Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

حي الظلام
محمد نبيل   Sunday 29-04 -2007

حي الظلام بدأت الحكاية من حيث كانت النهاية. عينوني في مكان ما و قال لي أصحاب القرار: ستعمل في مكان يدعى حي الظلام. لم أصدق ما أرى وأسمع. أفكار كثيرة تتزاحم في ذهني دون أن أعرف طريقي. رميت بجسدي النحيف في قطار يسير كالسلحفاة. كان الخط الناري ينتظر احتضاني في عمق الصحراء. مدينة مراكش أنهت مشواري الأول من رحلة البحث عن حي الظلام. ركبت الحافلة وسرت كباقي الأجساد الآدمية هائما. انتظرت النهاية أكثر من ألف مرة. أكلت بلهفة مرات عديدة وفي كل مرة يطاردني جوع ليس له نظير وكأنني لم أذق حلاوة الخبز منذ أربعين يوما. بين الفينة والأخرى كنت أحمل كتابا يبلله عرقي الذي يتفتق من بين ثنايا جبيني المتجعد. لم أقدر على إكمال قصة ذلك الشاب الذي طار عقله فعوضه بقلبه.

وفي منتصف الطريق صعدت إلى الحافلة شابة فاتنة. جلست بجانبي. اسمها لطيفة. عمرها يقارب الثلاثين لكن تبدو على وجهها علامات الشيخوخة. كان نور الوقار يشع في وجهها. تبادلنا أطراف الحديث… سألتها:
ـ هل ستزورين حي الظلام ؟
أجابتني بصوت خافت:
ـ لم يسبق لي زيارته. سأزور ضاحيته. يقولون أن الحي مغمور بنساء يبعن ليالي الأنس لمن حرمته أقدار الحياة من دمية التعايش. أنا فضولية لكنني غير مستعدة لهذه المغامرة. إنني في عالم آخر الآن. أنا أقترب من الجنة.

كنت كمن يدخل قارة جديدة. أنصت بدون أن أنتبه إلى فاهي المفتوح وعيني الجاحظتين و فكي الذي لم يكن يقدر على الحركة. كلمات هذه المرأة تشير إلى حالة من الغموض. بدأت في سرد حكايتها ولم أفهم سوى جملتين عريضتين: لطيفة تفكر في الانتحار كي تعانق زوجها الذي غرق في البحر أمام عينيها. طافت بنا الحافلة القرى و المداشر الخالية وسط ضجيج يعيق كل شيء. بدأنا نوظف حركات اليدين من أجل أن نتواصل بدلا من الوقوع تحت رحمة سائق الحافلة الذي ينصت إلى أغاني لا أستطيع التمييز فيها بين اللحن و الكلمات.
كانت المحنة طيلة المشوار. حالتي ذكرتني بقصة ذلك المخبول الذي بشر بوجود الجنة والنار فوق الأرض. رحلتي كانت تشبه وصف ذلك الأحمق للعبة النار في الدنيا. لم أصدق أنني وصلت إلى تلك البلدة المنسية بالرغم من نداء السائق لي بالخروج. نزلت وأنا لا أدري مصيري. كلمات أبي وهو يشد كتفي الأيمن تتزاحم في ذهني. قال لي بعد ما حملت حقائبي:
ـ يا ولدي هذه البلاد مرمية في الثلث الخالي من الدنيا…
وصلت دون أن أعلم بلحظة إطلاق سراحي. التفتت يمينا و شمالا. وجوه شاحبة أتت لحمل أمتعة المسافرين التي أتعبتهم حرقة سباق المسافات. البعض ينادي: طالب معاشو…طالب معاشو. أما البعض الآخر فالتزم الصمت عسى أن تدب الرحمة في نفوس بعض المنهوكين وينادي أحدهم لحمل حقيبة أو جريدة ولملء قارورة ماء لم تمسسها الملوحة… اتجهت بدون أن أفكر في أشياء كثيرة صوب مقهى تكاد تكون خالية. وقفت لحظات ثم وجدت أحد أفراد عائلتي ينتظرني. عندما رآني اجتاحه خوف رهيب من أن أقع تحت صدمة الفيافي والزوابع الرملية. صافحته والشجاعة تلمع في عيني لكن بواطني كانت تتمزق من شدة الغبن. كان بجانبه صديق لا أعرفه. نطق وخاطبني قائلا:
ـ مرحبا يا أستاذ.
لم أرد عليه. كانت علامات الحزن بدأت ترتسم على شفتي. صمت دقائق معدودة ثم أعاد الكرة بصوت فيه نبرة التحذير:
ـ يجب أن تعلم يا أستاذ… هنا في هذه البلاد لا طائر يطير ولا وحش يسير باستثناء المليتير °.
أجبته بعفوية غريبة:
ـ أنا لست جنديا وليس لدي ما أفرضه على الآخرين سوى احترامي…
اتجهنا جميعا للمقهى الكبيرة التي تتوسط البلدة. وجدنا أحمد ينتظرنا وكأنه يعرف أنني قادم. أحمد شاب مهرج و يعرف تجاعيد المنطقة بدقة حتى لقبه أحد أصدقائه بمقدم الحومة. يعمل بالمقهى صباحا أما ليلا فلا يعلم أحد ماذا ومع من يشتغل… بدأنا حوارنا حول عدة أمور ومشاكل. كانت شدة استغرابي وجهلي بتفاصيل المكان الملغوم تدفعني إلى طرح الأسئلة بما فيها الأسئلة التافهة.
سألت أحمد:
ـ كيف دايرة هذه الدنيا ؟
أجابني بضحكة أخرجت معها رائحة الكحول الممزوجة في فمه بشيء أجهله:
ـ هذه البلاد ما فيها غير حي الظلام.
قلت له:
ـ وما السر في ذلك ؟
نطق بصوت خافت:
ـ هذه البلاد عامرة فقط بالقحاب الذين يأتون من كل المناطق لتلبية نزوات العسكر. و إذا أردت أن تكتشف بنفسك فما عليك إلا أن تراقب كل نهاية الشهر مركز البريد المحاذي لساحة بائعي الحليب المسروق.
ـ ولماذا مركز البريد ؟
ـ كل القحاب تجتمع هناك من أجل صرف شيكات العسكر الذين يختلسون لحظات متعتهم بالكريدي °
كم كان الأمر مدهشا عندما ثار أحمد في وجهي عندما سألته:
ـ و هل هناك من نساء جميلات من بين بائعات الهوى. رفض أن يسمع عباراتي ثم قال لي مازحا:
ـ أنت تتعاطف مع القحاب بشدة. لم يكد يكمل قوله حتى أتت العالية. امرأة جميلة في عقدها الرابع. تعرف أحمد منذ أن أتت لحي الظلام. قالت أنها كانت تريد شراء ربع كيلو من السكر فأرادت أن تأتي عندنا كي تسلم علي. خاطبتني كأنها تعرفني منذ عقد من الزمن:
ـ مرحبا بك.
شكرتها. وبعد ذلك سألتها:
ـ هل سبق لي أن تعرفت عليك ؟
ردت بابتسامة عرّت أسنانها المهدمة:
ـ أنت هو الأستاذ الجديد عندنا.
قلت لنفسي: و كيف سأكون أستاذا عند بائعات الهوى.

