Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

محامو الشيطان/الاخيرة
د.إبراهيم عوض   Thursday 09-02 -2006

ويتبقى من الكتاب أربعة فصول هى على التوالى: "مصر بعد خروج الفرنسيين" و"الثقافة السمعية والثقافة البصرية" و"الحملة العسكرية والصدمة الحضارية" و"من الأمس إلى الغد". وفى أول هذه الفصول يعرض الكاتب لما وقع بعد رحيل كلاب الفرنسيس، إذ عادت الأمور إلى ما كانت عليه قبل ذلك تقريبا. وإن الإنسان ليتساءل: لماذا لم يأخذ المصريون زمام المبادرة فى أيديهم ويُوَلّوا واحدا منهم على البلاد بدلا من محمد على، الذى ألان جانبه نحوهم وأبدى حبه لهم وغيرته على مصالحهم وتعاطفه معهم... حتى إذا أمكنته الفرصة بعد توليه حكم مصر انقلب عليهم وأظهر لهم نابه الفتاك. إن هذه مشكلة المشاكل فى كثير من بلاد العروبة والإسلام، إذ ما إن يتحقق جلاء المستعمر عن البلد حتى ينصرف الشعب عن متابعة الجهاد مُتَصَوِّرًا أنه قد أدى ما عليه وأن الحاكم الذى أوصله إلى الكرسى سوف يقوم بالباقى على أحسن ما يرام، مع أنه ثبت ثبوتا قاطعا أن الأمور لا تجرى على هذا النحو أبدا، وأن المستعمر القديم الذى ظنناه قد رحل وانكسح وغار وغارت أيامه لا يزال موجودا وأنه على علاقة متينة من وراء ظهورنا مع الحاكم الجديد الذى هو منا ونحن منه والذى باعنا بثمن بخس لقاء رضا ذلك السيد عنه، وأنه على استعداد لأن يقدمنا نحن والبلد "والكُلّ كَلِيلة" قربانا على مذبح الرضا السامى! ولو ظلت الأمور تجرى على هذا النحو فلا أمل فى أى تقدم وسنظل "مَحَلَّك سِرْ"، بل سوف نتقهقر وتنحدر أحوالنا من سئ إلى أسوأ، وهذا إن كان هناك أسوأ من هذا الذى نحن فيه! لا بد أن نعرف أنه ما من حاكم فى الدنيا يمكن أن يستقيم أمره مع رعيته دون رقابة صارمة ويقظة دائمة، وأن بداية الاستبداد هى ترك الحبل له على الغارب ثقةً مطلقة به أو نفاقًا له وجبنًا منه. ولو أن الأمة فتحت عينيها جيدا لما يجرى وتابعت مصالحها وسهرت عليها لمشى الحاكم على العجين فلم يلخبطه، أما الذى يحدث الآن فهو رعب الشعوب من السلطان وتخليها عن كل شىء ليدبره بمعرفته. والنتيجة هى هذا الذى نعرفه فى بلاد العروبة والإسلام كلها تقريبا: الفساد الشامل، والانهيار الكاسح، والهزائم المتتالية، والذلة المخزية، حتى لقد أضحى المسلمون، دون بقية خلق الله، مضرب المثل فى الهوان والعار، وأصبح كل من يريد أن يخيف أحدا فإنه يضرب أول ما يضرب العرب والمسلمين، وكثيرا ما يكتفى بضربهم وإهانتهم وتقتيلهم وتدمير بيوتهم فوق رؤوسهم ورؤوس الذين خلّفوهم وحطّوا بذرتهم بدلا من ضرب غيرهم، بَلْهَ قتله، لأن لغيرهم ظَهْرًا، أما هم فلا ظهر ولا كرامة ولا مخلوق يبكى عليهم. ولم لا، وهم مَلْطَشَة العالم وخِرْقته التى يمسح فيها حذاءه القذر؟ يا مسلمى العالم، يا من تَبْدُون وكأنكم مخلوقون من طينة مخالفة للطين الذى جُبِل منه سائر الناس فلا كرامة ولا تمرد على الذل الذى أنتم فيه إلى أذقانكم بل إلى شوشة رؤوسكم متورطون، لو كان حكامكم على سبيل الافتراض ملائكة من الملائكة وتركتموهم يُصَرِّفون أموركم دون أن يأخذوا رأيكم وعرفوا أنكم لا تهتمون بتلك الأمور لاستحالوا بين عشية وضحاها مردةً شياطين، فما بالكم وهم من الأصل شياطين مثلكم؟ هل تظنون أنهم يستطيعون أن يكونوا فى ظل هذه الظروف المفسدة حكاما صالحين؟
وفى الفصل المسمَّى: "الثقافة السمعية والثقافة البصرية" نرى المؤلف يعزو كل مصائبنا إلى أن الثقافة العربية والإسلامية كلها طوال تاريخها هى ثقافة سمعية متخلفة تدابر العقل وتقوم على الترديد دون فهم ولا علم ولا محاولة للتحليل والنقد، اللهم إلا الكتابات الفلسفية المأخوذة عن الإغريق، وكأن المجتمع الشفاهى ذا الثقافة السماعية المخاصمة للعقل ونزعة النقد والتحليل يمكن أن يتأثر بإغريق أو إبريق! وأساس ذلك عنده هو أن العرب الأوائل كانوا بَدْوًا لا يقرأون ولا يكتبون، ولهذا كان كل اعتمادهم على الأذن لا التفكير. وهو كلام أقل ما يوصف به أنه كلام فارغ. فأولا ليس معنى الأمية أن الشخص لا يفكر فيما يسمعه ويردده دون فهم. لو أنه قال إن الأمية لا تساعد على التقدم العلمى لقلنا له: نعم. أما أن يقول إنها تلغى أى تفكير نقدى، فكلا وألف كلا. إن الأمى يفكر بعقله كما يفكر الكتابى، وكل ما هنالك أن كليهما يفكر داخل الإطار الثقافى المتاح له. وهذا لو كان العرب كلهم أميين بحيث يصح وصفهم، كما فعل المفكر الكونى الذى يقيم من نفسه مثالا أعلى ينسج على منواله الآخرون، بأنهم شفاهيو الثقافة، فما بالنا لو عرفنا أنهم لم يكونوا جميعهم أميين، ومن ثم لم يكن المجتمع العربى مجتمعا شفاهيا كما هو معنى "الشفاهية" فى الاصطلاح العلمى؟ كذلك فأهم عناصر الثقافة العربية هو القرآن الكريم والحديث النبوى الشريف، أتراهما أيضا يحضّان على الترديد باللسان دون فهم ولا مراجعة؟ إن هذا لكلام خطير، ولا أظن الكاتب غير مدرك أبعاد ما يقول، وبخاصة أنه لم يزجر، كما رأينا، المسؤول الفرنسى الوقح عندما تكلم عن الأثر التدميرى للثقافة العربية الإسلامية على كل من يتعرض لإشعاعها، بل سايره فى هذه الدعوى الجاهلة الخبيثة مستثنيا نفسه من تأثيرها المدمر بصفته رجلا كونيا أكبر من أن تمسّه عدوى تلك الثقافة المهلكة!
