Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

نقاش جريء و مليء بالأسرار مع الكاتب الأميركي توماس فريدمان ج1
سمير عبيد   Monday 30-04 -2007

نقاش جريء و مليء بالأسرار مع الكاتب الأميركي توماس فريدمان ج1 (( مناقشة مع الكاتب الأميركي توماس فريدمان على ضوء الأفكار التي طرحها في الندوة التي نظمها برنامج الشرق الأوسط التابع لمركز الدراسات الإستراتيجية الدولية في واشنطن.. والتي كانت حول التواصل والحوار مع العالم العربي والإسلامي وكانت بحضور دبلوماسيين وسياسيين سابقين وممثلين عن منظمات غير حكومية ومراكز أبحاث ، وقسم من المهتمين بالشرق الأوسط))

نعتقد أن هكذا حوارات وإن كانت محدودة فهي محمودة، وخصوصا عندما تكون الآذان صاغية ومن الجانبين، وسوف تسير قدما عندما تتوفر النيّة الصادقة، ويتوفر عنصر الإحترام والذي يجب أن يكون متوفرا سلفا بين الطرف سين والطرف صاد، فأغلبنا كعرب ومسلمين نعرف الكاتب الأميركي ( توماس فريدمان) الذي يكتب عمود الشؤون الخارجية في صحيفة نيويورك تايمز، والذي هو من الأميركيين اليهود، وعندما نؤكد على الديانة فليست الغاية الإنتقاص من السيد فريدمان أو من اليهود، ولا حتى القصد هو كسب الجولة إستباقيا، ولكننا ذكرناها للأهمية، لأن المشكلة القائمة بين الولايات المتحدة الأميركية ودول وشعوب المنطقة، وعلى الأقل في عهد إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش هي مشكلة سياسية ألبستها بعض السياسات والتصريحات والتصرفات الأميركية ثوب الدين، ناهيك أن ساقها هو الإقتصاد، والساق الأخرى هي خليط من الإستراتيجيا الجغرافية والتعبوية والثقافية في المنطقة، ولكي نوثّق أن ما ذهبنا له صحيحا أي أن المشكلة هي سياسية ودينية، أي أن الأكثرية العربية والإسلامية تعتقد بأن الولايات المتحدة تحارب الإسلام بحجة مطاردة الإرهاب، ولقد توسع هذا الإعتقاد ولا زال يتوسع ،وأن توسعه يتناسب طرديا مع السياسات الأميركية الخاطئة، ومع الحملات الأميركية في العراق والمنطقة، وكذلك في أفغانستان، ومايحدث في فلسطين من إنتهاكات لحقوق الإنسان وتنكّر للقرارات والشرعية الدولية، فلقد أجرى مركز ( وورلد بابليك أوبينيون دوت أورج) وبالتعاون مع جامعة ماريلاند الأميركية إستطلاعا ونشر في 24/7/2007 وشمل 1200 شخص في أربع دول هي مصر وباكستان وإندونيسيا والمغرب وللفترة من ديسمبر 2006 الى فبراير 2007، ولقد ظهرت النتيجة بأن أكثر من 40% ممن شملهم الإستطلاع في الدول الأربع يرون أن الإسلام هو الهدف الأساسي للحرب التي تقودها الولايات المتحدة على الإرهاب، في حين أن 70% ممن شملهم الإستطلاع يعتقدون أن الولايات المتحدة تحاول إضعاف وتقسيم العالم الإسلامي، وبالمقابل فقد أجرى المعهد العربي الأميركي إستطلاعا تبينت نتائجه أن إتجاهات العرب أزاء الولايات المتحدة تزداد سلبيّة بعد غزو العراق 2003، وهكذا نشرت الإذاعة البريطانية ( بي بي سي) إستطلاعا عالميا فأظهر أن الأغلبية العظمى في 25 دولة لديهم أراء سلبية حيال السياسة الخارجية الأميركية، ولقد نشرت صحيفة ( الإندبندنت) البريطانية في 10/9/2006 إحصائية لضحايا الحرب على الإرهاب فقد ظهر أن أكثر من 62 ألف شخص قتلوا في تلك الحرب، بينهم 55 ألف مدني قتلوا مباشرة في العراق وأفغانستان فقط، وتم تشريد 4.5 ملايين آخرين.... ونتيجة ما تقدم يمكننا طرح بعض الأسئلة على السيد فريدمان والتي هي:
ـــ هل أن هؤلاء قتلوا وشرّدوا بسبب السياسات المكسيكية أو البرازيلية أو السويدية أم بسبب السياسات الأميركية يا سيد فريدمان؟
ــــ وهل أن الــ 55 ألف ( والعدد قد تضاعف طبعا لأن التقرير كان في سبتمبر 2006) الذين قتلوا هم من الإرهابيين، وهل هم الذين قاموا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، وإن كانوا من الإرهابيين فما هو الدليل؟
ــــ وهل تعلم أن الذين قتلوا ولو أخذنا أن 25 ألف منهم هم آباء وأمهات ويعيلون عائلات، ولنعطي معدل لكل عائلة خمسة أشخاص، وهو معدل منخفض بالنسبة للعائلات العراقية والافغانية، فسيكون عدد المشردين والمعدمين، والذين تحولوا الى الفاقة والشارع هو ( 25 ألف في 5 =125 ألف بحكم الميّت).
ـــ فهل قرأت أعلاه أن السلبيّة زادت بعد غزو العراق، يعني هذا أن الحرب الدائرة هي حرب الجدل وحرب اللامعقول، خصوصا بعد أن تكشفت الأسرار بأن العراق لا يمتلك أسلحة الدمار الشامل، وأن الرئيس صدام ليست له علاقة مع تنظيم القاعدة، وأن الحرب شًُنت بناءا على تقارير كاذبة ومفبركة ــ وهذا ماجاء على لسان بعض المسؤولين الأميركيين وإستنادا للتقارير التي نشرت ــ فما معنى هذا... ألم يكن معناه أن الولايات المتحدة دولة معتدية وتستحق العقاب، ويجب عليها إعادة العراق والدولة العراقية مثلما كانت قبل الحرب الأميركية على العراق؟
