Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

فؤاد نصرالله يحاور المفكر ساسين عساف
الاستاذ فؤاد نصر الله   Friday 13-01 -2006

فؤاد نصرالله يحاور المفكر ساسين عساف ستاذ الحضارة والمفكر المعروف الأستاذ الدكتور ساسين عساف :

*عبدالناصر ضرب الحريات وميشيل عفلق أسس لبيئة عسكرية
لو انتصر العرب في معركة بواتييه لما تأخرت نهضة اوربا 200عام
* موقع لبنان الجغرافي قد سمح بخصوصية معينة ، فكل لبناني يحمل شيئا من ثقافة البحر ، وثقافة الصحراء .
*تربيت على ثقافة القيم في قرى لبنان ، وفي جبله ، حيث التقاليد الراسخة وثقافة المثل السائر و ثقافة الإيمان بالله والإتكال عليه .
* أنا متأصل في الثقافة العربية ، ودرست تراثها جيدا ، كل ما تبشرنا به الثقافة العالمية موجود أصلا في التراث العربي .
* تاريخ الأندلس مكون ثقافي أضاء لي منطقة هامة كانت بالنسبة لي معتمة ، في فضل الثقافة العربية على الثقافة الغربية.
* تعرفت على الثقافة اللاتينية في أمريكا الجنوبية حيث زرت المكسيك وهناك تعرفت على ثقافات الشعوب الأرتيكية !
* مكتبة الأسكوريال بأسبانيا ، هي أكبر مكتبة في العالم تحتوي على مخطوطات عربية ، وكنوز معرفية .
* أثرت الموشحات الأندلسية في شعراء " التربادور " شكلا ومضمونا ، كما أن " لوركا" تأثر بها تماما .
* القضية المحورية التي حببتني في شعر خليل حاوي هي قضية انبعاث الأمة ، وتجديد شبابها.
* الموقع الذي أحتله الآن ، والذي أرغب أن أبقى فيه هو موقع ثقافة التواصل ، والحوار مع الآخر ، ومحاولة ارتياد آفاقه .
* الوحدة العربية هي حلم كل العرب ، وأعتقد أنه لا يوجد إنسان عربي إلا ويحلم بالوحدة .
* كانت الوحدة العربية أساسا وحدة أيديولوجية سابقة على ما يسمى بحركة التاريخ .
* عناوين المشروع القومي العربي الحديث : التحرر ، الوحدة ، الديمقراطية ، العدالة الاجتماعية ، التجدد الحضاري ، والتنمية .
* الرهان على حركة الشعب العربي في التخلص أولا من فكرة الانكسار التاريخي .
* نحن أمة انهزمت لكنها بالمقابل كان لها انتصارات شأنها في ذلك شان جميع الأمم .
* في كتابي " العيش المشترك " ، بحثت عن رسالة لبنان الحضارية ، وعن قيمتها الخاصة في تجسيدها لفكرة العيش المشترك بين أطيافه ، وعوائله الروحية .
* المقاومة في جنوب لبنان حققت إنجازا في أنها طردت جيش الاحتلال ، ليشعر هذا الجيش بهزيمة عسكرية ، وهو الجيش الأسطوري الذي لا يقهر .
* ربما قد لا نكون سببا في استنهاض الحركة الشعبية العربية بالقدر الكافي ، ولكننا جزء من المقاومة الثقافية .
* يأتي الرهان على حركة الشعب العربي، في التخلص أولا من فكرة الانكسار التاريخي ، ومن ثقافة الإستلاب والتهميش .



حوار/فؤاد نصرالله

في هذا الحوار من زاوية " بداية مشوار " نستضيف الأستاذ الدكتور ساسين عساف أحد الأكاديميين المعروفين في الأدب العربي ، ومن أبرز أكاديميي الجامعة اللبنانية ، وهو أستاذ الأدب العربي وأستاذ الحضارة بالجامعة اللبنانية ، وأحد الناشطين السياسيين في المجتمع اللبناني ، فهو ينتمي إلى منتديات ثقافية عربية كنائب رئيس المنتدى القومي العربي في لبنان ،وهوعضو فاعل في المؤتمر القومي العربي العام الذي يضم شخصيات عربية على مستوى الوطن العربي ككل ، وقد اختير مقررا لهذا المؤتمر ، ومشارك وفاعل أساسي فيه.
والدكتور ساسين عساف يكتب في عدة صحف لبنانية ، وله كثير من القراء ، وله إنتاج فكري ضخم صدر عن دور نشر لبنانية وعربية .