ومع هذا فلسوف نَضْرِب عن ذلك كله صَفْحًا ونفترض أنهم كانوا شفاهيّى الثقافة فعلا كما يريد لنا المؤلف الكونى أن نعتقد، فتَعَالَوْا نَرَ كيف كانوا يتصرفون فى المواقف المعرفية المختلفة: لنأخذْ مثلا ردَّ فعلهم حين أتاهم الرسول عليه السلام بالقرآن. فهل يا ترى ما إن سمعوا آياته حتى خَرّوا سُجَّدًا دون فهم ولا تفكير؟ أبدا، بل هبّوا فى وجهه صلى الله عليه وسلم وعاندوا وسخروا ورفضوا أن يؤمنوا بما جاءهم به دون أخذ وردّ وخصومات لم يجدوا بعدها مندوحة عن ترك المراوغة والانقياد للحقيقة التى غلبت حينئذ كل مراءٍ لديهم وفتحت بصائرهم وأبصارهم لنور الهدى واليقين، وإنْ شَذَّتْ طائفة منهم حكَّم أفرادها العقل منذ البداية وفتحوا قلوبهم للنور والهواء ولم يقيموا اعتبارا للعصبية أو المعاندة، وكان عددهم يزداد ببطء ملحوظ إلى أن تمت الهجرة كما نعرف جميعا. وعندما تحول المجتمع العربى إلى مجتمع مسلم، وبدأت عملية تفسير القرآن، هل أخذ الجميع يرددون نفس الكلام فى شرح آياته الكريمة؟ مرة أخرى أبدا، بل كان لكل مفسر رؤيته وطريقته كما نعرف جميعا. وفى مجال علم الكلام هل ردد العرب والمسلمون نفس الآراء والمقولات؟ أبدا، بل كانت هناك فرق وجماعات مختلفة من سنة وشيعة ومتصوفة ومعتزلة ومرجئة ومشبهة ومجسدة وإباضية، فضلا عن أن كل فرقة من هذه الفرق قد انقسمت بدورها إلى فُرَيْقات كما نعرف جميعا. وفى مجال علم الحديث هل كان العرب والمسلمون، إذا سمعوا حديثا ينسبه راويه إلى النبى عليه السلام، يتقبلونه فى الحال دون نقاش ولا مراجعة ولا تحليل ولا تمحيص؟ أبدا، بل كانوا يدرسونه ويدرسون أحوال رواته بعدما وضعوا فى ذلك القواعد التى ينبغى مراعاتها لمعرفة مدى صحة الحديث من عدمه ودرجته من الصحة أو الضعف كما نعرف جميعا. وفى العلوم الطبيعية هل رددوا ما وصلهم عن الأمم القديمة؟ أبدا، بل درسوا وجربوا واكتشفوا قوانين جديدة وطوروا الآلات القديمة وأضافوا إليها آلات أخرى، وانتهى بهم الأمر إلى أن أَرْسَوْا أسس المنهج التجريبى فى تلك العلوم، وهو المنهج الذى ورثته أوربا عنهم وانتفعت به فى نهضتها الحديثة وانتقلت به من حال إلى حال حتى أصبحت ما هى عليه الآن كما نعرف جميعا. وإن من يقرأ ما كتبوه فى هذا الموضوع ليبهر من مدى الدقة العقلية والفلسفية التى بلغوها. من الواضح أن الكاتب الكونىّ لا يعرف شيئا فى هذه المسألة التى يخبط الكلامَ فيها كما يتفق دون تبصر ولا تدبر. وكما يقول المثل العربى: "رمتنى بدائها وانسلت"!
ولنفترض رغم ذلك كله أن العرب الأوائل كانوا فعلا كما يهرف كاتبنا الكونى بما لا يعرف، أَوَقَدْ ظلوا طَوَال تاريخهم هكذا رغم تغير ظروفهم بعد الإسلام وانتشار الكتابة والقراءة بينهم حتى لقد استقر فى الوجدان أنه لم يكن يوجد بينهم أمى واحد أيام نهضتهم التى لم تكن هناك فى أى مكان فى العالم نهضة تضاهيها؟ إن هذا معناه أن الرسول والقرآن قد فشلا فشلا ذريعا فى تربية العرب ولم يستطيعا أن يغيرا فيهم شيئا، فقد جاء فى القرآن مثلا: "وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ" (البقرة/ 165- 167)، "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وََلا يَهْتَدُونَ* وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ" (البقرة/ 170- 171)، "وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به. ولو رَدُّوه إلى الرسول وإلى أُولِى الأمر منهم لَعَلِمه الذين يستنبطونه منهم" (النساء/ 83)، "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا" (المائدة/ 141)، "إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم. لا تحسبوه شرًّا لكم، بل هو خيرٌ لكم...* لولا إذ سمعتموه ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا: هذا إفكٌ مبين* ...* ...* إذ تَلَقَّوْنه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم..." (النور/ 11- 15)، "يا أيها الذين آمنوا، إن جاءكم فاسق بنبإٍ فتبيَّنوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" (الحجرات/ 6)، وهو ما يفيد وجوب التثبت مما نسمعه قبل أن نقدم على أى تصرف.
كذلك شدد القرآن النكير فى مواضع مختلفة منه على من يعمل شيئا أو يتركه لا بناءً على اقتناع شخصى منه، بل لأن الآباء والأجداد أو العشيرة تفعله أو تتركه، ونهى الرسول أن يكون المسلم إِمَّعة يقول: أنا مع الناس: إن أحسنوا أحسنت، وإن أساءوا أسأت. وفى القرآن آيات وأحاديث كثيرة تدعو إلى استخدام العقل والتفكر فى خلق الله وتفضِّل العالِم على غيره تفضيلا شديدا. ولنفترض أن العرب كانوا فى الجاهلية ثم ظلوا فى الإسلام سمّاعين لا مفكرين ولا ناقدين، أَوَكانت الأمم الأخرى التى دخلت فى الإسلام هى أيضا ولا تزال حتى الآن سماعية لا تفكيرية؟ إن هذا غير ممكن، لكن الكاتب لا يبالى بحق أو باطل، أو ممكن وغير ممكن، فهو متعصب تعصبا مؤذيا ضد العرب والمسلمين: مؤذيا له هو نفسه وللضمير العلمى ولكل مفكر حر كريم. فأما أنه مؤذٍ له فلأنه يعرّضه للقيل والقال ويدفع العلماء الحقيقيين إلى النيل منه والسَّخَر به والتهكم عليه وعدم الاطمئنان لما يقول، إذ يرونه يزعم براحته دون أدنى علم أو دليل، وبغير أن يختلج منه ضمير أو ترمش له عين، أن الثقافة العربية الإسلامية كانت كلها على مدى أربعة عشر قرنا ثقافة سماعية ليس فيها فكر ولا نقد ولا تحليل ولا علم. وأما أنه مؤذٍ للضمير العلمى فلأن ما يقوله يسير عكس ما يقضى به العقل وما يقوله تاريخ البشر الثقافى. وأما أنه مؤذٍ لكل مفكر حر كريم فلأن أحرار الفكر وكرماءه لا يطيقون أن يردد أحد أمامهم مثل هذا الجهل المركب بل المعقد! لقد كانت أوربا التى تبهر عين كاتبنا الكونى وعقله وقلبه تجلس من العرب والمسلمين مجلس التلميذ البليد! وكانت آنذاك ذات ثقافة سماعية حقيقية، إذ كانت الكنيسة تقول الشىء فلا يستطيع أحد بل لا يفكر مجرد تفكيرٍ أن يقول شيئا آخر، وهذا معلوم لكل إنسان ولا يمكن المماراة فيه.