ـــ ألا تعتقد بأن الــ 70% الذين قالوا بأن الولايات المتحدة تريد تقسيم العالم الإسلامي كانوا على حق, عندما نلاحظ الدعم الأميركي للإستراتيجيات الإثنية والعرقية والمذهبية والطائفية في المنطقة... فإن كانت هذه ليست سياسة الولايات المتحدة فأني أطالبك أن تكون صريحا وتقول لي سياسة من إذن؟.... فأنا أعرف الجواب وأن الشارعين العربي والإسلامي يعرفان الجواب، ولكن نريد أن نسمعها منك يا سيد فريدمان.... فكيف لا يكونوا هؤلاء على حق، فخذ ما قاله النائب الجمهوري في الكونغرس الأميركي ( سام براون باك) لشبكة السي أن أن الأميركية في 24/4/2007 والذي إقترح ( تقسيم العراق الى ثلاثة دول على أن تكون داخل بلد واحد ، تتمثل في دولة كردية وأخرى سنية وأخرى شيعية مع بقاء بغداد عاصمة فيدرالية، والسبب لأن الولايات المتحدة لن تنجح أبدا في رأب الصدع بين الشيعة والسنة)... فلماذا تقسّمون العراق، فهل هو ضيعة أميركية، وهل أن المشكلة في العراق كانت مذهبية وإثنية أم هي مشكلة سياسية مع النظام السابق؟ ... وماهو ذنب الشعب العراقي والعراق في أن يكون ضحية سياسات الولايات المتحدة الخاطئة .. ومنذ متى كانت هناك عداوات بين السنة والشيعة في العراق، فهم قد عاشوا قرونا في هذا البلد متحابين ومتصاهرين ومتآخين، بحيث لا توجد قبيلة عراقية واحدة مغلقة بأنها سنية بنسبة 100% وليست هناك قبيلة شيعية مغلقة بنسبة 100% بل أن جميع القبائل مقسمّة الى نصفين سني وشيعي، وبينهما أعظم العلاقات التاريخية والإنسانية والإجتماعية.. فبأي حق يتكلم الساسة عندكم بسياسات تفصل الأخ عن أخيه، والحفيد عن جده، والزوجة عن أهلها وذويها ،والإبن عن أخواله وبالعكس؟
ــ وبما أننا نتناقش من أجل الإتفاق على صيغ وإتفاقيات مشتركة من أجل الخروج من المحنة، ونعني هنا ( شعوب ودول عربية وإسلامية) وعلى الرغم من أننا ضحية هذه المحنة التي أقحمتمونا بها أنتم، ولكن هذا لايمنع من ذكر بعض الشهادات والأحداث والنتائج السلبية التي سببتموها أنتم في دولنا ،وعلى حساب شعوبنا، فعندما قررتم الحرب على أفغانستان فهي الحرب الأولى في التاريخ والتي كانت ولا زالت ضد رجل وهو أسامة بن لادن، فبربكم ألا تخجلوا وأنتم الدولة الكبرى في العالم تشنون حربا ضد رجل؟، والنتيجة لم تمسكوا الرجل فيما لو إعتقدنا جدلا أن الحرب غايتها بن لادن والقاعدة وليست أهداف أخرى، فالذي فعلتموه في أفغانستان عكس ما كنتم ترفعون شعاره، أي عززتم أمارات أمراء الحرب والأفيون، وعززتم الأميّة والتخلف والجوع والفقر، وعززتم الإنقسام الجغرافي والقبلي والمذهبي، وأن حميد كرزاي لا يحكم إلا جزء بسيط من كابول، مثلما الحكومة في العراق والتي لا زالت وللسنة الرابعة متقوقعة في السجن الأخضر ( المنطقة الخضراء)، فما هي إنجازاتكم التي تبهر الشعوب العربية والإسلامية كي تسعى لمد الجسور معكم؟.... فهل تعلم أن من بين المسؤولين البارزين في تنامى تجارة المخدرات مقابل الرشاوى ووفق تقرير أصدرته الأمم المتحدة ونشرت فقرات منه الصحافة والإعلام في 15/4/2007 فهو الأخ الشقيق لحميد كرزاي ولقد رفع إتهام ضده في العام السابق، فلقد قدرت مصادر غربية وأفغانية أن إنتاج أفغانستان من الأفيون قد تزايد بواقع 59% عام 2006 ، وأمتدت زراعته على مساحة 407 ألف هكتار، أنتجت محصولا قياسيا بلغ 6100 طن كافية لصناعة 610 أطنان من الهيرويين وهو ما يقدر بـ 90% من الإنتاج العالمي ، وتتوقع المصادر تلك أن تنتج أفغانستان محصولا مماثلا هذا العام ، فهل هذه هي الديموقراطية والتغيير الحميد يا سيد فريدمان؟...... وهل تعلم أن نتيجة هذه الفوضى بمسحوق (الموت والجريمة) سيكون العالم في خطر وأوله أنتم، فلقد قدر الرئيس التنفيذي لمكتب مكافحةالمخدرات والجريمة التابع للأمم المتحدة ( أنطونيو ماريا كوستا) القيمة السوقية للإنتاج بــ 3,5 مليار دولار جنى منها المزارعون الأفغان قرابة 700 مليون دولار هذا العام!!!....أما في العراق الذي نال الجوائز الدولية من الأمم المتحدة نتيجة خلوه من المخدرات في زمن النظام العراقي السابق يا سيد فريدمان ، فلقد قال بيان صادر عن جمعية الإصلاح لمكافحة المخدرات في العراق أن عدد الذين يتعاطون المخدرات في إزدياد بسبب الحرب التي تسببت بالفوضى الأمنية، والتي جعلت من العراق سوقا للمخدرات فمنها من يصرف داخل البلد ومنها من يمر عبر أراضيه، فحسب الإحصائية الصادرة من وزارة الصحة العراقية بأن هناك 24 ألف عراقي قد تعاطوا المخدرات كما لم تظهر لحد الآن إحصائية عام 2006 وعلما أن هذا الرقم يشمل فقط الذين راجعوا الدوائر الصحية .. فهل هذه إنجازات مغرية وتحفز على التعاون يا سيد فريدمان... أم هي إنجازات مرعبة ومخيفة ولا تختلف عن إقتحام قطيع من الذئاب الى زريبة لأحد المزارعين والفتك بالأغنام والماشية ... فكيف يطالب الفلاح بهذه الحالة أن يسكت ويضحك ويرقص للحدث ويعتبره إنجازا!!!!!!!!!!!!؟.

نعم للحوار .. ونعم للتجديد في المتغير وليس في الثابت وهذا خلافنا معكم
مع ذلك لن نغلق باب الحوار، ولا حتى نسمح بغلق الحوار لأنه السلاح المتبقي لدى العقلاء عندكم وعندنا ،ويجب أن ينتصر كي نضمن الحفاظ على محطات التلاقي بيننا وبينكم، لأننا وأنتم بحاجة الى هذا التلاقي ليعلّم أحدنا الآخر، فأعطني علما وتقدما سأعطيك نفطا وصدقا ،وهذا يعني أننا بحاجة لبناء جسور التلاقي والحوار والنقاش في الهواء الطلق، بعد أن فشلت معظم محطات الحوار في الغرف والصالات المغلقة.

