Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

محاموا الشيطان ج3
د.إبراهيم عوض   Sunday 05-02 -2006

إن الذى يقرأ ما كتبه عشماوى عن ثورة المصريين على المجرمين الفرنسيين يخيَّل له أنه لم يقم بها إلا الأوباش، وفى نطاق جد محدود بحيث إن ما فعله هؤلاء الأوباش كان شذوذا ونشازا على النغمة العامة، نغمة الرضا بالاحتلال والمودة والمحبة التى كانت قائمة بين المصريين والفرنسيين! وهو بهذا يتغافل عن الحقيقة التى تفقأ عين كل مكابر يريد أن يزين الباطل بالتدليس ويكسر الروح المعنوية ويقضى على النزعة الدينية التى استطاعت أن تعوض كل نقصان فى ظروف مصر آنذاك. لقد كان الميزان فى صالح الفرنسيين فى كل شىء، ما عدا شيئا واحدا هو أن الروح الدينية رغم الانحطاط الشامل الذى كان يلف البلاد فى كل الميادين تقريبا حتى فيما يتعلق بفهم الدين وممارسته، كانت لا تزال فيها بقية صالحة مستكنة فى أعماق النفوس، وهذه البقية هى التى أنست المصريين أنهم ضعفاء عسكريا واقتصاديا وثقافيا ودفعتهم إلى مقاومة هؤلاء الكلاب منذ البداية بكل ما أوتوا من قوة رغم أنه بالنسبة لما كان لدى الفرنسيين لم يكن شيئا مذكورا، لكنهم قد أعذروا إلى الله من أنفسهم فلم يدخروا وسعا، وكانوا يسارعون دائما إلى تلبية داعى الجهاد. كما أن هذه البقية أيضا لم تدعهم يهدأون ويخلدون للنوم (فى العسل؟ لا بل) فى المجارى التى يريد بعض الناس لهم أن يظلوا نائمين فيها يشخّرون شخيرا عميقا حتى يستطيع الاستعمار أن ينتهى من مهمته الإجرامية، بل هيَّجتهم على جلاديهم الجدد، جلاديهم المنظمين المتحضرين فى أساليب السرقة والنهب وتدمير البلاد والنفوس والعباد والعقائد والعوائد وكل شىء يمكن أو لا يمكن تصوره!
كذلك فإن المصريين جميعا قد ساهموا فى هذه الثورة التى عمت كل أرجاء البلاد ولم تقتصر على القاهرة وحدها كما تقول كلمات المستشار عشماوى، وأرهقت الفرنسيين أيما إرهاق حسبما يقول الفرنسيون أنفسهم مما سوف نشير إليه فيما يلى على عكس ما يقول الأستاذ عشماوى أيضا، إذ يحاول أن يوهمنا أنه لم تأت للمصريين إلا بالوبال والنكال! صحيح أن الفرنسيين لم يدخروا أى وحشية أو إجرام فى التعامل مع الثورة، وهذا ما يريد المستعمر عن طريقه أن يزرع اليأس فى القلوب وأن يقضى على روح الثورة. لكن إذا رد عليه الثوار بأنهم يعرفون تمام المعرفة أن ثورتهم ستُنْزِل بهم الأذى والآلام والخسائر وستُزْهِق منهم الأرواح، إلا أن هذا لن يَثْنِيَهم عن ثورتهم ولن يقتل فيهم روح العزة والكرامة والحمية الدينية والوطنية، فإنهم بذلك يكونون قد نجحوا فى إفشال المخطط الاستعمارى الجهنمى، إذ يتيقن المستعمر أنه لا قرار له فى الديار وأنه مهما يفعل فليس ذلك بمبلغه شيئا من غاياته الوحشية، وهذا هو السبيل الوحيد المؤدى إلى التخلص من الاحتلال حتى لو طال الأمد بعض الشىء! وهذا نفسه هو ما يفعله الأحرار الشرفاء فى العراق وأفغانستان، وسوف يكون نتيجته هروب المجرمين الأمريكان هم ومن يعاونهم من قوى الشر والعدوان ضد أمتنا كما هربوا من فييتنام من قبل يسربلهم الخزى وعار الهزيمة رغم كل الجبروت الذى فى أيديهم!