ولقد تغيرت منذ ذلك الأوان أمور وأمور وجرت مياه كثيرة فى النهر، وانقلب الحال غير الحال، وذلك كله أمر طبيعى، بيد أن الأمور قد طالت أكثر مما ينبغى وأصبح حال العرب والمسلمين فى منتهى السوء والقبح والخزى بحيث إننى أشبههم فى وضعهم المزرى ذاك باليهود فى العصور التى كان الاضطهاد ينصبّ عليهم من كل جانب، مع فارق مهم وخطير، هو أن اليهود كانوا أقلية حقيرة ضئيلة، أما العرب والمسلمون فإنهم يُعَدُّون بمئات الملايين، كما أن بأيديهم من النعم والثروات والإمكانات ما يتمنى كثير غيرهم من البشر أن تطوف هذه النعم والثروات والإمكانات مجرد طوفان بخيالهم فى المنام. وهو ما يقضى على كل عذر يمكنهم أن يتحججوا به! أليس مضحكا أن يجرؤ مثل الأستاذ عشماوى علينا بهذا التهور العقلى دون أن يقيم حسابًا لأى شىء أو لأى شخص، وكل ما يهمه أن يحظى برضا الغربيين باعتبارهم سادة العالم؟ بلى والله إنه لمضحك ومخزٍ معا. وهذا من مظاهر الثقافة السمعية التى من الواضح أنها لا تتعلق بكتابية أو شفاهية، يل بطبيعة المجتمع النفسية والمرحلة الثقافية التى هو فيها. وكاتبنا الكونى يردد دون تمحيص ما يقوله المستشرقون والمسؤولون الغربيون عنا وعن طريقتنا فى التفكير، يردده لمجرد أنه سمعه من هؤلاء الغربيين، فهم عنده قوم لا يخطئون، أو فلنقل إنهم سادة العالم، ولا بد إذن من إرضائهم، وليس على الكاتب من ذنب إن هو التقط ما يقولونه وأشاعه بعَبَله دون تفكير أو تثبّت! ثم إن أمريكا مثلا فى حربها فى العراق قد تخلصت من كل صحفى ومراسل مِرْنائىّ أو إذاعىّ حر ينقل الحقيقة التى على الأرض دون تزييف، ولم تُبْقِ إلا من يأتمر بأمرها ويردد ما تريد أن تشيعه فى العالم حتى لا يطلع أحد على الوحشية الإجرامية التى تصبها على رؤوس أهلينا فى ذلك البلد الكريم وحتى لا يعرف أحد مدى الوكسة التى تورطت فيها إلى أنفها هناك على أيدى المقاومة الوطنية الدينية حتى لقد أصاب جنودَها الأوساخَ الكآبةُ وانتحر وما زال ينتحر كثير منهم. كما أنها تخفى عدد قتلاها وجرحاها الحقيقى وتقلله إلى العُشْر عل الأقل! أليست هذه هى الثقافة السمعية فى أوسخ صورها رغم كل التقدم العلمى والتقنى الذى تتمتع به أمريكا؟
وبذلك نبلغ الفصل الأخير الخاص بالصدمة الحضارية التى أحدثتها الحملة الفرنسية فى مصر والمصريين. ولا ريب أن مصر والعالم العربى والإسلامى كانا فى حالة يُرْثَى لها من التخلف والضعف والجهل والمرض... إلخ. وقد نبهتْ هذه الحملةُ الأذهانَ والقلوبَ إلى أنه لا بد من اليقظة وتدارك ما فاتنا طوال القرون المنصرمة التى كانت أوربا قد قطعت أثناءها أشواطًا طِوَالاً بعدما استفادت مما كان عند العرب والمسلمين من علم وتقدم وآلات واختراعات وطَوَّرَتْه وأضافت إليه حتى أضحت الفجوة بينها وبين العرب والمسلمين واسعة وعميقة. ولكننا للأسف لم نزل حتى اليوم متخلفين عن الغرب تخلفا كبيرا، إذ لم نبذل الجهد الكافى الذى يمكِّننا من ردم الهوة التى تفصل بيننا وبينه، علاوة على أن الغرب لم يتركنا يوما فى حالنا، بل كان يخطط دائما ضدنا ويتآمر علينا ويجهض ما نكون قد أنجزناه على قلته رغم ذلك وعدم كفايته. وفوق هذا فإننا لم نهتم بمراقبة حكامنا ولم نحاول أن نعرف ماذا كانوا يدبِّرون من وراء ظهورنا مع حكومات ذلك الغرب. أى أن الطامة كانت مضاعفة، ومن هنا استحققنا عن جدارة ما نحن فيه الآن من تخلف وحيرة ورعب وخزى وهزيمة وحاجة مستمرة إلى الغرب، إلى جانب عودة الاحتلال الغربى المباشر دون حياء ولا خجل بعد أن كنا توهمنا، بناء على ما كان يقوله لنا حكامنا المخدوعون (أو المخادعون! لا فرق)من أن عصره ولَّى إلى غير رجعة! والأمر الآن فى أيدينا: إن شئنا بذلنا الجهود المطلوبة وتحملنا المتاعب والآلام والدموع والتضحيات الجسام التى يتطلبها اللحاق بالغرب ومساواته على الأقل حتى لا نظل تحت رحمته، أو بالأَحْرَى: تحت إجرامه وفحشه وقلة أدبه وتخطيطه لإفنائنا أو على الأقل: للقضاء على ديننا وثقافتنا وتحويلنا إلى بهائم لخدمته، بهائم يركبها ويَسُوطها وينخسها بحذائه، ثم فى نهاية المطاف لا نسمع كلمة شكر، بل نرى السكين فى أيديهم، وقبل أن نعرف ماذا ينوون أن يصنعوا بها تكون رقابنا قد طارت وأصبحنا لحما شهيا فى بطونهم! وإن شئنا بَقِينا فى هذا الوضع الذى لا يتطلب منا شيئا سوى أن نظل على بلادتنا ومهانتنا وانعدام شعورنا بكرامتنا وامِّحَاء غيرتنا على ديننا وأوطاننا ونسائنا وتفريطنا فى حاضرنا ومستقبلنا... إلى أن نلقى الله يوم القيامة، وقد اسودَّت منا الوجوه بسبب اللعنة الشاملة التى حاقت بنا فى الدنيا ولحقتنا وجلَّلنا عارها فى الدار الآخرة فيتبرأ منا نبينا الكريم الذى لا يصح انتسابنا له ونحن على هذه الحال من الخزى والهوان، ولا يلتفت إلينا ربنا الذى نسينا قرآنه وسنة نبيه وما يدعوان إليه من عزة وكرامة ومجد وانتصار وتحضر وقوة واحترام، فنُحْشَر مع المجرمين من أهل الجحيم غير مأسوف علينا، وبئس المصير!
