Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

أرملة...
مجدولين جبريل   Sunday 15-01 -2006

أرملة... اقترب مني بهدوء ... أحسست بعيونه تلمع بطريقة مختلفة... حضن يدي وبدأ يعبث بخاتم الخطوبة... نظر إلى عيني مباشرة وابتسم...
رددت على ابتسامته بابتسامة... ونظرت إليه متسائلة عما يجري... شدّ على يدي فأحسست برجفة تبث الدفء في كل جسدي... وتكلم: "حبيبتي... اتركيني لأملأ ذاكرتي بملامحك الندية... أسمعيني صوتك الحنون ليجعلني أقوى من كل شيء... اقتربي مني واتركيني أعانقك لتمديني بالدفء... تذكريني دائماً هكذا... واعلمي بأنني رغم كل شيء... أحبك وأريد لك ولأولادك وللوطن الأفضل بإذن الله..."
عانقني... وعانق شفتي بحنان شفتيه... وترك جبيني يتراقص فرحا بملامسة دفء شفتيه... وودعني لتكون هذه آخر مرة أراه فيها... لقد تفجر شهيداً هناك... في سوق تجاري... ولم يبقى منه سوى أشلاء تعرفوا عليه منها بصعوبة...
لقد أحببته ولا أنكر بأني أحببته قبل أن يحبني ويفكر بخطبتي... كنت أراه في طريقي للمدرسة يحمل كتبه في سلة دراجته الهوائية ينطلق بكل رشاقة... كما الريح يمر بجواري لتلفح بشرتي بهواء ساخن ينديها بالعرق الناعم... وأغرق في بحر احمرار الخجل بلا وعي مني...
عندما أنهى دراسته في ذلك المعهد... كنت قد أنهيت دراستي الثانوية... ولم أصدق بأن حلمي يتحقق بكل بساطة عندما دقت أمه باب بيتنا تطلب يدي لولدها الوحيد... ولم أرفض طبعاً وشكرت الله بأن معدلي في الثانوية العامة لم يسمح لي إلا بدخول ذلك المعهد... فلو ترك الأمر لوالدي لما سمح لي بالخطبة والزواج قبل إنهاء الجامعة...
مرّ العام الأول لخطبتنا كما النسمة... كنت وقتها أسعد مخلوقة فوق الأرض... فقد غمرني بحبه وحنانه وكنا كما طيري الحب... وكل شيء كان يسير كما خططنا له... أنهينا بناء البيت بمساعدة عائلتينا... وبدأنا بتأثيثه استعدادا لحفل الزفاف الذي كان سيتم في ذلك الصيف بعد إنهائي عامي الثاني والأخير في المعهد...
لكنه وقبل موعد الزفاف بستة أشهر بدأ يتغير في طريقة تعامله مع كل شيء... لم يتوقف عن حبي... ولكنه أصبح مختلفا عن ذاك الذي أحببته وحلمت بالاقتران به... لم أستطع أن أعرف سبب ذاك التغير حتى علمت ولكن بعد فوات الأوان… لقد كان يستعد للقيام بعملية استشهادية وراء الخط الأخضر… ودعني في المساء وانطلق… وعلمت بما جرى في مساء اليوم التالي من نشرة الأخبار…
هكذا أصبحت أرملة الشهيد قبل أن أذوق حقيقة حلاوة الحياة... لقد خطفت مني السعادة خطفاً... وقطعت وردتي الندية بمقصلة النسيان... ولكن لابدّ أن تستمر الحياة... وأستمر أنا... أنهيت دراستي... وعملت في مؤسسة أجنبية... وكان مدخولي جيداً... لم أذكر بأن هذه المؤسسة وفرت لي العمل لأني أرملة شهيد... ولم تدقق كثيراً في شهاداتي... وقتها انتسبت للجامعة المفتوحة... ولم يمر عامين حتى كنت قد أنهيت درجتي الجامعية الأولى... وهكذا أصبح راتبي أعلى بكثير من آخرين... نسيت أن أقول بأن والدي كان تاجراً ولم تتأثر تجارته بعكس كثيرين بالانتفاضة والإغلاقات .. لذا كنا نعتبر من العائلات الغنية القليلة في قريتنا...