* نبدأ هذا اللقاء انطلاقا من البداية . فمتى وأين ولد ضيفنا الكريم ؟ وما هي مسيرتكم التعليمية ؟
** ولدت في قرية تسمى " عبرين " في شمال لبنان ، وهي في وسط قضاء مدينة "البترون " ، وكان ذلك في الرابع عشر من تشرين الثاني سنة 1948، والدي كان نجارا في القرية ، ذا ثقافة رياضية ، فقد كان رياضيا ولاعب كرة قدم ، ووالدتي كانت على شيء من العلم ، وكانت أمرأة قروية مؤمنة بربها وبتقاليد قريتها .
ترعرعت في بيت حالته المادية تعتبر من الحالة الوسطى لا فقرا مدقعا ولا يطاله غنى فاحش كما يقال ، وإنما عمل الوالد كان يكفي لتربية الأولاد ، وتعليمهم ، وتوفير شروط الحياة اللائقة لهم . لي من الأخوة اثنان ، واحد هو الأكبر ، أستاذ للتعليم الثانوي وكان مديرا لثانوية البترون ، وأخ آخر هو الأصغر ، وهو موظف في الجامعة اللبنانية .
دراستي الأولى تمت في مدرسة القرية وهي مدرسة رسمية ، تابعة للدولة ، كانت تعرف وقتذاك بمدرسة المعارف ثم انتقلت بعد حصولي على الشهادة الابتدائية الأولى إلى مدرسة رسمية أخرى تابعة للدولة في مدينة " البترون " ، وقد درست فيها سنة واحدة ثم انتقلت كتلميذ بعثة داخلية إلى مدرسة في وسط " شروان "تابعة للرهبان اليسوعيين الفرنسيين حيث درست هناك ثلاث سنوات وحصلت على الشهادة الابتدائية المتوسطة ، بعدها عدت إلى مدينة البترون ، فأكملت دراستي الثانوية في ثانوية البترون ، حيث نلت في نهاية الثلاث سنوات شهادة الفلسفة ، وكان لي أن أتقدم لامتحانات الدخول لكلية التربية بالجامعة اللبنانية ، وحصلت علي منحة دراسية مدتها خمس سنوات حيث تخرجت في اختصاص لغة عربية ، وآدابها بشهادة الكفاءة للتعليم الثانوي ، ولكني لم ألتحق بسلك التعليم بل سافرت إلى مدريد بأسبانيا ، حيث تابعت دراساتي الجامعية العليا ، فالتحقت أولا بجامعة " كولنيوس " وهناك نلت دبلومة في اللغة والحضارة الأسبانية ، ثم بعدها انتقلت إلى جامعة " غرناطة " حيث نلت شهادة الماجستير في الآداب العربية ، ومن بعدها عدت إلى مدريد حيث أعددت رسالة دكتوراة بعـنوان " خليل حاوي الشاعر اللبناني في إطار الشعر العربي المعاصر" على يد أستاذ معروف ، مستشرق هو بدرومارتينيث ، وكان آنذاك عميدا لكلية الآداب والفلسفة ثم أصبح رئيسا لهذه الجامعة ، وفي السنة الأخيرة من سنوات إعداد رسالة الدكتوراة وقبل مناقشتها كان لي شرف أن أكون أستاذا مساعدا له ، وكان لي أن أدرّس في هذه الجامعة سنة كاملة ، بعدها عدت إلى لبنان حيث التحقت بكلية الآداب بالجامعة اللبنانية أستاذا متعاقدا متفرغا ثم برتبة أستاذ مساعد ، ثم أستاذا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، ثم مديرا لأحد فروعها ، ثم عميدا لها لفترة ثمان سنوات ، وهائنذ أستاذا عاديا في هذه الكلية ، مدرس الحضارة والآداب العربية .
* هذا ما يتعلق بالسيرة الرسمية التعليمية ، فماذا عن المكونات الثقافية التي تشربتها في منزل ذلك الوالد النجار والأم البسيطة ؟
** طبعا هي ثقافة القيم : المعروفة في قرى لبنان ، وفي جبله ، فهناك توجد التقاليد الراسخة ، والقيم القروية المعروفة ، ومنها الطقوس ، العادات ، ثقافة المثل السائر ، ثقافة الصلاة ، ثقافة الإيمان بالله والإتكال عليه ، ثقافة التعاون مع الآخرين ، ثقافة التضامن والتكافل الاجتماعي ، وما يتبع ذلك من انخراط في حياة القرية ، ونادي القرية ، ثم الحركة الثقافية التي أنشئت واهتمت بالإعداد للمهرجانات الثقافية والرياضية ، والاحتفاليات التي تتضمن تقديم مسرحيات فنية ، وإلقاء الشعر ، والمناظرات التي كانت تعقد ، وخصوصا في المرحلة الثانوية حيث كنت ممثلا للطلاب ورئيسا لرابطة التلامذة في ثانوية البترون ، ثم عندما كنت طالبا جامعيا كنت ممثلا للطلاب في رابطة الأساتذة .
المكون الثقافي الآخر تشكل حين انتقلت إلى المدرسة اليسوعية ، وهي مدرسة الرهبان الفرنسيين ، حيث تلقيت هناك اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية ، وقد تعرفنا كطلاب على تاريخ فرنسا وجغرافيتها ، وحضارتها ، كما ألممنا بالكثير من أوجه الحضارة الأوربية بشكل عام ، حين تعرفنا على الآداب المختلفة ، وكنت قد درست اللغة اللاتينية وشيئا من اللغات السامية كالعبرية والسريانية ، لكن كل هذه المكونات كانت أولية وبدائية ، ربما تكون الثقافة الفرنسية هي الأعمق تأثيرا في تكويني الثقافي ، ولكن في الجامعة اللبنانية اختلف الأمر حيث أن هذا التلميذ الآتي من الريف بدأ يعيش المدينة بكل صخبها وضجيجها ، ومشاكل الجامعة فيها ، والإضرابات ضد السلطة ، والتضامن مع الشعوب المقهورة ، وحركات التحرر الوطني في العالم العربي ، وفي العالم كله . لقد نضج الوعي السياسي والوعي الثقافي بالقضية الفلسطينية ، وبالهوية القومية ، حيث انخرطت في حركة سياسية عرفت حينذاك ب"حركة الوعي في الجامعة " ، والتي تشكلت من طلبة ريفيين كانوا آتين من الجبل ، ولم يكن هؤلاء منخرطين في الحركات اليسارية ، ولم يكن أحدهم بطبيعة الأمر منخرطا في الحركات اليمينية ، الكيانية المتطرفة ، وإنما كانوا علي شيء من الثورية ، وعلى شيء من الطوباوية في العمل السياسي .
