Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

أربعة أعوام لتغيير العالم (استراتيجية بوش 2005- 2008 )
تأليف: برينو ترتريه ـ ت.د.قاسم المقداد*   Saturday 14-01 -2006

أربعة أعوام لتغيير العالم: كتاب مترجم. يبدو أنه تقرير يوجز بنية المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة. كتب برؤية أميركية أوربية سطحية. وانتهى بنصيحة للسياسيين الأوروبيين الذين وجه التقرير إليهم: شراكة الإدارة الأمريكية في مشروعها "لتغيير العالم".‏

ملاحظتنا:‏
1 ـ تغيب منه الرؤية العلمية التي تحلل الواقع. لذلك يهمل العنصر الاقتصادي الحاسم الذي يفسر غزو العراق وأفغانستان، والهجوم على سورية وإيران ولبنان. لا يستوقفه أن الإدارة الأمريكية تمثل شركات النفط والسلاح.‏

2 ـ لا ينتبه إلى هويات الصهيونيين في الإدارة الأمريكية، بالرغم من أنه يذكر في مقطع صغير مجموعات الضغط اليهودية الموالية لإسرائيل. ولا يقيم الصلة بين الإنجيليين ودعم إسرائيل.‏

3 ـ الصراع العربي الإسرائيلي خط صغير من خطوط الكتاب بالرغم من عالمية هذا الصراع اليوم، ومن دور اليهود في التسرب إلى المراكز المالية والسياسية والتخطيط لغزو العراق. ويتبنى الكتاب النظرة الأمريكية إلى العراق وسورية وإيران.‏
3 ـ يفتقر إلى الدقة ويخطئ في التحليل: يذكر مثلاً معهد انتربرايز ببساطة دون أن يبين دوره ورجاله الصهيونيين. يسمي المحرضين على غزو العراق "المتعصبين وطنياً". يذكر برنار لويس ببساطة ولا يشير إلى دوره الخطر في صياغة موضوعات الغزو والحرب على العرب والمسلمين. يرى أن ولفوفيتز معتدل في الموقف من "المسألة الفلسطينية الإسرائيلية"! يقول إن "سلطة بوش الشعبية" زادت لأنه رجل حرب! يسمي كوندوليزا رايس "صاحبة السلوك الحذر". ويرى أن سبب قربها من بوش التشابه الأخلاقي بينهما فهي مثلاً منضبطة وتحب الرياضة! يرى أن سبب الامتناع عن توقيع معاهدة كيوتو، نص المعاهدة! ذلك لأنه يستبعد رؤية المصالح المادية خلف السياسة. يقول إن هذه الإدارة ذات "طابع إيديولوجي"!!‏

3 ـ ينقل إلى المستوى العاطفي العلاقات التي تجمع رجال الإدارة الأمريكية، مع أن المصالح هي التي تجمعهم، ولا مكان هناك للعواطف مطلقاً. في السياق نفسه يرى أن "القوى الإيديولوجية" هي التي تؤسس سياسة بوش ولا يلاحظ أنها تعبير عن المصالح المادية النفطية.‏

4 ـ من الأمثلة على ستر المصالح بالعواطف: "غزو العراق بمثابة انتقام شخصي قام به بوش الابن من شخص حاول اغتيال أبيه" ص4.‏

5 ـ يكرر الموضوعات الأمريكية: دعم الديمقراطية في آسيا. والإعمار! لكن لم تتح الظروف لبوش إعمار العراق!‏

6 ـ يتجاهل أن إدارة بوش اتجهت إلى الخارج لأنها تعبر عن المصالح النفطية. ولا يخمن أن أحداث 11 أيلول صيغت لتسوغ الحرب، بل يرى أن تلك الأحداث هي سبب إهمال المسائل الداخلية!‏

نوجز ملاحظتنا: يفتقر هذا التقرير إلى تحليل الأحداث ورؤية المصالح تحتها. يغفل أسباب غزو العراق. ويهمل دور المنظمات الصهيونية في صياغة السياسة الخارجية الأمريكية، مع أن الصراع العربي الصهيوني محور عالمي مهم. ويكرر مقولة الولايات المتحدة: "نشر الديمقراطية" في العالم. ويفترض إمكانية تعقل سورية وإيران إذا لم تساعدا "الإرهاب". ينصح الأوروبيين بشراكة المشروع الأمريكي في نشر الديمقراطية في العالم.‏
الترجمة جيدة، لكن الكتاب غير مقبول للنشر.‏
أربعة أعوام لتغيير العالم، استراتيجية بوش (2005 ـ 2008).‏
تأليف : برينو تيرتريه‏

تمهيـــــــد‏

لقد أجهز دبليو بوش على أبيه تماماً. لم يسره إسقاط صدام حسين في الوقت الذي توقفت فيه جيوش الأب قبل البصرة. لذا عرف كيف يجمع في صورته صفتي القائد الحربي والمدافع عن القيم الأخلاقية مما جعل من إعادة انتخابه لولاية ثانية أمراً لا يكتنفه الغموض. وبعد أن حصل على أغلبية مريحة في مجلس الشيوخ والنواب أصبح لديه الوقت الكافي ليترك علامة فارقة على دخول الولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين ولكي يستمر في تنفيذ برنامجه الطموح حول السياسة الخارجية.‏

هل هناك ما يبرر طرح كتاب إضافي عن أمريكا في الأسواق؟ الجواب هو نعم. لأن إعادة انتخاب جورج دبليو بوش تشير إلى أن الثورة المحافظة ستستمر من الآن فصاعداً. لقد حملت عودة الجمهوريين إلى البيت الأبيض في كانون الثاني من عام 2001 في ثناياها تغييرات عميقة، وأحدثت هجمات الحادي عشر من أيلول تغيراً في السياسة الأمريكية. وعلى هذا، فإن إعادة انتخاب السيد بوش وتعزيز قبضته على روافع السلطة كلها أعادت خلط الأوراق. وصرنا نعرف، من الآن فصاعداً، أن فترة حكم بوش لن تكون مؤقتة بل ستشغل مرحلة زمنية يأمل الجمهوريون الاستفادة منها لكسب الحروب التي يتمنون خوضها سواء على الجبهة الداخلية أم الجبهة الخارجية، وترك بصمتهم على الولايات المتحدة لفترة جيل قادم. إن القوى الإيديولوجية التي أطلقتها أحداث الحادي عشر من أيلول ستستمر في تسنم مقاليد الأمور ولن يكون في نية الإدارة العودة عن خيارها في مجال السياسة الخارجية. لكن هذا لا يعني أنها لن تصطدم بعوائق ومعضلات سنتحدث عنها لاحقاً.‏

