Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

الاستاذ فؤاد نصر الله في لقاء مع الشاعرة سلمى الجيوسي
الاستاذ فؤاد نصر الله   Sunday 22-01 -2006

الاستاذ فؤاد نصر الله في لقاء مع الشاعرة سلمى الجيوسي الاستاذ فؤاد نصر الله في لقاء مع الشاعرة سلمى الجيوسي
قدت مظاهرة في عكا وعمري ثماني سنوات .. وبرونا مشروعي العظيم
طالب أمريكي جاهل أطلق الشرارة الأولى لمشروع بروتا الثقافي


الاستاذ فؤاد نصر الله

هي أكاديمية شهيرة ، ومثقفة مجتهدة ، وقبل كل هذا شاعرة محلقة ضربت في حقل الدراسات الأكاديمية بسهم وافر ، وحين تأكدت أن العقل الغربي بحاجة إلى جهودها ليفهم العالم العربي كما ينبغي رأت أن تسعى لتنويرهم بما لم يعرفوه عن جذور تلك الحضارة العربية الإسلامية العريقةوإنجازاتها الواسعة، غامرت واستقالت من الجامعة ، وبدأت مشروع " بروتا " الذي تعجز عن القيام به مؤسسات رسمية ذات ميزانيات ضخمة . لا تصدق أن هذه المرأة التي تسير في الطريق بصعوبة تتحول إلى مقاتلة شرسة وهي تدافع عن ثقافتها العربية ، وتحاول أن تقنع الغرب عبر عشرات الكتب المترجمة والدراسات الحصيفة أن أدبنا الحديث يملك من الميراث الحضاري ما يؤكد تفوقه وبعده الانساني ، وقدرته على التفاعل مع مستجدات العصر . الدكتورة سلمى الخضراء الجيوسي سافرت ، وتجولت في أغلب العواصم العربية والغربية، وألقت محاضراتها القيمة في العديد من الجامعات الأوربية والأمريكية ، ولكنها قبل كل هذا تصر على أن يكون لنا حضورنا الأقوى ، وفاعليتنا التي ترى هي أننا نطمرها في ركام العادية والمألوف، أو ندفنها جهلا وإهمالا وضعف إيمان. تعالوا بنا نسافر مع هذه المقاتلة العنيدة لنتعرف على رحلتها الثرية ، وإنجازها الثقافي الضخم في مجال الترجمة إلى الإنجليزية وفي مجال الدراسات ، ولكي نعرف كيف تفكر
* نستضيف الشاعرة المعروفة ، والمؤرخة الأدبية ، الكاتبة الكبيرة في مجال الأدب والثقافة سلمى الخضراء الجيوسي ، في زاوية بداية مشوار .
لتحدثنا عن حياتها ، وطفولتها ، ومسيرتها الشاقة الطويلة ، فهي بالتأكيد تكتنز كنزا اجتماعيا وأدبيا كبيرا. مجددا نحاول أن نحصل على جانب منه في هذا الحوار .

بداية متى وأين ولدتِ، وما هي مكوناتك الثقافية الأولى التي شكلت فضاء حياتك؟
- ولدت في شرق الأردن بالصدفة، فوالدي فلسطيني، وأمي لبنانية، ولدت في «السلط» ولم أعرف قط الفرق بين الأردن وفلسطين، فهما بلد واحد، نفس المناخ وطبيعة الأرض وكل شيء، وأنا حتى الآن أرفض هذا التمييز فهو مصطنع وخاطئ.
لكنني نشأت في فلسطين وكانت أمي مثقفة، تعلمَت جيداً، وكانت تقرأ كثيراً في الانجليزية، والعربية.
أما والدي فقد كان مجاهداً فلسطينياً، درس المحاماة عندما كنت أنا في السادسة من عمري حتى يدافع عن الأراضي الفلسطينية، وقد نجح فعلاً في انتزاع تسع قرى من أيدي اليهود بالبحث الدقيق الصبور عن السندات الأصلية (الكواشين)، كان يبحث في أعماق الليل عن هذه الحجج والمستندات في أقبية المساجد، وفي قباء الزوايا، يفعل ذلك عن يقين، وكما قلت استطاع أن ينقذ بفضل جهده وإخلاصه تسع قرى من أيدي اليهود ثم بلعها اليهود يوم أقامـوا دولة إسرائيل.
والدي وأمي لم أسمعهما قط يقولان شيئاً كاذباً.نشأنا في بيت أخلاقي جداً، ووطني جداً. هذا أهم شيء في نشأتي، وقد دفعني والدي إلى التعلم فدرست الابتدائية والثانوية في مدرسة ألمانية بالقدس، وأرسلني إلى الجامعة، وقبل وفاته بشهرين وكنت مسافرة إلى زوجي في مدريد، وكان دبلوماسياً أردنياً، قال لي: «يا بابا، لقد دفعتك إلى العلم عندما كنت تعيشين معي، والآن أصبح عليك واجب آخر، وهو الحصول على الدكتوراة».
هذه كانت وصيته الأخيرة قبل أن يتوفى عام 4591م، عندما ذهبت لامتحان الدكتوراة في الأدبين العربي والإنجليزي، كانت كلمات والدي ترن في أذني، صحيح أنني كنت أريد أن أدرس الطب، لكن والدي قرر هو ووالدتي أنني لن أستطيع أبداً تحمل حصص التشريح.
أمي القصاصة وأبي المحامي
أكنت رقيقة الحس؟
- نعم كنت مرهفة الإحساس أتألم لكل ما يحدث للآخرين من ســوء، لكن كان يمكن أن أتحمل التشريح، فمع الإصرار برهنت فيما بعد على أنني أستطيع دائماً أن أتحمل ما يجب أن يـُـتحمل. تحملت الكثير ولا سيما في مشروعي الثقافي، تحملت ما لا يستطيعه الرجال. تعودت أن أتحمل الكثير خدمة للواجب وهذا بلا شك يتعبني ويؤثر على صحتي كثيراً. أنا أبغض العذاب الخالي من المعنى، العذاب الذي ينمو من جهل الآخــرين وحقدهم ومركباتهم المربكــة، وأحقد عليه، وفي مجال عملي تسبب هذا في تأخيره.
حدثينا مرة ثانية عن طفولتك خاصة ثقافتك الأولى؟
- طفولتي؟ فتحت عينيّ على والدي يخرج من سجن ليدخل إلى سجن، فهو سياسي، ومناضل. أسأل: أين أبي؟ فيردون: في المنفى. أو في المعتقل، أو في السجن. لم أر والدي جيداً، وكلما أتذكر ذلك، أبكي الآن، لم أسمع منه جيداً سوى أقل القليل.
كان متميزاً، علمني الدقة، دقته في العمل كانت عظيمة، وقدرته على تحمل العمل والمسئولية عظيمة وكل نجاحي مستمد من تلك الدروس الباكرة الصامتة التي أخذتها عنــه. الشيء الذي يجب أن تعمله اليوم لا تؤجله إلى يوم آخر.
خرج في إحدى المرات من السجن، وكان قد بقي على الدعوى التي كان قد قدمها للمحكمة ثلاثة أيام حتى يرسل جميع الأوراق ليستأنف الحكم، وإلا سينفذ الحكم السابق، وهو ضدنا. ثلاثة أيام، وهو خارج من السجن، لم يكن أمامه إلا أن هاتف جميع المحاميين الذين يعرفهم، وقال لهم: أرسلوا سكرتيريكم - وكان أغلبهم من الرجال في ذلك العهد - مع الآلات الكاتبة. كان ذلك في أوائل الأربعينات، وقد عملوا على الأوراق ليل نهار، وانتهوا في الساعات الأولى من النهار الموعود.
كان موعد المحكمة الساعة العاشرة، فإما أن يقدموا أوراقهم التي تثبت حقهم، وإما أن ينفذ الحكم السابق. وضع أبي الأوراق جميعها في سيارة، واستأجر سيارتين أخرتين مع سيارته، حتى إذا وقع حادث لا قدر الله للسيارة الأساسية وللثانية يكون هناك مخرج من المشكلة، هذا أمر كنت أراه خارج نطاق التصور، فهو يتوقع كل الاحتمالات، ويجب ألاّ يخسر الدعوى.
لم تستعمل السيارتان الأخرتان، ولكن هذا يعطيك مؤشراً على أسلوب تفكير أبي، مثل هذا الأمر علمني الكثير من الأشياء. أرأيت الدقة والحرص والوطنية؟
خالي - شقيق أمي - استشهد في معركة ضد الفرنسيين في حرب الدروز، فأمي درزية الأصل، ولزواج أمي بأبي قصة طريفة، وهي جميلة جداً، لا يمكن سردها هنا.