كان هؤلاء الطلاب يلتزمون بالقيم النبيلة وبحقوق الإنسان ، كما كانوا يدافعون عن الحريات العامة ، في منبر الجامعة ، وفي مظاهرات الشارع تبلورت مفاهيمي ، وتشكلت شخصيتي على محك الواقع .
وعندما انتقلت إلى مدريد كان المكون الثقافي الأهم والأبرز هو الثقافة الأسبانية بروافدها الأصلية ، ولعل أهم رافد لهذه الثقافة هو الثقافة العربية لما كان للعرب في بلاد الأندلس من آثار أطلعت عليها من جهة العمران ، والمخطوطات ، المزاج العام ، وما يعرف بتاريخ الثقافات ، وكذلك التلاقح بين الثقافات أو التثاقف بين أوربا وبين العرب من خلال الحقبة العربية في بلاد الأندلس .
هذا مكون ثقافي أضاء لي منطقة كبيرة كانت بالنسبة لي معتمة ، في أهمية الثقافة العربية ، وفضلها هذه الثقافة وعموم العرب على الثقافة الغربية ، وقد أدركت تاليا ما أهمية المتوسط ، وما أهمية العرب المتوسطيين ـ أي الذين سكنوا البحر المتوسط من المغرب العربي إلى بلاد الشام ، مرورا ببلاد النيل ، وكيف أن هذه الشعوب العربية التي عاشت على شواطيء المتوسط كان لها تأثيرها في التلاقح الثقافي من جهة ، وفي صد الهجمات الغربية الخطيرة من جهة أخرى .
ولعل هذه التجربة الثقافية الكبرى تضيء لنا الكثير من واقع الصراع القائم حاليا بين الطموح الغربي ، وبين الممانعة لدى الشعوب العربية . فضلا عن العديد من القراءات باللغات الأجنبية ، واشتراكات متعددة في مؤتمرات وندوات في فرنسا وألمانيا ، حتى وصل بي الأمر إلى أن تعرفت على الثقافة اللاتينية في أمريكا الجنوبية حيث زرت المكسيك وهناك تعرفت على ثقافات الشعوب الأرتيكية وكان لي مثل هذه الفرص للتعرف على عادات الشعوب وتقاليدها وثقافاتها .
لذلك كان لكل هذا تأثيره الكبير في الانفتاح الفكري وفي الحوار والتواصل . من هنا تشكل الموقع الثقافي الذي ارتاح إليه بعد هذه السنوات الطويلة من التثقف ، والتعلم ، والتعرف على حياة الشعوب ، وثقافتها .
الموقع الذي أحتله الآن ، والذي أرغب أن أبقى فيه هو موقع ثقافة التواصل ، والحوار مع الآخر ، والاعتراف به ، ومحبته ، ومحاولة ارتياد آفاقه ، والاعتراف به كما هو والتعامل معه على أساس أنه كائن بشري وإنساني يمثل قيما من لدن الله ، و أعتقد أن ثقافة التواصل والتحاور بين الشعوب والتفاعل معه ، ربما تكون هي الرد الحاسم والطبيعي على كل الكلام الذي يبشر بصراع حضارات ، وصراع أديان .
ربما يكون في هذا المنزع نوع من المثالية وقدر من الطوباوية ، ولكن أقول أن هذه الطوباوية أو المثالية ترسخت داخلي يوم كنت طفلا دارجا في قريتي : لأن الريف اللبناني بطبيعته ريف صوفي ريف عبادي ، طقوسي ، صلاتي ، تأملي .
هنا في الريف اللبناني إطلالة محب للآخر ، و علينا ألا ننسى أن موقع لبنان الجغرافي قد سمح بخصوصية معينة ، فكل لبناني يحمل شيئا من هذه الثقافة : ثقافة البحر ، وثقافة الصحراء .
لبنان مفتوح على العالم ؛ فكما أن كل لبناني منفتح على ثقافة البحر ، وثقافة الاغتراب فهو منفتح أيضا على ثقافة الصحراء أي ثقافة العرب ، وهو دائما شديد الالتزام بالقضايا الإنسانية ، والقضايا العربية المحقة .
* كنت أتمنى أن أطرح عليكم سؤالا حول الثقافة العربية في الأندلس وتأثيراتها في المجتمع الأندلسي قديما ، والأسباني حاليا . فنحن نعرف مدى تأثير تلك الثقافة في المجتمع الأسباني حتى يومنا هذا . فهل ما تزال هناك لمحات أو ملامح تجسد لنا هذا الدور؟
** بالطبع توجد الكثير من المعالم الأثرية القائمة والواضحة ، مثل جامع قرطبة ، وقصر الحمراء ، وكل القلاع القديمة والمنشئات المعمارية سواء فن الزخرفة أو فن الأرابيسك ، كل هذا موجود وباق في مكانه ، ومحافظ عليه . هناك أهم معلم ثقافي ، وهي مكتبة الأسكوريال ، على بعد حوالي 80 كيلومترا من العاصمة مدريد ، توجد مصايف الملوك في الأسكوريال ، وهناك أكبر مكتبة في العالم تحتوي على مخطوطات عربية ، وكنوز معرفية في مكتبة الأسكوريال ، وكان لي الحظ أن زرت هذه المكتبة واشتغلت على مخطوط من هذه المخطوطات يتناول الطب العربي ومدى تأثيره على الطب العالمي ، فمعروف أن الطب الحديث قد تأثر بجهود قدامى الأطباء العرب ، مثلما تأثرت الفنون والآداب الغربية بما قدمه العرب في كافة المجالات من فنون معمارية ، وفنون النسيج ، وعلوم الفلك ، والجغرافيا ، وعلم النفس ، والفلسفة ، وهذا التأثير لم يقع فقط في بلاد الأندلس ، لكنه أمتد إلى حدود أوربا ، وهنا أذكر كلمة قالها أحد الرؤساء الفرنسيين ، قال : " إن الحضارة الأوربية تأخرت مائتي سنة بسبب إنكسار العرب في معركة بواتييه " . بمعنى ان العرب لو انتصروا في موقعة" بواتييه " ، لما تأخرت أوربا 200 سنة في إحراز نهضتها .
حتى " جاك سترو " وزير خارجية بريطانيا الحالي له محاضرة شهيرة يعترف فيها بأن الثقافة العربية هي أم الثقافات الغربية ؛ وهنا لابد أن أشير إلى أن كولومبس نفسه إعتمد الخرائط العربية ، للوصول إلى أمريكا وغير ذلك .