مع أن هذا الكتاب مخصص أساساً للحديث عن مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية، وهو كذلك، لكنه سيحاول أيضاً تقديم بعض المعالم المتعلقة بملفات السياسة الداخلية الاقتصادية منها والثقافية والاجتماعية. إنه يهدف إلى فك شفرات آليات السلطة في أمريكا المعاصرة واستشراف ما يمكن أن تتمخض عنه السنوات الممتدة بين 2005 و2008، واقتراح فرضيات تفكير على أوروبا إزاء هذا التحديث الأمريكي الجديد.‏

كما يسعى هذا الكتاب إلى مزيد من الفهم لأمريكا اليوم توطئة لفهم عالم الغد بشكل أفضل: ليس بسبب المكانة التي تحتلها الولايات المتحدة اليوم فوق رقعة الشطرنج العالمية فحسب بل أيضاً أن الأفكار الكبرى والإصلاحات التي تصوغ المجتمعات الغربية غالباً ما تأتي في المرحلة المعاصرة من خلف الأطلسي. وحينما يغادر السيد بوش البيت الأبيض نهائياً في شهر كانون الثاني من عام 2009 سيتضح آنذاك أن العالم قد اختلف عن ذلك الذي تركناه عند منعطف القرن سلباً أو إيجاباً.‏

الفصــــل الأول: معنى الانتصار إعادة انتخاب لا يكتنفها الغموض‏
بات اليوم جورج دبليو بوش مالكاً لروافع القيادة كلها مما يعني تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي رسمها كارل روف: فقد كسب اليمين عبر تعبئة الناخبين المحافظين في تنظيم لا خلل فيه استند إلى شبكة مناسبة تتألف من أكثر من مليون مناضل يملكون الحوافز. لذا نجح الحزب في تسجيل 3.4 مليون ناخب جمهوري جديد. وبحصول بوش على 48% من الأصوات و252 من أصوات المقترعين الكبار (يقابلها 8.54 مليون صوت لجون كيري) فإنه بذلك قد ربح 9 ملايين صوت مقارنة بانتخابات عام 2000 (أي بزيادة قدرها 18%)، وأحرز تقدماً لدى فئات الناخبين كلها، بما في ذلك من كانوا أقل ميلاً له مثل المعتدلين والعلمانيين والأقليات القريبة من الحزب الديمقراطي. كما زاد عدد الناخبين اليهود لبوش (بزيادة قدرها 6 نقاط) مقارنة بعام 2000. وقد يكون هذا ما ساعد الرئيس على كسب أصوات ولايتيّ فلوريدا وأوهايو Ohio, وعرف بوش كيف يجذب جزءاً لا بأس به من الناخبين ذوي الأصول الإسبانية ـ وهم في الحقيقة شديدو المحافظة حول قضايا المجتمع ـ إذ بلغت نسبة من صوتوا لـه 44%. وكان لهذا الدعم قيمة كبرى في ولايات كولورادو والمكسيك الجديدة ونيفادا وفلوريدا، وكان سبباً في حصول السيد بوش على أصوات الكاثوليك على الرغم من قربهم تقليدياً إلى الديمقراطيين.‏

في الثاني من تشرين الثاني 2004 اقترع الشعب الأمريكي بغالبية أولاً على ما اتفق على تسميته بالقيم الأخلاقية مثل مسألة الزواج، التي عبأـ التيار الإنجيلي بقوة، كما اقترع لمزايا الرجل بوش المتمثلة في قدرته على الإقناع والقيادة. لاشك أن الإرهاب شكل موضوعاً اتحد الناس حوله (إذ كان المعيار الأول في خيارات الاقتراع بالنسبة لـ 19% من الناخبين الذي بلغت نسبة المصوتين منهم 86% لبوش)، أما بالنسبة لـ 22% من الناخبين فكان موضوع القيم هو الحافز الأول للاقتراع حيث بلغت نسبة المصوتين من أجله 79% إننا نقلل من شأن الموضوع حينما نقول إن السيد بوش ربح بفضل استثماره للحرب ضد الإرهاب (علماً أن المسألة العراقية لعبت ضد الرئيس المنتهية ولايته، لأن التدخل الأميركي شكل عامل تعبئة بالنسبة لناخبي السيد كيري) لقد تأكدت أهمية مسألة القيم في نتائج الانتخابات بعد عدة استفتاءات محلية منه، على سبيل المثال، موافقة إحدى عشرة ولاية على الاقتراحات الرامية إلى منع الزواج المثلي.‏

في الجوهر، لعب عامل الخوف دوراً كبيراً في 2 تشرين الثاني من عام 2004، وغالباً ما كان الخوف من الإرهاب وأحياناً من الهجرة، لاسيما الخوف من إحداث تغيرات في المجتمع الأميركي تضيع فيها معالم أمريكا الحقيقية. إن غالبية اليمين اليوم جاءت كرد فعل على عقود من التقدم الاجتماعي والاقتصادي التي كانت أفكار اليسار وراء حصوله. وتعززت مخاوف أمريكا تلك خلال مراحل زمنية قريبة، حيث ألغت المحكمة العليا في عام 2003 قوانين محلية تمنع بعض الممارسات الجنسية، وصدر أمر إلى ولاية ألاباما يقضي بإزالة النصب التذكاري الذي يمثل الوصايا العشر، الذي أرادت الولاية إقامته وكذلك اعتراف محكمة ولاية ماساسوشيت بحق المثليين في الزواج.‏

السيد بوش أول مرشح يفوز بانتخابات رئاسية حصدت أغلبية الأصوات منذ عام 1988، وهو أول رئيس، منذ فرانكلين روزفلت، يكسب مقاعد في الكونجرس في وقت إعادة انتخابه (4 في مجلس الشيوخ و4 في مجلس النواب) وإن كان ذلك يعود إلى إعادة التوزيع الانتخابي المناسب أما جون كيري الذي يتمتع بشخصية مركبة ولامعة ويمثل الوجه المناقض لبوش، فلم يعرف كيف يشكل حول شخصه رأياً تقلقه التغييرات التي يشهدها العالم. وكان جورج بوش أول ابن رئيس يعاد انتخابه مما يعطي سمة تاريخية لهذا الانتصار ولأبعاده.‏