وإذا كان الثوار قد أساءوا فى بعض تصرفاتهم فليس معنى هذا أبدا أن ندين الثورة والثوار، بل علينا أن ننص على وجه الخطإ دون تشنيع أو تحطيم للنفوس، ودون أن نُثْنِىَ بالكذب والباطل على المستعمرين القتلة اللصوص المجرمين مهما كان مستواهم الحضارى وتقدمهم العسكرى والإدارى. إن هذا التحضر ليس لنا ولا يمكن أن يكون يوما فى خدمتنا، بل هو أداة لقتلنا ونهبنا وتركيعنا وإذلالنا ومحو ديننا من نفوسنا ومن الأرض جميعا واستعباد المنخوبى القلوب من بيننا يسبّحون بحمد المجرمين ويجمّلون صورتهم الوحشية القبيحة البشعة أملا فى إطفاء نار الثورة المباركة فى أرواحنا! ويكفى الثوار فخرا، رغم ما قد يكونون اجترحوه من تقصير وإساءة، أنهم جادوا بكل ما فى جَعْبتهم من إمكانات على قلتها وضعفها، فقديما قيل: "الجُود من الموجُود"! أما العملاء المتنورون الذين يوالسون مع الأعداء ويذهبون فى أودية التحذلق لغير ما نهاية فهؤلاء أوغاد حقراء، وإن أوهموا الأغبياء من أمثالهم أنهم هم الأذكياء اللوذعيون! وهذه الروح هى التى أخرجت قوات الاحتلال من كل أرض عربية وإسلامية. أما إذا كان الاستعمار قد أفلح مع ذلك من استقطاب عدد من الحكام من وراء ظهور شعوبهم وعاد من خلالهم مرة أخرى إلى البلاد فينبغى أن تتدارك الشعوب هذه الثغرة وأن تسد الأبواب السرية التى ضيّعت عليها ثمار جهادها وأفشلت ما بذلته من جهود كريمة وعظيمة، وإلا فسيطول ليل الاحتلال الذى حط بكلكله على بلاد الأفغان والرافدين ومن قبل ذلك فى الأرض التى بارك الله فيها للعالمين، أرض فلسطين السليبة، وسوف ينتشر منها كانتشار الجَرَب إلى بقية بلاد الإسلام، وحينئذ فالعفاء على كل شىء، وسوف يكون الحساب الإلهى لنا جميعا فى منتهى السوء والعنف، وحَقّ أن يفعل سبحانه ذلك بعباده المتبلدين الذين ضللهم المارقون المدلسون!
وإلى جانب ما مر هناك قضية قتل الكلب كليبر التى خصص لها سيادة المستشار فصلا كاملا بعنوان "محاكمة سليمان الحلبى"، هذا البطل المغوار الذى يحرص كَوْنِيُّنا على تلطيخ بطولته وتشويه سمعته والقول بأنه لم يكن مجاهدا وطنيا، بناء على ما نشره الفرنسيون الأوساخ من وقائع المحاكمة التى يطنب سيادته فى الإشادة بها ويزعج رؤوسنا بالكلام عما تعكسه من تحضر الغزاة، فهم لا يعاقبون أحدا إلا بعد سين وجيم وأخذٍ وردّ... إلخ، مع أنهم ، بإقراره هو نفسه، قد استخدموا أساليب التعذيب فى الضَّغْطِ على بطلنا المغوار، رضى الله عنه وأسكنه عُلْيا الجنان، ودَفْعِه إلى الاعتراف بما يريدون، فأين التحضر هنا؟ سيقول: لكن هذه هى الطريقة التى كانت متبعة فى مصر آنذاك. ونحن لا نريد أن نضيع وقتنا فى الجدال فى ذلك، لكننا نتساءل: فبأى حق يزعجنا الكاتب إذن بحضارة الفرنسيس واحترامهم للقوانين؟ إن ذلك كله ليس إلا قشرة سطحية تخفى البربرية والهمجية والتوحش! ثم إن الطريقة التى أُعْدِم بها البطل الحلبى هى أيضا من الدلائل الكاشفة التى تفضح أولئك الأوغاد! لقد أحرقوا يده ثم أدخلوا الخازوق فى دبره حتى مزَّق أمعاءه ومعدته ومريئه وحلقه وفمه ومخه وثَقَبَ جمجمته ونفذ منها (يا لطيف اللطف يا رب! إننى لا أستطيع أن أهدأ وأنا أكتب هذه السطور من الرعب الفظيع الذى أشعر به أثناء قراءة ذلك الوصف! اللهم لا ترحم كل من اشترك فى تعذيب الرجل، وخذ معهم بعزتك وجبروتك أولئك الذين يحاولون تشويه الأبطال المجاهدين!)، ثم تركوا جثته وجثث زملائه النبلاء الكرام فى العراء ليأكلها الطير! رحمهم الله رحمة واسعة وجحم من قتلوهم ومن يدافعون عن قَتَلتهم!