كنت أذهب لعملي في المدينة القريبة وأعود لقريتنا دوماً بسيارة أجرة لأن والدي رفض أن أذهب بسيارتي وحدي... فهو يخاف أن أواجه شيئاً لا أستطيع تداركه وحدي... كنت أطلب سيارة الأجرة من مكتب السيارات الوحيد في القرية كل يوم... صاحب المكتب صديق لوالدي لكنه يصغره بعشرة سنوات... وربما خمسة لست أدري... والدي ينعته بالمحظوظ... فلقد كان الطفل الوحيد لوالديه... ورث أموالهما وهو في الـ 18 ولم يبذرها كأي شاب مدلل... بل أكمل دراسته الجامعية في مصر... وحصل على شهادة في الإدارة... ليعود ويمسك أعمال والده الكثيرة...
أبي يعرفه منذ أيام الدراسة في مصر... فلقد تأخرت دراسة والدي بسبب نكسة الـ 67 مما جعلهما زميلي دراسة... وعندما عادا تزوجا في نفس الفترة لينجب والدي 5 صبيان و3 بنات... أم هو وزوجته لم ينجبان سوى بنت واحدة تزوجت وسافرت إلى أمريكا... زوجته توفت قبل عامين... ومنها وأنا أسمع بأنه يبحث عن زوجة جديدة... قطعت سيارة الأجرة حبل أفكاري عندما توقفت أمام باب البيت...
· مرحباً يا ابنتي...
* شكراً لقدومك في الوقت المحدد...
· لا عليك...
نظرت إلى السائق بهدوء... لقد نمت علاقة من نوع ما بيننا... أصبحت أحبذ الركوب معه منذ ذاك اليوم... اليوم الذي أنقذني في من براثن ذئب بشري... وربما نظلم الذئب بتشبيهه له.. أذكر يومها بأني تأخرت في العمل.. وقد كانت الشمس قد غابت... وطلبت سيارة الأجرة كالعادة... وعندما وصلت أحسست بالضيق عندما رأيت سائقها... لأنني قد عانيت من تصرفاته.. فهو يتعمد البحلقة في وجهي من المرآة.. ويلمس يدي بطريقة متعمدة كلما أعطيته الأجرة... وفي هذا اليوم لم أرتح له نهائياً... فقد كاد يبتلعني بنظراته... وانتبهت إلى أنه يركز بنظره نحو صدري... أحكمت إغلاق معطفي وأشرت إليه بان يتحرك... عندها عدل المرآة ليستمر برؤية وجهي طوال الطريق... كانت الطريق طويلة ومظلمة... والجو بارد جداً... وكان يستمع لأغنية أجنبية تزخر بمعان وقحة... لم ادري هل تقصد ذلك... أم أنه يستمتع بالإزعاج فقط دون أن يفقه كلمة من ما يقال... بدأت بتفرسه من الجهة الجانبية... كنت كلما ركبت معه ينقبض قلبي عندما أرى وجهه المربع تتناثر في جوانبه شعيرات قاسية لم تحلق منذ مدة... عيناه مرعبتان تشعان بلون أحمر كأن الشرر يتطاير منهما... ولون بشرته الأبيض المنمش بطريقة غريبة... وشعره الأحمر الضارب إلى البرتقالي تتخلله بضع شعرات بيضاء لتعلن عن عمره الحقيقي...