فالإنسان العربي والمسلم يتوجس من الإجتماعات والحوارات التي تكون وراء الجدران، فهو ميال للحوار في الهواء الطلق، ونعتقد أن المسجد والمضيف ( الديوانية) لعبا دورا كبيرا في هذا، أي أن الموروث الشعبي والثقافي عند العرب قاعدته المسجد ومضيف شيخ القبيلة، وهذا يعني أن كل شيء تقريبا كان يناقش ويفض ويُقرر أمام الجميع، وعلى الأقل أمام العقلاء، وكان هذا الإسلوب ناجحا لأن عنصر الثقة كان متوفرا بين الشيخ ومجلس الحكماء ( العقلاء) من جهة وبين الفرد في القبيلة أو المنطقة من جهة أخرى.

ولكن بنفس الوقت هناك حساسية تاريخية لدى الفرد، فهو لن يقبل أويبقى ممتعضا على الدوام عندما يحس أن في المجلس خرقا أو أن بعض أعضاءه ليس بالمستوى المطلوب، وكذلك يكون ممتعضا وعنيدا وأحيانا مشاغبا عندما يحس بأن الشيخ الكبير يستلهم أحكامه وسياساته من خارج القبيلة ،أو عندما يكون في مكان الشيخ الحقيقي غريبا أو نشازا أو ضعيفا.

فالفرد العربي أسير التاريخ وأسير الروحانيات والعواطف والقيم القبلية والبيئوية ،ولهذا يجب أن تُدرس هذه الأمور والثوابت دراسة عميقة كي يتم قولبة الفكرة ضمن هذه الثوابت لتجد مكانها في ذهنية المواطن العربي ، وهكذا في ذهنية المسلم،والذي هو أسير تقاليد و تفاسير معينة والتي بحاجة الى ثورات تصحيحية، ونقصد الثورة نحو تنقيح وتجديد أقسام كثيرة من التفاسير والأحكام التي وردت بها، لأن فيها إحكاما أصبحت لا تلائم الواقع، ولا حتى تلائم العقل الذي طورته الظروف والعلوم والقفزات الزمنية والفكرية.

أي أنه لا يمكن أن تحدث معي مشكلة دينية أو فقهية أو روحانية وأذهب لأبحث عن حلها في تفسير كتبه التُرمذي أو مسلم وغيرهم قبل مئات السنين بل يجب التجديد فيما قاله هؤلاء كي يبقى الكلام وتبقى الأحكام والتفاسير مسايرة للمتغيرات التي تحصل في الفكر والثقافة وعقلية الشعوب، مع إحترامنا وتقديرنا لهؤلاء العظماء الذين نهضوا بالحركة التصحيحية والفكرية والدينية والأخلاقية، وكانوا أصحاب فضل بترتيب المجتمع والدين والدنيا نحو الأبجدية القانونية والأخلاقية والإنسانية، ولكن هذا التجديد الذي نتمناه لا يتم على يد من هو غير عربي وغير مسلم، وكذلك يُمنع زحفها أي عمليات التجديد نحو الثوابت ومنها القرآن الكريم.

فحسب ما أسلفنا فهناك حساسية من الغريب، ومن غير المسلم وغير العربي وحتى وإن كان مسلما ،لهذا فنحن بحاجة الى الدعم المعنوي والمادي والإعلامي البريء وليس المشروط، لأنه لا يمكن أن أبيع تراثي أو أخربه وأدمره بحجة التجديد، ولكني أقر التجديد والتنقيح نحو الديناميكية الحياتية والإجتماعية والفكرية.

فالجمود لا يخدم المسلم والعربي، ولا حتى يخدم الإنسان بصورة عامة، ولا خير في دين يعقد الأمور ولا يبسطّها، لهذا فالإسلام دين فكر وحضارة وحوار ،ودين يسر وليس عسر،ولهذا شجّع الإسلام ومن خلال القرآن بالمضي نحو الأحسن والأفضل والأسلم، والقفز على الخلاف والعداوة فلقد، جاء في القرآن الكريم ( ولا تستوي الحَسَنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) آية 34 / سورة فُصّلت، فهل شاهدت صيغة الأمر ( إدفع) أي إذهب نحو التسهيل والتجسير مع الآخر وإن كان عدوا، أي أن الإسلام دين يسهّل ويبسّط الأمور بشرط عدم الخروج عن الثابت، وأن من يعقّد الأمور والحوار والنقاش بحجة الإسلام،فهذا دخيل على الإسلام ومتفقه لا وزن له، وأن وراءه قوى تسيره من أجل ديمومة الخلاف والفراق بين البشر والأمم والشعوب والأديان.

لهذا فالثابت الأول لدينا هو الإسلام والقرآن ( الدين) ولكن المتغير هي التفاسير والشروحات، وأن الثابت الثاني هو الحضارة والتاريخ ولكن المتغيّر هي المبالغات، والثابت الثالث هو المجتمع والأخلاق ولكن المتغير البدع والتقاليد الوافدة والبدوية، والثابت الرابع هو الفكر والثقافة ولكن المتغير هو المبالغة والخزعبلات والروحانيات، والثابت الخامس هو الإحترام والصدق في التعامل ولكن المتغير هو لي عنق الكلمات، وهكذا تتوالى الثوابت الأخرى ومتغيراتها، ومن هنا ومن وجهة نظرنا يجوز النقاش والحوار في المتغيرات نحو تجديدها وتطويرها لأنها ليست من الثوابت.