ومرة أخرى يقول كونيّنا إن هذه الطريقة هى الأسلوب الذى كان يعرفه المجتمع فى ذلك الوقت. ومرة أخرى أيضا نقول نحن: وهذا دليل آخر على وحشية هؤلاء الخنازير الأدناس أولاد القحاب الذين لا يعرفون من الحضارة فى الحقيقة إلا قشرة زائفة يسترون بها وحشيتهم، لكنها عند الجِدّ سرعان ما تسقط فتظهر حقيقتهم عارية دون أى تجمل! ولا ننس بعد هذا كله أنهم ليس لهم حق أصلا فى محاكمة الحلبى، بل هم الذين كان ينبغى أن يحاكَموا لا هو لو كانت الأمور تجرى على أسس المنطق والعدل. لكننا بإزاء مبدإ "القوى يأكل الضعيف"! وبالمناسبة فأمريكا قد حاولت فى البداية أن يكون غزوها للعراق تحت مظلة الأمم المتحدة والقانون الدولى لأنها (يا كبدى عليها!) دولة متحضرة لا تلتهم الأوطان وتسحق البشر إلا بمباركة القانون وقواعد القانون. لكنها لما أعياها الأمر قالت فى غير ما حياء ولا خجل: إننا ذاهبون إلى العراق حتى لو رفضت الأمم المتحدة ذلك. وقد كان! ثم يكلمنا بعضهم عن احترام الحضارة الغربية للقانون! أى قانون هذا يا أبا قانون أنت وهو؟ ليست هناك إلا شريعة الغاب، وعلى المسلمين أن يفهموا هذا ويتخذوه حلقة فى أذنهم ويتصرفوا على أساس منه، وإلا ضاعوا. ولابد أن يفهموا أيضا أن الدنيا، فى التعامل مع هؤلاء الوحوش، إما غالب أو مغلوب، ولا مكان للرحمة والحق والقانون لديهم، اللهم إلا عندما يُجْلِبون علينا ويحاولون أن يربكونا عن طريق صبيانهم المندسين بيننا فى كل مكان والذين أخذوا على عاتقهم إشاعة الاضطراب والشك فى مفاهيمنا وقيمنا وبلبلتنا من خلال وضعنا موضع الاتهام دائما، وكأننا على خطإٍ لازب، وأولئك الأوغاد على صوابٍ دائم!
إن الحلبى هو بطل قومى ودينى حتى لو كان ما أراد الكاتب أن يقنعنا به صحيحا من أنه لم يكن غرضه الجهاد فى سبيل الله، بل كان قاتلا مأجورا من قِبَل بعض المسؤولين الأتراك فى الشام مقابل إزالة الظلم الواقع على أبيه هناك. سأفترض أن الحلبى لم يكن كذلك فحسب، بل كان كافرا ابن كافر، وكان قاتلا مرتزقا. أفلا ينبغى أن أفرح بما صنعته يداه من تخليص مصر والمصريين من الكلب كليبر وإفهام الفرنسيس الكلاب بأنهم لن يهنأ لهم عيش فى أرض الكنانة وأن مصر ليست ولن تكون أبدا لقمة سائغة فى حلوقهم النجسة؟ أوهذا مما يُشَنَّع به على الحلبى عليه رحمة الله؟
ثم إن الكاتب الكونىّ يضع المسألة وضعا خاطئا مرة أخرى حين يتساءل: هل يحق للمسلم أن يقتل كافرا لمجرد أنه كافر لم يقع منه عدوان عليه، مزهقًا بذلك روحا إنسانية بريئة؟ يا حرام! قطّعت قلبى يا رجل! وهو نفس المنطق الذى نسمعه الآن من بعض المنتسبين إلينا عند الحديث عن قتلى الأمريكان فى العراق وأفغانستان وقتلى الصهاينة فى فلسطين السليبة! وأصحاب هذا التشويش والتدليس يتناسَوْن الألوف المؤلفة الذين يسقطون ضحايا الاحتلال الأمريكى الصليبى والإسرائيلى الصهيونى! إن الدماء العربية والمسلمة عندهم هى دماء نجسة كالماء الذى يجرى فى مواسير المجارى، فلا بد من التخلص منها! وهذه الإنسانية العطوف لا تظهر إلا دفاعا عن دماء القتلة المجرمين الذين يحتلون أوطاننا ويقتلون أهلنا ويدمرون بلادنا. فهى إذن إنسانية زائفة مجرمة مهما تشدقت بالحديث عن إزهاق النفس الإنسانية البريئة! أية نفوس بريئة يتحدث هؤلاء عنها؟ هل كان كليبر نفسا إنسانية بريئة؟ هل كان كليبر مجرد كافر عادى لم يعتد على بلاد المسلمين ويقتل منهم ما شاء الله له أن يقتل؟ هل كان كليبر رجلا فى حاله ماشيا فى شارع الترماى بالقاهرة "لا به ولا عليه" أتى ليحضر "الليلة الكبيرة" لمولد السيدة "ويزقّ الطارة ويضرب كم بمبة" مثل "الأسطى عمارة من درب شَكَمْبَة" فى أوبريت "الليلة الكبيرة" ثم ينصرف لحال سبيله بعد ذلك، فجاء المجنون سليمان الحلبى وقتله هكذا "لله فى لله"؟ إن كليبر، يا خَلْق هُوووووووووهْ، رجل محتل مجرم سارق ناهب معتدٍ على ديارنا وقاتل لرجالنا ونسائنا وأطفالنا ومدمِّر لبيوتنا ومدنِّس لمساجدنا، وكان يخطط هو وأمثاله من قواد الفرنسيس للقضاء على استقلالنا وكرامتنا وعزة أنفسنا والتهام مصرنا العزيزة الغالية فى أجوافهم الدنسة، ولو كان قُيِّضَ له أن ينجح لكان مصير مصر كمصير الجزائر، لكن الله سلَّم! ألم يقل الكلب تاليران رئيس الوزراء الفرنسى عندما تقدم بمشروع غزو مصر لحكومة بلاده: "كانت مصر مقاطعة فى الحكومة الرومانية، فيجب أن تصبح للحكومة الفرنسية" (د. ليلى عنان/ الحملة الفرنسية: تنوير أم تزوير؟/ كتاب الهلال/ العد 567/ مارس 1998م/ 88). وكان ثمن هذه السلامة التى سلَّم الله مصر بها هو التضحيات التى تحملها أجدادنا الميامين والفَعْلة البطولية التى فعلها سليمان الحلبى فأفهمت أخلاف كليبر أن حياتهم فى مصر ليست نزهة مسلية بل لها ضريبة باهظة لن يمكنهم الاستمرار فى تحملها! هذا هو وضع المسألة لا الذى يهرف به الهارفون!
ولنعرِّج هنا على ما كتبه عبد الرحمن الرافعى عن كليبر (لعنه الله ولعن معه لعنًا أشد منه من يَأْسَى على مصيره النجس) عشية اغتياله الذى كسحه إلى قعر جهنم وبئس المصير جزاء وفاقا لجبروته وكفره واستبداده ونهبه أموال المصريين وعداوته لدين سيد الرسل والأنبياء عليه الصلاة والسلام والعمل على إطفاء نوره وطَىّ أرض الكنانة وبقية بلاد العرب المسلمين تحت إبط فرنسا الصليبية التى يتشدق عُتَاتُها ويتشدق أذنابهم من بيننا ظلما وزورا بشعارات التنوير والحرية. قال المؤرخ المصرى: "كان موقف كليبر فى أوائل شهر يونيه سنة 1800 غاية فى المنعة، وقد قويت آماله فى أن يخلّد مركزه فى وادى النيل ويحقّق مشروعاته الاستعمارية، لكن هذه الآمال تحطمت فى لحظة واحدة، وهى اللحظة الرهيبة التى امتدت إليه فيها يد سليمان الحلبى بطعنة خنجر أردته سريعا. كان ذلك يوم السبت 14 يونيه سنة 1800... ففى صبيحة هذا اليوم ذهب كليبر إلى جزيرة الروضة ليعرض كتيبة الأروام الذين انخرطوا فى سلك الجيش الفرنسى بمصر، وعاد بعد العرض إلى الأزبكية ليتفقد أعمال الترميم التى كانت تُعْمَل فى دار القيادة العامة ومسكن القائد العام (سراى الألفى بك) لإزالة آثار الإتلاف الذى أصابها من قنابل الثوار. وكان يصحبه المسيو بروتان المهندس المعمارى، فتفقدا الأعمال معا، ثم ذهبا إلى دار الجنرال داماس رئيس أركان الحرب حيث أعد وليمة غداء للقائد العام دعا إليها طائفة من القواد وأعضاء المجمع العلمى ورؤساء الإدارة، فتغدى كليبر مع المدعوين. وكان منشرح الصدر على المائدة يتحدث مطمئنا عن الحالة فى مصر، واستمرت الوليمة إلى الساعة الثانية بعد الظهر، ثم انصرف كليبر بصحبة المهندس بروتان عائدين إلى دار القيادة العامة ليستأنفا تفقد أعمال الترميم والإصلاح فيها. وكانت حديقة السراى تتصل بدار رئيس أركان الحرب برواقٍ طويل تظلله تكعيبة من العنب. فسار كليبر وبجانبه بروتان فى هذا الرواق يتحدثان فى إصلاح السراى، وبينما هما سائران إذ خرج عليهما رجل يكمن وراء بئر عليها ساقية، فاقترب الرجل من الجنرال كليبر كمن يريد أن يستجديه أو يتوسل إليه، فلم يَرْتَبْ كليبر فى نية ذلك السائل، لكنه لم يكد يلتفت