أمتان تحت أنظار الله:‏
كلنا رأى تلك الخرائط الانتخابية الأمريكية الملونة بالأحمر والأزرق (الأسود والأبيض في الخريطة الواردة آخر هذا الكتاب ـ م ـ ) والتي تبين انقساماً ثنائياً صارخاً، فتبدو لنا الولايات المتحدة بلدين: بلدُ ذو غالبية ديمقراطية (اللون الأزرق) يقع على الشاطئ الغربي، وآخر ذو غالبية جمهورية (اللون الأحمر) يحتل باقي الأراضي. لكن تبقى هذه القطبية الثنائية محدودة. بعض الحكام وأعضاء الكونغرس تم انتخابهم في الثاني من تشرين الثاني 2004 في الولايات التي صوتت غالبيتها للمرشح ذي الاتجاه المعاكس. ولا تزال هناك عناصر وفاق في الرأي العام الأمريكي (مناهضة للعزلة، الرقابة على الهجرة وغير ذلك)(1) لكن، من الآن فصاعداً، صار من الواضح وجود أمريكيتين. إذ يكاد يخلو الجنوب من الديمقراطيين حيث لم يبق لهم في مجلس الشيوخ إلا أربع مقاعد من أصل 22 مقعداً تعزى إلى ولايات الكونفيدرالية القديمة(2) وتحول الديمقراطيون إلى نوع في طريق التلاشي. في عام 2004 تم إسقاط نائبين ديمقراطيين كانا يقومان بدور الممر بين الحزبين. ويعود السبب في الهيمنة الجمهورية على مجلس النواب إلى سنوات سابقة تم فيها إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية مما أدى إلى ضمان مقاعد لمدى الحياة أو تقريباً.‏

حصل السيد بوش على أغلبية "الذكور البيض" والنساء المتزوجات والمحاربين القدماء وأكثر الأمريكيين تديناً. واستطاع إقناع من حسم قراره أساساً تبعاً للقيم الأخلاقية والإرهاب. الولايات التي صوتت لـه بأغلبية كبيرة هي أقل الولايات إنتاجاً للثروات وتلك التي تتلقى مساعدة واضحة من الحكومة الفيدرالية. وفي هذه الولايات تطبق عقوبة الإعدام تطبيقاً واسعاً وفيها تقل الرقابة على حمل السلاح كما تندر فيها عمليات الإجهاض. أما بالنسبة للسيد كيري فقد حصل على ثقة غالبية الأفر ـ أمريكيين (أكثر من 80%) وذوي الأصول الإسبانية والشباب العازبين. كما صوت له أساساً كل من كانت تشغله الهموم الاقتصادية والصحة والحرب في العراق. وأغلب الولايات التي حصل على أصواتها هي ولايات غنية لها مساهمات واضحة في الحملة الانتخابية لعام 2004، في جوانب كثيرة منها، "صراع بين الحضارات".‏

لم يحدث هذا الانقسام، في الحقيقة على مستوى الولايات إنما على مستوى المقاطعات comtés (انظر الملحق 1): لو ابتعدنا قليلاً في تحليل نتائج انتخابات عام 2004 للاحظنا أن الأرياف والمدن الصغيرة والضواحي الجنوبية تعطي أصواتها للجمهوريين، بينما تصوت الأوساط اليمينية للديمقراطيين. وبالتالي فإن الخط يفصل "أمريكا الريف" عن "أمريكا المدينة" على حد تعبير صاغته الأوساط الديمقراطية.‏

لكن الحال لم يكن دائماً على هذا النحو إذ هيمن الحزب الديمقراطي ردحاً طويلاً من الزمن على الجنوب بينما كان ينظر إلى الحزب الجمهوري بوصفه تحديثياً. ولم يبدأ الجمهوريون بالهيمنة على الجنوب إلا بدءاً من عام 1968. وشهدت جغرافيا الولايات المتحدة الأمريكية تطوراً كبيراً عبر الزمن، لكنها لم تستقر على شكلها الحالي إلا منذ عهد قريب.‏

في التسعينيات شكلت شخصية بيل كلينتون دفعاً بالنسبة لأمريكا المحافظة. ولا يعود السبب في هذا إلى تجاوزاته الجنسية فحسب بل، عموماً، إلى استلام جيل 1968 للسلطة في البيت الأبيض وهو ما لا يحتمله الأمريكيون المحافظون. إن فترة حكم كلينتون، التي كانت أيضاً فترة انبثاق جيل جديد من المسؤولين السياسيين الجمهوريين ساهمت في ردكلة radicalization الاستقطاب الثنائي في أمريكا. يقتضي الأمر إذاً، في تحليلنا لسياسة الولايات المتحدة، أن نتحدث عن الأغلبية الأمريكية. أمريكا التحتانية، أي النخب الثقافية والفنية المألوفة في نيويورك أو في لوس أنجلس، هي التي صوتت لكيري بينما كانت النخب السياسية والاقتصادية موالية لبوش. ومن الخطأ وضع أمريكا الجمهورية المتدنية في مقابل أمريكا الديمقراطية العلمانية، بل يمكن القول إنه لم تعد هناك أمة واحدة بل أمتان تحت أنظار الله.‏

على الديمقراطيين التسليم بالأمر الواقع الذي بين أن حزبهم لم يعد قادراً على كسب الانتخابات. والدليل على هذا خسارتهم مؤخراً لخمس انتخابات رئاسية من أصل سبعة. ولاشك في أن الأخطر من هذا، بالنسبة لهم، هو أن الاستطلاعات تقول للمرة الأولى منذ التسعينات أن عدد المنادين بالحزب الجمهوري يتساوى مع المنادين بالحزب الديمقراطي(3). وبالتالي فهناك أمريكتان، لكن أمريكا اليمين هي المهيمنة اليوم بشكل واضح.‏

جورج بوش، مسيرة رجل أمريكي‏
خلال فترة رئاسة والده قدم جورج دبليو بوش نفسه إلى العائلة المالكة البريطانية على أنه العضو المزعج في العائلة. هذه البراءة الخاصة بالشخصية تعني الكثير حول الطريقة التي عاش من خلالها هذا الرجل المرحلة الأولى من حياته. لقد عاش السيد بوش مع عقدة الولد البكر(4) الذي لم يصبه النجاح ما أصاب أخوته في كنف أم تتمتع بشخصية قوية كان دائماً مقرباً منها، وأب كتوم يختلف عنه كثيراً لكنه لامع في عمله فحاول اقتفاء أثره حتى سن الأربعين: إذ انتسب إلى الجامعة نفسها، وعاش البدايات نفسها (وكانت بدايات صعبة) في مجال صناعة البترول. وكانت النزاعات تشوب علاقة الأب بالابن: إذ كان الأب يحبه ويرفضه في آن معاً، ولم يكن الابن يحتمل تلك الصورة الضعيفة التي كانت تلصق أحياناً بالأب حينما كان رئيساً، وأوشك ذات يوم من عامه السادس والعشرين أن يتشابك معه بالأيدي.‏