فجأة أحسست بالسيارة تخفف من سرعتها... وتقف في مكان منزوي... نظرت إليه وسألته ماذا هناك؟؟ وقتها ادعى أن هناك عطل في السيارة وبأنه سينزل ليعاينها... التفت للأبواب بجواري واكتشفت بأنها لا تفتح من الداخل فأحسست بالانزعاج... وفجأة رأيته يتجه نحو الباب الذي أجلس بجواره ويفتحه ولم أستطيع تدارك الأمر عندما وجدته يقفز فوقي محاولاً اغتصابي... وبدأت بالصراخ ومحاولة إزاحته من فوقي... وبدأت أخاطب الإنسانية فيه وتذكيره بوجود الله ولكنه لم ينتبه لكلمة واحدة مما أقول وجل ما أراده في ذلك الوقت هو تمزيق ملابسي... وفي اللحظة التي اقتربت فيها من فقدان قدرتي على المقاومة همدت حركته فجأة وبدأ الدم بالتدفق من رأسه...
حاولت إزاحته من فوقي... لكني لم أستطع... وكل ما أتذكره هو وجه السائق العجوز يقول لي: " لا تقلقي يا ابنتي... لقد انتهى الأمر... هو لن يستطيع أن يؤذيك..." بعدها استيقظت في المستشفى... لأجد والدي يجلس بجواري... ووالدتي في زاوية الغرفة تبكي... عندما علما باستفاقتي... حاولا أن يهدئاني لأنني عندما رأيتهما لم أستطع التوقف عن البكاء...
علمت بعدها ماذا حصل... فلقد كان السائق العجوز في طريق عودته للقرية عندما لمح السيارة ولأنها من نفس المكتب الذي يعمل فيه توقف لاعتقاده بأن سائقها يحتاج لمساعدة... عندها سمع صوتي أصرخ طالبة للنجدة... ورأى السائق ذو الشعر الأحمر يحاول اغتصابي... فأسرع لسيارته وأحضر هراوة ضربها فيها على رأسه ضربة كانت كافية لإفقاده الوعي دون قتله... ومن ثم اتصل بمدير المكتب بعد أن أحكم وثاقه ووضعه في الكرسي الخلفي لسيارته... وحملني إلى الكرسي الأمامي وانطلق مسرعا نحو المستشفى... وهناك أخبر الجميع بأنه وجدنا في الطريق متأثرين بجراح نتجت عن حادث سير...
وهكذا أصبح ما جرى طي النسيان... وطبعاً فصل السائق ذو الشعر الأحمر من عمله... وحذره صديق والدي من العودة لقريتنا لأنه إن عاد لن يعلم بمكانه أحد حتى الذباب الأزرق... ومن يومها وأنا أطلب السائق العجوز بالاسم... لأنني لن أحس بالأمان إلا معه...
وصلت إلى مكان العمل وشكرت السائق العجوز بعد أن أكدت عليه بالقدوم بعد انتهاء الدوام... وأنا أستقل المصعد استمريت بالتفكير بما جرى... لو لم يأتي السائق العجوز في الوقت المناسب... ربما قتلت في ذاك اليوم... وفي أحسن الحالات كنت عشت مجللة بالخز والعار إلى يوم مماتي...
وربما أصبحت واحدة من تلك الفتيات أو السيدات اللواتي يحضرن إلي كل يوم بحثا عن معونة طبية أو نفسية أو مادية... فالمؤسسة التي أعمل فيها مختصة بحل مشاكل الجنس اللطيف في بلادنا... يحملون شعار إنقاذ مقموعة المقموع... فالرجل يمارس قمعا على المرأة رداً على قمع يمارسه الاحتلال والمجتمع عليه... فبذلك تصبح المرأة مقموعة المقموع... هذه الكلمات تعبئ مديرتنا رؤوسنا بها... ربما كانت على حق... وأن هناك شريحة كبيرة من مجتمعنا بحاجة لتوعية نفسية وتطوير ثقافي قبل حاجتها للخبز والملح...
