Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

رسالة من برلين 2
محمد نبيل   Friday 27-04 -2007

رسالة من برلين 2 عزيزتي زهرة،
لقد طال غيابكِ ولم أتوصل برسالة منكِ، ومع ذلك مازلت أقاوم وأفكر في أشياء عديدة كانت تجمعنا. لم أنس اللحظات التي كنت أتقيأ خلالها الخبز المدهون بالسمن عندما أراك تتوجعين أو تبكين ولا تقدرين أن تقولي لأحمد: إنك فرعون وجبار ويدك ملطخة بالدماء. هل انزعجت من رسالتي الأخيرة التي حكيت فيها عن حبي للبحر وعشقي للعزلة في بلد تتحول فيه الذوات إلى آلات؟ لم أقصد أن أقلِّب مواجعك وأذكِّرك بلياليك التي كنت تقضينها بجانب ذلك النهر الموجود قرب مسقط رأسك. أعرف أن زرويل حوَّلَ مجرى المياه كي يسقي مزرعته . لا تقولي الحقيقة وتصرخي كعادتك . لماذا لا تقولي أن النهر تحوَّل إلى أسوار وركامات من رمال مصطنعة لا تصلح إلا لبناء السجون ؟ سيكون مصيرك مثل مصير الكثير من الآدميين…لا تقلقي من حكاياتي عن البحر وأصوات أمواجه التي تشبه زغاريد نساء قريتنا عندما يودعن أعزيا خطفته ريح الموت. عندما كنت أسال عن هذه اللغة الفرحة والممزوجة بروح اليأس والحزن ، تجيبني عويشة :
ـ أنت ما زلت لم تفهم كيف تكون نهاية رجل عاش دون امرأة…