ولي دراسة منشورة حول رشدية القديس توما الأكويني ، وقد تتبعت تأثير الفيلسوف العربي ابن رشد في توما الكويني . هذا على مستوى الفلسفة ، فنحن نعرف أن ابن رشد هو صاحب الفلسفة التوفيقية بين العقل والإيمان ، كذلك فإن توما الأكويني كان له هذا الموقف من مسألة الإيمان والعقل ، وهي دراسة قمت بترجمتها ، وكذلك التعليق عليها ، وشرحها لأنها دراسة قدمها المستشرق الأسباني " أسيم بلاثيوس " ونشرها سنة 1904 ، وقعت عليها في مجلة اسمها " مجلة الأندلس " ، وترجمتها إلى اللغة العربية ، وعلقت عليها شارحا ، ومعلقا ، ومحققا، وما إلى ذلك ، وهنا لابد أن نتحدث عن مدى تأثيرالموشحات الأندلسية في شعراء " التربادور " شكلا ومضمونا ، فلا ننسى أن لوركا تأثر.
كان لوركا متأثرا جدا بالموشح الأندلسي ، ولا ينبغي أن ننسى تأثير أبي العلاء المعري على " الكوميديا الإلهية " لدانتي ، وهو إيطالي بما يعني أن التأثيرات الثقافية تجاوزت حدود الأندلس إلى غيرها من الدول .
ما تركه العرب في الأندلس ما زال حيا في الثقافة الأوربية حتى اليوم ، وأعتقد أنه مهما تطورت العلوم ، وخصوصا العلوم الطبية والعلوم الفلكية ، ليس بإمكانها أن تتحرر من القواعد الأساسية التي وضعها علماء العرب .
* نعود إلى السيرة الذاتية ، فمن خلال تنقلاتك وحراكك في الحياة السياسية ، هل تمسكت بتلك القيم الطوباوية التي تنشأت عليها في قرية " عبرين" ؟ تلك المثاليات التي اكتسبتها في بداياتك هل تمسكت بها وقت اشتغالك بالعمل السياسي؟
** واقعيا ، انخرطت في الحركة الطلابية ، وكان التزامي من خلال موقع نقابي ، وبالطبع فمن خلال هذا الموقع النقابي كنا نطل على المشهد السياسي ، ونحتك بالقضايا العامة إن كانت إنسانية أو قومية ، أو وطنية، لكنني لم أنتسب إلى حزب سياسي معين ، فكريا كان لي إنزياح طبيعي ناحية قضايا التحرر الوطني ، وقضايا الحرية وحقوق الإنسان ، والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ، والتجدد الحضاري والعقلانية ، وكلها مستمدة من ثقافتي العربية ، لأنني متأصل في الثقافة العربية ؛ فقد درست التراث العربي بكل مكوناته الأساسية ، ورأينا أن كل ما تبشرنا به اليوم الثقافة العالمية موجود أصلا في التراث العربي ، مثل حرية التعبير ، وحقوق الإنسان ، مفهوم العدالة الإجتماعية .
كل ما قامت عليه أدبيات الثورة الفرنسية : العدالة ، والحرية ، والمساواة موجود بالتراث العربي ، وفي سير الأقدمين ، وفي مسيرة الخلفاء الصالحين ، بل في سير كثير من الحكام العرب العادلين، وما إلى ذلك .
تراثنا العربي تراث مكتنز بمثل هذه الأدبيات والمسلكيات ، وأعتقد أن الإنسان عليه أن يتعمق في أصوله عندها لا يصبح هناك خطر عليه ، أو خوف من أن يتغرب ثقافيا أو أن يتلاقح مع الآخر ، أو ينفتح على الآخر ثقافيا ؛ لأن التماهي الثقافي قد يصبح خطرا على الهوية مع من لا يملك تأصيل ثقافته في ذاته ، أما عندما تكون متأصلا في هويتك ، تعرف جذورك ، وتدرك أصولك ، تلم بقيمك فأعتقد أنه لا خوف عليك ، من موقع الندية ومن منطق الإنسان الواثق من نفسه ومن ذاته .
طبعا أنا لا أمارس السياسة بالمفهوم العملي ، بمعنى أنني لم أرشح نفسي لانتخابات ، ولا أفكر بمنصب سياسي معين ، لا أسعى كي أتبوأ مكانا معينا ، لا أنخرط في حركة سياسية محددة ، لكنني أنتمي إلى مناخ ثقافي سياسي ألا وهو المناخ الإنساني ، ثم عدّلت في هذا الموقف مع إحساسي بما تتعرض له الأمة العربية ، فحولت في اتجاهي بعض الشيء إلى نوع من الالتزام أكثر جذرية مع القضايا العربية .
من هنا كان انتمائي إلى منتديات ثقافية عربية مثل المنتدى القومي العربي ، وأنا نائب رئيس المنتدى القومي العربي في لبنان ،كما أنني عضو فاعل في المؤتمر القومي العربي العام الذي يضم شخصيات عربية على مستوى الوطن العربي ككل ، وأنا مقرر لهذا المؤتمر ، ومشارك وفاعل أساسي فيه .
في الداخل اللبناني كنت أحاول دائما أن أنتمي إلى المناخ الوحدوي ، يعني كنت مؤسسا للقاء الوحدوي اللبناني بعد الحرب ، وأنا الآن عضوهيئة متابعة في منبر الوحدة الوطنية ، فحيثما أجد هناك وحدة ، وروح وحدوية ، وروح تفاهم و تصالح لبنان مع ذاته ، وتصالح لبنان مع إخوانه العرب ، وتصالح العرب بعضهم مع البعض الآخر ، وتصالح العرب مع العالم ، فأجد نفسي هناك .
ولا أجد نفسي على حد ما يسمى بالتصادم ، وإنما على حد التواصل ، فالوحدوية اللبنانية أعتبرها أساسا للوحدوية العربية ، والوحدوية العربية أعتبرها أساسا للدخول فيما يسمى بالنظام العالمي الجديد .