لذا .. فلو جئنا للثابت الأول فهو واضح، فالقرآن ثابتا ولا زال ثابتا دون تغيير، ولن يتغيّر لأن مسألة الحفاظ عليه عائدة الى الله تعالى،وحسب قوله تعالى ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له حافظون) الحجر 9 ، أي حفظه الله من الزيادة والنقصان فيه، وهي ميزة خاصة بالقرآن فقط، أي حفظه من التغيير والتحريف، وإن الحكمة من هذا كونه خاتم الكتب السماوية (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون) وبما أن الكرم لا يتوقف على نوعية المتقدم أو الطالب ، فلهذا فالقرآن مفتوح للجميع من أجل البحث فيه والإستفادة منه، لا من أجل العبث فيه، لأن مسألة العبث بالقرآن جُربّت وصُرفت عليها الملايين وفي جميع الأزمان وفشلت، والسبب لأن مسألة الحفاظ عليه موكلة لدى الله تعالى، وحتى أن مجيئة باللغة العربية لهو سر عظيم يشرح ويجسّد الترابط الجدلي بين العروبة والإسلام ، وبين اللغة العربية والقرآن، ولأن اللغة العربية واسعة جدا ،وهي اللغة التي قالوا عنها المتصوفة ( كلما اتسع المدى ضاقت العبارة) ولقد أكد الله تعالى على عروبة القرآن عندما قال ( كتابٌ فصّلَت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون) فصّلَت 3 ،لهذا من المؤلم أن نقرأ بعض الدراسات الأميركية والغربية التي تصدر من بعض المعاهد والمراكز البحثية والإستراتيجية، وبأقلام وعلى لسان بعض كبار السياسيين والباحثين والمحللين والإعلاميين والصحفيين والتي تنظّر حول العبث بالقرآن الكريم، والذي يعتبره العرب والمسلمون شرفهم وقدوتهم وقاموسهم وعلاقتهم المباشرة مع الله الخالق، فهناك بعض الدراسات الأميركية التي تصر وبإستمرار وكأنها تبشر بقرآن أميركي، مثلما يبشر بعض الإيرانيين والآيات الكبار هناك بقرآن إيراني، ويبدو أن المقصود من ذلك هي عروبة القرآن ولغتنا العربية وقبلها مضمون القرآن، وكي نوثق النقاش أعطيك بعض المعلومات عن كتاب جديد أخذت بعض المؤسسات والمجموعات العاملة مع مؤسساتكم الترويج له في بعض الدول العربية والإسلامية ومنها الكويت وهو يحمل عنوان ( الفرقان الحق) ليكون بديلا عن القرآن،فلقد سلطّت مجلة ـ الفرقان الكويتية/ التي تصدرها جمعية لإحياء التراث الإسلامي ــ الضوء على هذا الكتاب ( المصحف) المزعوم والصادر عن دارا النشر الأميركيتان (Wine Press&Omega 2001) ولقد قدم له عضوا اللجنة المشرفة على تدوينه وترجمته ونشره المدعوان الصفي والمهدي كما ورد في المقدمة، وذكرا بأنه للأمة العربية خصوصا والى العالم الإسلامي عموما، ويقع هذا المصحف ( الفرقان الحق) المزعوم بــ 366 صفحة من القطع المتوسط، ومترجم الى اللغتين العربية والإنجليزية، ويتألف من 77 سورة مختلفة وخاتمة ، ومن أسماء تلك السور هي ( الفاتحة، المحبة، المسيح، الثالوث، المارقين، الصََلب ، الزنا، الماكرين، الرعاة، الإنجيل، الأساطير، الكافرين، التنزيل، التحريف، الجنة ، الأضحى، العبس، الشهيد .. الخ) ويفتتح بالبسملة التي نصّها ( بسم الأب والكلمة والروح والإله الواحد الأوحد)...... الخ ... فهل هذه الأفعال تبقي إتصالا وتبقي حوارا حميدا يا سيد فريدمان؟ وهل هذه هي حرية الفكر والرأي وهي العبث بمعتقدات الآخرين ومن وراء ظهورهم؟ ... فهذا غير جائز وغير مقبول، وأن هؤلاء خطرا عليكم وعلينا لأنهم يؤسسون للفتنة ويدعمون حركات الغلو ومجموعات رد الفعل ضدكم.

فهل تعلم يا سيد فريدمان أن هناك معاهدا ومراكزا ويُصرف عليها من الميزانية الأميركية والغربية لا زالت ماضية بهذه الطروحات، والتي نعتقدها ظاهرة تصب في خانة ( الإرهاب الديني والفكري) وهي ظاهرة سلبية وتخيفنا كثيرا، وهي سبب من الأسباب التي أوجدت الظواهر الإرهابية والإقصائية والدموية في مجتمعاتنا ودولنا العربية والإسلامية، لهذا فأن هناك بعض المعاهد والمراكز الإستراتيجية والإعلامية في الولايات المتحدة والدول الغربية التي يعمل بها بعض الأشرار جدا ،والذين يؤسسون لنشر الفتنة وصنع ردود الأفعال لدى العرب والمسلمين إتجاه الولايات المتحدة والغرب، وهنا أعطيك مثلا بسيطا ، فهناك دراسات تقول وتعمل من أجل الإستراتيجية التالية ( العمل على فصل الأحاديث النبوية عن القرآن، مع إنهاء دور التفاسير الخاصة بالقرآن ، ثم الشروع ببقاء القرآن منفردا ــ قالبا ـ فعندما يكون قالبا يصعب تفسيره، وبالتالي سيكون ترديده لمجرد الترديد والإثبات فقط ،وينوون بدراساتهم هذه تطويق القرآن بالغربة أي يشعر القرآن حينها بالإغتراب كونه بلا تفاسير، وبالتالي سوف يُركن بمرور الزمن مثلما فعلوا مع الإنجيل عندما بدأت الثورة الصناعية في أوربا، وبالتالي سيقل الإقبال على المساجد، وبمرور الزمن سيكون المسجد والقرآن للنخب والباحثين وللذين يجيدون اللغة العربية فقط، ولهذا هناك سباق محموم بين المشروع الإيراني الذي يبشر بدين وقرآن جديدين، ويحاول نشر اللغة الفارسية في جغرافيات وبلدان كثيرة، ولقد باشر بها في البحرين وجنوب لبنان وجنوب العراق وفي النجف وكربلاء وفي سوريا وأفغانستان، وهكذا من الجانب الأميركي هناك الإلحاح على نشر اللغة الإنجليزية بدلا من العربية، مقابل الكثير من المحفزات، والتي يصاحبها الإعلام المسيس لخدمة هذه الدراسات ، ناهيك عن البرامج التلفزيونية التي هي مفردات من الغزو الثقافي والديني والفكري........ فهل علمت يا سيد فريدمان أن هناك مؤسسة ألمانية منحت سيدة مسلمة محجبة مكافأة مالية ضخمة لأنها خلعت حجابها و كانت الهدية عبارة عن مبلغ قدره عشرة آلاف يورو... الخ ، ألم تكن من الظواهر الإستفزازية، علما أن كاتب المقال من المؤيدين للفتاة عندما تقتنع بحجاب معقول، وبألوان جميلة ومتناسقة، وبشرط أن يتلائم مع الواقع الذي تعيش فيه المسلمة، ومن الرافضين للحجاب القسري، والذي يُفرض عائليا وإجتماعيا وموضويا ،بل يجب أن يكون عن قناعة كي تكون المسلمة قدوة وليس عدوى).

