Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

الفضاء الخانق للجميع
خالد ساحلي   Monday 16-04 -2007

أستيقظ مبكرا أهيم بوجهي في مشارق المدينة ومغاربها كبوصلة أصابها التلف فصار عقربها يتحرك العشواء ، المقاهي بكراسيها تنتظر بشوق كبير فاتحة ذراعيها للبطّالين و العاطلين من أمثالي ، في هذا الوطن بين مقهى ومقهى تجد مقهى ، ما أكثرها ، كالفطر مثلها مثل الهوائيات المقعرة و الهواتف العمومية و ساحات الأسواق الشعبية الممتلئة بالحشّاشين
و اللصوص و باعة الهواتف النقالة ، العملة الصعبة ، الذهب و الحلي ، الحبوب المهلوسة المخدرات بكل أصنافها، حتى الجرائد الكثيرة المزركشة المنشورة على حبال الأكشاك عددها كالحصى ، لا تجد في محتواها ما تجده في عيون المتسولين ، أسير محملا بالإعياء يخنقني الغيظ و الحقد على المسئولين ، يأكل داخلي ، دعاء عليهم بالهلاك و الخراب ، الجوع هنا كأحجية الغول الشائعة ، مارد الفقر لا يترك فقيرا إلا وطبع عليه آثاره ، كانت وجهتي ... لا أدري بالضبط إلى أين كنت متجها ، نسيت بعدما لاحظت رجالا و نساءا في الشوارع والأزقة الشعبية المأساة تعصّب ناصيتهم بالهّم ، لو كان بالإمكان الإمساك بناصية الحياة و الموت لكان الفناء ، و خاصة لأصحاب مخابر الكذب و مصانع الزيف، ، تذكرت الآن وجهتي ، فالهّم ينسي الإنسان اسمه يجعله يمنّي نفسه ببيعها حتى للشيطان ، وصلت وجهتي ، دخلت، اليوم يوم اثنين و هذا اليوم من الأسبوع يوم استقبال ، وجدت طابورا من البشر حلقات سلسلة مترابطة تبتدئ الواحدة حيث تنتهي ما قبلها ، عيون تحدق في أخرى كأنها تزدري كل ما يحيط بها و يحفها ، المواطنون هنا ينظرون بعضهم لبعض في صمت رهيب يملأ أعماقهم و تفضحه عيونهم ، مشدوهون بأفكارهم لأمكنة أخرى غير هذا المكان ، شيوخ كهول نساء فتيات فتيان ، شباب
و من كل الأعمار ينتظرون المسئول ليطرحوا مشاكلهم و انشغالاتهم، يعرفون أن طلباتهم لن تأخذ بعين الاعتبار الكل يعلم هذا مسبقا فالفساد فعل فيهم ما لم يفعله العدو بعدوه سمعتهم يتهامسون بهذا ، كان الحجّاب يروحون و يأتون كأصحاب العرس، الموظفون لا تعرف مكاتبهم لكثرة تحركهم خروجهم انتقالهم بين المكاتب وهم ضاحكون فكهون ، تسمع من حين لآخر صراخ احتجاج من أحد المواطنين يرتفع ليهتك ستر المكاتب مطالبا بتسوية ملفه وأوراقه ، مقاعد الانتظار مكتظة بالجالسين ، عجوز
و شيخ على حافة القبر لا يجدا مكانا يستريحا عليه ، في لحظة إثم لظني أرى من يقف إيثارا تاركا مكانه للعجزة و المعاقين ، كنت انتظر وقوفا أتابع ما يحدث من مشاهد حياتية إدارية ، كانت الساعة تقارب التاسعة صباحا الموظفين لا زالوا يتوافدون على مكاتبهم حتى لا تكاد تعرفهم من المواطنين ، رأيت أحد المواطنين يقطع الطريق على موظف يستفسره يثور في وجهه ثم يغلي ينهره ثم لا يأبه إحراجه بصوت رادع مرتفع : أنتظر دورك حين تراني جالسا على الكرسي تعال أسأل كما يحلو لك ، يحمّر وجه المواطن المسكين سمعته يشكو ضيق الوقت ويوم العمل الذي سيخصم منه ، كما سمعته يدعو بالموت على الموظفين و الفناء للدولة ، هدأ من روعه أحد العقلاء ، أجلسه بجانبه وراح يذكره بالصبر و