت الولايات المتحدة إلى اتفاقيات حول تخزين السلاح مع دول المجلس كما باعت كميات من السلاح لحلفائها الإقليميين، وقد اتهمت إيران تلك الجهود الأمريكية بأنها تؤدى لتصعيد عسكرى وعدم استقرار فى الإقليم وتوتربين دوله، إلاّ أن دول الخليج قد رفضت حتى الآن فكرة إخراج القوات الأمريكية من المنطقة وتعتبر وجودها ضمانة لتحقيق الأمن الإقليمى.
وننتقل الآن إلى تحليل الموقع الراهن لمختلف الأطراف فى المفهوم الإيرانى لأمن الخليج، فنلحظ أن إيران لا تزال تدرك أن العراق يبقى ، رغم وضعه الراهن ، الند الإقليمى الرئيس فى الإقليم، وان على إيران الاستعداد للتعامل مع عراق يبعث من جديد وتكون مصالحه الاستراتيجية متباينة ،إن لم تكن متناقضة ، مع مصالح إيران، و لا ترغب إيران فى رؤية حكومة مؤيدة للغرب أو حكومة مركزية ضعيفة تؤدى إلى تفكك العراق مما يعطى القدوة لشعوب إيران المتعددة الأعراق، بما فى ذلك سكانها الأكراد، وبينما يرى بعض المحللين أن إيران لم تعارض بشكل جدي دورا أمريكيا لإعطاء وزن سياسى لشيعة العراق وتدعيم أكراده فى إطار عراق مستقر ولا يهدد جيرانه..
وفيما يتعلق بمجلس التعاون الخليجى فلا شك أن الوضع المتميز حالياً للولايات المتحدة فى الخليج بالإضافة إلى تقلص الخطر العراقى قد قللا من دوافع دول المجلس للاعتماد على حماية إيرانية، خاصة أنه ، على الأقل فى الوقت الراهن ، تفضل الدول أعضاء المجلس الضمانات الأمنية الغربية على الحلول الإقليمية لمسائل الأمن، كذلك فإن الشكوك المتبادلة الموجودة والقائمة على أسس تاريخية، عرقية، دينية و سياسية بين إيران ودول المجلس تضيف مصاعبا أخرى.


 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  مشاهد حب صامتة

 ::

  فضاءات صقر

 ::

  في حديقة البنفسج

 ::

  جسد وجمال

 ::

  صرخة الموت

 ::

  عندما نبحث عن الوطن في الجهة اليسرى من القلب

 ::

  خيوط يرسمها الزمن

 ::

  ذاكرة فرح وراء القضبان

 ::

  ظاهرة العنف بين طلاب المدارس الفلسطينية


 ::

  قرغيزستان , طريق المضطهدين في العالم العربي

 ::

  الجبهة الشعبية ،،،الرفاق عائدون

 ::

  إسرائيل في مواجهة الوكالة الدولية للطاقة الذرية

 ::

  كن أقوى من منتقديك وواصل طريقك ..

 ::

  لماذا يكره قادة بعض الدول العربية الاسلام

 ::

  واشنطن وثورات المنطقة

 ::

  بعد العراق بلاك ووتر في الضفة الغربية

 ::

  عقوبة الإعدام .. رؤية إسلامية

 ::

  حملة شبابية تدعو لتعدد الزوجات

 ::

  اقتراح حل السلطة الفلسطينية لماذا الآن؟



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.