إليه حتى عاجله بطعنة خنجر مميتة أصابته فى صدره، فصاح كليبر: إلىَّ أيها الحراس! ثم سقط على الأرض مضرَّجا فى دمه. وهناك أسرع المسيو بروتان فى تعقب القاتل، فلما أدركه تماسك الاثنان، فطعنه القاتل ست طعنات سقط منها على الأرض بجوار كليبر. وعاد القاتل إلى كليبر فطعنه ثلاث طعنات ليُجْهِز عليه، بيد أن الطعنة الأولى كانت القاضية لأنها نفذت إلى القلب..." (عبد الرحمن الرافعى/ مصر فى مواجهة الحملة الفرنسية/ مركز النيل للإعلام/ 189- 191). سلمت يدك يا أيها الشجاع المغوار! والله إنها ليد تستحق التقبيل لا الحرق، أحرق الله من أحرقوها هم ومن يشايعونهم على هذا الظلم والجبروت!
وقد دخل مفكرنا الكونى فى فاصل من المباهاة بعدل الفرنسيس لأنهم لم يسارعوا إلى معاقبة الشهيد الحلبى قبل محاكمته والتحقق من أنه هو الذى قتل الكلب كليبر، وتغافل كونيّنا عن أنهم إنما أرادوا بهذه المحاكمة معرفة كل من اشترك فى هذه البطولة حتى ينكلوا به ويجعلوه عبرة لسواه فلا يفكر أحد بعدها فى رفع رأسه، وإلا جُزَّتْ! كما تناسى المفكر الكونىّ ما كتبه الجبرتى من أنهم كانوا قد تأهبوا فى الحال (بمجرد علمهم بمقتل كلبهم النجس) للقضاء على سكان مصر جميعا لولا أنهم تبينوا ألاّ يَدَ للمصريين فى هذا الأمر. أى أنهم كانوا عازمين على إفناء المصريين عن بكرة أبيهم لقاء مقتل كلب من كلابهم. كما أنهم قتلوا مع سليمان الحلبى من كانوا على علم بنيته ولم يبلغوا السلطات مع مصادرة أموالهم لحساب الفرنسيين، رغم أنهم لم يعلموا بنيته إلا قبل إنجازه عمله البطولى بوقت ضيق. كما أنهم، حسبما جاء على لسانهم فى التحقيق، لم يتخيلوا أنه ينوى أن يقتل كليبر فعلا، بل ظنوا أنه كلام مجنون، وإلا لأبلغوا عنه. وهذا بافتراض أن ما فعله الحلبى عليه رحمات الله ورضوانه هو مما تجرِّمه قوانين المنطق والإنصاف والإنسانية! وهكذا يكون العدل وتطبيق القانون الذى يباهينا به مفكرنا الكونى!
وإلى القارئ الكريم ما كتبه الجبرتى فى هذا الصدد عما وقع بعد علم الفرنسيس بمقتل كليبر: "ولم يجدوا القاتل فانزعجوا وضربوا طبلهم وخرجوا مسرعين وجَرَوْا من كل ناحية يفتشون على القاتل. واجتمع رؤساؤهم وأرسلوا العساكر إلى الحصون والقلاع، وظنوا أنها من فعل أهل مصر فاحتاطوا بالبلد وعمروا المدافع وحرروا القنابر وقالوا: لابد من قتل أهل مصر عن آخرهم. ووقعت هوجة عظيمة في الناس وكَرْشة وشدة انزعاج، وأكثرهم لا يدري حقيقة الحال. ولم يزالوا يفتشون عن ذلك القاتل حتى وجدوه منزويًا في البستان المجاور لبيت ساري عسكر المعروف بغيط مصباح بجانب حائط منهدم، فقبضوا عليه فوجدوه شاميًّا، فأحضروه وسألوه عن اسمه وعمره وبلده، فوجدوه حلبيًا واسمه سليمان. فسألوه عن محل مأواه فأخبرهم أنه يأوي ويبيت بالجامع الأزهر. فسألوه عن معارفه ورفقائه وهل أخبر أحدًا بفعله، وهل شاركه أحد في رأيه وأقره على فعله أو نهاه عن ذلك، وكم له بمصر من الأيام أو الشهور، وعن صنعته وملته وعاقبوه حتى أخبرهم بحقيقة الحال. فعند ذلك علموا ببراءة أهل مصر من ذلك وتركوا ما كانوا عزموا عليه من محاربة أهل البلد. وقد كانوا أرسلوا أشخاصًا من ثقاتهم تفرقوا في الجهات والنواحي يتفرسون في الناس فلم يجدوا فيهم قرائن دالة على علمهم بذلك ورَأَوْهم يسألون من الفرنسيس عن الخبر فتحققوا من ذلك براءتهم من ذلك. ثم إنهم أمروا بإحضار الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ أحمد العريشي القاضي وأعلموهم بذلك وعوَّقوهم إلى نصف الليل وألزموهم بإحضار الجماعة الذين ذكرهم القاتل وأنه أخبرهم بفعله، فركبوا وصُحْبَتهم الآغا وحضروا إلى الجامع الأزهر وطلبوا الجماعة فوجدوا ثلاثة منهم ولم يجدوا الرابع .