وبعد، فإن كاتبنا الكونى لم يترك مثلبة ولا شُنْعَة إلا ألصقها بالمصريين، على حين لم يدع من المحاسن وألوان الثناء شيئا إلا أضافه للفرنسيين، وكأن المصريين هم الذين غَزَوْا فرنسا واعْتَدَوْا على حرية الفرنسيين وقتلوهم وفجروا بنسائهم وهدموا بيوتهم ودور عبادتهم ورَمَوْهم بالقنابل وسرقوا منهم أموالهم وجردوهم من ممتلكاتهم وتركوهم يشحذون. وقد تغافل عامدا متعمدا عن كل ما كتبه الجبرتى (الذى ارتضاه شاهدا) عن المظالم والمفاظع التى ارتكبها أوغاد الفرنسيس فى حق آبائنا وأمهاتنا فى مصرنا الحبيبة. ومن ثم كان لا بد أن نعطى القارئ فكرة سريعة عن وساخات الفرنسيين التى فعلوها فى بلادنا من خلال اقتطاف بعض النصوص القليلة مما كتبه ذلك المؤرخ عن الحملة الفرنسية فى كتابه: "عجائب الآثار فى التراجم والأخبار"، أنقلها كيفما اتفق:
"عام 1213 هـ: مات الوجيه الاجل الامثل السيد محمد كريم وخبره انه كان في اول امره قبانيًا يزن البضائع في حانوت بالثغر وعنده خفة في الحركة وتودد في المعاشرة فلم يزل يتقرب الى الناس بحسن التودد ويستجلب خواطر حواشي الدولة وغيرهم‏:‏ من تجار المسلمين والنصارى ومن له وجاهة وشهرة في ابناء جنسه حتى احبه واشتهر ذكره في ثغر الاسكندرية ورشيد ومصر واتصل بصالح بك حتى كان وكيلًا بدار السعادة وله الكلمة النافذة في ثغر رشيد وتملكها وضواحيها واسترق اهلها وقلد امرها لعثمان خجا فاتحد به وبمخدومه السيد محمد المذكور واتصل بمراد بك بعد صالح اغا فتقرب اليه ووافق منه الغرض ورفع شانه على اقرانه وقلده امر الديوان والجمارك بالثغر ونفذت كلمته واحكامه وتصدر لغالب الامور وزاد في المكوسات والجمارك ومصادرات التجار خصوصًا من الافرنج ووقع بينه وبين السيد شهبة الحادثة التي اوجبت له الاختفاء بالصهريج وموته فيه فلما حضر الفرنسيس ونزلوا الاسكندرية قبضوا على السيد محمد المذكور وطالبوه بالمال وضيقوا عليه وحبسوه في مركب ولما حضروا الى مصر وطلعوا الى قصر مراد بك وفيها مطالعته باخبارهم وبالحث والاجتهاد على حربهم وتهوين امرهم وتنقيصهم فاشتد غيظهم عليه فارسلوا واحضروه الى مصر وحبسوه فتشفع فيه ارباب الديوان عدة مرار فلم يمكن الى ان كانت ليلة الخميس‏.‏ فحضر اليه مجلون وقال له‏:‏ المطلوب منك كذا وكذا من المال وذكر له قدرًا يعجز عنه واجله اثنتي عشرة ساعة وان لم يحضر ذلك القدر والا يقتل بعد مضيها فلما اصبح ارسل الى المشايخ والى السيد احمد المحروقي فحضر اليه بعضهم فترجاهم وتداخل عليهم واستغاث وصار يقول لهم اشتروني يا مسلمون وليس بيدهم ما يفتدونه به وكل انسان مشغول بنفسه ومتوقع لشيء يصيبه وذلك في مبادئ امرهم فلما كان قريب الظهر وقد انقضى الاجل اركبوه حمارًا واحتاط به عدة من العسكر وبايديهم السيوف المسلولة ويقدمهم طبل يضربون عليه وشقوا به الصليبة الى ان ذهبوا الى الرميلة وكتفوه وربطوه مشبوحًا وضربوا عليه بالبنادق كعادتهم فيمن يقتلونه ثم قطعوا راسه ورفعوها على نبوت وطافوا بها بجهات الرميلة والمنادي يقول‏:‏ هذا جزاء من يخالف الفرنسيس ثم ان اتباعه اخذوا راسه ودفنوها مع جثته‏.‏ وانقضى امره وذلك يوم الخميس خامس عشر ربيع الاول‏.‏
شهر المحرم 1214هــ: حضرت مكاتبة من كبير الفرنساوية أنه وصل إلى الصالحية وأرسل دوجا الوكيل ونبه على الناس بالخروج لملاقاته بموجب ورقة حضرت من عنده يأمر بذلك‏.‏ فلما كان ليلة الجمعة عاشره أرسلوا إلى المشايخ والوجاقات وغيرهم فاجتمعوا بالأزبكية وقت الفجر بالمشاعل ودقت الطبول وحضر الحكام والقلات بمواكب وطبول وزمور ونوبات تركية وطبول شامية وملازمون وجاويشية وغير ذلك وحضر الوكيل وقائمقام وأكابر عساكرهم وركبوا جميعًا بالترتيب من الأزبكية إلى أن خرجوا إلى العادلية فقابلوا ساري عسكر بونابارته هناك وسلموا عليه ودخل معهم إلى مصر من باب النصر بموكب هائل بعساكرهم وطبولهم وزمورهم وخيولهم وعرباتهم ونسائهم وأطفالهم في نحو خمس ساعات من النهار إلى أن وصل إلى داره بالأزبكية وانفض الجمع وضربوا عدة مدافع عند دخولهم المدينة وقد تغيرت ألوان العسكر القادمين واصفرت ألوانهم وقاسوا مشقة عظيمة من الحر والتعب وأقاموا على حصار عكا أربعة وستين يومًا حربًا مستقيمًا ليلاً ونهارًا وأبلى أحمد باشا وعسكره بلاء حسنًا وشهد له الخصم‏.‏
وفيه قبضوا على إسمعيل القلق الخربطلي وهو المتولي كتخدا العزب وكان ساكنًا بخط الجمالية وأخذوا سلاحه وأصعدوه إلى القلعة وحبسوه والسبب في ذلك أنه عمل في تلك الليلة وليمة ودعا أحبابه وأصدقاءه وأحضر لهم آلات اللهو والطرب وبات سهرانًا بطول الليل فلما كان آخر الليل غلب عليهم السهر والسكر فناموا إلى ضحوة النهار وتأخر عن الملاقاة فلما أفاق ركب ولاقاهم عند باب النصر فنقموا عليه بذلك وفعلوا معه ما ذكر ولما وصل ساري عسكر الفرنساوية إلى داره بالأزبكية تجمع هناك أرباب الملاهي والبهالوين وطوائف الملاعبين والحواة والقرادين والنساء الراقصات والخلابيض ونصبوا أراجيح مثل أيام الأعياد والمواسم واستمروا على ذلك ثلاثة أيام وفي كل يوم من تلك الأيام يعملون شنكًا وحراقات ومدافع وسواريخ ثم انفض الجمع بعد ما أعطاهم ساري عسكر دراهم وبقاشيش‏.‏
وفيه طلبوا من طوائف النصارى (بوصفهم الملتزمين بجمع الضرائب التى كان يفرضها الفرنسيون على أجدادنا بالقوة الغشوم والسرقة "عينى عينك" وتنفيذ سياستهم فى نهب أموال البلد بعد أن يستولوا لأنفسهم على جانب منها على سبيل السرقة. انظر د. ليلى عنان/ 2/ 131 من كلام كليبر نفسه) دراهم سلفة مقدار مائة وعشرين ألف ريال‏.‏ وفي خامس عشره أرسلوا إلى زوجات حسن بك الجداوي وختموا على دورهن ومتاعهن وطالبوهن بالمال وذلك لسبب أن حسن بك التف على مراد بك وصار يقاتل الفرنسيس معه‏.‏ وقد كانت الفرنسيس كاتبت حسن بك وأمنته وأقرته على ما بيده من البلاد وأن لا يخالف ويقاتل مع الأخصام فلم يقبل منهم ذلك فلما وقع لنسائه ذلك ذهبن إلى الشيخ محمد المهدي ووقعن عليه فصالح عليهن بمبلغ ثلاثة آلاف فرانسة‏.‏