لكن من يحدد حاجتنا لمثل هذه التطورات؟؟ ربما عندما نتخلص من القمع الذي يمارسه الاحتلال علينا نستطيع إيجاد حل لكل أنواع القمع الأخرى... رنين الهاتف يقطع حبل أفكاري من جديد... إنها المديرة تطلبني لمكتبها سريعاً... أستغرب لأنها لم تسأل عن زميلتي في المكتب... رغم أنها تأخرت عن العمل لأول مرة... وفي العادة مديرتنا تكره مثل هذه الأشياء...
زميلتي هذه من القدس... هي ليست زميلة فقط هي صديقة بمعنى الكلمة... صديقتي هذه وحيدة والدتها هي كل ما تبقى لديها بعد رحيل والدها... أقضي جل وقتي معها... وهي دائماً تزورني وتبات في قريتنا كلما سنحت لها الفرصة لأنها تعلم كم هو صعب حضوري لزيارته بوجود الجدار والحواجز والمعابر التي لا تعد ولا تحصى... سأتصل بها فور عودتي من مكتب المديرة لأستفسر عن سبب تأخرها لحد الآن...
عندما دخلت لمكتب المديرة وجدت موظفينا الـ13 يجلسون في الغرفة فاستغربت هل هو اجتماع مفاجئ؟؟؟ أم أن هناك خبر سيئ لا سمح الله؟؟؟ وكان الخيار الثاني... لم أصدق أذني عندما أعلنت المديرة عن إصابة صديقتي المقدسية بجلطة دماغية أفقدتها القدرة على النطق والحركة... لم أصدق ذلك... فلقد كنت قد هاتفتها مساء الأمس... واتفقت أنا وهي على تناول الغداء معا في قريتي... انهمرت دموعي بلا توقف وصرخت هذا كذب... كذب... وسقطت مغشياً عليّ...
عندما استيقظت وجدت نفسي على الأريكة في مكتب المديرة... والموظفين متحلقين من حولي... والجميع ينظر إلي بنظرات قلق ممزوجة بالخوف علي... أوضحت لي المديرة بأنها جمعتنا لكي نقرر كيف سنذهب لزيارتها خاصة وأن في الموضوع مخاطرة فدخول القدس لم يعد سهلاً... خاصة أنها حاولت أن تصدر لنا تصاريحاً للذهاب للقدس والمناطق التابعة لإسرائيل أكثر من مرة وكنا نقابل بالرفض من غير توضيح الأسباب...
وقتها لم أفكر بأي شيء سوى بأن صديقتي هناك ملقاة في سرير في مستشفى لا تستطيع التعبير عما يجول في خلدها بأي طريقة... نظرت إلى الساعة المعلقة على الحائط وجدتها تشير إلى الساعة 10:00 صباحاً وقررت أنه لابد أن أذهب إلى هناك بلا تفكير... وبأي طريقة... طلبت إذن لأذهب للبيت على أساس أنني تعبانه... انطلقت نحو الموقف حيث السيارات التي ستوصلنا إلى أقرب نقطة ممكنة من القدس... وعندما جلست في السيارة رأيته يجلس في الكرسي الأمامي...السائق ذو الشعر الأحمر... قررت النزول من السيارة وانتظار السيارة التي تليها بالدور... نزلت ووقفت على طرف الرصيف وإذا بأحد الموظفين في مكتبنا يقترب مني ويقول:" كنت أعلم بأني سأجدك هنا... فأنت ستلفين العالم من أجلها... لذا لم أستطع تركك تذهبين هناك وحدك..."