آه ،يا عزيزي زهرة، لقد قلت لك في رسالتي الأخيرة أنني أهوى تسلق الجبال والأشجار اليتيمة. لكن هنا حطموا الجبال وبنوا محلها قناطر يمشي فوقها الآدميون. كثيرا ما حزنت، لقد بكيت أكثر من مرة.قلقت ألف مرة عندما تطأ قدماي الأرض ،فأتخيل أن كل شبر يحتوي على جثة. أحيانا أخاف وتبدأ نغمات عبد الوهاب تشق طريقها إلى أدنيَّ عندما يغني: أيها الراقدون تحت التراب…أعرف أنك لا تحبين وصف مشاهد الصراخ والعذاب. ليس لدي اختيار . إنني أقف فوق الجماجم وأسير متأنيا بل مسرعا فوق الصدور التي نخرتها الديدان.
عزيزتي زهرة، مازلت أنتظر أخبارك. بالأمس وقفت قبالة مركز البريد. كنت أظن أنَّ خطوطك آتية لا محالة، وأن أيام عري حماقاتي باتت محدودة. لقد وقَّفت شرب الحليب بالعسل وأعلنت إضرابا عن الحلم حتى لا أرى في منامي عبدا لله وموحى و الشيباني وهم يشيدون عرشا من ورق تجلس فوقه أجمل النساء . لم أعد أنظر في المرآة كل صباح لأضحك على نفسي وأقهقه كما كنت أفعل.لقد تعلمت كيف أضحك دون أن أظهر أسناني.
عندما تتوقفين عن الكتابة أصاب بالإكتئاب وأحس برغبة عارمة في تجاوز هذا العالم الواهم. أرمي عقاب السجائر القديمة و الجديدة وأكسر كل الزجاجات. لا أريد أن اختفي وراء انتظاراتي . سأواجه كل الكائنات وحتى تلك الكوابيس التي تقض مضجعي كل ليلة.
وعندما أدردش مع أناس يلهثون وراء السراب أراهم لا ينتبهون إلى أن الحياة عبارة عن قاعة انتظار .إنهم ينتظرون النهاية. أعتقد أن لهيب الحرية قد انطفأ و لم يعد للواقع وجود . لماذا انزعجت وقررت الرحيل بعيدا عن أوراقك و أظرفتك وكل الطرق المؤدية إلى مركز البريد ؟ هل فجَّرتُ في نفسك شيئا ما ، عندما قلت لكِ أنني بدأت في كتابة رواية بطلتها هي عويشة الحمدوشية ؟ صحيح أنها لم تكن مقاومة كباقي النساء الأحرار لكنها تشفي غليل أحباب و عشاق الولي سيدي عياد ، فكلهم يجتمعون هناك ، يبكون ، يصرخون ، يدخلون في حضرة لا حدود لها . عويشة عالم غريب ، تحمل قوالب السكر أو الشموع البيضاء كي تضيء بها ظلام سيدي عياد وتخفف من أهواله . فكثير من نساء قريتنا يضربن موعدا هناك للتباكي و تفريغ قلوبهن من الهم و الغم الذي زرعته في نفوسهن أيادي متسخة. عزيزتي زهرة، هل سبق لك أن فكرت في يوم قد أسحب فيه كلماتي الطائرة في الهواء ؟ قد نلتقي و أحكي لك عن هذا المربع الملغوم الذي يحتضن جسدي. إن طريقنا مفروش بشوك آت من زهور يشمها الكثيرون.
من المعتاد أن أرسل لك كل أنواع القبل و أسخِّن وجنتيك بحروفي وكلماتي عن الحب وأشياء أخرى. لكن اليوم لم أعد قادرا على الكلام، فلغة العشق عوضت لحظات الحب القاصرة. لا تندهشي أمام رسائلي، فعالم الشقاء راقد في شرايين هذه الحياة، أما الأموات فيجرُّوننا جميعا كل ثانية إلى العيش بين أحضانهم.
لا تحركي كتبي و لا تقطعي تلك الرواية التي أهديتها إليك في ذكرى رحيل تلك الملعونة. اطلعي على نصوصي المسرحية جديا و تأملي في كل المشاهد حتى تَصِلي إلى العنوان العريض الذي يختزل المرارة واليأس ويرفع الحجاب عن الكثير ممن لقب بكلب من الدرجة الثانية.
عزيزتي زهرة، لا تعاتبينني لأنني أردد دوما هذا الكلام المجنون. إنها أسطورة الكهف ولا زلنا لم نتحرر من القيود حتى نودع الأشباح ونعتنق ديانة الحب و الحقيقة. ففي هذا الصباح الجميل ، لدي رغبة في معانقتك لأشم رائحة الزعتر المنبعث من ذلك الخبز الذي كنت تعدِّينه لصديقاتك عندما يأتين ليجتمعن في بيت جميلة . كم كنت أحس بالسعادة وأنا خلف شباك النافذة، أنصت إلى كل ما دفنته رفيقاتك منذ عقود من الزمن. لم أصدق أن ربيعة تمارس عادتها السرية أمام زوجها وأن نورة زوجة الخياط تكره الليل ونجومه عندما تتذكر كيف يقع عليها عليوات كالبهيمة . لم أكن أعرف أن عبدالله الرجل الشهم و صاحب الدكان لوطي .
يا زهرة، دوِّني اعترافاتي بمدادك الذهبي. لقد رأيت الحب والعدوانية والضجر والألم وكل أنواع السقوط في عيون رفيقاتك. كم كنت، أنت التي تكرهين رؤية دموع الآخرين، غارقة في أنهار بكائك حيث تسبح أطياف المظلومين والمقهورين وحراس الجهل.
إن سألت عني ستجدينني أصارع المهرولين وعشاق تسطيح الحياة. إنهم قادمون، يغلقون كل الثقب التي تنبعث منها الأنوار. إني هنا و أنت هناك و بيننا حبل الانتظار، والرغبة في الاحتضار ،ورفض كل انصهار من شأنه أن يقضي على الأنا ويحولها إلى رقم كباقي الأرقام .

عزيزك دوما : محمد نبيل
[email protected]



 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  حي الظلام

 ::

  اللاجئات العربيات بألمانيا و حكاية الخوف من المجهول

 ::

  علي الضاحك

 ::

  كيف يدفن الموتى العرب بالمقابر الألمانية ؟

 ::

  عندما تحب كلاوديا

 ::

  حفار القبور

 ::

  سؤال الموت

 ::

  الأمهات العازبات بالمغرب

 ::

  حلاق للكلاب فقط


 ::

  بعد العراق بلاك ووتر في الضفة الغربية

 ::

  عقوبة الإعدام .. رؤية إسلامية

 ::

  حملة شبابية تدعو لتعدد الزوجات

 ::

  اقتراح حل السلطة الفلسطينية لماذا الآن؟

 ::

  كلام فلسطين : البعد الأمني الإسرائيلي في المعادلة الفلسطينية

 ::

  التيار الممانع ورهان التغيير في البحرين

 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.