هل لأن زواج السني من درزية مشكلة عندهم؟
- طبعاً، كان زواج الدرزية من سني مسألة ليست سهلة في ذلك الـوقت حيث التقاليد صارمة للغاية. ولكن الأمير فيصل أمير سوريا يومئذ سمع بالأمـر وتدخل لصالح والدي، فخطبها لأبي من خالي أمام مشايخ حوران الدروز، فاضطر خالي إلى القبول (ضحك)، ودعا الأمير الجميع إلى عقد قران أمي في بيت أخيه الأمير زيد في المــزة، وكان الجميع في دمشق والمزة قريبة. وهذا ما حدث كما رويت الحكاية لي.
ما أقصده أن قصصاً كثيرة في خلفيتي، وهي قصص جميلة جداً، أسجلها وأكتب فصولها فيما أسميه «لــوحــات»، هي لوحات من حياتي، لأنه سيأتي وقت أغادر فيه هذه الحياة، وعندي أشياء كثيرة أود أن أقولها قبل ذلك. يود أصدقائي وزملائي أن أكتب سيرتي كاملة ولكن أين الـوقت؟ استشرت الصديق الدكتور عزت خطاب وأنا أعتمد على رجاحة رأيه فأكــد على ضرورة كتابــة السيرة جميعها، ولكن أين أجد الــوقت؟
كان والدك يخرج من سجن ليدخل سجناً آخر ولا تلتقيه إلا قليلاً، وماذا تتذكرين أيضاً من طفولتك؟
- كانت أمي متعلقة بالقصص، مثل والدها، جدي لأمي كان طبيباً، جراحاً، وكان أيضاً مولعاً بالأدب: القصص والروايات. كان يقرأ الأدب باللغة الانجليزية، وأنت تعرف أن ليالي الشتاء في لبنان طويلة، فيجلس مع الجيران والأهل والأصدقاء، يحكي لهم رواية، فإذا تذكر أن ثمة مريضاً يحتاج إلى الزيارة، يقطع حديثه، ويخبرهم أنه يريد أن يزور فلاناً، فيقولون له: لم يرسل إليك!
فيرد عليهم: يا ويلكم من الله، هذا فقير، كيف يرسل لي وليس عنده مال، لا بد أن أزوره، وكان يذهب لعيادة المريض، وينتظرونه حتى يعود ليكمل فصول رواياته الطويلة.
كل أبنائه ورثوا عنه ذلك: أمي وأخوالي وخالتي. أخذوا عنه حلاوة السرد، فإذا أنت جلست إلى أمي أو خالتي وهي تقص حكاية، فأنت لا تريد أن تترك المكان أبداً
وعندما يكون ثمة شيء مرعب، تشعر برعب شديد، أما إن كان القص مبهجاً فتفرح. أنا لا أستطيع هذا، أنا أكتب فقط، ولا أستطيع الرواية الشفهية كثيراً. ربما لأن ظروف حياتي مختلفة.