فإن العربي والمسلم يُدرك هذا الخطر، ويفكّر ويُميّز تماما ، علما أن هذه الدراسات بشر بها الساسة في الولايات المتحدة، فلقد قال وزير الدفاع الأميركي السابق رامسفيلد في أكتوبر عام 2003 ( أننا نريد لشعوب الشرق الأوسط إسلام شرق أوربا) وكان يقصد الإسلام البوسنوي و الإسلام الألباني ، أي الإسلام المرن أي إسلام الهوية من وجهة نظركم، والذي يجيز كأس البيرة والويسكي ليلا والصلاة والصوم نهارا ( وأن هذا الكلام لا يجوز تعميمة على البوسنيين والألبان وغيرهم في دول شرق أوربا) وحتى أن وزير الخارجية الأميركي كولن بول، قال كلاما شاركه فيه رامسفيلد وذلك في عام 2004 عندما قال ( نحن ذاهبون لمنطقة الشرق الأوسط من أجل رسم خارطتها من جديد).

فالسؤال: لماذا تصرّون على سياسات الإستفزاز يا سيد فريدمان... ولماذا تذهبون للعناصر التي تؤجج مشاعر العرب والمسلمين ضدكم؟
فلماذا و على سبيل المثال تطرح بعض المعاهد والمراكز لديكم مسألة تحجيم القرآن وتغيير وحذف الآيات فيه، فأن هذه الأيات كتبت منذ أكثر من 1400 عام ولم تخلق الإرهابيين والإنتحاريين ،وكذلك لم تخلق الكراهية العالمية ، ولم تكن يوما عاملا مؤججا للتفجير والتفخيخ، فلماذا هذا الإصرار على العبث بثوابتنا الإسلامية والحضارية والأخلاقية والثقافية... فلقد حيرتمونا حقا ،فمن جهة تريدون حذف الآيات التي تعتقدونها تحرض على الجهاد والعنف، ومن الجهة الأخرى أنتم تدعمون الأحزاب والحركات والمليشيات التي تمارس العنف و القتل والتفجير والإقصاء بحق العراقيين مذهبيا وعرقيا وإثنيا ومناطقيا، وهكذا تسكتون عن تجار الحروب والأفيون في أفغانستان، وتدعمون الأنظمة الديكتاتورية العربية التي ملأت السجون والمعتقلات بالصحفيين والمفكرين والمعارضين وغيرهم؟

فنعم نحن نريدكم وبحاجة لدعمكم لتساعدوننا بتنقيح وتجديد المتغيرات مثل ( تجديد التفاسير وطرق البحث والتفكير) أي تدعمونا بالمال واللوجست والمطابع ليتم تنقيحها وتشذيبها نحو ملائمة الواقع ومن قبل المختصين والمفكرين العرب والمسلمين وبدون إملاءات منكم ولا من غيركم ، ونحو مساعدتنا بالقضاء على الفقر والأمية والأمراض المختلفة والمستوطنة، فما نراه في العراق وأفغانستان أن الأمية والفقر والأمراض في زيادة كبيرة، ناهيك عن آفة المخدرات التي عصفت بالعراقيين وغيرهم وأنتم السبب ، ونعم نحن بحاجة لمساعدتكم نحو تدريب الكفاءات الجامعية والطبية والأكاديمية والحقوقية والنسائية والثقافية والشبابية كي تكون هناك قاعدة إنطلاق صحيحة، ولكن بشرط إحترام تقاليدنا وثقافتنا وأدياننا وموروثنا وحضارتنا.

فالخطأ ياسيد فريدمان عندما حولتم شعوبنا ودولنا الى مجرد مستهلكين وطيلة الخمسينيات من القرن المنصرم صعودا نحو القرن الحالي ( القرن 21) حيث كنا تحت إستعماركم الغربي والأميركي ، ثم سلمتم دولنا وشعوبنا الى الإنقلابيين والشموليين والعسكر المتخشبين، والآن بدأتم بالإستعمار الثقافي و التلفزيوني والفضائي والذي هو رأس الحربة في الإستعمار الثقافي، أي أنكم تفرضون علينا وعلى بيوتنا وعلى أطفالنا بضاعتكم الثقافية والفكرية، وعلينا السكوت فبربك يا سيد فريدمان ماذا يفيد إبني برنامج ( ستار أكاديمي) وماذا يفيد إبنتي برنامج( بك بريذر) وماذا تفيد شقيقتي (الرقصات شبه العارية ليل نهار) ومن مؤسسات ناطقة بالعربية، ولكن معظمها مموله من المؤسسات الأميركية والغربية .. ألم يكن هذا غزو فكري وثقافي يستهدف ثقافتنا وأذواقنا وموروثنا ومجتمعاتنا وعائلاتنا يا سيد فريدمان ..؟

فأنتم تريدون تربية أجيالنا على مزاجكم، وتريدون منا السكوت لا بل نقدم أبنائنا بالطابور لكم ،والى مؤسساتكم كي تقوم بغسل أفكارهم وأدمغتهم، ولا يجوز لنا الأعتراض ، فهذا ليس منطقا، وليس حوارا وليس نقاشا، فحامل القلم لا يمكن أن يحاور الذي يحمل السلاح ،والفقير الذي يعيش في قرية مسالمة في الدولة العربية سين وفي الدولة الإسلامية صاد غير مستعد أن يحاور إمبراطورا إعلاميا وإقتصاديا أنتم صنعتموه ،لأنه يعرف نتيجة حواره الخسارة والسحق ، لهذا سيكون أمامه حل من أثنين، أما التقوقع والتشبث بما عنده مع ممارسة الرقابة الشديدة على عائلته وأفرادها ،أو الإلتحاق بالحركات والجماعات المتطرفة التي تجيد تطويع الناس وترفع شعار محاربة الغزو الفكري والثقافي والديني، وهذا يعني أنكم تتحملون المسؤولية عن نشوء الحالتين..

فمشكلتكم هي الإصرار على إتباع المعادلات القلقة، والإصرار على إتباع نظام أو طريقة محاورة السيد والعبد، مقابل غلق أبوابكم بوجه من يحاوركم بشكل واضح وعلني، وهذا يعني أن قسما من مؤسساتكم تتاجر حتى بالحوار، فهي ترفعه شعارا ورديا ولكنها لا تطبقه بل تقصيه.