إذن السياسة لم أمتهنها ، لست سياسيا بمعنى أنني لا انتمي إلى حزب ، ولاأسعى إلى منصب ، ولا أمارس السياسة بالمعنى التقليدي ، بمعنى أن أؤدي خدمات للناس ، أو أتابع مشاكلهم ، لكن اشتغالي بالسياسة جاء من موقع فكري لذلك فقد وضعت مؤلفات كثيرة في الفكر السياسي.
* لتعطنا فكرة على بعض إسهاماتك في هذا الجانب ؟
** حسنا ، لقد كتبت ثلاثية سياسية أولها كان بعنوان " العيش المشترك " وأعني به العيش بين اللبنانيين ، وثاني كتاب هو " الديمقراطية " ، والثالث بعنوان " التغيير " ، كما كتبت كتابا بعنوان " المآزق السياسية في التسوية اللبنانية " بعد توقيع اتفاقية الطائف ، ووضعت كتابا آخر كرد على مشروع الشرق أوسط الجديد الذي جاء بمثابة عنوان لشيمون بريز ، كتبت كتابا بمثابة رد على هذا العنوان ، وعنوانه " شرق أوسط جديد أم صهيونية متجددة ؟ " .
إذن كل هذه المباحث في الفكر السياسي وليست في العمل السياسي بمعنى أنها لا تتضمن برامج سياسية مع آليات عمل وغيره ، ولكنها تتضمن فكرا سياسيا ، فضلا عن الكثير الكثير من الأبحاث المنشورة في مجلات عربية مرموقة ، وفي مراكز أبحاث عربية ، وفي الصحف اللبنانية ، فقد كتبت في جريدة " السفير " ، وفي جريدة " النهار " ، وفي جريدة " اللواء " ، وفي الكثير من الصحف والمجلات العربية التي تعنى بمثل هذه القضايا .
* كنت أريد أن اسأل عن العنوان " الثلاثية " الذي ينسحب على الكتب الثلاث الأولى . هل هو عنوان طاريء عليها أم هو عنوان أصيل لها؟
** في الحقيقة هي مجموعة مقالات كتبتها أثناء الحرب الأهلية . يوم كان اللبنانيون منقسمين ، ويتواجهون على خطوط التماس ، بين فريق يريد لبنان في موقع ، وفريق يريد لها أن تكون في موقع آخر ، كان كتابي الأول الذي حمل عنوان " العيش المشترك " ودافع عن فكرة العيش المشترك ، وعن رسالة لبنان الحضارية ، وعن قيمتها الخاصة في تجسيدها لفكرة العيش المشترك بين أطيافه ، وفئاته ، وعوائله الروحية .
ثم كان الكتاب الثاني الذي هو" الديمقراطية "لأنني اعتقد أن أساس العيش المشترك هي الديمقراطية ، لأنه بدون ديمقراطية لا عيش مشترك ، فكيف للناس أن تتعايش بدون نظام ديمقراطي يسمح للجميع بالمشاركة ، ويسمح للجميع بالحرية ، ويحترم حقوق الجميع؟
على هذا الأساس كان كتابي الثاني عن الديمقراطية ، وللوصول إلى الديمقراطية كان الكتاب الثالث الذي هو بعنوان " التغيير " بمعنى
التحديات التغييرية التي كانت مطروحة أمام اللبنانيين لبناء النظام الديمقراطي حماية لعيشهم المشترك .
هذه الثلاثية مترابطة في الهداف ومترابطة القضايا ، كما أنها رغم التشابك الحادث في الواقع متدرجة في موضوعاتها .
* كتابكم " المآزق السياسية في التسوية اللبنانية " هل يدخل ضمن إطار هذه المجموعة أم أنه ينتمي إلى فترة سياسية سابقة؟
** لا ، هو في فترة لاحقة ، فكتب السلسلة كتبت في سنوات 1986، 1987، 1988، وفي سنة 1989 وضع اتفاق الطائف تحت عنوان التسوية اللبنانية ، وهنا أخذت هذا الاتفاق وعالجته نصا ، مبينا التداخلات الإقليمية والدولية التي أنتجت هذا النص ، ثم ما هي المعوقات التي يمكن أن ترافق تنفيذه . الواقع أنه كتاب من الحجم الكبير وهو يبحث عن المآزق السياسية للإتفاقية كنص ، لقيادة النص ، وتنفيذه ، والبحث في التداخلات الإقليمية والدولية حوله ، وفعلا من يقرأ هذا لكتاب راهنا يرى أنه كان كتابا يستشرف مستقبل وثيقة الوفاق الوطني التي عقدت في الطائف ويحذر من الكثير من المزالق التي انتهت إليها ؛ لأن المأزق يوجد في النص وفي الممارسة ، وفي التغييرات التي طرأت على الوضع الداخلي.
فهذا الكتاب جاء تتويجا ـ إذا صح التعبير ـ لبحثي عن المآزق السياسية الفعلية إذا كانت مآزق بنيوية في بنية النظام اللبناني ، أو المجتمع اللبناني ، أو هي مآزق طارئة على الوضع اللبناني نتيجة التدخلات الإسرائيلية والوصاية السورية التي كانت مفروضة على لبنان .
* كتاب " شرق أوسط جديد أم صهيونية متجددة ؟ " هو إفراز لمرحلة محددة أم هو يصلح لكل المراحل؟
**عندما صدر كتاب شيمون بيريز سنة 1994 أخذت هذا الكتاب ، قرأته ، وفككته ، أي اتبعت المنهج التفكيكي ، وأظهرت ما وراء النص في ضوء مفهومي الخاص للصهيونية وبيّنت أن مشروع بيريز لا يختلف عن المشروع الصهيوني الأصلي والأساسي ، ألا وهو أن تصل الصهيونية إلى هدفها الذي يعني فرض الهيمنة على المنطقة.
مشروع بيريز كان يهدف إلى الهيمنة على المنطقة بالسلم ، في حين أن " الشارونيين " وغيرهم كان أسلوبهم هو السيطرة على المنطقة بالحرب . هناك نظريتان في إسرائيل : نظرية السوق ، ونظرية القلعة .
جماعة القلعة هم جماعة الحرب ، وجماعة السوق هم جماعة الهيمنة الاقتصادية ، والتكنولوجية على المنطقة .
شيمون بيريز كان من أتباع النظرية الثانية ، وقد أثبتت أن هذه النظرية الجديدة هي هيمنة جديدة وليست سلاما بين الشعوب ، وقد أظهرت أن هذا السلام الذي يدعو إليه شيمون بيريز هو سلم مفروض من إسرائيل وليس سلاما ، هي تسوية مؤقتة لامتصاص قدرة العرب ، وأخذهم نحو الشروط الإسرائيلية ، مع وضع إسرائيل أمام الرأي العام العالمي كأن إسرائيل تريد السلام والعرب يريدون الحرب .