لابد من القول إن الميراث كان ثقيلاً ـ بدءاً بالاسم ـ لأن الفارق الوحيد بين الاسمين في إخراج القيد يكمن في حذف الاسم الثاني للأب (هربرت). لم يكن جورج ذلك الإنسان الذي وعدته الأقدار بتسلم أعلى المناصب بل أخوه جيب، الحاكم الأصلي لولاية فلوريدا. أولئك الذين عرفوا جورج دبليو بوش حتى دخوله معترك السياسة، يتفقون على القول بأنهم لم يروه أبداً يتصور أن يضعه القدر على مستوى الوطن. ولاشك في أن القوة التي تتمتع بها شخصية هذا الرجل قد تكونت بشكل كبير، بسبب النضال الذي خاضه لتجاوز ذلك الدور المتواضع الذي كان مرسوماً له.‏

بوش الابن ليس أكثر من تكساسي بالتبني، لكنه تقمص الشخصية التكساسية بشكل طبيعي عجيب. هذا أيضاً، لابد وأن تكون الحاجة إلى التميز عن أصوله العائلية قد لعبت دوراً كبيراً في تطوره. كان آل بوش ينتمون إلى ولاية نيو إنغلاند، ومع ذلك فقد أصبح جورج دبليو تكساسياً حقيقياً بطبيعته. ترسخت شخصيته على مرحلتين. أولاً خلال الفترة الممتدة بين 1985 ـ 1986 التي تميزت بعودته إلى الإيمان وبتخليه عن تعاطي الكحول. وشجعه في توجهه الجديد هذا كل من صديقه دون إيفانز والراعي بيلي غراهام، أحد المقربين من العائلة. أما الفترة الثانية فكانت في عام 1994 حينما انتخب للمرة الأولى حاكماً لولاية تكساس حيث لم يتوقع أحد، بمن فيهم والداه، أن يهزم آن ريتشاردز.‏

الكثيرون سخروا من تلك الدقائق الطويلة التي بدا خلالها جورج دبليو بوش، أمام تلاميذ إحدى مدارس ساراسوتا، وكأنه في حالة ضياع حينما همس مدير مكتبه أندريو كارد في أذنه بأن طائرة ثانية قد تحطمت فوق مركز التجارة العالمي وأن أمريكا تتعرض الآن للهجوم. لكن تلك اللحظة كانت تشهد انتقالاً إلى مرحلة تاريخية جديدة وسبباً في توطد فترة رئاسية أقلعت بكل شيء، واكتمالاً لاشك فيه في بناء شخصية السيد بوش.‏

ليس من العبث اعتبار غزو العراق بمثابة انتقام شخصي قام به بوش الابن من شخص حاول اغتيال أبيه (في الكويت عام 1993)، مما ترك في نفسه صدمة عميقة. لكن ما تجدر الإشارة إليه، على وجه الخصوص، هو أنه ما أن تم تنصيبه في كانون الثاني 2001 حتى بدأ بممارسة سياسة شديدة الاختلاف عن تلك التي اتبعها بوش الأب، ومتعارضة تماماً مع تلك التي اتبعها بعد الحادي عشر من أيلول.‏

جورج دبليو بوش أبعد ما يكون عن الغباء. فالرجل حائز على شهادتين من جامعتي بيل وهارفارد، لكنه ليس مثقفاً: ولا يحب التعقيد وغالباً ما تستند محاجاته على يقينيات أخلاقية. وإيمانه بالحرية، باعتبارها هبة الله إلى البشرية، وبرسالة أمريكا التي يجب نشرها في العالم بما في ذلك استخدام الوسائل العسكرية، ليس مصطنعاً. قبل الحادي عشر من أيلول كان بوش يؤمن بنموذجي تشرشل وإيزنهاور، باعتبارهما قائدان عسكريان. وكان واثقاً من نفسه لدرجة أنه كان يسخر من شخصيته ومن صورته. حتى خصومه يعترفون بأنه صادق في اعتبار نفسه "رئيساً لزمن الحرب". وهو أبعد ما يكون عن مجرد دمية تحركه قوى مشؤومة أقوى منه بل صاحب قرار حقيقي. والوفاء الثابت للثقافة السياسية التي تعتنقها النخب المحافظة الجديدة يؤكد عموماً أن قراراته ستوضع موضع التطبيق.‏

إن تاريخاً شخصياً شهد مثل هذا العذاب، وقدرة على بناء شخصية تكساسية صارمة كان من شأنها إيقاع السيد بوش في كراهية النساء وفي المازوشية. لكن ذلك لم يحدث، فكانت علاقاته الأولى مع النساء صعبة، إذ فقد أخته التي تكبره بثلاثة أعوام وهو في السابعة من عمره، وعاش تحت سيطرة أم متسلطة أفاد منها الكثير كما يقال. وعلى هذا فإن علاقاته المهنية مع النساء تبدو أسلم من علاقات الكثيرين من المسؤولين السياسيين الآخرين من أمريكيين وأوروبيين في هذا المجال. ولاشك أن ما يثير الانتباه هو كثرة مستشاريه المقربين من النساء (كارين هوغز، كوندوليسا رايس، هارييت ماييرز، مارغاريت سبيلينغ.) ويبدو أنه يقيم معهن أفضل العلاقات الإدارية والاحترام المتبادل والكثير من الحنان الذي لا تشوبه أية شائبة. من الملاحظ أيضاً أن السيد بوش هو أول رئيس يضع شخصين ملونين (كولين باول، كوندليسا رايس)(5) في منصبين هامين لهما علاقة بسياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية. أضف إلى ذلك تعاطفه الطبيعي مع الجالية ذات الأصول الإسبانية، هو تعاطف لا يبدو مصطنعاً (فهو يخاطبها باللغة الإسبانية). وبما أنه محافظ وتقليدي فقد برهن على قدرته على تجاهل أو تجاوز الفروق البيولوجية والاجتماعية، وهي سمة لم يكن يتصف بها الحزب الجمهوري المعاصر ولا ثقافة الجنوب الأمريكي.‏