مظاهرة عكا والراديو
تصاحب الإنسان حدس معين وهو في سن الطفولة، هل حدث معك هذا؟
- عندما كنت صغيرة في سن الثامنة أو التاسعة من عمري انتابني حدس أنني سأفعل شيئاً مفيداً في حياتي. كنت أراقب نفسي، وأدرك أنني سأقدم شيئاً. استمر هذا حتى العاشرة، ثم تركت الفكرة، لكن هذا الإحساس بامتلاكي القدرة على أن أكون شيئاً عاودني فيما بعد.
عندما فكرت في تأسيس مشروع «بروتا «في مطلع الثمانينات لم أكن أدرك أنه سيتسع ويصبح بهذا الحجم، فقد تركت التدريس، وهي مغامرة لا يقوم بها أحد ممن أعـرف. الحريصون لا يقومون بهذا.
هل كان للارتحال إلى مدن مختلفة وأقطار متباينة في خصائصها أثر في تشكيل وعيك؟
- ذهبت مع زوجي إلى عدة بلدان فقد كان دبلوماسياً، وأفادني هذا كثيراً بالطبع ولكني لا أظن أن هذا هو ما أثـر بي. كان دائماً عندي حس شبه يقيني لعمل شيء مفيـد علــى الصعيد العــام وكان لهــذا أنني أردت أن أدرس الطب فقد كنت أحلم بأن أكـرس يومين في الأسبوع لزيارة القـرى وعيادة المــرضى فيها دون مقــابل. وفي مشروعي الثقافي قمت بأشيـاء كثيــرة دون مقابل على الإطلاق.
هل كنت طفلة مشاغبة رغم هدوء الجو الأسري الذي عشتيه ونقاوته، أم تأثرت بالبيئة خارج أسوار المنزل التي تعيش شحونات عارمة ضد الاحتلال؟
- عندما حدثت المشاكل بين العرب واليهود في فلسطين، كنت في سن صغيرة، تقريباً ثماني سنوات وكان بيتنا في عكا، قامت الجموع بمظاهـرة ولم أكن أفهم معنى المظاهرة، ولكني ذهبت معهم وأحسست أن هذا شيء رائع، فالمظاهرة تحمس الناس، وتلهب المشاعر، فصرت مع الوقت أقوم بالمظاهرات، وأقودها.
تصور طفلة صغيرة تقود المظاهرات وتمشي في شوارع عكا. لقد طلب مني أهالي عكا أن أواصل معهم ذلك، وكنا نجعل الرجال يتركون المقاهي وينضمون إلنا » يالله مظاهرة.. مظاهرة ». فجزعت أمي من كثرة هذه الحركة، وقالت: هذا مبالغ به. لنرسلها من البلدة.
وبالفعل أرسلتني إلى بيت خالي بالأردن، فاعتبرت ذلك نفياً، وأضربت عن الطعام. تعب مني خالي، وقال: أحسن شيء تعودين إلى أمك. كانت معي أختي وهي أصغر مني بسنتين. فعدنا وصادف هذا يوم الاحتفال بمرورمئة يـوم على إضراب فلسطين الشهير الذي استمر ستة أشهر وذلك سنة 6391م.
كانت عكا قدأعدت لهذا مظاهرة كبيـرة، فقالت أمي لمن معها: الحمد لله سلمى ليست هنا.
وصلت إلى المحطة، وأنا في طريقــــــي إلى البيت صادفتني المظاهرة، فانضممت إليها وسرت أمام الجموع أهتف.ورأتني أمي من بعيد فقالت: هذه البنت تشبه سلمى، سبحان الله.
فإذا بها تكتشف أنها سلمى بالفعل. قالت لي عندما عدت إلى البيت: أعوذ بالله. ما الذي جاء بك إلى هنا وفي هذا اليوم بالذات؟ قلت لها: لقد أفلس خالي في تهدئتي! أدركت أمي ذلك اليوم أنني إذا ما صممت على شيء فسوف أنفذه إن عاجلاً وإن آجلاً فكانت تـدعو أن تطيب أخـــلاقي وأن أختار النافع والمشرف.
لا أنسى أيضاً أول مرة أكتشفت الراديو. أخذني أبي معه إلى حيفا، ووضعني في بيت المجاهد رشيد الحاج إبراهيم إلى أن يقضي أعماله. جاءت ربة البيت، وكنت صغيرة، فقالت أنا ذاهبة إلى الزيارة وأنت اجلسي هنا يا عزيزتي واستمعي إلى الراديو.
لم أكن قد عرفته بعد. كان حديث العهد بفلسطين، أجلستني في صالونها، وصرت أفتح الراديو، واسمع ما يصدره من أصوات بعيدة.
لا أستطيع أن أصف لك إحساسي العجيب ولذة الاكتشاف لكوني متصلة بالعالم. إحساس مدهش أن تسمع أصــوات العالم وأنت في غرفة صغيرة. ما هذه الرياح التي أسمعها؟ لم أكن أعرف.
لكنني كنت أتأمل هذا العالم الواسع، وما به من رياح كثيرة وبلدان كثيرة، قلت في قلبي: يجب أن أرى هذه البلدان، علىّ أن أخوض هذه الرياح، وأدخل فيها. إحساس عجيب بالامتلاء، والفرح الشديد. هذه الرؤية والاحساس بالتماهي مع العالم، نحو اللا مرئي. هذا ما شعرت به، ولا أنساه أبداً إذ جلست أتمتع بالاستماع إلى أشياء لم أكن قد سمعتها من قبل ولا سيما عزيف الرياح البعيدة.

سنة غير سعيدة
وفي المدرسة كيف كان الوضع. هل ظهر نبوغك حينذاك؟
- لا أظن، فقط كنت أكتب الإنشاء لعدد كبير من بنات الصف، كل بنت كانت تأتي بكراستها لأكتب لها فأغير الأسلوب من إنشاء إلى أخـرى، وكثيراً ما كانت البنات يحصلن على علامات أكثر مني.
ما طبيعة الدراسة في مدرستك الأولى؟
- كانت مدرسة «شميدت» بالقدس، وهي مدرسة ألمانية، كما قلت سابقاً كنت مجتهدة في دروسي، وفي المرحلة الثانوية بدأ نشاطي العقلي المستقل، وكنت في البدء في الداخلية، وعندي ذكريات كثيرة لا يمكن سردها هنا، لا أذكر أنني كنت سعيدة فوالدي كما ذكرت كان في المعتقل: كل فترة الدراسة بالداخلية كان أبي بالمعتقل.
وماذا عن مستوى نتائجك الدراسية بالثانوية؟
- أخذت الشهادة الثانوية بالنظام الفلسطيني لا بالنظام الانجليزي. كنت تحتاج لكي تنجح في النظام الأول بستة مواضيع، وفي النظام الثاني بخمسة مواضيع، وكنت الوحيدة التي نجحت نجاحاً كاملاً وحزنت جداً على صديقاتي اللاتي لم ينجحن.
وعندما أعلنوا نتائج (المتريكيوليشين) كنت في زيارة لأقرباء لنا في غزة وأهلي يسكنون القدس، أرسلوا لي خبر أنني نجحت، وجاء لي هاتف من أبي: بابا ستذهبين إلى الجامعة.