الطروحات الحميدة التي قالها فريدمان.. والأخرى التي تحتاج الى نقاش
لقد حضر الكاتب الأميركي توماس فريدمان تلك الندوة التي أدار النقاش فيها مدير برنامج الشرق الأوسط ( جون الترمان) ولمن لا يعرف الصحفي فريدمان، فأن مقالاته في بعض الصحف والمواقع الألكترونية العربية المنقولة عن الصحافة الأميركية، ويكاد يكون من الصحفيين العرب ، و يتكلم العربية التي تعلمها في القاهرة، ولقد حصل على شهادة الماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة أكسفورد، وله كتب منها تطلعات ومواقف في عصر الإرهاب 2002، والسيارة الكسز وشجرة الزيتون 1999، ولقد حصل على جائزة بوليتزر لثلاث مرات، فبعد هذه المقدمة البسيطة والضرورية عن الكاتب الذي كأنه يعيش معنا ،ولكن بالعقليّة الأميركية، وهذا لا يعني أنه من غير المنصفين أو من المتحاملين على العرب والإسلام، فليس كل ما هو أميركي أو يهودي أو غربي هو متحامل على العرب والمسلمين، فإن هذه النظرة وإن وجدت لا يجب أن تستمر عند البعض، لأنها نظرة خاطئة وتنم عن جهل واضح وكبير، خصوصا وأن الشعب الأميركي من الشعوب الطيبة والبسيطة ،ولكنه يٌُقاد من إدارات مسيّسة تجلب له كثير من النقد وعدم الود الذي تطور أخيرا ليصبح كراهية في مناطق كثيرة من العالم، وأن الكراهية ظاهرة غيرحميدة.

لذا فنحن مطالبون جميعا أن نعمل من أجل إزالتها أو تطويقها أي الكراهية و العمل على تذويبها من أدمغة وقلوب وضمائر الذين إصيبوا بها ،ولكن هذا يحتاج الى برنامج ضخم تقتنع به الإدارة الأميركية والدوائر التابعة لها في الولايات المتحدة، لأن ما فائدة أن يذهب الأب أو الأخ الأكبر لبيت الجيران من أجل أن يقدم الإعتذار عن إبنه الصغير أو أخيه الصغير الذي وضع المسامير في دواليب سيارة الجيران، عندما يعود في اليوم الثاني ليكسر شباك الجيران، وفي اليوم الذي يليه يقوم بضرب أبنهم حتى الإغماء، فالحل واضح وجلي وهو الطفل أو الشاب الذي يحمل هذه العدوانية ،أي أن المشكلة ليست عند الجيران كي يطالبون بالرحيل من بيتهم، أو قبول نزوات وعدوانية هذا الطفل أو الشاب، إذن المشكلة عند إسرة الطفل ،حيث أن هناك طفلا أو شابا يخلق المشاكل ويعكّر المزاج ويؤزم العلاقات بين الجيران، فيجب أن لا يُترك لوحده ثم يجب عرضه على الأطباء من أجل معالجته النفسية والسلوكية، والبحث عن الخلل وإن تعذر ذلك، فيجب أن لا يُترك هذا الطفل أو الشاب لوحده كي يتخذ القرارات العدوانية، وإن تطورت الحالة فيجب إجباره على العلاج أو حجره كي لا يكون خطرا على المجتمع كله وليس فقط على الجيران.

لقد أكد الكاتب فريدمان على حتميّة ودافع عنها كثيرا وهي ( التواصل مع الشباب العربي والمستمعين العرب... أي إدراك إزمة الخطاب القائمة بين الولايات المتحدة الأميركية والعالم العربي وسبل تجاوز الإشكالات العالقة) فلو سمح لي السيد فريدمان أن أضم صوتي له ولكن:

المشكلة التي لم تعترفوا بها يا سيد فريدمان هي إختيار طريقة طرحكم للفكرة أو المشروع، أي أنكم لا زلتم تتبعون الإستراتيجية ( السوفيتية) الشيوعية في طرح وتقديم أفكاركم وفي أغلب الأحيان، أي أنكم تريدون طرح القوالب الفكرية والثقافية والسياسية الجاهزة على الشعوب العربية والإسلامية، وتجبرونها على أن تقبل ولا تعترض، وكأنكم بذلك أبدلتم شعار تمثال الحرية بساندويش الهمبورغر السريع، فأصبح كل شيء عندكم يعتمد على السرعة، ومهما كانت الخسائر من الأطراف الأخرى، وكذلك مهما كانت قيمة هذه الخسائر على المستوى الإنساني والحضاري والثقافي، وإن هذا المنطق لا ينطبق في القرن الواحد والعشرين لأنه منطقا أهوجا ، وكذلك يتعارض مع المبادىء التي تريد الولايات المتحدة نشرها في العالم العربي والإسلامي.

وحتى لو جئنا الى المفردات، فلا ندري ماهو السبب بإختياركم للمفردات الإستفزازية، فمن المتعارف عليه أن التاجر أو المستثمر عندما يروج لبضاعته وطروحاته وعروضه لا يروج لها من خلال التهويل والشتيمة وإستفزاز المستهلكين، بل من خلال الترويج العقلاني والترغيبي، والذي يتسّم بنوع من المبالغة أحيانا في إحترام المستهلك، أو صاحب المناقصة سواء كانت دولة أو حكومة أو شركة، لذا فعندما تركز على ( شريحة الشباب فقط) فهذا بحد ذاته إستفزاز للفكر العربي والإسلامي ، بل أنت الذي تدق في رؤوسهم جرس الخطر والإنذار وتجعل المواطن العربي يتساءل ( لماذا الشباب فقط؟؟؟؟؟) ويبدأ الأخذ والرد والتجييش ضد فكرتك، خصوصا وأن النظرة العربية والإسلامية للولايات المتحدة وبرامجها هي نظرة سلبية، ولأسباب كثيرة تتعلق بكم وبنا.

لذا نعم أشاركك الرأي، فهناك أزمة خطاب بين الولايات المتحدة والعالم العربي، والتعديل لا يتم في يوم من الأيام إن لم يحمل الخطاب الأميركي إحتراما للفرد العربي من قبل المواطن والمسؤول الأميركي، ومن خلال التخلي عن موروثكم الذي يعتمد على المقامرة والغالب دوما، وإستراتيجية الكاوبوي، وبالمقابل يجب علينا أن نتخلى نحن عن إستراتيجية التوجس والعقل الناشف ونظريات المؤامرة.

وينتقل السيد فريدمان الى نقطة مهمةأخرى, وبعد أن أسهب حول دور الإعلام فيقول ( ضرورة ترتيب الأولويات لدى الولايات المتحدة كمعطى أول ... وذلك بالعمل على تقليص الهوة بين المبادىء المعلنة للحكومة الأميركية وتصرفاتها على المستوى الخارجي) وهنا يضع السيد فريدمان يده على نقطة في غاية الأهمية، بحيث أن الولايات المتحدة تمارس سياسة الإقطاعي الذي يقتطع من الفلاحين في أرضه مبالغا ومحاصيلا دون أن يوضح لهم الأسباب والغايات،وبهذه السياسة أسس للثورة والكراهية معا في صدورهم ضده، وكذلك تمارس طريقة التربية الأسريّة والإجتماعية في منطقتنا والتي تعتمد على غياب عنصر التعليل ومعرفة الأسباب، أي يُمنع الشاب والشابة من قبل عائلتيهما من مخالطة سين وصاد من الناس، أو من عدم الذهاب الى المكان سين والمكان صاد ودون أن يشرحوا لهم الأسباب، لهذا تتولد لدى الشاب والشابة وفي أغلب الأحيان حب الفضول والتحدي معا لمعرفة الأسباب، وعندما يذهبون الى هناك ربما يكونا ضحية أيضا والسبب غياب الطرق المثالية بالتربية، وأولها الحوار مع الأبناء وطرح المحاذير مع تقديم التعليل والأسباب.