* دعنا نعود إلى رسالة الدكتوراة ، بالتأكيد أنجزت رسالتكم حول شعر خليل حاوي قبل انتحاره ، لماذا اخترت خليل حاوي؟
** أولا خليل حاوي كان أستاذي ، أستاذ النقد الأدبي على مدى ثلاث سنوات ، علمنا النقد الأدبي العربي والغربي في كلية التربية بالجامعة اللبنانية ، باتجاهاته الحديثة .
ثم أنني عندما كنت بالصفوف الابتدائية وصولا إلى التكميلية كان شعره بالنسبة إلينا جاذبا باعتبار أنه كان يمثل الشعر الإيقاعي ، سريع الحفظ ، والذي يلامس الحقائق الموضوعية ، على متانة الأسلوب ، وشدته ، لذلك عندما تعرفته في الجامعة إنسانا وأستاذا محاضرا ثم شاعرا ، كان اقترابي من عوالمه إضافة إلى أنه كان من الأساتذة الذين يحدبون على طلابهم ، ولا يقطعون معهم ، بمعنى أنه عندما كانت تنتهي ساعة الدرس لم يكن لينصرف فورا من الجامعة إلى البيت ، لينزوي ، وإنما كان يبقى طلابه متحلقين حوله يناقشونه في بعض الأفكار ، يسيرون معه في الشارع خطوات ، لعدة أمتار ، وأحيانا كيلومترات ، نتبعه إلى الجامعة الأمريكية حيث كان أستاذا في دائرة الدروس العربية ، كنا نتحاور معه ، نطرح عليه الإشكاليات ، يقرأ علينا شعره ، ولكل هذا نبت بيننا نوع من المحبة ، والحميمية ، والرغبة في العلم .
كان خليل حاوي كما تعاملت معه إنسان عميق الثقافة ، وإنساني ، ويحب طلابه ، ويحب العلم والمعرفة ، كما أنه صادق ومخلص في عمله ، إضافة إلى ما ذكرت فيمكنني القول أنه كان عندي اهتمام بقضايا الشعر العربي ، ليس من حيث هو شكل ولكن من حيث القضايا التي تعرض لها.
القضية المحورية التي حببتني في شعر خليل حاوي هي قضية انبعاث الأمة ، وتجديد شبابها ، لذلك فإن شروط هذا الانبعاث جذبتني إلى شعر خليل حاوي ، ثم أن شعر خليل حاوي كان له مصدران . المصدر الأساسي كان الثقافة السورية ، بمعنى أن خليل حاوي كان على مقربة من مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة ، وكان خليل حاوي عضوا بالحزب ، ويعد حجة ومرجعا فكريا وفلسفيا لهذا الحزب قبل أن يستقيل منه ، وينتقل إلى الفكرة العربية ، بتأثير ميشيل عفلق ، لذلك رأيت في شعره القضية السورية ، كما وضعها ونظر لها أنطون سعادة ، وكلنا يعرف أن هذا الخطاب هو خطاب نهضوي .
وقد تمثل في شعره القضية العربية ، وخصوصا بعد أن انتقل خليل حاوي من الفكرة السورية إلى فكرة القومية العربية ، وخصوصا بعد أحداث 1967 كما تجلى ذلك في قصيدته " إلى آذار " وهي قصيدته المشهورة ، ومن بعدها " الأم الحزينة " ، و" الرعد الجريح " وما إلى ذلك ، فقد بدأ شعر خليل حاوي يرافق نقد الأمة من الداخل ، لذلك عندما رأى أن هذا النبض لم يعد قويا في جسد الأمة ، وعندما شاهد الدبابات الإسرائيلية قد اجتاحت تلك الأمة باجتياحها بيروت كان أن أقدم على الانتحار .
* ما تعليلكم لهذا الانتحار ؟
** لقد وجد أن مشروع نهوض الأمة ، وانبعاثها، والذي بشر به في بداياته الأولى وحتى كتاباته الأخيرة قد اجتاحته الدبابات الإسرائيلية بسهولة ، وسحقته.
* لعلك أكثر من تأثر بانتحاره ؟
** طبعا ، فالعلاقة بيننا لم تكن علاقة أستاذ وتلميذ ، بل كنا أصدقاء نتحاور ، وكنت أنقل إليه وجهات نظر غربية ، فلم يكن مطلعا على الثقافة الأسبانية ، وقد كان شديد التعمق في النقد الغربي ، وخصوصا النقد الانجليزي والنقد الفرنسي ، والنقد الألماني ، والنقد الأمريكي ، ولكن اللغة الأسبانية لم تكن بابا مفتوحا بالنسبة إليه ، ولهذا لم تتح له الفرصة كي يتفاعل مع آدابها ؛ لذلك كنت آتيه ببعض النظريات النقدية التي صدرت هناك وأنقلها له ، وأحيانا يتم ذلك عبر اللغة اللاتنية ، وكان يقرأ مثل هذه النظريات ، ويطلع على كثير من الآراء ويستلذ أن يستمع إليها ، وكانت لي لقاءات صيفية معه عندما كنت أعود من مدريد إلى لبنان ، ما أن ارتاح يوما أو يومين في بلدتي حتى أعود وأزوره في " الشوير " بالمنطقة الشمالية ، وكان يصطحبني إلى إحدى المقاهي هناك ، وكنا نجلس في المقهى فيطيب له أن يأخذ قليلا قليلا من العرق اللبناني ، وكان يطرب عندما أسأله حول شعره ، ويلذ له أن يسمع رأيا في شعره لم يسمعه من قبل ، ولشدة غرامي بذلك الشعر كنت ربما أجد فيه أشياء ربما لم تخطر له على بال ، لأنني اعتمدت النهج التحليلي والمنهج التفكيكي ، في دراسة الشعر وخصوصا عندما اعتمدت طريقة " جولدمان " في البنيوية الاجتماعية ، أي علم الاجتماع البنيوي ، ومنه نستطيع أن ندخل على القصيدة العربية بمذهب علم الاجتماع . فأنت تعرف أن البنيوية متعددة الاتجاهات ، فهناك البنيوية النفسية عند " لاكان " ، والبنيوية اللغوية مع " سوسيير " ، وكانت هناك البنيوية الاجتماعية مع " جولدمان " ،ولعلك تدرك أن أكثر ما كان يهمني المضامين .
* وماذا عن الناقد الشهير " رولان بارت " ؟
** هذا ناقد ألسني ، بنائي ، أكثر منه باحث عن الدلالة .