حديثنا عن المرحلة الجامعية والانتقال إلى بيروت؟
- قال لي أبي عندما حضرت إليهم في القدس: ستذهبين إلى بيروت، إلى الجامعة الأمريكية. ذهبت وكانت تجربتي في السنة الأولى غير سعيدة، وأذكر أن أستاذة عربية كانت تدرسنا علم السياسة وبختني كثيراً لأنني وضعت دبوس الأوراق على اليسار، وأعطتني «مقبول «وصرنا في عراك مستمر طوال تلك السنة لكن في هذه الجامعة، وهي مرحلة هامة في حياتي صار عندي تجارب كثيرة. هناك أنشأت صداقات استمرت مدى الحياة والتقيت بمن أصبح زوجي. أذكر جيداً كيف كنت أخجل كثيــراً عندما أذهب للجلوس في المكتبة، كنت أختار أول كرسي لأجلس عليه، كنت أخجل من أن أمشي أمام الشبان، وكلهم من سني أو أكبر قليلاً. كان ينتابني خجل شديد.
بعد التخرج ونيل الشهادة الجامعية، أين كانت بداية حياتك العملية، وكيف تصفينها؟
- درّست في كلية المعلمات، وكانت أقوى الكليات عندنا لأن من يدرس بها كنّ من أوائل الصفوف من جميع مدن فلسطين. فكنت أدرس تلميذات ذكيات جداً، وكانت فترة ممتعة.
القصيدة الأولى
إذن متى تزوجت؟
- في عام 6491، وولـد لنا أسامة، ولينة، ومي وانتقل زوجي للعمل في روما، وبدأت معرفتي الحقيقية بالغرب، سافرت إلى روما، درست الإيطالية بشكل كامل تقريباً، وقد تعلمتها في شهور بسيطة، وكنت أتكلمها بطلاقة غريبة، وكان شكلي وقتها أقرب ما يكون للإيطاليات.
تركنا إيطاليا، ذهبت إلى زيارة أهلي في دمشق، وسافر زوجي إلى مدريد، حيث انتقل عمله إلى هناك، بعد مدريد التي بدأت أكتب فيها الشعر انتقلنا إلى بغداد وقضيت هناك سنتين مؤثرتين في حياتي، وهناك كنت سعيدة جداً؛ فالعراقيون من ألطف الشعوب معشراً.
أنا أقول دائماً إن العرب أكرم الشعوب، والعراقيون أكرم العرب، إذن العراقيون أكرم الناس في العالم، عندهم عزة نفس، وإباء وكرم عجيب.
ليتك تتوقفين أمام الإرهاصات الأولى لقولك الشعر، فماذا عنها؟.
- حين جئت العراق كنت قد بدأت أكتب الشعر، وأنشره، حيث كنت قد بدأت كتابة بعض القصائد في مدريد، وكان أبي يحذرني ألا أكتب حتى تقوى لغتي، وأتمرس بها. أول قصيدة في مدريد بالمعني الحقيقي نشرت لي في «الآداب» هي قصيدة «أنا والراهب» وكان ذلك عام 4591م. كنا نسكن الطابق الخامس في عمارة بمدريد، وأمام بيتنا شارع ضيق يفصلنا عن دير مسيحي. سطح الدير يوازي الدور الرابع من عمارتنا، فكنت أنظر لأسفل فأرى سطح هذا الدير. في كل ساعة أصيل، وأصائل مدريد طويلة جداً في بداية الصيف. كان يخرج راهب شاب إلى السطح، ومعه كتابه المقدس، فيسيرعلى السطح ويصلي إلى أن تغيب الشمس كلية، وتعم العتمة.
كنت أعاني في مدريد وحشة شديدة، ولم أكن سعيدة أبداً لأسباب كثيرة. لقد كنت حزينة جداً أجلس إلى نافذتي، وأنظر إلى هذا الراهب وهو يصلي كل أصيل، ثم يذهب
وفي ذات صباح كتبت قصيدتي «أنا والراهب » وفي هذا اليوم لم يعد الراهب إلى السطح أبداً في موعده لم أره قط بعد ذلك،ولكني كنت قد كتبت القصيدة، فأرسلتها إلى الشاعر بدوي الجبل في سوريا وهو صديق وكان وزيراً للصحة يومئذ.
أدخل بدوي الجبل إليها بيتين من عنده، وذهب بها إلى سهيل إدريس في مقر «الآداب »ببيروت،ووضعها سهيل إدريس في الصفحة الأولى. أخبرني الدكتور سهيل فيما بعد أن بدوي الجبل ذهب معه إلى المطبعة ونزع بيديه ما كان مصفوفاً في الصفحة الأولى، وقال لعامل الصف، جهز هذه القصيدة هنا. ظهرت القصيدة في الصفحة الأولى للآداب. اختفى الراهب وبقيت القصيدة.

ما المحطة التالية للعراق.. في سلسلة انتقالاتك؟
- استغرقت حياتي في بغداد سنتين، ومنها ذهبنا إلى لندن. حين استقر بي المقام وبدأت التحضير للأطروحة، في جامعة لندن، معهد العلوم الإفريقية والشرقية. أردت أن أكتب عن الشعر. وأبدأ التسجيل. قالوا: لا بد أن تأخذي أمتحاناً حتى نتأكد من أنك جاهزة، وأنك مطلعة على الأدب العربي في جميع أطواره.
وكان نظام الجامعة هناك هو أن تسجل للماجستير، وبعد حوالي سنة إذا وجدوا أن مستواك يؤهلك إلى مستوى أعلى ينقلونك إلى الدكتوراة. سجلت الماجستير وعيني على الدكتوراة.
وفعلاً عبأت أوراقاً لتقديم الامتحان، وكنت أظن أن دراسة الأدب مجدداً سهلة بالنسبة لي. لكن عندما بدأت أدرس جدياً استعداداً للامتحان، وجدت أن العقل قد صدئ، وذاكرتي لا تحمل التفاصيل أبداً. فأنا أعرف الأدب إجمالاً، لكن ذاكرتي لا تحمل كل التفاصيل.كنت في البدء مصرة على أن أقدم الامتحان في أبريل، وقد أعطوني موافقة مبدئية على ذلك، لكنني أكتشفت بنفسي أنني لن أتمكن مطلقاً من تخطي أي امتحان يعقد في أبريل، لأنني في الحقيقة لم أكن أمتلك المعلومات الواجبة بعد، وكان أستاذي وهو اسكتلندي مسلم قوي في مادته، عندما اكتشفت عدم استعدادي بعد للامتحان أردت أن أعتذر منه، لكنه عاجلني بأنه هو نفسه قد أجل الامتحان حتى يونيو (حزيران). أنا لم أفرح لشيء في حياتي مثلما فرحت بهذا الخبر السار.
وخلال هذه الشهور القليلة أمكنني أن أحضّر جيداً للامتحان، حتى إنه قال لي بعد الامتحان: إنك قد أبحرت نحو الميناء بسهولــة بالغة.
قصة الدكتوراه
بعد حصولك على الماجستير.. هل تقدمت كما يقر نظام الجامعة لنيل الدكتوراه.. أم ماذا حدث؟
- ذهب زوجي إلى ألمانيا، فقد نقل إلى هناك، وكنت قد بدأت الأطروحة، لكن ما حدث أن الحكومة أقالت زوجي من منصبه لأسباب سياسية لم نطلـع عليها بوضوح قط.
حصلنا على حق اللجوء السياسي إلى سوريا، كان ذلك أيام الوحدة مع مصر، لم يكن الوضع هادئاً أبداً، بعد سنوات من العذاب، ولم أكن قد حصلت بعد على الدكتوراة، تأسست وزارة الخارجية في الكويت، فدعي زوجي إلى العمل هناك، وذهب ليدرب القناصل الكويتيين في بـدء الحياة الدبلوماسية هناك.
في السنة التالية بدأت أعد للدكتوراة، وأخذت أولادي معي إلى لندن. بعد سنة من وجودنا في لندن استغنت الحكومة الكويتية عن زوجي بعد أن أنهى مهمته في التدريب الدبلوماسي.
كانت هذه سنوات التشرد الحقيقي، وربما كان هذا سبب الجفاء الذي حدث بيني وبين زوجي لأسباب لا تـُـستغرب في الواقع وكان ذلك في نهاية الستينات، وقد حدثت حرب 7691م وأنا أعاني من هذه المحنة.
أخيراً حصلت على الدكتوراة عام 0791م، حسب ما مرّ بي من ظروف، فلم يكن تأخري بيدي. بعد ذلك ذهبت إلى السودان حين دعاني إلى هناك الدكتور محمد الشوش وهو عميد الآداب يومئذ، وسلمني تدريس الشعرالحديث(وعنه كنت قد كتبت أطـروحتي) للصفين النهائيين في الجامعــة ثم أوكل إلي تدريس الشعر الأمــوي ولم يكن من ضمن تخصصي.ولما احتججت قال لي: أنت تفهمين الشعــر. وكان هذا الذي حسبته عدواناً من صديق قديم أفضل ما حصل لي فقد اكتشفت في الشعر الأموي أشياء لم يكن أي ناقد قد انتبه لها. إن طريقتي في التعامل مع الأعمال الشعرية هي أولاً أن أفهم العصر، ثم أقرأ الشعر، ولا أعتمد على ما قاله الآخرون أبـداً بل أكــون رأيي أولاً وثم أقرأ الآخــرين، لذلك فإن كتاباتي تجيء مختلفة.
وقد تثبتت علاقتي بالأدب الكلاسيكي عندمــا طلبت مني دار جامعة كمبريدج بانجلترا وكانت قد بدأت للتــو تعــد موسوعتها الكبيرة عن الأدب العـربي، أن أكتب لهم عن الشعر الأمــوي في مجلدهم الأول، ففعلت وأظن أنني قدمت فيه طرحاً مختلفاً.
هذه الدراسة أسست لي سمعة بالأدب الكلاسيكي، لذلك عندما بدأت أحرر كتابي عن الأندلس سنة 0991م، وأرسلت أدعو المتخصصين بالأندلسيات لمشاركتي في الكتاب، استجاب جميع الأوربيين والأمريكيين لدعوتي، وأظن أنهم بنـوا ثقتهم بي بناء على قراءة دراستي حول الشعر الأموي. ولم يتخلف إلا العــرب. دعـوت عدداً ممن كانت لهم مشاركات في الأندلسيات لكنهم وعدوا ولم يرسلوا كتابتهم في الوقت المحــدد،، وأسفت لأنني كنت أتمنى أن يكون معي عرب كثيرون. العرب الذين واصلوا معي ثلاثة غيري، بينما دعوت عدداً كبيراً سواهم ولم يكن بالإمكان انتظارهم لقرب حلول سنة 2991م.