ابتسمت بهدوء ونظرت إليه... أنا أعرف بأنه يحبها جداًَ... وهاهو الآن سيخاطر من أجل زيارتها... فلقد سمعت من السائق بأنهم قد شددوا الإغلاق اليوم من دون كل الأيام... كأنهم علموا بحاجتنا لرؤيتها... لذا سيمارسون كل أساليبهم الهمجية لمنعنا من زيارتها... وأنا أعلم بأنها كانت تحبه أكثر ولكنها كانت تبعده عنها بكل الطرق..فهي لم تنسى يوما كيف هجر والدها والدتها... كانت صغيرة لا تفقه من الدنيا شيئاً عندما قرر والدها الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية... ولم يكمل العام هناك عندما أرسل لأمها يخبرها بأنه تزوج سيدة أمريكية فقط من أجل الجنسية... وأخبرها بأنه سيرسل لها أوراق الهجرة فور انتهاء أوراق الجنسية... ومرت خمسة أعوام دون أن يرسل لها شيء... وبقيت والدتها تعتني بها وبجديها العجوزين... وفية لزوجها المغترب... وعندما توفى جدها... حضر والدها للعزاء... وقتها خير أمها بين الطلاق أو البقاء كما هي لأنه لن يستطيع طلاق زوجته الأمريكية... وعلمت بأنه أنجب منها خمسة أطفال... والدتها كانت مقطوعة من شجرة... لا أب ولا أم... ولا أخوة... كانت تقول لي بأنها تذكر نظرة أمها لوالدها وهي تخاطبه بصوت هادئ قوي... "منك لله... أبوك مات بحسرتك... وأمك فقدت بصرها من كثر ما بكيت عليك... وبنتك ما ضللها حدا غيري... بدك تطلقني... طلقني.. ما بدك أنت حر... لأني أنا ما ضل بدي شي من الدنيا غير أربي بنتي وأكبرها... وأنت اطلع من هالدار وارجع مطرح ما كنت... وحسك عينك تعتب هالعتبة مرة ثانية"...
والدتها لم تكن امرأة أسطورية... لكنها فقدت كل مشاعرها تجاهه ولم تهن عليها نفسها... لذا بكيت بحرقة طوال تلك الليلة على شبابها الذي ضاع فداءً لرجل لا يستحق منها نظرة... لكنها بقيت وفية لوالديه لأنهما لم يقصرا يوما في حقها... فلقد كتبا جميع أملاكهما بيع وشراء باسم ابنتها وجعلاها وصية عليها... لذا لم يستطع زوجها مساس شعرة منهما... وربما هو حقا لم يعد يكترث لهما أو لأي شيء له علاقة بهما... حاولت دائماً اقناعها بأنه مختلف عن والدها... وبأنه تستطيع أن تكمل حياتها معه بأمان لكنها بقيت مترددة وخائفة من المستقبل!!!
قطع حبل أفكاري عندما سألني لماذا لم أركب... أجبته بأني لا أرتاح بمثل هذا النوع من السيارات لذا سأنتظر السيارة التي تليها... وعندما حضرت السيارة... ركبنا وانطلقنا نحو الحاجز الأول... وعندما وصلنا أخبرنا الناس بأن الحاجز مغلق أمام من لا يحملون هوية القدس اليوم... وعليه لابد أن ننطلق نحو الطريق الالتفافية... لنقضي ساعة أو أكثر في الطريق لنصل إلى مكان نستطيع الوصل إليه في أقل من 3 دقائق...
طوال الطريق بقيت أنا وهو سارحان لم نتكلم ولا كلمة... وفجأة توقفت السيارة... فنظرت إلى ساعتي... نحن لم نصل لأننا لم نقطع الوقت الكافي... توجه السائق بالحديث للجميع... متأسف لا أستطيع إكمال الرحلة معكم... لا بد أن تكملوها مشياً نظرت إلى السماء الملبدة بالغيوم ورجوتها أن لا تتهور وتغرقنا بمائها... وكأنها رفضت أن يكون الرجاء لها... وأصرت أن تعلمني بأن الرجاء لله وحده لذا لم تطأ قدمي الأرض حتى أصابتني مدافع المطر الرشاشة... وكان صعبا الركض أو الاحتماء تحت أي شيء في هذه الطريق الترابية التي تحولت إلى بركة من الوحل...