على هذا فإن الرئيس الأمريكي رجل مركب، مدرك لحدوده، لكنه واثق من خياراته ويتمتع بإرادة حديدية. ومساره الشخصي وصلابة قناعاته تدعو إلى الإعجاب وتجد قبولاً لدى عدد كبير من مواطنيه الذين يرون أنفسهم فيه. خلاصة القول إن السيد بوش "رجل أمريكي".‏

الفصــــل الثاني: نهضة اليمين الأمريكي(6)‏

دار الحديث خلال فترة حكم رونالد ريغان عن ثورة محافظة تفتقر إلى قاعدة سياسية متلاحمة كتلك التي يستند إليها السيد بوش. في السابق لم يكن المحافظون الجدد ولا الإنجيليون منظمين ومؤثرين كما هم عليه اليوم، وكانت الإدارة آنذاك تواجه معارضة مجلس النواب. من جانب آخر، كانت الحرب الباردة تمنع اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية على نطاق واسع ـ نظراً لخطر اندلاع نزاع عالمي ثالث كان يمكن أن يكون نووياً، أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة لم تتعرض إلى هجمات تشبه تلك التي أصابتها في الحادي عشر من أيلول. أصابت الثورة المحافظة خلال رئاسة ريغان، المجالين الاقتصادي والاجتماعي لكنها لم تصب مجال السياسة الخارجية، إلا إذا اعتبرنا أن سياسة ريغان جعلت من سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي والشيوعية المناضلة، أموراً ممكنة (وهي خطوة كان يمكن للمحافظين الجدد أن يقوموا بها).‏

الثورة المحافظة الثانية التي نشهدها اليوم، بدأت قبل عشر سنوات على إعادة انتخاب جورج دبليو بوش، وحققت انتصاراً كبيراً. إذ تمكن الجيل الجديد المكون من تحالف الجمهوريين من ربح انتخابات الكونغرس لعام 1994 تحت شعار contract for America "تعاقد من أجل أميركا، بزعامة نيوت غينغريتش. وأدى هذا الانتصار إلى وضع نهاية لعقود من الزمن كان الجمهوريون خلالها أقلية في الكونجرس(7). هنا بدأت هيمنة النزعة الأحادية الأمريكية التي كان من علاماتها الأولى انسحاب الولايات المتحدة من عمليات الرقابة البحرية على الحصار المفروض على يوغوسلافيا السابقة. وكانت المرة الأولى التي ينسحب فيها أحد أعضاء حلف شمال الأطلسي من المشاركة في العمليات الأرضية. الضباط الذين كانوا على رأس عملهم في تلك الفترة مازالوا يتذكرون تلك اللحظة التي توقف عندها صنبور المعلومات التكتيكية بشكل مفاجئ، كاشفاً بذلك عن مدى ارتباط الأوربيين بالأمريكيين في هذا المجال. وهي الفترة التي شهدت توجيه الاتهامات العلنية للأمم المتحدة بشكل صادم في بعض الأحيان. وكلنا يتذكر السخرية من اسم أمينها العام آنذاك وهو المصري بطرس غالي(8). وكانت هذه الأغلبية هي السبب وراء تعبير الولايات المتحدة، منذ عشر سنوات، عن مخاوفها الدائمة من بدايات الضبط الدولي لميادين التحكم بالتسليح وحفظ السلام والعدالة الجنائية وحماية البيئة.‏

إن ما حقق الانتصار الإيديولوجي للجمهوريين الجدد هو التعزيز المتبادل لتيارين سياسيين جيدي التنظيم هما التيار المحافظ المجدد والتيار الإنجيلي، ونجح هذان التياران، كرد فعل على عالم المثقفين المنحدرين من سنوات الستينات، في استعادة زمام المبادرة الإيديولوجية من خلال مقولتهم "إن اليمين صاحب أفكار" وهي مقولة ناشئة عن اليقينيات الأخلاقية والتحليلات الجريئة بالنسبة للتيار المحافظ الجديد وشكل التياران، إضافة إلى "التوجه الوطني" الأميركي الجديد الذي أنعشته أحداث الحادي عشر من أيلول، حلفاً أيديولوجياً شديد القوة وهو ما يجسده اليوم السيد بوش.‏

تغير التيار المحافظ الجديد الأمريكي‏

شهدت نهاية الأربعينيات بداية احتجاج التيار المحافظ التقليدي الجديد في مجال السياسة الخارجية، لاسيما من خلال أعمال جيمس بونهارم، الذي ساهم مع ويليام بوكلي في تأسيس مجلة National Review. وتضمنت كتب بورنهام الثلاثة التالية: الصراع على العالم (1974, the struggle for world)، (الهزيمة القادمة للشيوعية the coming defeat of communism، 1950)، واحتواء أم تحرير (1953, containment or liberation)، تضمنت نقداً لعقيدة الاحتواء لأن الهدف، من وجهة نظره، ينطوي على تحرير الاتحاد السوفياتي وطرد الشيوعيين من الصين. وهذا ما ترك تأثيره على القرارات الرئاسية التالية (1949) ـ (1950)8 Insc - 1949 -48 Nsc-48 Nsc.‏

لم يتكون التيار المحافظ الجديد إلا في وقت متأخر، وكان نشوؤه تطوراً ذاتياً للديمقراطيين المحبطين، وأحياناً كان مصدره اليسار التروتسكي المتطرف والمثقفين الذي ضاقوا ذرعاً بثقافة الستينات، واليهود المتأثرين بالحرب الإسرائيلية ـ العربية عام 1967 والداعين إلى اتخاذ موقف متشدد إزاء الاتحاد السوفياتي، إضافة إلى طائفة الحذرين من الأمم المتحدة(9). أما في السياسة الداخلية فتراهم يهاجمون اتجاه المساواة الثقافية، لكنهم يفترقون عن اليمين التقليدي حول مسائل دولة العناية الإلهية (وفي هذا يهاجمون المبالغة في هذا الأمر)، والهجرة (التي يرون فيها عامل حيوية لأمريكا) والزواج (حيث يعارضون وضع توصية دستورية تعارض الزواج المثلي).‏

