Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

عندما تحب كلاوديا
محمد نبيل   Thursday 12-04 -2007

عندما تحب كلاوديا هذه هي المرة الرابعة التي يستيقظ فيها علي مفزوعا. كابوس يخنق أنفاسه كل ليلة. نهض ثم أسند ذراعه على الجانب الأيمن لسريره. كلاوديا تنظر إلى وجهه المبلل بالعرق . علي يخجل أن ينظر إلى نفسه أو حتى أن يرى كلاوديا التي توجد على يمينه فوق السرير . هي تحاول أن تقترب منه . يداها ترتعشان بشكل مريب. لم تنم كلاوديا مع علي منذ أكثر من عام . فبعد زواجهما كانت كل الأمور تسير على أحسن ما يرام ،لكن بعدما طُرد علي من عمله الذي يحبه وغادرت أمه الحياة ،بدأت المشاكل تعصف بحياتهما الحميمية. كلاوديا تقاوم نرفزات علي المتكررة و صراخه أكثر من مرة . أحيانا تريد فقط أن تقبل خديه أو أن تلامس ذراعه لأنها تدًّعي أنها تعشق الشعيرات التي تزين جلده . المشهد الذي يجمع علي و كلاوديا على السرير يوحي بقليل من العنف و كثير من السخرية .


عندما استلقى علي على ظهره ، نطقت كلاوديا بتلقائية تامة :
ـ الحياة جميلة بالرغم من أنها جد قصيرة …!
نظر علي إلى زوجته دون أن يرد عليها. نظراته كانت كافية للتعبير عن مملكته المليئة بالأوهام و الألغاز . لقد بدأ علي يفقد ملامحه المعهودة و جماله الذي عشقته المئات من فتيات قريته الموجودة خلف الجبال. أما لوحاته الخشبية التي رسمها عندما كان يساعد أبيه في عملية الحرث و يسقي الورد المزروع خلف غرفته المبنية بالطوب، فقد ضاعت في غياهب الرحيل. كثيرا ما يشتاق علي إلى سماع صراخ الراعي و الأغاني الأمازيغية التي ينصت إليها طيلة النهار .
أدار علي ظهره و كأنه يجتنب حربا جديدة مع كلاوديا التي تعشق أن تحاول و لو ألف مرة النوم مع علي . تقاوم، تصمد أمام كل الأوجاع و آهات الفشل. مددت يدها اليسرى ووضعتها على صدره الضيق . سحنات وجه علي تشير إلى أن زوجته قد استفزته . نطق يصوت متعب:
ـ مرة أخرى…سنصل إلى نفس المحطة …
ـ سوف لن نصل إلا إلى محطة جديدة تنقلنا إلى مكان آخر …
ـ دعيك من كل التباس . أحس وكأن صخرة تسكن بطني. لم أقدر على ولوج ذاتي فكيف سألج… أعرف أن الأمر مستحيل…
ـ لا أؤمن بالمستحيل . أعتقد فقط في ورطتنا الجميلة .
علي تطارده لعنة الاشمئزاز و هواجس حمقاء تهاجمه ليل نهار. بدأ يعتقد أن حركات كلاوديا وصوتها وكل أفعالها تشبه تلك العادة السرية التي كثيرا ما مارسها قبالة الحمير و البغال التي كانت مربوطة في الإسطبل الذي يملكه أبوه . غريب أن يمارس الإنسان هذا النوع من التماثل. علي يصارع جحيم الانتظار و قسوة المقاومة التي تبديها كلاوديا في كل لحظة على السرير و خارجه .
عندما تخلى علي عن صديقته السعدية التي تورط في حبها أمام أهل القرية، بدأ يحلم بشكل مفرط حتى بدأ يكتب رسائل كثيرة ليبعثها لصديقته. كل رسائله كانت ملغومة بالحرمان و الندم . كتب مائة رسالة لكن لم يبعث إلا واحدة بسبب تخوفه من نفسه. اعترافات علي التي جاءت في رسائله كانت جد قاسية. ففي كل مقاطعها، تكررت أكثر من مرة أسماء من قبيل الحب و العادة والوهم، فاحتلت ما يقع بين سطور تلك الرسائل. أوجاع علي بدأت يوم بعث رسالته الأولى و الأخيرة إلى السعدية يخاطبها فيها بكل تلقائية. لم يكن يزن كلماته كما تفعل كلاوديا معه . كتب لصديقته البدوية قائلا :
ـ لقد كانت كل اللحظات التي قضيتها معك مثل حانة حققت بداخلها لحظات انتشائي اللامتناهي .