كيف سارت رحلتك بعد السودان؟
- ذهبت إلى الجزائر، وكانت تجربة متعبة وأليمة للغاية. لا يمكنني أن أصف لك تلك الحياة المليئة بالعذاب، والإحساس بأنك في غير مكانك. لقد استقلت بعد مرور سنة واحدة على حضوري، ركبت سيارتي، وسافرت عبر الميناء من الجزائر إلى مرسيليا، ومنها عدت إلى لندن.
لقد أخطأوا كثيراً بمعاملتهم تلك للأساتذة، علماً بأنهم كانوا يعاملونني أحسن من غيري، لكنهم في الإجمال لم يعطوا المدرسين قيمتهم في ذلك الوقت، مع الأسف الشديد. وقد ذهبت إليهم لأنني كنت متحمسة للاشتراك في عملية التعـريب.

ماذا حدث لك في لندن؟
- قبل أن أكمل السنة عدت إلى الجزائر مرة ثانية كان الجزائريون قد فتحوا باب الدراسات العليا في جامعاتهم، ودرست أصــول البحث العلمي والإسناد وكنت أشرف على طالبين يدرسان في جامعة قسنطينة، وهما من منطقة القبائل، لكن لغتهم العربية قوية جداً.
فوجئت بدعوى من قسنطينة مع وعد قوي بأن يؤمنوا لي بيتاً مؤثثاً، ويتولوا ترتيب كل شيء حتى أرضى، فدفعني هذا إلى الموافقة، وكانت تجربة لا بأس بها. وهناك تعرفت على أستاذ إنجليزي متميز أصبح فيما بعد المحرر الأسلوبي الأول في «بروتــا».
وجاءتني الدعــوة للذهاب إلى أمريكا لمدة سنـة فلبيتها وكانت لي ابنـة في أمريكا،وقد شاء القــدر أن أبقـى في أمريكا وأن أبني فيهـا هذا العمل الذي اضطلعت بـه مختارة

ما فحوى هذه الدعوة هل هي للتدريس أم البحث، وكيف تسجلين ذكرياتك هناك؟
- للتدريس وكنت سعيدة جداً لأن طلابي كانوا أذكياء، وكان عددهم بسيطاً، والذين يدرسون هناك يحتاطون من تفاوت تلقي الطلاب، لكنني لجأت إلى الشدة، وإرهاق الطلاب، إلا أن تلك الطريقة أدت لاستفادتهم كثيرًا، وبسبب تلك الشدة التي عـُـرفت عني، انسل من صفوفي الطلاب الضعفاء الذين خشوا من هذا النمط التعليمي المتشدد، ولم يبق عندي غير الطلاب الجادين جداً، فاستمتعت بالتدريس.
وفي إحدى المرات، وكنت أدرس في جامعة تكساس، قال لي أحد الطلاب وكنت أسير مع مجموعة طلابي الأمريكان في الشارع العام: إن الثقافة العربية ضعيفة، ولا يوجد فيها شيء أصيل يستحق القراءة.
تأملت هذا الشاب الذي كان يدرس العربية وآدابها، وسألت نفسي: ما الذي دفع شاباً أمريكياً ليقول لي ذلك؟ وجاءني الجواب القــاهــر: لقلة مصــادر المعــرفة المتاحة لــه.
أوقفت المجموعة في الشارع، وقلت: أيها الشاب، سوف أريك.
من لحظتها قررت أن أترك كل شيء وأن أنصرف إلى نشر الثقافة العربية بالخارج. جاءت مقاومة الفكرة من كل الجهات: الجهات الصديقة والجهات المناوئة.
الجهات المناوئة معروفة، فهي لا تريد خيراً بالثقافة العربية، لكن الأحباء تحفظوا كذلك لأنهم كانوا يشعرون أنني لن أنجح في هذا المسعى، فأنا لن أجد أي مساعدة.
العرب عادة لا يشعرون بأهمية مثل هذه المشروعات، لذا قالوا لي: ستتعبين كثيراً. مالك ولهذا. ستخسرين التأمينات الجامعية. قلت: سوف أغامر.
كان أولادي قد انتهوا من دراساتهم الجامعية، وكل منهم قد استقر في حياته، فلم أكن مسئولة عن أي شخص.
«بروتا».. وكتاب «الأندلس»
هذه على ما يبدو الشرارة الأولى لمشروع «بروتا» فكيف ومتى بدأ العمل به؟
ـ في سنة 9791م دعتني كلية بارنارد في جامعة كولومبيا لألقي محـاضرتهم السنوية، وألقيت محاضرة عامةسحــول مشكلات الكاتب العربي حضرها عدد كبير وبعد حفل التعرف جاءني مدير النشر بجامعة كولومبيا، واسمه جون مور، وطلب مني أن أحرر لهم مجموعة متـرجمـة عن الأدب العربي المعاصر. قلت له: إذا استطعت أن أجد مساندة فسأفعل ذلك.
وكان أول من كاتبتهم وزارة الاعلام بالعراق، وجاءتني الدعوة حالاً فذهبت ووقعت عقداً معهم وبــدأ العمــل على مشروع بــروتــا عام 0891 م.
ما أهداف هذا المشروع، وكيف كانت انطلاقته الأولى ، و هل صادفت عوائق؟
- مشروع «بروتا »، يعنى بالترجمة من العربية إلى الانجليزية، وما أن بدأت العمل على المجموعة الأدبية الأولى وهي خاصة بالشعر الحديث، حتى بدأت أفكر في عمل مجموعة مهمة عن الأدب الفلسطيني المعاصر، وفي نفس الوقت اتصلت بي جامعة الملك سعود، عن طريق الأستاذ الدكتور منصور الحازمي، كان وقتها عميداً لكلية الآداب، ودعاني باسم الكلية للحضور إلى الرياض، وهناك اتفقت معهم على عمل مجموعة لأدب الجزيرة العربية.
بالنسبة للمجموعة الفلسطينية كلـّمت أخي، وجمعني بعدد من الفلسطينيين، دفع كل منهم 005 دينار حتى تجمع عندي مبلغ متواضع لا يكاد يكفي إلا مكافآت الترجمة فقط، وكانت بداية عــرف نحسبه مقدساً وهو أن نقوم بالعمل الفلسطيني دون أي مقابل فنختار له وقتاً يكون عندنا فيه شيء من سنـد يغنينا عن إهمال العمل عليه لحظة واحــدة.
أعود لجامعة الملك سعود، لأقول إن الجامعـة ساندتني مساندة كريمة وكذلك منحة العراق، مما مكنني من أن أخرج المجموعة الفلسطينية، وبدأت المجموعات تصدر واحدة وراء الأخرى. في نفس الوقت قلت: لا بد أن نعمل شيئاً للمسرح العربي، فالتقيت بالدكتورة سعاد الصباح، وقد ساعدتني مساندة فعالة في نفقات الترجمة، وهو ما طلبته منها، وبذلك أصبح تحت يدينا أربع مجموعات متنوعة.