لقد تشكل تيارهم فكرياً بفضل إيروفينغ كريستول ونورمان بودوريتز من خلال مجلتيّ the public interest commentary. ورؤيتهم تتعارض مع الواقعية التي يمثلها هنري كيسنجر الذي يعدونه وقحاً وأعمى أخلاقياً فشنعوا عليه، مع أنه كان الوجه الرمزي للواقعية السياسية الأمريكية إبان فترة الحرب الباردة، حيث كان مفهومه للسلام من خلال توازن السلطات يعارض بشكل جذري مفهومهم القائل بتحقيق السلام من خلال التوافق الأخلاقي. ولذا فقد نبذ القائلون "بالعصر الأميركي الجديد" رؤية هذا المتشائم المقتنع بانحدار الولايات المتحدة.‏

هناك رجلان هامان سهلا تسرب المحافظين الجدد إلى دوائر القرار هما الاستراتيجي ألبرت وولستيتر والسيناتور الديمقراطي هنري جاكسون. بعد دخولهم إلى إدارة ريغان ساهم المحافظون الجدد (لاسيما إليوت أبرامز وبول وولفويتز) في إعادة توجيه سياسة ريغان نحو دعامة الدمقرطة في آسيا (أندونيسيا، الفيليبين، كوريا الجنوبية..) وفي أمريكا اللاتينية.‏

مع انتصار الجمهوريين في عام 1994 قامت الحركة بتنظيم نفسها لخوض الانتخابات الرئاسية لاسيما مع تأسيس مركز بناك (PNAC) Project for a new American century مشروع من أجل عصر أمريكي جديد(10) في السنة التالية. وقام كل من ويليام كريستول وروبيرت كاغان بنشر بيان هذا المعهد عام 1996 الذي تضمن أطروحات رئاسة بوش الأساسية: رفض مقولة انحدار الولايات المتحدة الأمريكية، إعادة تقييم الأداة العسكرية، وضع نهاية لمجاملة الديكتاتوريات، الوضوح الأخلاقي، تشجيع الهيمنة المتسامحة(11)، والبيان يستشهد بالتوجيه الرئاسي (1948 ـ 68 ـ nsc) الذي يؤكد على ضرورة المحافظة على التفوق في كل الميادين. ورعى هذا المركز PNAC تحضير الرسالة المفتوحة التي وجهت إلى كلينتون (1998) وجعلت من تغيير النظام في بغداد مشروعاً رسمياً للولايات المتحدة بعد أن صيغت على شكل قانون تحرير العراق Iraq liberation، وحملت هذه الرسالة تواقيع خمسة عشر شخصاً سيضطلعون بمسؤوليات في إدارة بوش أو سيعتمدون كمستشارين مقربين من هذه الإدارة(12).‏

يصعب تمييز المحافظ الجديد عن غيره لأن المنتمين إلى هذه الحركة لا يعترفون دائماً بذلك الشعار الذي ألصق بهم. على أية حال، المحافظون الجدد الذين يقرون بهذا الانتماء ليسوا كثيرين(13) لكنهم أبطال العمل على شبكة الإنترنت Net working(14).‏

معقلهم الأساسي هو (AEI) American Enterprise institute, وهو مؤسسة قديمة أنشئت عام 1943 وساهمت بتشكيل سياسة رونالد ريغان. حينما كان هذا المعهد برئاسة كريستوفر دي موث ضم في صفوفه عدداً كبيراً من الشخصيات المنتمية إلى التيار المحافظ الجديد مثل لين تشيني (زوجة نائب الرئيس ديك تشيني) وتوماس دونلي ودافيد فروم ونيوت غينغرش وجان كيركباتريك ومايكل ليدن (من قدامى العاملين في إدارة ريغان ومقرب جداً من البيت الأبيض) وجوشوا موراكوفيتش وريتشارد بيرل (الذي لم يعد يشغل أي منصب رسمي منذ صيف عام 2004) ودانييل بليتكا، مايكل روبن ووليام شنايدر وجيمس ويلسون.‏

مركز "مشروع من أجل قرن أمريكي جديد" هو مؤسسة أحدث من معهد أميركان أنتربرايز وأكثر منه تواضعاً، يرأسه ويليام (بيل) كريستول ويديره غاري شميت(15) لكنه يمسك بزمام استراتيجيات التأثر السياسي. انتقل مشعل التيار المحافظ الجديد إلى بيل كريستول من أبيه الذي كان أحد المنادين الرئيسيين بهذا التيار. ووظيفته المزدوجة كرئيس لمركز PNAC ومدير لمجلة ويكلي ستاندار الأسبوعية جعلت له تأثيراً خاصاً (يقع البناء الذي يحمل الرقم 1150 في الشارع 17 على مسافة خطوتين من البيت الأبيض ويشكل ساحة قوية لسلطة واشنطن الفكرية اليوم، إذ تجد فيه مقرات كل من AEI, PNAC, weekly Standard إضافة إلى مركز الأمن السياسي security policy الذي يرأسه فرانك غافني، المساعد السابق لريشار بيرل في البنتاغون أيام رئاسة ريغان، ويتميز نشاط هذا المركز في المسائل العسكرية.‏

كثر الحديث عن تأثير الفيلسوف ليفي شتراوس على التيار المحافظ الجديد. صحيح أن هذا الفيلسوف أكد على أن "الحاجز الوحيد الذي يمكن للغرب الوثوق به قليلاً هو حاجز الخوف الذي يعيش عليه الطاغية من القوة العسكرية الضخمة(16). والفكرة القائلة بأن الديكتاتوريات والدول المارقة تعمل وفق أنظمة قيم تختلف عن المنظومات المعمول بها في الغرب، يمكن أن تتفق مع فكرة شتراوس. غير أننا لن نجد الجذور الفكرية للاستراتيجية الأمريكية إلا إذا غصنا بعيداً في فكر هذا الفيلسوف. أخذ إيرفينغ كريستول على شتراوس معارضته للحداثة وحنينه إلى الماضي؛ أما مايكل ليدين فيستلهم أفكار ماكيافيللي التي فضل شتراوس عليها أفكار أرسطو (الذي يضعه كريستول في طليعة العدميين)؛ أما ألبير وولستيتر فقد كان تلميذاً لفيلار فان أورمان كاين Quine صاحب الفكر المعارض لفكر شتراوس. ويجب ألا ننسى أن شغف المحافظين الجدد بالدفاع عن القيم الأمريكية لم يكن من السمات المميزة لفكر شتراوس. أخيراً، نشير إلى أن رؤية شتراوس الوقحة والأنانية للسياسة الخارجية الأمريكية تذكر بالجاكسونية (نسبة إلى الجنرال أندرو جاكسون الذي أصبح لاحقاً رئيساً للولايات المتحدة) يتبناها المحافظون الجدد في بعض الأحيان.‏