وفي تاسع عشره هلك مخاييل كحيل النصراني الشامي (الذى كان يقوم هو وأمثاله بجمع المال للفرنسيس من المصريين ظلما وعدوانا وسحتا وحراما ونارا فى جوفه وأجواف أسياده الخنازير) وهو من رجال الديوان الخصوصي فجأة وذلك لقهره وغمه وسبب ذلك أنهم قرروا عليه في السلفة ستة آلاف ريال فرانسة وأخذ في تحصيلها ثم بلغه أن أحمد باشا الجزار قبض على شريكه بالشام واستصفى ما وجده عنده من أموال.
وفي ثاني عشرينه أرسل ساري عسكر جماعة من العسكر وقبضوا على ملا زاده ابن قاضي العسكر ونهبوا بعضًا من ثيابه وكتبه وطلعوا به إلى القلعة فانزعج عليه عياله وحريمه ووالدته انزعاجًا شديدًا وفي صبحها اجتمع أرباب الديوان بالديوان وحضر إليهم ورقة من كبير الفرنسيس قرئت عليهم مضمونها أن ساري عسكر قبض على ابن القاضي وعزله وأنه وجه إليكم أن تقترعوا وتختاروا شيخًا من العلماء يكون من أهل مصر ومولودًا بها يتولى القضاء ويقضي بالأحكام الشرعية كما كانت الملوك المصرية يولون القضاء برأي العلماء للعلماء فلما سمعوا ذلك أجاب الحاضرون بقولهم‏:‏ إننا جميعًا نتشفع ونترجى عنده في العفو عن ابن القاضي فإنه إنسان غريب ومن أولاد الناس الصدور وإن كان والده وافق كتخدا الباشا في فعله فولده مقيم تحت أمانكم والمرجو انطلاقه وعوده إلى مكانه فإن والدته وجدته وعياله في وجد وحزن عظيم عليه وساري عسكر من أهل الشفقة والرحمة وتكلم الشيخ السادات بنحو ذلك وزاد في القول بأن قال‏:‏ وأيضًا إنكم تقولوا دائمًا إن الفرنساوية أحباب العثمانية وهذا ابن القاضي من طرف العثملي فهذا الفعل مما يسيء الظن بالفرنساوية ويكذب قولهم وخصوصًا عند العامة فأجاب الوكيل بعدما ترجم له الترجمان بقوله لا بأس بالشفاعة ولكن بعد تنفيذ أمر ساري عسكر في اختيار قاض خلافه وألا تكونوا مخالفين ويلحقكم الضرر بالمخالفة فامتثلوا وعملوا القرعة فطلعت الأكثرية باسم الشيخ أحمد العريشي الحنفي ثم كتبوا عرضحال بصورة المجلس والشفاعة وكتب عليه الحاضرون وذهب به الوكيل إلى ساري عسكر وعرفه بما حصل وبما تكلم به الشيخ السادات فتغير خاطره عليه وأمر بإحضاره آخر النهار فلما حضر لامه وعاتبه فتكلم بينهما الشيخ محمد المهدي ووكيل الديوان الفرنساوي بالديوان حتى سكن غيظه وأمره بالانصراف إلى منزله بعد أن عوقه حصة من الليل فلما أصبح يوم الجمعة عملوا جمعية في منزل دوجا قائمقام وركبوا صحبته إلى بيت ساري عسكر ومعهم الشيخ أحمد العريشي فألبسه فروة مثمنة وركبوا جميعًا إلى المحكمة الكبيرة بين القصرين ووعدهم بالإفراج عن ابن القاضي بعد أربع وعشرين ساعة وقد كانت عياله انتقلوا من خوفهم إلى دار السيد أحمد المحروقي وجلسوا عنده ولما كان في ثاني يوم أفرجوا عنه ونزل إلى عياله وصحبته أرباب الديوان والآغا ومشوا معه في وسط المدينة ليراه الناس ويبطل القيل والقال‏.‏ وفي تلك الليلة قتلوا شخصين‏:‏ أحدهما علي جاويش رئيس الريالة الذي كان بالاسكندرية عند حضور الفرنسيس والثاني قبطان آخره فلم يزالا بمصر يحبسونهما أيامًا ثم يطلقونهما فحبسوهما آخرًا فلم يطلقوهما حتى قتلوهما‏.‏
وفي صبيحة ذلك اليوم قتلوا شخصين أيضًا من الأتراك بالرميلة‏.‏ وفي تاسع عشرينه قبضوا على ثلاثة أنفار أحدهم يسمى حسن كاشف من أتباع أيوب بك الكبير وآخر يسمى أبو كلس والثالث رجل تاجر من تجار خان الخليلي يسمى حسين مملوك الدالي ابراهيم فسجنوهم بالقلعة فتشفع الشيخ السادات في حسين التاجر المذكور فأطلقوه على خمسة آلاف فرانسة‏.‏ وفي خامسه قتلوا عبد الله آغا أمير يافا وكان أخذ أسيرًا وحبس ثم قتل‏.‏ وفيه قتل أيضًا يوسف جربجي أبو كلس ورفيقه حسن كاشف‏.‏ وفي سادسه عمل الشيخ محمد المهدي وليمة عرس لزواج أحد أولاده ودعا ساري عسكر وأعيان الفرنساوية فتعشوا عنده وذهبوا‏.‏
وفيه أحضروا أربعة عشر مملوكًا أسرى وأصعدوهم إلى القلعة قيل إنهم كانوا لاحقين بمراد بك بالبحيرة فآووا إلى قبة يستظلون بها وتركوا خيولهم مع السواس فنزل عليهم طائفة من العرب فأخذوا الخيول فمروا مشاة فدل الفلاحون عليهم عسكر الفرنسيس فمسكوهم وقيل إهم آووا إلى بلده وطلبوا منهم غرامة فصالحوهم فلم يرضوا بذلك بدون ما طلبوا فوعدوهم بالدفع من الغد وكانوا أكثر من ذلك وفيهم كاشف من جماعة عثمان بك الطنبرجي فذهب الفلاحون إلى الفرنسيس وأعلموهم بمكانهم فحضروا إليهم ليلاً وفر من فر منهم وقتل من قتل وأسر الباقي وأما الكاشف فيسمى عثمان التجأ إلى كبير الفرنسيس فحماه وأخذه عنده وأحضروا الأسرى إلى مصر وعليهم ثياب زرق وزعابيط وعلى رؤوسهم عراقي من لباد وغيره وأصعدوهم إلى القلعة وقتلوا منهم في ثاني ليلة أشخاصًا‏.‏ وفي تاسعه أحضروا أيضًا ستة أشخاص من المماليك وأصعدوهم إلى القلعة وفي ذلك اليوم قتلوا أيضًا نحو العشرة من الأسرى المحابيس‏.‏
