Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

أكذب ياأبتي
اشرف الخريبى   Sunday 15-07 -2007


وأقول قد صدقت. صدقت

وخلقنا الإنسان من سلالة من طين " وخرجت .. خرجت من سلالتك من طين الأجداد


وطينك ويدك المعروقة به ومشيت طريقك القمح , جريت إلى السنابل وقش الغيطان وعرفتك .... نعم شممت روحك وشوقك وعرفت الكلام . قرأتك ثم تهجيت الحروف - التي قلت لي عنها - حرفا، حرفا. ومشيت نحو ما لست أعرف فكنت شيئا لم أكنه ولا كنت من الريف ولا أحببت المدن. وسقطت حين أرشدتني لفدادين القمح ولا عرفتني كل سنبلة مائة حبة ولا مرة صدقت اسمك, ولا حدثتني الكفور المجاورة عنك.

وغنيت الآخرين لك يا أبو الرجال. غنيت ورسمت اسمك الذي كان يخصك وحدك, ووجهك المختفي في البرواز القديم الثابت مكانه , منتشيا, فرحا. ومثلما غافلتني ملامحك ذات مساء جهم كجهامتك. ارتسم وجهك المنزوع منه وجهي حين بزغت صورتك فوق تجاعيدي, وبحرك في بحري ينتشر لم يزل, كنت أحاول كيما أنزع أصابعك من فوق جلدي. أنزعك ألف مرة وألف عام لكنما وجهك البري المتوحش يصرخ وسطوتك تنزعني وتصرخ.. الأرض عرض..

وأكذب يا أبتِ ان قلت لك أني من هنا, من خطوي الأول أبدأ بالحبو علي درجات السلم وأنت تلقفني بيد واحدة وترميني علي أمي وأبكي علي يديها وأصرخ. تلعنني بصوت زاعق غير أنك تمسح دموعي بيدك وتحملني وتتسرب الذاكرة إلى خشونتك. وقلت: أكتب من جديد. أبي أبو الرجال, بيد أني أرسم لك وجها لم تكنه, وصوتا لم تكنه , وأمنحني ملامح سأكونها. ولا هو رسمك ولا هو صوتك وأكافح كي أخرج من الدائرة التي وضعتني فيها حفنة من طين الأجداد في اليد وطينك وهواء المزارع في عينيك لامعا علي لسانك الكلام الحلو.

وصوتك خافضا.. ( تأدب يا ولد )
وأكذب يا أبتِ كي أستريح علي العشب الطري, وأمد ساقي للماء وأرفعه لأعلي. وتدور السواقي وأتمايل وينقطع سير الوابور وتسألني: أين كنت؟
لم تعرف أنه انتظار فاجع لصمتك الموحش, صمتك الخبيث الماكر, ونظرتك المرعبة في الأرض خجلا منك. والمرأة التي جرت خائفة في المزارع, هاربة من رؤيتي لها, لكني رأيتها تدخل أعواد القصب وتعدل فستانها. وأكذب يا أبتِ, وأظل متأرجحا بين كفيك المشدودين, وهزيمة صغري أمام عنفوان خبرتك واحمرار أذنيك.
هنا.. هنا تماما. عند اختلا ط الضوء بالألوان فوق فدادين القمح في الغيطان وتقذفني قرب النهر وتشير للماء والطين. وتقول: (تأدب لم تعد صغيرا يا ولد).
وأصرخ في يديك لم أعد يا أبتِ, وانتهيت من حيث بدأت وأيقنت أني أدور حولك. وأحلامي سخف وتصوري سخف.. وأراك نابشا كل شيء في الذاكرة. وأخشى أن أرى ثوبك أو أعود لشخصك فأعلم أنك هنا في ذات المكان مع امرأة المزارع تضحك وتترك أمي بالبيت تعمل لنا الطعام. وألقاك كما أنت ملتمسا أركاني ركنا، ركنا, عارفا نظرتي وابتهاجي. عارفا القمح والغيطان والسنابل سنبلة.. سنبلة.
إذ إن "صفاء" قد غابت في الزحام وتواطأت مع رقصي وصلاتك, وطاردتني في الليالي أرقا وعذابا. حمقاء هي يا أبتِ حين تهتز أمامي ويعلو هدير صوتها في جوفي وتصرخ، تتجمع وتتوحد في ركن الدار خائفة وهزيلة, تقرأ الكتب معي وتنسي صدرها مفتوحا أمامي يرتفع لأعلي وينخفض. والكرسي تحتها كان دافئا. دافئا. وكان كل شيء رتيبا وممطوطا ربما كانت قد بكت وربما استغاثت بصوتك المتقطع الواهن وكحتك الشاحبة حين تقطع صمت الليل. وربما ناقشت كل الاحتمالات وهمست في الجوار وأشارت عليك, أتمني أن أعيدها وأن أدخلها وأن أكتب عينيها الباكيتين, (ولا بد واحد فينا يرحل) هكذا قلت!!