أمسك زميلي بيدي محاولاً الحفاظ على توازني وتوازنه... ولكنه لم يفلح بذلك... لأن سيدة حامل كانت تجر نفسها وصغيراً آخر انزلقت وحاولت التمسك في فأسقطتني وأسقطت زميلي لنستحم نحن الأربعة بالوحل... نظرت إلى نفسي وإلى الآخرين ولم أعلم هل أضحك أم أبكي... حاولنا بكل جهدنا أن نكمل الطريق بعد وقوفنا... وقد تأكدت بأن السيدة الحامل والصغير الآخر لم يصبهم أي أذى... فجأة رأينا رجلا يهرول باتجاهنا صارخاً اختبئوا... لقد جاء الجيش... وبدأ الجميع بالركض نحو مغارة قريبة... بدوا جميعهم يعلمون ماذا يفعلون...
داخل المغارة طلب الرجل نفسه من الجميع التزام الصمت خوفاً من أن تمسكنا دورية الجيش المفاجئة... فتصرفات هؤلاء الجنود غير متوقعة... خاصة أن أحد الشباب قام قبل يومين بطعن جندي على أحد الحواجز فأردته الطعنة قتيلاً... منذ ذاك اليوم وجميع الحواجز تعاني من حالة استنفار... والأوضاع شائكة في جميع المحافظات... والقصف مستمر على غزة وما حولها... أحد الموجودين تنحنح قائلاً: "في الغد عندما تفوز حماس سيتغير الوضع..."، رد عليه رجل آخر: " وهل تصدق بأنهم سيسمحون لها بالفوز؟؟؟"...
عندما عليت أصوات المناقشة... طلب الرجل المهرول من الجميع التزام الصمت والهدوء حتى تمر الدورية لنستطيع إكمال الطريق... بعد قليل خرج لتفقد الوضع ومن ثم طلب منا الاستمرار بالسير... أكملنا الطريق وبعد ساعتين وصلنا إلى الجهة الأخرى من ذاك المعبر... وركبنا سيارة أخرى أصر سائقها على أخذ الأجرة قبل التحرك... هذه السيارة توصلنا لمشارف حاجز آخر... هذا الحاجز يفصلنا أيضاً عن القدس... وأيضاً سنضطر لقطعه مشياً...
هذه المرة الرحلة لم تأخذ إلا نصف ساعة... ووصلنا بعدها للشارع الرئيسي... وركبنا الحافلة التي أصر علينا سائقها بسؤاله عن لون الهوية التي نحملها... وطبعا كذبنا عليه وأخبرناه بأننا نحمل هوية القدس... هذه المرة لم يتوقف لساني عن تكرار الآيات التي أحفظها والأدعية المأثورة... كل ذلك حتى لا توقفنا دورية مفاجأة... وصلنا المدينة القديمة... وكان لابد أن نأخذ مواصلة أخرى توصلنا إلى مستشفى المقاصد الإسلامية... عندها دق هاتفي وكانت أمي وأخبرتها بكل ما حدث... وطبعاً نعتتني بالمجنونة وقليلة العقل وأكيد متهورة... حاولت تهدئتها وبأني لست وحدي وبأنه سينتهي كل شيء على خير... لكنها أصرت بأني سأكون سبب موتها...
على باب المستشفى وقفت مترددة بالدخول... خائفةً وطبعاً خجلة من منظر ملابسي... ولكن زميلي شد من أزري واتجهنا نحو الاستعلامات لنسأل عن غرفتها... كانت في غرفة العناية المركزة... تجلس والدتها بجوارها وتحيط بها الأجهزة من كل جانب... وهي لا تحرك من جسدها سوى عينيها... خفت وقتها أن أنهار من جديد... لكن الله ألهمني الصبر والقوة وابتسمت وأنا أقبلها على جبينها وأشد على يدها... أحسست بعينيها تلمع بفرح غريب ممتزج بنظرة حزن... أو هكذا أنا ظننت....