فأخذهم الآغا وحبسهم ببيت قائمقام بالأزبكية. ثم إنهم رتبوا صورة محاكمة على طريقتهم في دعاوى القِصَاص، وحكموا بقتل الثلاثة أنفار المذكورين مع القاتل، وأطلقوا مصطفى أفندي البرصلي لكونه لم يخبره بعزمه وقصده. فقتلوا الثلاثة المذكورين لكونه أخبرهم بأنه عازم على قصده صُبْحَ تاريخه ولم يخبروا عنه الفرنسيس فكأنهم شاركوه في الفعل".
وإلى القارئ أيضا بعض ما ورد فى كلام المدّعِى الفرنسى بالقاهرة عند عزمهم على قتل البطل الحلبى: "أنا معين ومأمور لاستدعاء الانتقام للمقتول وذلك بموجب الشريعة من القاتل المسفور وشركائه كمثل أشنع المخلوقات... فلتعلم بلاد الروم والدنيا بكمالها أن الوزير الأعظم سلطنة العثمانية ورؤساء جنود جنود عسكرها رذلوا أنفسهم حتى أرسلوا قتال معدوم العرض إلى الجريء والأنجب كلهبر الذي لا استطاعوا بتقهيره وكذلك ضعوا إلى عيوب مغلوبيتهم المجرم الظالم بالذي ترأسوا قبل السماء والأرض... وسليمان الحلبي شبّ مجنون وعمره أربعة وعشرون سنة وقد كان بلا ريب متدنس بالخطايا... وأن العته النسكي هو منصوب في أعلى رأسه المضطرب من زيغانه وجهالاته بكمالة إسلامه وباعتماده أن المسمى منه جهاد وتهليك غير المؤمنين فمما أنهى وأيقن أن هذا هو الإيمان... وهو بالذات مقر بذنبه بلسانه ومسمي شركاء وهو كمادح نفسه للقتل الكريه صنع يديه وهو مستريح بجواباته للمسائل وينظر محاضر سياسات عذابه بعين رفيعة والرفاهية هي الثمر المحصول من العصمة والتفاوه فكيف تظهر بوجوه الآثمين ومسامحينهم شركاء سليمان الأثيم كانوا مرتهنين سره للقتل الذي حصل من غفلتهم وسكوتهم قالوا باطلا أنهم ما صدقوا سليمان هو مستعدد بذا الإثم وقالوا باطلا أيضًا أن لو كانوا صدقوا ذا المجنون كانوا في الحال شايعين خيانته ... وأظن أن يليق أن تصنعوا لهم من العذابات العادية ببلاد مصر ولكن عظمة الإثم تستدعي أن يصير عذابه مهيبًا فإن سألتوني أجبت أنه يستحق الخوزقة وأن قبل كل شيء تحرق يد ذا الرجل الأثيم وأنه هو يموت بتعذيبه ويبقى جسده لمأكول الطيور وبجهة المسامحين له يستحقون الموت لكن بغير عقوبة... ثم أفتوا بموت السيد عبد القادر الغزي مذنب أيضًا كما ذكر أعلاه وكل ما تحكم يده عليه يكون حلال للجمهور الفرنساوي ثم هذه الفتوى الشرعية تكتب وتوضع فوق الذيت الذي مختص بوضع رأسه وأيضًا أفتوا على محمد الغزي وعبد الله الغزي وأحمد الوالي أن تقطع رؤوسهم وتوضع على نبابيت وجسمهم يحرق بالنار وهذا يصير في المحل المعين أعلاه ويكون ذلك قدام سليمان الحلبي قبل أن يجري فيه شيء هذه الشريعة والفتوى". ومما نقلناه هنا يتبين كيف يلجأ وحوش الاستعمار إلى وَسْم كل بطل يهبّ فى وجوههم ويَحْمَى أنفه لدينه ووطنه وأمته وكرامة نفسه وأهله بأنه مجنون، وتشويه صورته بالادعاء بأنه تدينه إنْ هو إلا هوس وخبال، ووصم دوافعه التى حملته على تلك البطولات بأنها دوافع خبيثة شريرة. كما يتبين لنا مدى الكذب الفاجر فى زعمهم أن العقاب الذى أوقعوه ببطلنا الكريم المغوار، لعن الله كل من يحاول الإساءة إلى ذكراه العطرة، إنما هو العقاب الذى تمليه الشريعة. أية شريعة يا أيها الوحوش؟