القضاء و المقدّر علينا و يمسح على قلبه القلق و الغضب بأن هذه الحال ظاهرة مرضية وما حال هذه البلدية غير عينة لهذا الوطن المترامي الأطراف ، جاء الحاجب راح يعطي لنا أوراقا مرقمة تشبه أوراق اللعب ، قال لنا إنها جيتوات ، كل يعرف رقمه وأضاف : عدد الأوراق عدد ما سيستقبله المسئول ، كان رقم ورقتي 27 كنت الأخير الوافد لقد وجدت الناس سارعوا منذ الفجر خوفا من عدم لقيانهم للمسئول الذي زكوه بأصواتهم ويهرب منهم ــ نادرا ما تجد المسئول المزكى من أ هل البلدة يجول الأزقة التي كان يتردد عليها ــ لا يكاد يدخل المسئول حتى يخرج وهذا ما يخيفهم ، رأيته يدخل من الباب الغربي كما رآه غيري ، الجميع وقف تأهبا و استعدادا للدخول ، رحت أرتب أفكاري و الموضوع الذي جئت لعرضه ، لا شك أن المنتظرين يفكرون كما أفكر ، راح البواّب يدخل المنتظرين كل واحد ورقمه ، كانوا يدخلون بوجوه عابسة فيخرجون بوجوه باشرة فرحة كأنهم أعطوا عقارا سحريا أو حقنوا بحقن مضادة للتشاؤم و امتصاص الغضب ، عرفت الآن أشياء كثيرة ، لحق دوري دخلت ، تفحصني من رأسي إلى أخمص قدمي كأنه سكانير، يزنني بنظراته و ينتظر ردة فعلي ، لم أضطرب لم يتلعثم لساني قال تفضل ، جلست ومن ثمة قال لي :
ــ طلبك... كلي آذان صاغية.
رحت أطرح عليه مشكلتي و مشكلة إخوتي ومعاناتنا و ضيق السكن .
قال: ـ الضيق في القلوب
رديت: ـ لقد سكن الواحد منا قلب أخيه و ضجر الواحد من الآخر.
وقف مذعورا سألني من أنت ؟ أجبته أن بطاقة التعريف على مكتبه ، ناد الحاجب وتمتم له بكلام في أذنه ، أنصاع للأمر بسرعة ثم استدار بصوت فيه العتاب : ــ أخرج من مكتبي .
لم أعرف سبب حنقه علي ّرديت عليه أن الكلب في الريف عندما تقول له الجدة اخرج من البيت يستاء ، رجوته أن لا يفعلها مرة أخرى مع غيري بعد اليوم ، انتفض كاد ينفجر ، و أنا بداخلي كدت أنفجر ، شعور بالكفر بالتاريخ بالحرية بالديمقراطية بنظام الجمهورية بكل المفاهيم التي تستعمل في الإدارات ..لعنت آلاف الشياطين اللاهية في عينيه ، رأيتها تركب غروره و خيلائه، تقف على كتفيه ، قبل خروجي وجدت رجلا أمن ينتظراني كنت أعرفهما و يعرفاني سألاني هل الإعلان الذي أعلموا به كان يخصني قلت لهما : أنظرا ها أنا أخرج مبتسما كما خرج كل المنتظرين ، لم يفهما شيئا و لذلك نظرا في وجه المسئول ، شفعت لي نيتي الصافية و صِدقُ حديثي لكن صلّيت ماشيا و كبّرت على الانتخابات و على نشيد تعلمناه في الصغر عن فضاء فسيح يسعنا جميعا.

[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  حواء عالم آخر

 ::

  ذاكرة المكان

 ::

  ملاك الخبز

 ::

  الرجل الذي ألف البحر

 ::

  تراتيل على أبواب الغواية

 ::

  من يقوى على وضع الجرس؟


 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  قائدة الثورة المصرية.. أسماء محفوظ..محطمة حاجز الخوف

 ::

  العلاج بالروائح العطرية

 ::

  الصحافة ايام زمان

 ::

  الفلافل.. مكونات مختلفة لوجبة متكاملة القيمة الغذائية

 ::

  مساواة المرأة بالرجل في الثرثرة!

 ::

  النباهة والاستحمار



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.