ما الجديد الذي قدمه المشروع؟
- كنا نقدم على ترجمة مجموعات شعرية مختلفة، ونصوص قصصية وروائية، ومن أهم ما قدمناه ترجمة (رواية المتشائل) لإميل حبيبي وشعر محمد الماغوط ورواية ابراهيم نصرالله (براري الحمى) ومنتخبات من قصص غسان كنفاني وضمنها أقصوصته المدهشة (ما تبقـى لكم) ورواية حمزة بوقري (سقيفة الصفا) ورواية دماج (الرهينة) إلخ وجميع الكتب التي أختارها تعبر عن موضوع مهم أحب أن أنشر عنه أو عن مرحلة مهمة من الحياة العربية أي أننا لا نترجم لمجرد الترجمة.
وأحب أن أشير إلى أن أغلب هذه الكتب لم تجد من يسند ترجمتها ولكن من كان صاحب قضية فسوف يجد طريقة لتنفيذ مخططه. أنا استعملت ما كان يرد علينا من فوائد البنوك،
يوم كانت تلك الفـوائد جيدة.كنت أستخدم هـذه الفوائد في إصدار الكتب الصغيرة، وبذلك توافر لنا 72 كتاباً صغيراً، سبعة منها تم الحصول على مساندة مباشرة، والعشرون الأخرى ترجمت من فوائد المبالغ الموجودة في البنك. الآن لا تستطيع أن تقوم بالشيء نفسه لأن فوائد البنوك الآن انخفضت بشكل كبير، شيء زهيد لا يمكن تصوره.