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  إسماعيل أدهم، ذلك المغرور المنتحر!وقفة مع كتابه: "لماذا أنا ملحد؟"

 ::

  مع جعِيط وزعِيط ومعِيط ونطّاط الحِيط! ج2

 ::

  مع جعِيط وزعِيط ومعِيط ونطّاط الحِيط! ج1

 ::

  المستشرقون الجدد: دانيال بايبس وبقية أفراد العصابة 2/2

 ::

  المستشرقون الجدد: دانيال بايبس وبقية أفراد العصابة 1/2

 ::

  سُورة الحَفْد وسُورة الخَلْع: هل هما فعلا قرآن؟

 ::

  أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟(2)

 ::

  أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟(1)

 ::

  الإسلاموفوبيا: هل هى خرافة حقا؟


 ::

  بلاها سوسو خذ نادية !!

 ::

  كلام فلسطين : ما بين خيار السلام ... ولعبة الأمن والاستسلام

 ::

  عشق وبعاد

 ::

  خطبة الجمعة

 ::

  صور من خروقات المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق

 ::

  الاحترام أهم من الأجر لدي الموظفين في آسيا

 ::

  رئيس فلسطين السورية

 ::

  وخلف ظهركَ رومٌ!

 ::

  نظام 'موجابي'... أسباب الاستمرار وبوادر 'التصدع'

 ::

  تمرين 'التحدي المقبل'... وخيار اللجوء إلى المخابئ



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.