يبقى أن الدرس الفلسفي، سواء أجاء من شتراوس أو من تلميذه اللامع آلان بلوم، قد لعب دوراً في تأهيل التيار المحافظ الجديد. ولابد من الإشارة أيضاً إلى فكر ألكساندر كوجيف الذي كان يرى في التجربة الأمريكية نموذجاً "ما بعد تاريخي" هدفه إشباع الحاجات البشرية ومنها التفوق، وسيتأكد تفوقه على الاتحاد السوفياتي. وقد تأثر فرانسيس فوكوياما، تلميذ بلوم، بأفكار هيغل المتعلقة بموضوع "نهاية التاريخ"(17).‏

هل إدارة بوش محافِظة جديدة؟‏

يمكننا تبيّن تأثير التيار المحافظ الجديد على السياسة الأمريكية من خلال بعض المواضيع:‏

* التذكير بسنوات الثلاثينات من قبل المؤيدين للحرب على العراق والتذرع بها.‏

ـ تكرار السيد بوش لمقولة "الوضوح الأخلاقي".‏

* التأكيد الملموس في نص استراتيجية الأمن القومي National Security Strategy الصادر في أيلول من عام 2002، على أن القرن العشرين قد شهد الانتصار الحاسم للديمقراطية الليبرالية في معركة الأفكار(18).‏

* خطاب ريغان في تشرين الثاني 2003 حول "الثورة الديمقراطية العالمية. (مدح جورج دبليو بوش رونالد ريغان منذ عام 1999 وأكد على أن العالم كان يتضمن "تياراً" أو "إدارة تعمل لمصلحة الديمقراطية"(19). في كانون الثاني من عام 2004 كان نائب الرئيس ديك تشيني يصر على أن "رياح التاريخ تهب في اتجاه الحرية البشرية"(20).‏

التقى المحافظون الجدد في المكان والزمان المناسبين. لكن من غير الممكن اختزال السياسة التي اتبعها السيد بوش بمجرد وضع الأطروحات المحافظة الجديدة موضع التنفيذ، إذ قد ينسينا هذا أن المسؤولين الرئيسيين الخمسة عن سياسة البلاد الخارجية خلال الفترة 2001 ـ 2004 (بوش، تشيني، رايس، باول ورامسفيلد) لم يكونوا منتمين إلى تلك الحركة المحافظة الجديدة(21). وعدد من يمكن تسميتهم بالمحافظين الجدد ليس كبيراً في كنف الإدارة نفسها، لأن أحداً منهم باستثناء بول وولفويتز، لم يتسلم أية مسؤولية حكومية هامة(22). مع ذلك لابد من ذكر أسماء كل من: ليويس ليبي (مدير مكتب ديك تشيني)، إليوت أبرامز (مسؤول ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي)، زالمان خليل زاد (السفير الأمريكي الحالي في أفغانستان)، دوغلاس فيث (مدير الشؤون السياسية في وزارة الدفاع والمدافع الشرس عن سياسة حكومة شارون) والعديد من مساعديهم، أخيراً باولا دوبريانسكي (المكلفة بما يسمى: الشؤون "الشاملة" في وزارة الخارجية).‏

ينبغي ألا ننسى تأثير المتعصبين وطنياً على السياسة الأمريكية مثل السيدين تشيني ورامسفيلد إضافة إلى التيارات المنحدرة من الحركة الإنجيلية البروتستانتية (التي تتحمل مسؤولية كبيرة في دعم واشنطن لحكومة شارون).‏

في النهاية علينا ألا نستهين بدور السيد بوش نفسه الذي تعززت سلطته الشعبية من خلال دوره كقائد حربي. وبوش هذا لم يتبن دائماً أفكار ريتشارد بيرل أو بول وولفويتز، كما أن المحافظين الجدد وجهوا انتقادات إلى سياسة الإدارة إزاء الصين أو دعمها للأنظمة التسلطية مثل نظام المملكة العربية السعودية.‏

هل التيار المحافظ الجديد زائل أم مؤبد؟‏

هل ستبتعد ولاية بوش الثانية عن التيار المحافظ الجديد(23)؟. برهنت أحداث العراق على أن التفاؤل المفرط الذي اتسم به التيار المحافظ الجديد خلال السنوات الأخيرة كان في غير محله. فرانسيس فوكوياما، رفيق درب الحركة، بدأ نقاشاً دان فيه ما اتسم به مشروع تيار المحافظين الجدد من طموح مبالغ فيه(24). زد على هذا المشاكل الشخصية التي يعاني بعضهم منها (استقالة ريتشارد بيرل من رئاسة لجنة السياسة الدفاعية Défense policy Board في عام 2003، والصعوبات التي يواجهها الصحفي الكبير كونراد بليك..) ودعمهم الأعمى لأحمد الشلبي لما أثارت شخصيته من جدل واعتبار سقوطه في حزيران من عام 2004 بمثابة ضربة ترمز إلى فشل هذا التيار.‏

المحاكمة التي يخضع لها اليوم التيار المحافظ الجديد ظالمة إلى حد ما. إذ من الصعب تحميله مسؤولية مباشرة عن الأخطاء التي ترتكبها وزارة الدفاع في العراق، وكانت تلك الوجوه الباردة توجه النقد إلى رامسفيلد لأنه لم يحضر للغزو باستخدام الوسائل اللازمة ولأنه لم يهتم كثيراً بمرحلة إعادة إعمار البلاد. بعض تلك الوجوه، مثل غاري شميت، توقعوا أن تحتاج الولايات المتحدة إلى عقد من الزمن لتحقيق النجاح في الشرق الأوسط. وبالتالي فإنه من التعقل الانتظار عدة سنوات قبل إصدار حكم نهائي على أطروحات المحافظين الجدد.‏