فالولايات المتحدة تمارس الدور نفسه مع دولنا وشعوبنا، أي أنها تريد بسط برامجها وإستراتيجياتها دون شرح الأسباب لنا ولا حتى للشارع الأميركي، وأن شرحتها للشارع الأميركي فهي تقدم له ربع الحقيقة ،مثلما حصل عندما تم غزو العراق وإحتلاله بحجة أسلحة الدمار الشامل والتي ظهرت مجرد كذبه وفرية.

فكم ستكون مقبولة الولايات الأميركية فيما لو كانت ترفع شعار أننا ذاهبون لإنهاء الديكتاتورية في العراق والمنطقة كي نؤسس لمنطقة خالية من الديكتاتوريين، ونحو دعم أختيار الشعوب العربية، ويسرني هنا أن أعطي مثالا عشت بعض مفرداته عندما حكم علي النظام العراقي السابق بالإعدام نتيجة معارضتي فقررت الخروج من العراق والعمل ضمن المعارضة العراقية، وليس من أجل ما يحدث من عار وشنار في العراق الآن، وليس من أجل قتل القيادة العراقية ،بل من أجل تصحيح الأوضاع وفتح باب الحريات والمشاركة السياسية وحتى وإن بقي صدام وحزب البعث جزء من التركيبة الواسعة والجديدة، لهذا فعندما عرضت الولايات المتحدة ومن معها مساعدة العراقيين كان العقلاء في المعارضة العراقية يطرحون على الأميركيين من سياسيين ومحللين ومخططين سؤالا مفاده ( ماذا بعد سقوط نظام صدام حسين؟)فلم يكن هناك جوابا وطيلة السنين التي دول بها الملف العراقي، وكذلك لم يجيبوا على السؤال التالي ( ماذا تريدون من العراق .. وكم ستبقون في العراق في حالة سقوط النظام في العراق؟)...

فهكذا تتعامل الولايات المتحدة مع المعارضات والأنظمة والدول والشعوب، أي إسلوب التعالي والغطرسة وعدم التوضيح، ولهذا فعندما أعطيت أنت مثالا يا سيد فريدمان وهو ( أن معتقل غوانتنامو صار بمثابة الند لتمثال الحرية ... فهو ينافي القيم والمبادىء التي نسعى الى نشرها ).. فكم كنت محقا وعقلانيا ، وكم نحن بحاجة الى هكذا نوعيات من الأميركيين الذين يشخصون أخطاءهم قبل غيرهم، فعندما يكون الطرح بهكذا وضوح، وبشرط أن لا يكون لمجرد الدعاية فيحتم على العربي والمسلم أن يمد يده بإطمئنان الى حاملي هذا الأفكار والطروحات.

أما النقطة الثانية التي أكد عليها السيد فريدمان فهي عندما قال ( تجديد الخلل الكامن في آليات التواصل والخطاب مع العالم العربي والإسلامي .. مع مراعاة واقعية مواجهة هذه المبادرة أو صدها من قبل بعض التيارات والقوى في العالم العربي التي تسعى الى تعميق العداء ونشر صورة مغلوطة عن الولايات المتحدة الأميركية) .. فيبدو أن الكاتب فريدمان يطالب بنفس الشيء الذي طلبناه بمناقشتنا السابقة مع وكيلة وزيرة الخارجية الأميركية السيدة كارين هيوز، عندما أكدنا على معالجة الأخطاء الأميركية التي تواكب طرح الفكرة وتواكب الحوار، وطالبنا بتطوير آلية الحوار والخطاب ومأسسته و من قبل الطرفين، كي يكون محتويا على موروث وثقافة الطرفين، فالحوار الذي يكون في الهواء الطلق وخارج جدران المؤسسات الحكومية يكون ناجحا وأكثر فائدة وهذا مايريده الكاتب فريدمان أيضا، فالإستياء من السياسات الأميركية هي في الشارعين العربي والإسلامي، وليس في قصر الحاكم العربي أوالحاكم الإسلامي والذي هو تحت الكونترول الأميركي إستخباريا وألكترونيا وسياسيا ،فالحاكم المسلم و العربي لا يجرؤ على التعبير عن إستيائه من السياسات الأميركية، وأن فعلها فهي لمزايدات تخص الجبهة الداخلية لدولته، لهذا فأن معظم القادة العرب هم بحكم المعزولين عن شعوبهم، لذا لا يجوز أن يكون الحوار معهم، بل يجب أن يكون مع الشارع ولا نقصد الجلوس في الشارع والشروع بنداء ( لله يا محسنين يا عرب إرضوا عن سياسات واشنطن ..!) ولكن نقصد بالشارع المؤسسات النخبوية والثقافية والدينية والنقابية والشعبية وليس من خلال الدعوات المذهبة والمزركشة والتي تحمل عبارات التبجيل والتهليل والتي ترسلها السفارات الأميركية لبعض الشخصيات والمؤسسات ، نحو الجلوس في القاعات السرية والتي تحاط بالأمن والمخابرات والأجهزة الإلكترونية...

أما موضوع تعميق العداء ونشر صورة مغلوطة عن الولايات المتحدة من قبل بعض القوى في العالم العربي وحسب ما جاء على لسان فريدمان، فأن هذه القوى والتيارات وراءها دول وميزانيات، وأنتم تعرفون معظمها، فهل تريد إقناعنا على أنكم غير قادرين على تجفيف الأموال والإعلام الذي يخدم ويدعم هذه القوى... وهل تريد إقناعنا بأنكم غير قادرين على معرفة الشركات والدول التي سُجلت بها الصحف والمواقع الألأكترونية التي تغذي تنظيمات القاعدة وتغذي التيارات التي تشوش على الحوار الحقيقي؟ .. فأن كنت تحاول ذلك فنرجو عدم إستغفالنا، لأنكم قادرين على مسك رجل يرسل رسالة ( SMS) من المكسيك الى سلطنة عمان وبحدود سويعات ، لهذا علينا التحدث بعقلانية، ونقول أن كثير من سياساتكم الخاطئة في المنطقة هي التي تغذي وتُنمي هذه القوى والتيارات، وتجعلها أكثر شعبية، وربما أكثر شرعية بنظر بعض الناس.