وفي يوم الثلاثاء حادي عشره عمل المولد النبوي بالأزبكية ودعا الشيخ خليل البكري ساري عسكر الكبير مع جماعة من أعيانهم وتعشوا عنده وضربوا ببركة الأزبكية مدافع وعملوا حراقة وسواريخ ونادوا في ذلك اليوم بالزينة وفتح الأسواق والدكاكين ليلاً وإسراج قناديل واصطناع مهرجان وورد الخبر بأن الفرنسيس أحضروا عثمان خجا ونقلوه من الاسكندرية إلى رشيد فدخلوا به البلد وهو مكشوف الرأس حافي القدمين وطافوا به البلد يزفونه بطبولهم حتى وصلوا به إلى داره فقطعوا رأسه تحتها ثم رفعوا رأسه وعلقوها من شباك داره ليراها من يمر بالسوق‏.‏
وفي يوم الاثنين رابع عشرينه الموافق التاسع مسرى القبطي كان وفاء النيل المبارك فنودي بوفائه على العادة وخرج النصارى من القبطة والشوام والأروام وتأهبوا للخلاعة والقصف والتفرج واللهو والطرب وذهبوا تلك الليلة إلى بولاق ومصر العتيقة والروضة واكتروا المراكب ونزلوا فيها وصحبتهم الآلات والمغاني وخرجوا في تلك الليلة عن طورهم ورفضوا الحشمة وسلكوا مسلك الأمراء سابقًا من النزول في المراكب الكثيرة المقاذيف وصحبتهم نساؤهم وقحابهم وشرابهم وتجاهروا بكل قبيح من الضحك والسخرية والكفريات ومحاكاة المسلمين وبعضهم تزيا بزي أمراء مصر وليس سلاحًا وتشبه بهم وحاكى ألفاظهم على سبيل الاستهزاء والسخرية وغير ذلك وأجرى الفرنساوية المراكب المزينة وعليها البيارق وفيها أنواع الطبول والمزامير في البحر ووقع في تلك الليلة بالبحر وسواحله من الفواحش والتجاهر بالمعاصي والفسوق ما لا يكيف ولا يوصف وسلك بعض غوغاء العامة وأسافل العالم ورعاعهم مسالك تسفل الخلاعة ورذالة الرقاعة بدون أن ينكر أحد على أحد من الحكام أو غيرهم بل كل إنسان يفعل ما تشتهيه نفسه وما يخطر بباله وإن لم يكن من أمثاله‏.‏
وأكثر الفرنسيس في تلك الليلة وصباحها من رمي المدافع والسواريخ من المراكب والسواحل وباتوا يضربون أنواع الطبول والمزامير وفي الصباح ركب دوجا قائمقام وصحبته أكابر الفرنسيس وأكابر أهل مصر وحضروا إلى قصر السد وجلسوا به واصطفت العساكر ببر الروضة وبر مصر القديمة بأسلحتهم وطبولهم وبعضهم في المراكب لضرب المدافع المتتالية إلى أن انكسر السد وجرى الماء في الخليج فانصرف‏.‏ وفي خامس عشرينه طلبوا من كل طاحون من الطواحين فرسًا‏.‏ وفي سادس عشرينه ... ألصقوا أوراقًا أيضًا مضمونها بأن من كان عليه مال ميري ملزوم بغلاقه ومن لم يغلق ما عليه بعد مضي عشرين يومًا عوقب بما يليق به ونادوا بموجب ذلك بالأسواق‏.‏ وفي سابع عشرينه كتبوا أوراقًا أيضًا مضمونها انقضاء سنة مؤاجرات أقلام المكوس ومن أراد استثمار شيء من ذلك فليحضر إلى الديوان ويأخذ ما يريد بالمزاد‏.‏ وفيه أفرج عن الأنفار التي قدم بها الفرنساوية من غزة وحبست بالقلعة على مصلحة خمسة وسبعين كيسًا دفعوا بعضها وضمنهم أهل وكالة الصابون في البعض الباقي فأنزلوهم من القلعة على هذا الاتفاق بشرط أن لا يسافر منهم أحد إلا بعد غلاق ما عليه‏.‏ وفي ثامن عشرينه تشفع أرباب الديوان في أهل يافا المسجونين بالقلعة أيضًا فوقع التوافق معهم على الإفراج عنهم بمصلحة مائة كيس فاجتمع الرؤساء والتجار وترووا واشتوروا في مجلس خاص بينهم فاتفق الحال على تقسيطها وتأجيلها في كل عشرين يومًا خمسة وعشرين كيسًا فدفع التجار خمسة وعشرين كيسًا وأفرج عنهم من القلعة وأجلوا الباقي على الشرح المذكور‏.‏
شهر جمادى الأولى لعام 1213 هــ: ... واما الافرنج فانهم اصبحوا مستعدين على تلال البرقية والقلعة واقفين واحضروا جميع الالات من المدافع والقنابر والبنبات ووقفوا مستحضرين ولامر كبيرهم منتظرين وكان كبير الفرنسيس ارسل الى المشايخ مراسلة فلم يجيبوه عنها ومل من المطاولة هذا والرمي متتابع من الجهتين وتضاعف الحال ضعفين حتى مضى وقت العصر وزاد القهر والحصر فعند ذلك ضربوا بالمدافع والبنبات على البيوت والحارات وتعمدوا بالخصوص الجامع الازهر وجرروا عليه المدافع والقنبر... ودخلوا الى الجامع الازهر وهم راكبون الخيول وبينهم المشاة كالوعول‏.‏ وتفرقوا بصحته ومقصورته وربطوا خيولهم بقبلته وعاثوا بالاروقة والحارات وكسروا القناديل والسهارات وهشموا خزائن الطلبة والمجاورين والكتبة ونهبوا ما وجدوه من المتاع والاواني والقصاع والودائع والمخبات بالدواليب والخزانات ودشتوا الكتب والمصاحف على الارض طرحوها وبارجلهم ونعالهم داسوها واحدثوا فيه وتغوطوا وبالوا وتمخطوا وشربوا الشراب وكسروا اوانيه والقوها بصحنه ونواحيه وكل من صادفوه به عروه ومن ثيابه اخرجوه واصبح يوم الثلاثاء فاصطف منهم خرب بباب الجامع فكل من حضر للصلاة يراهم فيكر راجعًا ويسارع وتفرقت طوائفهم بتلك النواحي افواجًا واتخذوا السعي والطواف بها منهاجًا واحاطوا بها احاطة السوار ونهبوا بعض الديار بحجة التفتيش على النهب وآلة السلاح والضرب وخرجت سكان تلك الجهة يهرعوا وللنجاة بانفسهم طالبون وانتهكت حرمة تلك البقعة بعد ان كانت اشرف البقاع ويرغب الناس في سكناها ويودعون عند اهلها ما يخافون عليه الضياع والفرنساوية لا يمرون بها الا نادرًا ويحترمونها عن غيرها في الباطن والظاهر فانقلب بهذه الحركة منها الموضوع وانخفض على غير القياس المرفوع ثم ترددوا في الاسواق ووقفوا صفوفًا مئينًا والوفًا فان مر بهم احد فتشوه واخذوا ما معه وربما قتلوه... وكثير من الناس ذبحوهم وفي بحر النيل قذفوهم ومات في هذين اليومين وما بعدهما امم كثيرة لا يحصي عددها الا الله وطال بالكفرة بغيهم وعناديهم ‏.‏
شهر المحرم 1215هـ: ... وفيه طلبوا عسكرًا من القبط فجمعوا منهم طائفة وزَيَّوْهم بزيّهم وقيَّدوا بهم من يعلِّمهم كيفية حربهم ويدربهم على ذلك وأرسلوا إلى الصعيد فجمعوا من شبانهم نحو الألفين وأحضروهم إلى مصر وأضافوهم إلى العسكر.‏..