وأكذب يا أبتِ حين تتحد أزمنة العشق والموت, وأذكرك نائما مستحيلا، أتسمّع أنـّتـك في الليل ويهيل الرجل عليك التراب, يهيل, وأراك بعيني, عيني التي سيأكلها الدود والنسوة يصرخن. والمرأة التي جرت في المزارع رأيتها تجري بأم عيني, وترفع ثيابها فوقها وتصلح هندامها. وصوتك العازل لكل إمكانيات سمعي وسؤالك الغريب وإجابتي المحصورة في خوفي منك, وحزني عليك أنت أبو الرجال, أبو الجهال.

تقول لي شمس الشتاء!! وتحذرني منها. ألوذ بالأرض تحتك , بهواء الغيطان, مدسوسا كنت في الظلام تفجر عشب الأرض زهرا يانعا وثمارا وأفرعا خضراء كثيرة. وليت كلامي ما كتبت حين شيعت هواك وتابعت موتك, وبكاء "صفاء" في الليل العبيط كي ألمسها أول النهار وآخره وأستنفذ دورة أعضائها وأفضي إليك بسرها وسرك المكنون المخبوء في صدري, وحقيقتك الفاعلة لا تجيء أبدا إلي. رغم انتظاري المحتوم لكل تصورك القادم عن لحظة ثرية الآن.. الآن هنا.. تماما هنا.

عندما أبتدئ وصفك تفضي أشياءك إلي خلسة, ولا أدري بحقيقة كنهك. بوقتك الذي مر علي كركض السحاب الخواف في ليل القرى, وأنت المدن الجميلة. فكيف أعرفك وأراك وأنت المخبوء في المحال وفي الوجع, المخبوء في عقم اللغة. عبثا أحاول في منتصف الضجيج والممرات. اندفعت واحتضنتها بضفيرتين مبتلتين قليلا, وسقطت في حضني باسمة, وخربشتني كقطة أليفة وتعفرت ملابسها بالتراب الذي منه نكون وإليه نكون.

لم تعد صغيرا يا ولدي, لم أعد يا أبتِ. أنت قلت وأنت تنزف كل ليل. يلفظني صوتك الزاعق عن سر الكلام وأدخل المدينة حاملا رسمك واسمك وحقيبتي الفارغة إلا من جنيهات أمي القليلة وصورة "صفاء". أتأبط الكتب التي تورطت فيها وتواطأت معها عليك كيما أسير في الحقول والبلاد التي ما جهلتني ولا في رئتي سكنت أشجارك عن النواحي. وأشم روحك والزهر الرهيب في الأغصان العوالي. علي هيأتك طير يطير, وصورتك عليه وماؤك الممدود فيه, وطين الأرض طين معروق في يدك مسبوغا بلون بشرتك الأسمر الحاد.

أنت لم تعد ولدي. وأكذب إن قلت أني أستريح لأبوتك أو أستريح لولادتي هكذا في شهر أكتوبر. وصوتك الواهن غير المسموع على فراش الموت, وتقول: ولا ولدي يطاوعني والقرى تفر مني. وأكذب حين أنكرك, وأكذب حين لا أراك في عيوني, والأرض التي جاء عليها صوتك والطين الذي عدته.. طين. والماء الذي غسلك.. ماء, والشيخ الذي تلا آيات الله عليك.. شيخ. وتلفتني مع الشيطان ومضيت عني, تكظم غيظك مني.
"ولابد واحد فينا يرحل" وأمسكت وجهي ودسسته في طين النهر, ودار النهر بي, وفي رأسي ماد الموج وعلا الهدير.

وأن "صفاء" لما مشيت لي في الليل, وجاءتني من باطن العشق, لم تكن سوي حفنة من الماء في يدي كانت هنا الآن ممزوجة بطين الأجداد. ودخلت شفتيها وحدي واستطبت الحصار, ووعدتها بسماع صوت الأرض وانتقلت من سطر إلى سطر, إلى حكايات طويلة, وعرفتها معرفتي وقلت: لم أعد صغيرا يا "صفاء"... وقالت لم نعد يا حبيبي ويا ليتنا ما التقينا.
اشتريت لها عروس البحر وأهديتها ضفدعة وأعطيتها ظهري ومضيت للمدن. وأنا فرحان وما اشتكت ولا بكت إلا أن صوتها المحزون كان واهنا وشجيا ومتقطعا. وربما بكت وربما ناقشت كل الاحتمالات. وأنا فزع عند قدميك يمضي الرجال الجالسون من حولك وأنت تصرخ فيهم. وأسألك كيف يا أبتِ تغضب وأني لست ولدك ولا من صلبك كنت, ولا من سلالتنا أحد فعل.
وأكذب ألف مرة إن قلت لك أني من الطين الذي من الأرض خرج وفوق يديك استكان وعاد وتصير لا شيء يا أبتِ, رغم أني كنت معلقا علي مسامعك, أعرف كلامك من أين يجيء. وإذا جاء وعدنا ووعدك, وترقد في الفراش ليال وترفض أن أدخل عليك وتطلب للناس أن أقبِّل يد الشيخ وأن أدخل المسجد, أن أفعل أفعالك وأن أتزوج "صفاء" أو أذهب للمدن التي كنت فيها فاجرا, وأن يجيء طبيب غيري لك. والرجال الذين يشفعون لي عندك يسمعون آهاتك في الليل الحزين الذي كنت فيه وحدك وكنت معي.