أخيراً يقتضي الأمر إعادة وضع التأثير المحافظ الجديد في إطار أوسع.كل شيء يحمل على الاعتقاد بأن القوى الإيديولوجية التي حررتها أحداث الحادي عشر من أيلول لن تتوارى في وقت قريب. ولاشك أن المحافظ الجديد توم ليندبرغ كان محقاً حينما أكد "أن 11 أيلول غير الفكر الاستراتيجي الأمريكي لعقد قادم من الزمن"(25). تسربت فلسفة الحرب على الإرهاب ومفرداتها إلى مجمل السياسة الأمريكية، وهناك مثقفون ليبراليون عبؤوا أنفسهم ضد ما يعدونه شمولية جديدة(26). وعاد موضوع "ربط الإسلام بالفاشية" إلى الأوساط الديمقراطية وتبدو بعض الشخصيات مثل ريتشارد هولبروك وجوزيف ليبرمان، في بعض الأحيان أقرب إلى المحافظين الجدد منهم إلى عائلتهم السياسية الأصلية. وقد تحدث المعلق ويليام بفاف، في معرض تعليقه على تعليمات زبيغنيو بريجينسكي حول السياسة الخارجية، بقوله إن سياسة بوش تحمل وجهاً إنسانياً(27). الديمقراطيون لا يرفضون أبداً العمل العسكري وحيد الجانب لصيانة أمن الولايات المتحدة الأمريكية(28). إذ قام جون كيري، خلال حملته الرئاسية، بهجوم صارخ على الوهابية السعودية، وفي معرض حديثه عن التهديد الإسلامي ذكر "الصدام بين الحضارة والفوضى"(29) وتبنى تعبير "الحرب العالمية على الرعب" مع أن هذا التعبير ينتمي إلى الفكر المحافظ الجديد وسياسة بوش(30).‏

بشكل أعم هناك عدة محللين يقولون إن الاستراتيجية التي اتبعها بوش خلال ولايته الأولى، والتي هي أبعد ما تكون عن الاستثناء في التاريخ الأمريكي، تشكل في الحقيقة عودة إلى المعيار، بينما التعددية التي دشنها روزفلت تبدو بمثابة خروج على القاعدة (31) من جانب آخر، تبقى الأطروحات المحافظة الجديدة ممثلة في الكونغرس الذي نعرف مدى تأثيره على السياسة الخارجية الأمريكية (لنتذكر أن السياسة الخارجية التي اتبعها كلينتون خلال ولايته الثانية كانت خاضعة للتأثر الجمهوري). نشير أخيراً إلى أن التيار المحافظ الجديد لم يتضح في السياسة الخارجية فقط، بل اتسع ليعيد النظر، مثلاً في "النسبية الثقافية" التي تميز بها التعليم الجامعي منذ الستينات.‏

على هذا لابد من الحذر إزاء التشخيصات المسبقة لغروب شمس هذا التيار. أولم نخطئ حينما دفناه أول مرة قبل عشرة سنوات تقريباً(32)؟ ونعيد اليوم ما سبق وقلناه في تلك الفترة بأن التيار المحافظ الجديد أنجز رسالته ولم يعد له مكان باعتباره تياراً فكرياً مستقلاً: من الآن فصاعداً أصبحت أفكاره مهيمنة في كنف اليمين الأمريكي(33). من جانب آخر، بعثت استقالة كولين باول، أحد مسؤولين الإدارة النادرين الذين عارضوا الأفكار المحافظة الجديدة، السرور في قلوب جماعة هذا التيار.‏

يتبع في الجزء الثاني من هذا التقديم: اليمين التقليدي وشبكاته......انتصار الإنجيليين.....


--------------------------------------------------------------------------------

(1) روبيرت سامويلسون: أساطير الاستقطاب، الواشنطن بوست، 3 كانون 1، 2003.‏
(2) انتخبت ولاية لويزيانا في عام 2004 أول سيناتور جمهوري لها منذ أكثر من قرن هو الشاب المحافظ جداً دافيد فيتز (43 عاماً).‏
37 % (3) من ناخبي 2004 يتماهون مع الحزب الجمهوري، و37% مع الحزب الديمقراطي. بينما كانت أرقام 2000 تشير إلى حصة الجمهوريين بلغت نسبة 35% و39% للديمقراطيين. خمسة عوامل حاسمة، يو إس نيوز أند وورلد ريبورت، 15 تشرين 2، 2004.‏
(4) لجورج بوش (الذي ولد عام 1946) ثلاثة أخوة هم جيب (1953) ونيل (1955) ومارقن (1956) وأخت واحدة هي دوروتي (1959).‏
(5) شغل كولين باول، لفترة من الزمن، منصب مستشار أمني للرئيس رونالد ريغان.‏
(6) هذا الفصل يشرح الأفكار التي أشار إليها المؤلف في كتابه "الحرب التي لا نهاية لها. أمريكا في الدوامة" باريس، منشورات، سويّ، سلسلة "جمهورية الأفكار" 2004، الفصل الأول.‏
(7) كان الديمقراطيون يشكلون الأغلبية في مجلس النواب منذ عام 1954، وفي مجلس الشيوخ منذ عام 1960 (باستثناء الواقعة بين 1980 ـ 1986.‏
(8) في الاجتماعات العامة وعلى شاشات التلفزة كان البعض يسخرون من اسم غالي فينادون: "بوووو ـ طرس ـ بوووو ـ طرس ـ غالي".‏
(9) تمت صياغة مصطلح "المحافظ الجديد" من قبل مايكل هاريمان في مجلة dissent. أما جوشوا مورافشيك وريتشارد بيرل وغاري سميث وجيمس وولسي فكانوا دائماً يقولون عن أنفسهم بأنهم ديمقراطيون. بعض الوجوه التاريخية لهذه الحركة كانت تختلف كثيراً قبل وجود الكاثوليكي المتشدد ويليام بينيت الذي شغل منصب وزير التربية في عهد ريغان، وهو من المتحزبين المتحمسين لمقولة "الوضوح الأخلاقي".‏
(10) يقول كريستول رئيس هذا المركز "هو منظمة تربوية غير ربحية هدفها دراسة بعض المقترحات الجوهرية: السلوك الأميركي هو سلوك جيد لأمريكا وللعالم، وهو سلوك يقتضي القوة العسك

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  )ماجينة)

 ::

  العمل الجماعي... الفضيلة الغائبة بين الناصريين

 ::

  هذه هي أميركا

 ::

  مصر المحروسة المنهوبة

 ::

  دع ملا يريبك إلى ما يريبك

 ::

  تكلفة طلاق المصريين

 ::

  المغرب .. الدستور الجديد في ميزان الرؤى والطموحات

 ::

  رصاصة النقد الموجعة

 ::

  العبيد الجدد

 ::

  خطر العسكر ...خطر قديم يتجدد في بلادنا



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  القضية أكبر من راشد الغنوشي

 ::

  يوم محافظة ذي قار ... كما أراه

 ::

  فعلها كبيرهم هذا

 ::

  السلم الاجتماعي

 ::

  نحن والمشهد المضطرب دوليا وإقليميا

 ::

  طريق الاعدام يبدأ بـ"خمسة"






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.