ونشارك السيد فريدمان بقوله وفكرته عندما جزم حول ما أسماه ( حرب الأفكار) بين العالم العربي والإسلامي والولايات المتحدة فقال (إستحالة خروج الولايات المتحدة منتصرة في هذه الحرب).. فها هو السيد فريدمان يعترف بأنها حرب أفكار، وأرجو أن لا ينسى السيد فريدمان ولا العرب هذا الإعتراف والذي يتهرب عن قوله معظم السياسيين في الولايات المتحدة، وبما أنها حرب أفكار، إذن هي حرب طويلة وشرسة، لأن الصراع على رأس الإنسان ودماغه ليكون أداة في مشروع فكري وسياسي، فحرب الأفكار موجهة للإنسان وما يؤمن به وما حمله من التاريخ ،وإن حرب الأفكار التي تقودها الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي هي على طريقة شعار حزب البعث وهو ( نفذ ثم ناقش)، وهذا غير ممكن أن أركب بسيارة متوقفة دون أن أعرف وجهتها ومن فيها ،وبدون أن أعرف الأسباب التي تجبروني من خلالها أن أركب هذه السيارة والمشاركة في هذه الرحلة أو المهمة.

ويعود السيد فريدمان فيعطي الأسباب التي ترسخ الإستحالة فيقول (تغييب أصوات قوى الإعتدال والوسطية، وعدم القدرة على فهم وإستمالة الهوامش البسيطة في المجتمعات العربية، وهي الشرائح أو الفئات التي يتوجب إشراكها في أي مشروع تواصلي ... ومدح منح خمسين ألف تأشيرة دراسة لطلاب عرب للقدوم الى الولايات المتحدة ويعتبره طريق أكثر فاعلية)... فلا ندري هل أنه يقصد غياب الأصوات المعتدلة والوسطية في الجانب الأميركي أم في الجانب العربي و الإسلامي.. ولكن على أية حال، فمن الجانب الأميركي تكاد الأصوات المعتدلة والوسطية مفقودة تماما، وعلى الأقل في عهد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، ولكن هذه الأصوات قد تصاعدت أخيرا ، وأخذت تتوسع عندما فاز الديموقراطيون بمقاعد الأكثرية في مجلس النواب الأميركي، وأن هذا مبعث أمل لدى العالم بشكل عام، ولدى العالمين العربي والإسلامي بشكل خاص، ولكن مع ذلك فهناك ملايين الناس تعتقدها لعبة بين الحزب الجمهوري من جهة والحزب الديموقراطي من جهة أخرى، وحسب ما أسلفت فنحن كعرب وكمسلمين بحاجة للمساعدة كي نخرج من ثقاقة ونظريات المؤامرة، ولو عدنا للخلف فأن من زرع وأسس هذه النظريات هو الإستعمار والغرب والولايات المتحدة، وهذا الأمر يحتاج الى شرح آخر، أما لو نظرنا الى العالم العربي والإسلامي فأن أصوات الإعتدال كثيرة ومنتشرة في كل مكان ولكنها محجمّة ومحاصرة من قبل الحكّام لأنهم يتوجسون من الوسطية والإعتدال، ومحاصرة من قبل المجموعات التي تدور في الفلك الغربي والأميركي، والتي لا تريد لهؤلاء البروز سياسيا وإجتماعيا لأنهم سيكتسحون الشارع والسبب لأنهم يحملون المنطق والتعليل، ويجيدون المحافظة على الأوطان وحدودها وكرامتها، وكذلك فهم حريصون على المجتمعات وموروثها ووحدتها وتآخيها ،وحسب ما أكدت في المناقشة التي كانت مع السيدة ـ كارين هيوز ــ عندما ذكرت لها أن ( معظم) من أعتمدتم عليهم كمبشرين بحرب الأفكار الأميركية هم من المأزومين والمحاصرين من قبل مجتمعاتهم، لأنهم من شرائح مستهلكة بنظر المواطن العربي والمسلم، ولأن ماضيهم وسيرتهم وحتى حاضرهم يحمل بصمات طاردة للأخر وليست جاذبة، وتتعلق بالسيرة الشخصية كسلوك، والوظيفية عندما جُربوا ، والإجتماعية عندما كانوا نشازا ، والأخلاقية التي تتعلق بالقيم والإنب

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  تصريح النائب علي شبّر :"فلسفة الجنس الممنوع..... نظير الثمن المدفوع"!!!

 ::

  قضيتان خطرتان : أختزال السنة بـ "الهاشمي" والتحالف مع القوميين المتطرفين!

 ::

  رؤية سياسية: ( الديمقراطية المُطوّبة) بساطا أحمر للأحزاب المهيمنة في العراق...أما (الديمقراطية التوافقية) فهي بوابة فساد الأحزاب نفسها!!

 ::

  تحليل من منظور آخر: لن تتوقف حرب غزة حتى يرثها أوباما... لهذا تمارس إسرائيل لعبة الإيهام بالنصر!!

 ::

  العلاقة الجدليّة بين آل بوش وأحذية العراقيين... وبين حذاء خورتشوف و حذاء منتظر الزيدي!

 ::

  السياسيون العراقيون عُمّالا في مقاولة أميركية اسمها "العراق" ... والإتفاقية الأمنية خاصة بـ "لصوص أمريكا" لهذا لم تُدفع للكونغرس!!

 ::

  الكاتب سمير عبيد لـ"آفاق": قد تفاجئ إيران العالم بالتفاهم مع إسرائيل مباشرة

 ::

  الإتحاد الأوربي يمنح الخيول والحمير جوازات سفر .. وحكومة العراق تمنعه على المواطنين.. وتمنحه للغرباء والمستوطنين!

 ::

  بعد انتهاء الدور العربي ونجاح إيران الإستراتيجي: سوف تُجبر إسرائيل على التفاوض مع طهران حول الأمن والقضية الفلسطينية


 ::

  الإخوان المسلمون وعلاقتهم بفلسطين

 ::

  علينا ان نعلم ان نواة الحضارة الانسانية بدأت من بلاد الرافدين

 ::

  الفيلم الجزائري" كارتوش غولواز" إهانة للجزائرين؟

 ::

  تحول 'عالمي' ضد عقوبة الإعدام

 ::

  لماذا حرّم السدلان والعبيكان المقاطعة الشعبية؟

 ::

  آنَ أن يُطلَقَ العنان للصّهيل

 ::

  هم الأكثرية والإساءة للإبداع المغربي

 ::

  خرابيش

 ::

  مقيمون غير شرعيين في منازلهم

 ::

  الأسرى الفلسطينيون والحقائق المنسية



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.