وما قصة مشروعك كتاب الأندلس والعقبات التي واجهتك؟
- في أواخر عام 6891م، أو بدايات عام 7891م كنت أقرأ جريدة عالمية فانتبهت إلى أن سنة 2991م قادمة، وهي توافق ذكرى مرور خمسمائة عام على سقوط الحكم الإسلامي في الأندلس، قلت في نفسي: لابد من إصدار كتاب ليواكب هذه المناسبة. كتبت مخاطبة جميع وزارات الثقافة العربية، لم تفعل واحدة منها أي شيء، ولم يتنزل العـرب في إرسال أي رد بالاعتذار، بل التزمت أغلب الوزارات بالصمت. عرفت يومها أن أمامنا مشكلة حضارية لا يشعرون بحرجها. ولقد حزنت من قلبي على هذا المسلك. في تلك الفترة البائســة الملأى بالقهـر من استكانة العـرب، التقيت مصادفـة بأستاذة أمريكية باحثة متخصة بالأندلس.
سألتها: كيف حالك؟
قالت: لا تسألينني عن حالي، بل اسألي عن حال العرب.
قلت: لماذا؟ قالت: أنا عائدة الآن من إسبانيا. اسمعي يا سلمى. الإسبان يعدون احتفالات عظيمة لذكرى استعادة البلاد من العرب. والأمريكان يعدون كذلك احتفالات هائلة في ذكرى اكتشاف كولومبس للقارة سنة 2941م، كذلك فإن اليهود يعدون أكبر مؤتمر في تاريخ الإنسانية في اسطنبول يكرسونه لذكرى طرد اليهود من إسبانيا بعد ذلك التاريخ. فماذا فعلتم أنتم؟
- لم يرض سفير عربي واحـد أن يقابلني بينما احتفى بي السفير الإسرائيلي حفاوة بالغة!
أحسست لحظتها أن النار تنبعث من بين ضلوعي. قلت لها: كنت أحـاول أن يكون لنا مشاركة، وقد كتبت لجميع وزراء الثقافة العرب فلم يردوا. لا فائدة من ذلك.
وفكرت في نفسي: تـرى هل يساعدنا الأغا خــان؟ وكان عندي صديق شهيرمختص بالمدينة الإسلامية هو الأستاذ الدكتور أوليج جـرابـار، فذهبت إليه و سألته: هل يمكنك أن تساعدني في الحصول على دعم لكتاب عن الأندلس؟ هل تساعدني مع الأغا خان؟
رد علي: لِمَ لا؟ كنت أعرف أنه إذا اقتنع بالمسألة فلديه تأثير على الأغاخان، فكتبنا إليه وبدأت المشاورات. أنت تعرف أن الأغاخان هذا شخص مشهور جداً، فهو زعيم الفئة الاسماعيلية في العالم ـ ويهتم كثيراً بإنقاذ الآثـار الإسلامية، فكتبنا إليه ولم نحصل على خطاب بالإيجاب الكامـل إلا في مطلع التسعينيات بعد أن أمضيت 41 شهراً أتراسل مع وقفيته في باريس وجنيف. آه كم صبرت، ولكنني كنت واثقة من أنه سيساعدني في النهاية والحق أنه اختار مشروعي من بين عشرة مشاريع أخـرى عـرضت عليه. نلنا منحة منه للكتاب الأندلسي في مطلع سنة 0991م، وبإمكانك أن تتخيل مقدار السـرعة التي عملنا بها حتى ننهي كل شيء ونصدر الكتاب قبل مرور 2991م!
شراء العقول
ما فكرة هذا الكتاب؟
- أن ننشر كتاباً شاملاً كل الشمول عن الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، وذلك باللغة الإنجليزية. كانت حضارة عظيمـة سامقة هي أساس أنكره الغرب طويلاً في نهضتهم. لم أكن متخصصة بالأندلس، لكنني أعرف كيف أصمم كتاباً كبيراً وكيف أحرره مستعينة بالمختصين.كل هذا أعرفه بالغريزة، فأنا أقرأ وأكون رأياً، وأستشير الثقاة. إذا كنت ـ أنت ـ تستطيع أن تقرأ وتستوعب، وإن كان كبرياؤك لا تمنعك من أن تستشير من يفيدك، وإذا كنت قوياً وقادراً، فتستطيع أن تحرر كتاباً شاملاً كاملاً.
عندما أقرت المنحة حدثني المهندس المختص بمشسروعي إن المنحة جاهزة شريطةأن أوافق على القيام بمؤتمر حول الموضوع يعقد في بيت آل ظافر وهو بيت أندلسي من القرن الرابع عشر كان الأغا خان قد أقـر ترميمه ويجهز عام 1991م. كان الوقت محشوراً بالنسبة للكتاب الذين سأكلفهم، ولكني غامرت ووافقت، بل اقترحت بأن يدعى جلالة ملك إسبانيا لافتتاح المؤتمـر وهذا ما حصل وبنجاح مرموق. إن ملك إسبانيا من ألطف الناس. إنسان في منتهى الكياسة واللطف والتهذيب. شخص متمدن جداً.
بدأت العمل الجدي ربيع 0991م، بعد أن أنهيت أعمالاً كنت مرتبطة بها. في آذار /مارس تفرغت كلياً للأندلس وتركت كل شيءعـداه. ذهبت إلى لندن، وقابلت رحمة الله عليه الأستاذ والمؤرخ الشهير ألبرت حوراني، وكان يعزني ويكرمني، جاء ثلاث مرات إلى جامعة لندن، واجتمع معي فيها، وكل مرة كان يقدم لي عدداً جديداً من المصادر. وعدت، إلى بيتي في «بوسطن» وجلست منكفئة على عملي. أكاد أقول أقفلت علي الباب، وامتنعت عن مقابلة الناس، كنت في الصباح أذهب إلى الجامعة، أراجع مصادري من الكتب كتاباً كتاباً، حتى قرأت جميع الكتب التي أعطاني أسماءها الأستاذ ألبرت حوراني، وكنت قد أخذت أسماء مصادر أخرى من أساتذة آخرين واكتشفت عدداً سواها.
وماذا عن طباعة هذا الكتاب، من تكفل به أو طبعه؟
- في خريف سنة 1991م قررت أن أحضر مؤتمر دوائر الشرق الأوسط (MESA).
وهومؤتمر سنوي في أمريكا، ويشترك فيه جميع أكاديميي دراسات الشرق الأوسط. كانت غايتي هي أن أقابل أندريه ريموند وهو واحد من أهم المختصين بالمدينة الإسلامية (ذلك لأني كنت قد بدأت بالإعـداد لتحرير كتاب عن المدينة الإسلامية وأصبح عقلي منشغلاً بهذه الفكرة). لم أستطع أن ألتقي بأندريه ريموند، لأنني عندما ذهبت إلى الفندق الذي يقيم فيه كان قد سافر، لكنني التقيت في هذه الرحلة بممثل دار «بريل» للنشر بهولندا وكانت الدار قد نشرت لي كتابي المطول عن الشعر العربي الحديث.
سألني مسؤول الــدار: ماذا عندك من كتب جديدة؟
قلت له: كتاب شامل عن الأندلس. قال: نحن ننشره. قلت، بدهشة: أنت لم تره. فرد: نحن نعرف شغلك، ونريد هذا الكتاب.
ولكنني قلت للمسئول: سأعطيه لكم على شرط أن يصدر سنة 2991م، رد علي: إذا أنت اعطيتني إياه بحد أقصى ربيع 2991م سأصدره في الموعد الذي حددته لي.
وبالفعل، أرسلت إليه المخطوطة في إبريل (نيسان) 2991م، وصدرالكتاب الكبير في أكتوبر من نفس العام. 94 فصلاً وصــور عديدة وست خرائط، يقع في أكثر من 0021 صفحة، وقد ألم بجميع تفاصيل الحضارة الأندلسية من فن الطهي إلى علم الفلك، جميع مرافق تلك الحضــارة السامقة.
ارتحت كثيراً لهذا الإلهام الذي ذهب بي إلى ذلك المؤتمر وصدر الكتاب في أكتوبر (تشرين أول) 2991م.

جميل كل ما انجزته رداً على الطالب الأمريكي الذي وصم الحضارة العربية بأنها ضعيفة؟
- أنت تريد أن تعود بنا لحكاية جرت عام 0891م.. نسيت اسم الطالب، لابد أنه رأى شيئاً مما أنجزت، هو ليس مهماً غير أن كلمته كانت الشرارة التي أحدثت الحريق الكبيرفي نفسي.
وماذا عن تأسيس قسم «رابطة الشرق والغرب» الذي محوره الأندلس؟
- من أجل الأندلس أسست قسم «رابطة الشرق والغرب» وجاء تأسيسه مواكباً لصدور الكتاب عام 2991م، بعدها أصدرت كتباً عديدة، وبدأت أنتقل إلى قضية القدس، وهي مسألة تتقاطع مع الجانب السياسي، وفي هذا الصدد أعددنا 61 كتاباً.

تحريراً أم تأليفاً؟
- تحريراً، لكن كتب القدس لم أستطع نشرها كلها.

ما السبب في ذلك، هل هي ضغوط السياسة؟
- كانت هناك ثمةإشكالات، إضافة لعدم توافر الدعم الكافي، هي شبه جاهزة وبإمكان كتابها أن ينشروها كما فعل بعضهم.
بدأت التفكير أيضاً في مشروع كتاب عن «عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين». هذا المشروع الضخم بدأنا العمل عليــه، لكننا تعثرنا فيه كثيراً لأسباب مختلفة.