* أنت تؤمن بالقومية العربية ، وبالمشروع القومي العربي، حدثنا عن هذه التوجه .
** أنا من كتاب الفكر القومي العربي ،و لي أبحاث ودراسات منشورة في العديد من المجلات حول كيفية تجديد الفكر القومي العربي، بالرغم من كل الانتكاسات .
نحن نؤمن بمشروع النهوض العربي ، الذي بدأ في نهايات القرن التاسع عشر ، وبدايات القرن العشرين ، باتجاهات ثلاثة : الإتجاه الليبرالي ، اتجاه الإصلاحي الديني ، والإتجاه القومي .
* لكن الاتجاه القومي أفرز لنا العديد من الديكتاتوريات!
** هذا لا يعني أن الفكرة خاطئة ، كما أنني أتحدث عن مشروع كامل . أعرف أن ثمة أحزابا سياسية تبنت هذا المشروع ونهضت عليه ، وادعت أنها ستحققه ، ،وادعت إمكانية تنفيذه ، ولكن هذا المشروع حملها هي إلى السلطة ، فأفرغته من كل مضامينه الديمقراطية .
لنأخذ مثالا بالناصرية ، وأنا أحترم جدا ما أنجزه جمال عبد الناصر ، في أكثر من مجال ، ولكن المأخذ الرئيسي على الناصرية هو ضرب الحريات ، وإقامة نظام لا يشبه الديمقراطية في شيء ؛ فقد ضيق النظام على حريات الناس ، والحقوق الأساسية للمواطن .
لو أخذنا حزب البعث سواء من كان منه في سوريا أو ما كان في العراق ، ستجد أن الجانب العسكري فيه طغى على الجانب السياسي والجانب الثقافي والحضاري . ومن يقرأ أدبيات حزب البعث يجده شيئا مختلفا تماما عن ممارسات السلطة .
فكرة المشروع القومي هي النهوض ، والتحرر ، والتحرر مازال ضرورة مادامت فلسطين أرضا محتلة ، ومادام العراق كذلك ـ حاليا ـ أرضا محتلة .
الوحدة العربية هي حلم كل العرب ، وأعتقد انه لا يوجد إنسان عربي إلا ويحلم بالوحدة مع تعديلات معينة ، خصوصا أن نجاح الوحدة الأوربية ربما تشجع العرب على احتذاء هذا النموذج الغربي في إنجاز وحدتهم التي كانت أساسا وحدة أيديولوجية سابقة على ما يسمى بحركة التاريخ، ولكننا اليوم لا نؤمن بغير وحدة المصالح أي وحدة العقل ، كذلك وحدة العمل النجاحي ، وهذه نقطة في غاية الأهمية .
ولنصل إلى الديمقراطية ، لأقول أن كل أقطار الوطن العربي بحاجة إلى الديمقراطية ، لكننا بحاجة ملحة إلى التجدد الحضاري بدءا من الإصلاح الديني لأننا نريد خطابا دينيا متجددا لا يعاني من التزمت والرجعية بحيث تراه يطغى على حياتنا السياسية وعلى حياتنا الدينية .
يوجد فكر ديني يوصف بأنه إرهابي وهو بالفعل إرهابي في بعض مناحيه ، وعلى أساس من هذا الفكر ينظر إلي الإسلام ، وينظر إلى المسلمين ، وينظر كذلك إلى العرب .
نحن بحاجة إلى عدالة إجتماعية ، ومن منا لا يرى أن ثمة فروقات في واقعنا . نحن بحاجة إلى التنمية ، ومن الأفضل أن تكون التنمية مستقلة .
هذه هي عناوين مشروعنا ، وهي نفسها عناوين المشروع القومي العربي الحديث : التحرر ، الوحدة ، الديمقراطية ، العدالة الاجتماعية ، التجدد الحضاري ، والتنمية .
ست عناصر أساسية لهذا المشروع ، و لا أجد القومية العربية إلا من خلال هذه العناصر .
* معنى هذا أنك تجد قوميين ولا تجد قومية ؟
** هناك من ادعى انه يمثل هذا المشروع ، وكما قلت : حمله المشروع إلى السلطة . ولكنه بمجرد أن وصل إلى السلطة ضرب المشروع ، وحاد عنه ، وأهمله ، بل مارس نقيضه .
* بعد كل ما قدمته من طرح حول المشروع القومي العربي . ما تأثير هذا المشروع في الناس ؟ وما مستقبلنا نحن من خلال الحراك السياسي والأفكار التي تتداول ،هل مازال هذا المشروع صالحا للتطبيق والمراجعة؟
** إذا كان الجواب من مدخل ماهو واقع وما هو راهن فهذا شيء ، وإذا كان الجواب من مدخل تاريخي مسند إلى واقع قائم فهناك شيء مختلف . لنبدأ بالمدخل الأول ، وهو مدخل الوقائع . الوقائع كما هي اليوم تثبت أن أكثر البلدان العربية تعاني من تراجعات ، هذ1شيء واضح جدا . تراجعات أمام الهجمة الغربية الأمريكية الصهيونية على المنطقة ، وتراجعات لفشل المشروع العربي ذاته ،والمسئول عن فشله كما قلت السلطات التي قامت باسمه ، وتراجعات مع استشراء الفكر الديني المتطرف .
إذن الفكرة العربية متراجعة على هذه المستويات ، أو لهذه الأسباب الثلاث التي ذكرتها ، فإذا ما سلمنا بهذه التراجعات رسميا كان علينا أن نعلن موت الفكرة العربية ، وأن نحدد وقتا لدفنها ، ولكن المدخل الثاني وهو المدخل التاريخي المسند على وقائع في طبيعة الأمر يقودنا إلى نتيجة معاكسة ، لقد عرف الشعب العربي في تاريخه نكسات وتراجعات كما حقق في طبيعة الأمر الكثير من الإنجازات .
هذه حقائق تاريخية مثبتة في تاريخ الأمة ، كذلك فإن هذا التاريخ مسند على وقائع ، فهناك الحركة الشعبية العربية ، وهناك الشعور لدى المواطن العربي . هذا الشعور المقترن بقوى الممانعة ، ثمة ممانعة في التطبيع مع الكيان الصهيوني ، ثمة ممانعة في التسليم بالهيمنة الأمريكية على المنطقة ، ثمة ممانعة ومقاومة لاحتلال الجنوب اللبناني وما تبقى منه ، هناك ممانعة ومقاومة في العراق ، طبعا لا أتحدث عن الأعمال الإرهابية وقتل المدنيين والأبرياء ، وإنما أتحدث عن مقاومة جيش الاحتلال : البندقية التي توجه إلى جيش الاحتلال وليس إلى الأبرياء من أبناء الشعب العراقي . هناك انتفاضة في داخل فلسطين ، إذا نظرنا إلى نتائج ذلك ماذا يمكننا أن نرى؟
نرى أن الشعب ممانع ، إلى جانب انتفاضة الشعب الفلسطيني ، والمقاومة في العراق ، والمقاومة في جنوب لبنان . هذا على مستوى الشعب . المقاومة في جنوب لبنان حققت إنجازا في أنها طردت جيش الاحتلال ، ولأول مرة ، ليشعر هذا الجيش بهزيمة عسكرية ، وهو الجيش الأسطوري الذي لا يقهر .
الانتفاضة في الداخل الفلسطيني حققت إنجازا مهما ، ألا وهو الانسحاب من غزة ، كما أن المقاومة في العراق تزداد ـ لا أقول الإرهاب لأن في العراق إرهاب أيضا ـ والجيش الأمريكي في مأزق ، هذا المأزق عبر عنه الرئيس بوش ووزير دفاعه ، وكل الإعلام الأمريكي الآن يتحدث عن هزيمة الجيش الأمريكي في العراق ، ويبحث عن سبل الخروج من هذا المأزق .