نظرت إليه أحسست بأنه سيتهاوى... كان يبحث عن كرسي ليجلس عليه وعندما وجده سقط فوقه سقوطاً... اقتربت منه وهذه المرة أنا من طلب منه التماسك... وهمست له بأن اقترب منها فهي بحاجتك... وتوجهت لأبحث عن الطبيب المسؤول عن حالتها لأسأله عنها... وعندما وجدته أخبرني بأن حالتها صعبة ولكن ليست بالميؤوس منها... فربما بعد العلاج تستطيع الحركة والكلام... لكنها أبدا لن تعود كما كانت... فهي ستستطيع المشي ربما بواسطة عكاز أو عصا... ولكن لا أعتقد بأنه ستعود إلى العمل يوماً...
لم أستطع إيقاف دموعي... فالتماسك الذي حاولت إظهاره أمامها بدأ بالتهاوي... وأجلسني الطبيب على الكرسي وطلب مني التماسك من أجلها.. فهي الآن بحاجة لنا جميعا لنشجعها على الاستمرار... ذهبت لأغسل وجهي... وفي الطريق وجدت الناس يصرخون ويتدافعون... وسألت إحدى الممرضات ماذا حصل؟؟؟ فأجابتني بأن إحدى الدوريات الإسرائيلية أطلقت النار على سيارة أجرة فأردت سائقها قتيلاً انقلبت السيارة بالركاب ولكن الله ستر... ولم يقتل أحد آخر سوى السائق... وأشارت بأنهم نقلوا ركاب السيارة والسائق إلى هذه المستشفى... وأسرعت هي الأخرى نحو الباب.. وقفت هناك أنظر إلى تدفق الجرحى... ولمحته... السائق ذو الشعر الأحمر هناك ملق على الحمالة ساكن تغطيه الدماء بلا أنفاس... لم أدري لحظتها ماذا كان شعوري... أحسست بفرحة ممزوجة بالألم... فلقد كان قتله فرحة بالنسبة لي... ومستقبل لفتيات أخريات ربما كن سيسقطن في براثنه... وقفت هناك لبرهة وربما ارتسمت على وجهي ابتسامة استشفاء مسحتها سريعاً... ومن ثم توجهت لغرفتها فوجدته يجلس صامتاً هناك... وددت لو استطعت البقاء معها ولكن للأسف ما زال أمامي طريق طويلة للعودة... التفت نحوه... ولمست كتفه بهدوء لأقول له هيا فالتفت إلي كأنه يرجوني البقاء أكثر... ابتسمت وخيال حبيبي الشهيد يعانقني مبتسماً... عانقني... وعانق شفتي بحنان شفتيه... وترك جبيني يتراقص فرحا بملامسة دفء شفتيه... وودعني لتكون هذه آخر مرة أراه فيها...
أجبته لما لا... وجلست بزاوية الغرفة أنظر إليهما... وفي داخلي إحساس قوي يقول لي بأنها لم تكن النهاية... ما زال أمامهما طريق طويلة ليسيرا فيها معاً...

كانون أول 2005
[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  فرار

 ::

  ابتسامة... ومجرد إيماءة!!!!

 ::

  كراسي في الأراضي الممزقة!!!

 ::

  انطلق

 ::

  أربع ساعات وعينيك

 ::

  فلسطين... والانتخابات


 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  قائدة الثورة المصرية.. أسماء محفوظ..محطمة حاجز الخوف

 ::

  العلاج بالروائح العطرية

 ::

  الصحافة ايام زمان

 ::

  الفلافل.. مكونات مختلفة لوجبة متكاملة القيمة الغذائية

 ::

  مساواة المرأة بالرجل في الثرثرة!

 ::

  النباهة والاستحمار



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.