شهر ربيع الثاني سنة 1215 :فيه اشتد أمر المطالبة بالمال وعُيِّن لذلك رجل نصراني قبطي يسمى شكر الله فنزل بالناس منه ما لا يوصف فكان يدخل إلى دار أي شخص كان لطلب المال وصحبته العسكر من الفرنساوية والفعلة وبأيديهم القزم فيأمرهم بهدم الدار إن لم يدفعوا له المقرر وقت تاريخه من غير تأخير إلى غير ذلك وخصوصًا ما فعله ببولاق فإنه كان يحبس الرجال مع النساء ويدخن عليهم بالقطن والمشاق وينوع عليهم العذاب ثم رجع إلى مصر يفعل كذلك‏.‏
وفيه أغلقوا جميع الوكائل والخانات على حين غفلة في يوم واحد وختموا على جميعها ثم كانوا يفتحونها وينهبون ما فيها من جميع البضائع والأقمشة والعطر والدخان خانًا بعد خان فإذا فتحوا حاصلًا من الحواصل قوموا ما فيه بما أحبوا بأبخس الأثمان وحسبوا غرامته فإن بقي لهم شيء أخذوه من حاصل جاره وإن زاد له شيء أحالوه على جاره الآخر كذلك وهكذا ونقلوا البضائع على الجمال والحمير والبغال وأصحابها تنظر وقلوبهم تتقطع حسرة على مالهم وإذا فتحوا مخزنًا دخله أمناؤهم ووكلاؤهم فيأخذون من الودائع الخفيفة أو الدراهم وصاحب المحل لا يقدر على التكلم بل ربما هرب أو كان غائبًا‏.‏
وفيه حرروا دفاتر العشور وأحصوا جميع الأشياء الجليلة والحقيرة ورتبوها بدفاتر وجعلوها أقلامًا يتقلدها من يقوم بدفع مالها المحرر وجعلوا جامع أزبك الذي بالأزبكية سوقًا لمزاد ذلك بكيفية يطول شرحها وأقاموا على ذلك أيامًا كثيرة يجتمعون لذلك في كل يوم ويشترك الإثنان فأكثر في القلم الواحد وفي الأقلام المتعددة‏.‏ وفيه كثر الهدم في الدور وخصوصًا في دور الأمراء ومن فر من الناس وكذلك كثر الاهتمام بتعمير القلاع وتحصينها وإنشاء قلاع في عدة جهات وبنوا بها المخازن والمساكن وصهاريج الماء وحواصل الجبخانات حتى ببلاد الصعيد القبلية‏.‏
والأمور من أنواع ذلك تتضاعف والظلومات تتكاثف وشرعوا في هدم أخطاط الحسينية وخارج باب الفتوح وباب النصر من الحارات والدور والبيوت والمساكن والمساجد والحمامات والحوانيت والأضرحة فكانوا إذا دهموا دارًا وركبوها للهدم لا يمكنون أهلها من نقل متاعهم ولا أخذ شيء من أنقاض دارهم فينهبونها ويهدمونها وينقلون الأنقاض النافعة من الأخشاب والبلاط إلى حيث عمارتهم وأبنيتهم وما بقي يبيعون منه ما أحبوا بأبخس الأثمان ولوقود النيران وما بقي من كسارات الأخشاب يحزمه الفعلة حزمًا ويبيعونه على الناس بأغلى الأثمان لعدم حطب الوقود ويباشر غالب هذه الأفاعيل النصارى البلدية فهدم للناس من الأملاك والعقار ما لا يقدر قدره وذلك مع مطالبتهم بما قرر على أملاكهم ودورهم من الفردة فيجتمع على الشخص الواحد النهب والهدم والمطالبة في آن واحد وبعد أن يدفع ما على داره أو عقاره وما صدق أنه غلق ما عليه إلا وقد دهموه بالهدم فيستغيث فلا يغاث فترى الناس سكارى وحيارى ثم بعد ذلك كله يطالب بالمنكسر من الفردة وذلك أنهم لما قسموا الأخطاط كما تقدم وتولى ذلك أمير الخطة وشيخ الحارة والكتبة والأعوان وزعوا ذلك برأيهم ومقتضي أغراضهم فأول ما يجتمعون بديوانهم يشرع الكتبة في كتابة التنابيه وهي أوراق صغار باسم الشخص والقدر المقرر عليه وعلى عقاره بحسب اجتهادهم ورأيهم وعلى هامشها كراء طريق المعينين ويعطون لكل واحد من أولئك القواسة عدة من تلك الأوراق فقبل أن يفتح الإنسان عينيه ما يشعر إلا والمعين واقف بابه وبيده ذلك التنبيه فيوعدوه حتى ينظر في حاله فلا يجد بدًّا من دفع حق الطريق فما هو إلا أن يفارقه حتى يأتيه المعين الثاني بتنبيه آخر فيفعل معه كالأول وهكذا على عدد الساعات فإن لم يوجد المطلوب وقف ذلك القواس على داره ورفع صوته وشتم حريمه أو خادمه فيسعى الشخص جهده حتى يغلق ما تقرر عليه بشفاعة ذي وجاهة أو نصراني وما يظن أنه خلص إلا والطلب لاحقه أيضًا بمعين وتنبيه فيقول ما هذا فيقال له إن الفردة لم تكمل وبقي منها كذا وكذا وجعلنا على العشرة خمسة أو ثلاثة أو ما سولت لهم أنفسهم فيرى الشخص أن لابد من ذلك فما هو إلا أن خلص أيضًا إلا وكرة أخرى وهكذا أمرًا مستمرًا ومثل ذلك ما قرر على الملتزمين فكانت هذه الكسورات من أعظم الدواهي المقلقة ونكسات الحمى المطبعة‏.‏
واستهل شهر جمادى الثانية سنة 1215: فيه قرروا على مشايخ البلدان مقررات يقومون بدفعها في كل سنة أعلى وأوسط وأدنى فالأعلى وهو ما كانت بلده ألف فدان فأكثر خمسمائة ريال والأوسط وهو ما كانت خمسمائة فأزيد ثلثمائة ريال والأدنى مائة وخمسون ريالا وجعلوا الشيخ سليمان الفيومي وكيلاً في ذلك فيكون عبارة عن شيخ المشايخ وعليه حساب ذلك وهو من تحت يد الوكيل الفرنساوي الذي يقال له بريدون فلما شاع ذلك ضجت مشايخ البلاد لأن منهم من لا يملك عشاءه فاتفقوا على أن وزعوا ذلك على الأطيان وزادت في الخراج واستملوا البلاد والكفور من القبطة فأملوها عليهم حتى الكفور التي خربت من مدة سنين بل سموا أسماء من غير مسميات‏.‏
وفي غايته حضر رجل إلى الديوان مستغيث بأهله وإن قلق الفرنسيس قبض على ولده وحبسه عند قائمقام وهو رجل زيات وسبب ذلك أن امرأة جاءت إليه لتشتري سمنًا فقال لها لم يكن عندي سمن فكررت عليه حتى حنق منها فقالت له كأنك تدخره حتى تبيعه على العثملي تريد بذلك السخرية فقال لها نعم رغمًا عن أنفك وأنوف الفرنسيس فنقل عنه مقالته غلام كان معها حتى أنهوه إلى قائمقام فأحضره وحبسه ويقول أبوه أخاف أن يقتلوه فقال الوكيل لا لا يقتل بمجرد هذا القول وكن مطمئنًا فإن الفرنساوي