إذن هذه العلامات أو هذه الإشارات توحي وكأن المستقبل العربي مفتوح على تحقيق نجاحات معينة ، وإلى استعادة زمام الأمر ـ وإن كان ذلك سيطول فإن الزمن لا حساب له في تاريخ الشعوب الناهضة لنيل استقلالها وحريتها ، واستقلال أرضيها والتمسك بهويتها .
المهم : ماذا نفعل في المنتدى القومي العربي أو المؤتمر القومي العربي ، ونحن الذين ننظّـر ونكتب ، وما إلى ذلك ؟
نحن نقر بأننا جزء من الممانعة الثقافية ، ربما قد لا نكون سببا في استنهاض الحركة الشعبية العربية بالقدر الكافي ، ولكننا جزء من المقاومة الثقافية ، وأعتقد أن كل المقاومات قد تسقط ، باستثناء المقاومة الثقافية ، لأنها الأصل في تكوين الهوية . قد تخسر معركة ، قد يجتاح اقتصادك ، قد يدمر أمنك الوطني والقومي ، قد تحتل أرضك ، ولكن هويتك الثقافية إذا ما أحسنت التمسك بها فأعتقد أن عصب الممانعة هنا يكون قويا بما فيه الكفاية .
مهما وقعت الأنظمة من معاهدات ، ومهما تراجعت ، او استسلمت فسيظل العصب هو في الممانعة الشعبية.
للأنظمة خيارات والتزامات ، ومصالح وارتباطات ، أما حركة الشعوب فهي متحررة من كل ذلك . لذلك يأتي الرهان على حركة الشعب العربي، في التخلص أولا من فكرة الانكسار التاريخي ، ومن ثقافة الاستلاب ، وثقافة التهميش ، من تلك الروح الانهزامية والتي ترسخ لفكرة أننا أمة مهزومة . لا ، نحن أمة انهزمت ، هذا صحيح ، لكنها بالمقابل كان لها انتصارات شأنها في ذلك شان جميع الأمم ، فإذا كنا نعيش اليوم في انكسار تاريخي ، فهذا لا يعني أن الانكسار دائم.
* أعتقد أننا انغمسنا في السياسة ، لكنني سأعود إلى عوالم الفكر ثانية . لك دراسة عنوانها " مسيحي يقرأ جبران " ليتك تحدثنا عن جبران وتأثره بمدرسة المهجر ، وعلاقته بميخائيل نعيمة وغير ذلك من إشكاليات .
** الدراسة هي بحث جامعي يضع جبران في دائرة الفهم اللاهوتي وتبدأ الدراسة بتحديد الأفكار الرئيسية في اللاهوت المسيحي ، وتنتقل إلى دراسة كتاب جبران " يسوع ابن الإنسان " ، وتحاول أن تبحث عن أركان اللاهوت المسيحي في النص الجبراني ، وتقيم نوعا من المقارنة بين المفاهيم الجبرانية ليسوع ، وحياته ، ومسلكه ، وشخصيته ، وحضوره التاريخي ، وبين شخص يسوع في اللاهوت الكاثوليكي ، وتخلص الدراسة إلى أن جبران له دينه الخاص ، له مسيحه الخاص ، مسيح جبران هو مسيح تاريخي ، وليس كما هو الحال في اللاهوت المسيحي الكاثوليكي ، أعني تجسيد إلهي في التاريخ ، فثمة فرق في أن يكون شخص المسيح تجسيدا إلهيا في التاريخ ، وبين أن يكون إنسانا عاديا يعيش صيرورة تاريخية معينة ، تنتهي به إلى النبوءة أو الألوهية .
هذا ضد المركزية الإلهية في شخص المسيح في تكوينه وفي حضوره ، فضلا عن اعتقادات لاهوتية أخرى ليس المجال للبحث فيها الآن . لماذا هذا الاختلاف أو التباين؟
لأن جبران ولد ولادة مسيحية ، وتربى تربية مسيحية ، ونشأ نشأة مسيحية ، بل عاشها تقريبا ، ومارسها ربما شعرا وعبادة ،لأنه كان يروى أنه مات معترفا ، بمعنى أنه طلب كاهنا لكي يعترف له قبل موته ، ومات وكان يعلق الصليب فوق سريره ، وهذه مظاهر إيمانية معينة ، ولكن جبران عندما هاجر إلى بوستن تعرف هناك على حلقة تعرف بالحركة التيوزيفية وهي حركة إسرارية . المدرسة الأمريكية في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت تدور حول هذه الفكرة ، فكرة" التيوزيفية " لأنها فكرة عرفانية ، وهي توحد بالألوهة ، نوع من الصيرورة التصاعدية حيث تتسامى فيها الروح لتتحد بالله . جبران كان في قلب هذه الحلقة ، بتأثير من ثقافته الهندية ، لأن جبران ، وقبل أن يتعرف على هذه الحلقة كانت له ثقافة هندية متأثرة بطاغور ، وبالنيرفانا الهندية ، وبمفاهيم البوذية ، والبراهما ، وما على ذلك .
إذا هذه الثقافة الهندية أسعفته في أن يدخل إلى هذه الحلقة بمفاهيم لم تكن غريبة عن مفاهيمها كمفاهيم الغنوصية ، و التقمص ، وغيرها من مفاهيم روحانية حدسية التي تعتمد على النقاء الروحي ونظافة القلب ، على خلوص الروح وصفاءها ، على تصفية الجسد من الشوائب أو اللحنية إذا ما صح التعبير للارتقاء بالنفس ارتقاء يسمح لها بان يشرق عليها نور الله أو نور المعرفة ، وهذا ما يعرف بالإشراقية وهذه الإشراقية تعود إلى مذهب الأفلوطين الذي قرأه جبران ، ثم لا ننسى أن جبران قد قرأ " كتاب الموتى " للقدماء المصريين أو الفراعنة ، وهي ثقافة كانت تؤمن بالحياة بعد الموت . كل هذه الثقافات أهلت جبران لكي يتفاعل مع الحركة التيوزيفية. هذه الحركة ، وهذه الثقافات جعلته يتجاوز المسيحية حتى في جانبها المثالي أو في لهوتها الأوغسطيني ، لأننا نعرف أن اللاهوت المسيحي : لاهوت صوفي أغوسطيني ، أو لاهوت عقلاني أكويني ( نسبة إلى توما الأكويني ) .
*إذن جبران كان أوغسطينيا بهذا المعنى أكثر من كونه أكوينيا ، ومن هنا يمكن القول أنه تجاوز المسيحية . ما الفرق بينه وبين ميخائيل نعيمة في النشأة والمعتقد ؟
**ميخائيل نعيمة تربى في داخل المدرسة الروسية التي كانت تعرف آنذاك بال

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  بلاغة التسامح

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور خالد الزامل

 ::

  جولة خادم الحرمين الشريفين الآسيوية: مكاسب في كل المجالات

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور المفكر الكبير شاكر النابلسي

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور عبد العزيز البابطين

 ::

  الاستاذ فؤاد نصر الله في لقاء مع الشاعرة سلمى الجيوسي


 ::

  يا حكومات الخليج العربي.. إلى متى ستظلي تأكلي الطعم تلوَ الآخر؟

 ::

  الجرح النازف.. مأساة أهل القدس في مسرحية

 ::

  أول ألانتـــــــــصارات

 ::

  الشعب يريد تنفيذ الاتفاق

 ::

  دموع طفل

 ::

  قافلة المنايا

 ::

  الهروب من المسؤولية الى اين

 ::

  رئيس جمهورية : ثعلب ماكر ، حيال ومتآمر..!!

 ::

  مصنع المناضلين

 ::

  يا مَن نُسخ القران بدمه



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.