لم أعد صغيرا يا أبتِ وبكيت.. بكيت وفسخت عليك الباب ودخلت. علقت دمعك النازف على ألمك من الحقن ووددت أن أتشمم ريح الأرض, حين رأيت المرأة التي جرت في المزارع ورأيتك في الأسماء وفي اللوحات والصور وغرفتك. وأشرت بيدي عليك وقلت ها هو أنت. أنت الذي هو أبي, ولكنها صرخت في ذاكرتي وصفاء تغسل وجهها الدموع في الليل وتقول معي: "الليل ليلي وهذا القلب لك".
وظهرك المقسوم على السنابل يضيء الضي في عمري ويسبح في الزروع يخنق يدي وهي تمتد لتكتب اسمك الذي أحمله فوق اسمي وصورتك في جوفي. وهمس النيل في عينيك همس, وأقول أني رأيتك تبكي وعلمتنا أن البكاء للنساء.

وأكذب يا أبتِ وافعل أفعالك, وأصرخ في النسوة الجالسات وفي الرجال وأنت تغوص في البئر العميق, تسبح في الملكوت وحدك. وأنا في دوامة الشوق الممتد إلى لا شيء, شوقي المستحيل إلى وعيك المتسرب إلى شيئك/ شيئك الذي لا أعرف.
و "صفاء" في الليل العميق باكية حين تنسى صدرها مفتوحا أمامي, والكرسي تحتها كان دافئا.. دافئا وجسدها يهتز ويتقلص بين أصابعي. وقلت "واحد فينا يرحل". وسألتك كيف أصعد للكهف؟ كيف أراك جزئي المختفي في سراديب الكهف العالي. رسامات وجهك الناضج كالثمار علي الغصون. جالسا في البرواز القديم في حجرة الصالون, شامخا ومهيبا حيث لم أر. عبثا أحاول أعيدها "صفاء".. وأعيدك.

وأكذب يا أبتِ.. أنه فوق قدرتي وفوق توازني وفوق إمكاني، علي الانسحاب من كل شيء حولي. والطين الذي كان في يدك طين. "وأنت لم تعد أبتِ!!"


[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  أحادية واحدة لكل واحد

 ::

  متابعات في الدائرة الجنونية

 ::

  إيقاع الخروج

 ::

  اوامر امرأة متوحشة


 ::

  كيف تصنع كتابا إلكترونيا؟

 ::

  تغيير الوضع الراهن مسؤولية فلسطينية

 ::

  بالألوان الطبيعية.. أماناتنا وشبابنا وثرواتنا

 ::

  التضامن المنشود في مواجهة التحديات

 ::

  إستراحة ....مقاتلين.....أم أموات ؟!!

 ::

  بوش الرئيس المتمرد

 ::

  من هو الله؟

 ::

  مسامير وأزاهير 162 ... من بركات قافلة الحرية!.

 ::

  سوريا ... ذاكرة مختزلة وأمة مستعبدة!!

 ::

  الثورة السورية...صدمة أنجبت صمودا



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  وأخيراً اعترف البعير

 ::

  قصة قصيرة / حياة بنكهة الشّعْر و البطاطس

 ::

  كيفية حل مشكلة الدولار في مصر

 ::

  أخطر سبب للإرهاب!

 ::

  خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في مفهوم القانون الدولي العام

 ::

  دراسة: أطفال النطف المهربة ثورة انسانية للأسرى الفلسطينيين فى السجون الاسرائيلية

 ::

  رمضان لن يغيِّر سلوك الإرهابيين!

 ::

  قمة نواكشوط… وتسمية الخطر الإيراني

 ::

  مدينة "بني ملال" بما لا يخطر على بال

 ::

  الجنسية العربية.. ذل و مهانة

 ::

  (إسرائيل)، وحملة تزوير الحقائق

 ::

  الإسلام والماركسية علاقة الالتقاء والاختلاف 2

 ::

  قبل أن تهربي من أسرتك اقرئي مقالي

 ::

  لماذا سيسقط داعش وأمثاله






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.