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  إسماعيل أدهم، ذلك المغرور المنتحر!وقفة مع كتابه: "لماذا أنا ملحد؟"

 ::

  مع جعِيط وزعِيط ومعِيط ونطّاط الحِيط! ج2

 ::

  مع جعِيط وزعِيط ومعِيط ونطّاط الحِيط! ج1

 ::

  المستشرقون الجدد: دانيال بايبس وبقية أفراد العصابة 2/2

 ::

  المستشرقون الجدد: دانيال بايبس وبقية أفراد العصابة 1/2

 ::

  سُورة الحَفْد وسُورة الخَلْع: هل هما فعلا قرآن؟

 ::

  أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟(2)

 ::

  أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟(1)

 ::

  الإسلاموفوبيا: هل هى خرافة حقا؟


 ::

  التحديات التنموية في اليمن

 ::

  الإخوان المسلمون وعلاقتهم بفلسطين

 ::

  افساد شياطين الأنس في الارض

 ::

  علينا ان نعلم ان نواة الحضارة الانسانية بدأت من بلاد الرافدين

 ::

  الفيلم الجزائري" كارتوش غولواز" إهانة للجزائرين؟

 ::

  تحول 'عالمي' ضد عقوبة الإعدام

 ::

  لماذا حرّم السدلان والعبيكان المقاطعة الشعبية؟

 ::

  آنَ أن يُطلَقَ العنان للصّهيل

 ::

  مقيمون غير شرعيين في منازلهم

 ::

  هم الأكثرية والإساءة للإبداع المغربي



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.