بدأت الغالية في سرد حكايتها منذ أن اغتصبها علال الجزار إلى أن رمت بها أقدار الزمن الشائك إلى هناك حيث ليس هناك سوى الفراعنة و الثعالب. لم أكن أريد أن أنصت إلى هذا الجرح الغائر. يكفيني أنني أجهل لماذا قصدت هذه المنطقة و أجهل حتى دواعي وجودي. أحس بالتقزز عندما أفكر بذلك.

الغالية قررت أن تغادر المكان بعد ما استفزها أحمد بكلماته اللاذعة. شكرتها بعدما طلبت منها أن تجلس معنا. ردت علي وهي منشرحة:
ـ لدي زبون ينتظرني بغرفتي وأخاف أن تخطفه مني جارتي البتول. إذا غبت يطير رزقي. سأودعك و إذا احتجت شيئا فأنا موجودة بحي الظلام. أعدت شكري لها على كلامها الجميل قبل أن تغادر.

أحمد يعجبه الكلام حول نساء حي الظلام. بدأ في سرد حكاية جديدة حول بائعة هوى مسنة يعشقها العسكر بجنون. ونحن في غمرة الضحك على وصف أحمد المغري. أتى جلول. هذا رجل مخمور نهارا، وبائع للخمور في السوق السوداء ليلا. سلم علي ثم طلب مني بجرأة مريبة:
ـ يا أستاذ، واش خصك شي ماحية ؟
أجبته ببرودة أعصاب:
ـ لا، ليس الآن. لكن قل لي كيف تصنعون هذا الشيء العجيب ؟
ـ هذا ماء الحياة نصنعه من الكرموس ويصلح للعديد من العلل. وعليك بتجريبه…نطق أحمد بلغة عنيفة لم افهم منها شيئا:
ـ اترك الأستاذ في حاله. هذا لن يكون ضحيتك اليوم. حدقت في عينيّ أحمد عسى أن أجد جوابا لعلامات الاستفهام التي تدمر رأسي. لم أصل إلى الهدف. قلت له:
ـ وما العيب في التبرك بماء الحياة ؟
انحنى أحمد حتى كاد أن يسقط ثم همس في أذني:
ـ يا اخي، الماحية يصنعها القحاب في حي الظلام ويعصرن فيها خرقاتهم المليئة بدم العادة الشهرية. أولاد الحرام يبعن حتى خبثهن للكوانب °.
وقفت، ثم حملت حقيبتي الصغيرة، وتوجهت مسرعا إلى غرفة صغيرة كانت تنتظرني وكأن أحدا يطاردني. لم أتناول وجبة العشاء بعدما قدر لي أن تكون نهاية لحظاتي الأولى هناك على نغمات حكاية الماحية. هاجمني حلم غريب طيلة الليل. رأيت نفسي محمولا من طرف بنات حي الظلام فوق نعش أطول من قامتي. كن يصرخن: لقد سقط الأستاذ في فخنا و نحن به ذاهبات.

ـ المليتير: العسكر
ـ الكر يدي: القرض
ـ الكوانب: الأغبياء


[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  رسالة من برلين 2

 ::

  اللاجئات العربيات بألمانيا و حكاية الخوف من المجهول

 ::

  علي الضاحك

 ::

  كيف يدفن الموتى العرب بالمقابر الألمانية ؟

 ::

  عندما تحب كلاوديا

 ::

  حفار القبور

 ::

  سؤال الموت

 ::

  الأمهات العازبات بالمغرب

 ::

  حلاق للكلاب فقط


 ::

  عقوبة الإعدام .. رؤية إسلامية

 ::

  بعد العراق بلاك ووتر في الضفة الغربية

 ::

  حملة شبابية تدعو لتعدد الزوجات

 ::

  اقتراح حل السلطة الفلسطينية لماذا الآن؟

 ::

  كلام فلسطين : البعد الأمني الإسرائيلي في المعادلة الفلسطينية

 ::

  التيار الممانع ورهان التغيير في البحرين

 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.