معنى هذا أن هناك مشاريع توفقين في إنجازها، وأخرى تتعرض للتعثر؟
- عندما أعمل بحريتي وبتفـرغ مضمون مع باحثين كاملي الــعــدة لا يتعثر بين يدي شيء، ولكن يحدث أحياناً أن يتدخل الآخرون بعملنا. غير أني رغم كل ما حـدث مما لا بــد منه في عالم لم يزل في فتــرة التجريب واكتشاف الأساليب الحديثة في التعامل، أنجزت (إلى جانب الكتب الصغيرة ذات المؤلف الــواحـد وعددها سبعة وعشرون كتاباً) أنجزنا إحــدى عشرة مجموعــة كبيـرة وهذا ليس قليلاً. وآمل أن نقوم بسواها في السنتين القادمتين.
إن تاريخ هذا العمـل تــاريخ معقد، متعتـه تتسـاوى مع عـذابـه.

ماذا غير مشروع الستة عشر كتاباً عن القدس؟
- مشروع المدينة الإسلامية.. وافقت إحــدى الجهات منذ سنوات على دعمهــا وبعد أكثر من سنة، أرسلــوا إلينا مشروع عقد، ولم أستطع قبوله؛ لأنه لم يكن لائقاً، لا أريد أن أذكر أسماء.

لماذا لم تستطيعي قبوله؟
- في هذا العقد يطلبون مني أن أقدم مشروعاً جديداً وأن يفرضوا علينا آراء ومقترحات. يحدث أحياناً أن من يريد أن يمول يعتقد أنه يملك فكرك، ويريد منك أن تنفذ ما يريده هو. وهذا مستحيل، فمعي لا يصلح هذا. أنا المؤسسة وصاحبة الفكــرة، كما أنني باحثة خلاقة. كتبي ناجحة 001، وعندما أجيء إليك وأعرض مشروعاً ما، فذلك هو، تقبله أو لا تقبله، أما أن تريد أن تفرض علي آراءك، وتلاحقني، فهذا لا يصح. هذه التعاملات لم تثبت لها أعراف مركزة في ثقافتنا المعاصرة بعد وسيحـدث الكثير من الشطط فيها. والحق أن أساس التعامل في هذه الأمــور يعتمد كثيراً على تمثل النــاس لمفهوم الحـرية والتخصص وهو مفهـوم لم يتبلـور عندنا بعد. السلطوية ما زالت قوية في كل مرافق الحياة، ومعها الذكــوريــة، وبسبب النقص في مفهوم الحرية واحترام التخصص ومراعاة الآخـر تحدث المشكلات. إن بعض المانحين يعتقدون أنهم، بما قدموه من دعم أصبح لهم الحق الدائم بالتدخل المستمر في عملك، وإن لم تمتثل فلهم الحق أن يأخذوا رطلاً من لحمك الحي من جهة القلب كما حدث في مسرحية شيكسبير «تاجر البندقية».
الصحافة لها نصيب
وهل تعطل مشروع كتابك هذا أم ماذا؟
- لا، فأنا أجهز أوراق المدينة في العالم الإسلامي بعد أن جاءته منحـة من صاحب السمو الملكي الأمير عبد العـزيز بن فهـد وهو شغـوف بتاريخنا الحضاري. والكتاب كبير جداً وقد أصبح الآن في مـراحلــه النهـائية. دعوت لتحريره معي ثلاثـة من أهم المختصين بالمدينة الإسلامية، أحدهم كان أندريه ريمون، وهو نفس الأستاذ الذي ذهبت إليه في مطلع التسعينيات ووجدته قد سافر.
مشروعك الأساسي «بروتا» هل ترين أنه قدم إسهاماً قوياً لتعريف المثقف الغربي بما أنجزته الحضارة العربية قديــــماً وحديثاً؟
- لقد أنجزنا الكثير. ولم يعد ممكناً لأحـد أن يقــول إن العـرب لا أدب عندهـم ولا ثقافــة مدنيـة كبيــرة. أظن أننا غيرنا خريطة الثقافـة العـربية في الغـرب إلى حـد بعيد ولو أن العــرب تمثــلوا هـذه الفـكرة تمـامـاً لكنــا أنجزنــا أضعاف هذا، على أهمية ما قدمناه حتى الآن. ولكنهم أضاعـوا فـرصاً كثيــرة ولا أظن أنهـم يدركون بعـد أهميــة الفكـرة التي تدفـع بنــا. رغم خطـر العـولمـة المحيق بهم. عندنا كنــوز عظيمــة تنتظـر التقــديم ولكنهم على ما يبدو لا يعبأون على الإطلاق إلا عـدد قليـل فقط.

ما أهم الإنجازات التي حققها مشــروع «بروتا» حتى الآن؟
- أصدرنا ونصدر ثماني مجموعات مترجمة للأدب الحديث لها جميعها مقدمة وافية تتحدث عن تاريخ الجنس الأدبي المعين في المجموعة. الشعر والمسرح (مجموعتان للمسرح العربي الحديث) والقصة والرواية ثم الفولكلورثم مجموعات تمثل قطراً عربياً بعينه كمجموعة الأدب الفلسطيني الحديث ومجموعة أدب الجزيرة العربية إلخ. هذه كتب تبلغ أكثر من 005 صفحة ومجموعة القصة يبلغ حجمها 0801 صفحة.
كما صدر عن المشروع كتاب عن البطل الأسطوري «سيف بن ذي اليزن».
أهم ما يميز عملي هو أنني استطعت أن أتصل بكبار الشعراء والأدباء الأجانب الذين اشتركوا معنا في الترجمة، وهذا شيء ليس سهلاً.
من المهم إذا ما أقدمت على مثل هذا العمل من ترجمة نصوص شعرية وأدبية أن ترى أن يعيد صياغته شاعر أو كاتب معروف. لم يحدث أن استعنت بشاعر مغمور أبداً.
هذا الأمر لا يدرك العرب أهميته، بل يظنون أنه أمـر متـاح وهو بالفعل ليس متاحـاً على الإطلاق.
أمــر آخـر: لم يعـد عندنا مشكلة في نشــر أعمالنا، وقضية النشر ولا سيما بالإنجليزية، قضية صعبـة ولكنها محلولـة بالنسبـة لي.
وماذا عن الكتب التي تحت ا

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  بلاغة التسامح

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور خالد الزامل

 ::

  جولة خادم الحرمين الشريفين الآسيوية: مكاسب في كل المجالات

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور المفكر الكبير شاكر النابلسي

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور عبد العزيز البابطين

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور المفكر ساسين عساف


 ::

  بدران وامير الانتقام

 ::

  أسرار وخفايا من تاريخ العراق المعاصر :المتصارعون على عرش العراق

 ::

  إيران تعد لتصدير الغاز إلي إسرائيل عبر تركيا

 ::

  مهزلة العقل البشري

 ::

  أرجو التكرم بإضافة توقيعى على بيان المبادرة الوطنية للإفراج عن المعتقلين

 ::

  قصصً قَصيرةً جداً

 ::

  مسرحية فلسطينية يشارك الجمهور في تمثيلها

 ::

  المرأة الإسرائيلية سلاح فعال ضد العرب!

 ::

  تحية

 ::

  الأدوية المستعملة في الأمراض المنقولة جنسياً والعدوى بفيروس نقص المناعة البشري HIV



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.