يرفض علي أن يعود إلى الوراء أيام كانت السعدية تضع رأسه بين كفيها و تحذره من النظر إلى فتيات القرية اللواتي يأتين إلى السقاية للتحدث عن مغامراتهن الجنسية المفترضة و حتى تلك التي وقعت بالفعل …علي لا يقدر على النسيان و كلاوديا تقلِّب صفحات تاريخه كلما أتيحت لها الفرصة . لم يفصح علي لكلاوديا عن الرسالة التي بعثها للسعدية . إنه يريد أن يحافظ على مساحة صغيرة من أسراره. فمازال يتذكر جيدا كلام السعدية:
ـ الرجل بلا سر لا يعتبر رجلا …
آه من صدمة السر و عنفوان قائله . علي مازال لم يفصح لأحد عن ندمه بعد كتابته للرسالة. يبكي ليله قبل نهاره . كلاوديا تحس بأن علي يشبه مطمورة مليئة بالأحزان لكنها تتمسك بالحياة و تمارس لعبة التجاوز .
من عادة علي أن يتخلى عن مكانه في السرير و يتركه أمام نظرات كلادويا التي لا تجد بدا من النوم وحيدة تناجي النجوم داخل غرفة النوم التي جمعتهما لأكثر من ثماني سنوات . قرر علي هذه المرة أن يتحدى عجزه ويظل لحظات بجانب كلاوديا . استلقى على بطنه لأنه اعتقد أن الصخرة التي تسكن بطنه ستتفتت. سأل كلاوديا بلسان مثقل باليأس :
ـ وهل لحياتنا معنى ؟
ـ نحن من يخلق المعاني…
ـ وكيف يمكن أن نتذوق جلساتنا الليلية المتكررة ؟
ـ عندما نحب ننسى ارتعاشة الجسد…
ـ الوقت غير كافي كي أفكر …
ـ الوقت يتمدد …لا تسقط أمام نفسك !
من سوء حظي و سخرية قدري أنني أعيش بلا هوية .
ـ لا تقهر نفسك بالكلمات العنيفة . لا أحد في هذا العالم يملك هوية ثابتة.
علي و كلاوديا يحاولان معا كل بطريقته المراهنة على لعبة المراوغة . إنها سبيل علي كي لا يواجه ذاته الممزقة بين ذكريات موروثة و حاضر ضائع. فكل فهم أو تفسير يأتي من كلاوديا يكون عبارة عن رغبة دفينة في التشبث بالمقاومة وكأن روح المواجهة مزروعة في جينات هذه المرأة الغريبة . لم يكن علي يتوقع أنه سيأتي يوم يعجز فيه عن تحقيق ما وهبته له الطبيعة. فقضيبه لم يعد يقوى على أي شيء. أما كلاوديا فقد نسيت أنها أنثى تحس بالرغبة و الانتعاشة التي تجعلها تقيضا للذكر .
وقبل أن ينهض علي من السرير ، قال لكلاوديا :
ـ هذا يوم يشبه أيام عديدة مضت. ساعاتنا تتشابه و أمست كروتين قاتل.
كلاوديا تتأمل قبل أن تتلفظ بكلمة قد تدمر حلمها بيوم جميل قد يغير مسار حياتها الزوجية . صمتت لحظات ثم نطقت :
ـ هذا يوم جميل يستحق جولة في الأزقة الخالية أو سفرا بعيدا عن صخب المدينة و ضوضاء شوارعها المكتظة . علينا أن نهرب قليلا و لو من أنفسنا حتى نكتشف معا المجهول.
فجأة ارتمت كلاوديا على علي . بدأت تداعبه ثم تقبِّل أجزاء من وجهه بسرعة وكأنها تنتظر شيئا ثمينا. في هذه اللحظات الحساسة جدًّا كان علي يشبه أميرا بدون عرش و لا سلطة. سلطته الوحيدة هي حب كلاوديا و عشقها له حتى الجنون . هذا ليس بغريب ، فكلاوديا تقول لعلي دوما :
ـ أنت أصبحت شرطا لوجودي …
علي يحدق يمينا و شمالا . نظراته اليتيمة توحي بالغبن . حركاته السلبية جدا تجعل منه آلة تتحرك بدون روح. معطفه بدأ يتحرك بدلا منه. قبلات كلاوديا و لمساتها الطائرة وكثير من الأشياء تحدث في غرفة النوم . مئات القبلات الطائشة لا تكفي لإطفاء حريق يلتهم كل أحلام وطموحات علي التي تبخرت بفعل النسيان.
حاول علي أن يتخلص من رقة كلاوديا التي يراها مبالغا فيها . فشل في محاولته لأن كلاوديا تحيط بكل جسده النحيف وتحاصره بشكل يبعث على العنفوان. تتنفس رائحة جلده و تنصت إلى نبضات قلبه.كرر المحاولة مرات قبل أن يخرج مسرعا. تبعته كلاوديا . أطلت عليه من النافذة ثم نادته:
ـ لا تنس أن تشتري باقة الورد التي طلبتها منك قبل البارحة.

عادت كلاوديا إلى فراشها فوجدته مازال ساخنا بدموع علي و دخان سجائره .وضعت قدميها الباردة في قلب المكان الذي ينام فيه رفيق حياتها . أما هو، فقد رحل كي لا يعود إلا متأخرا ساعات بعد منتصف الليل. يدخل في صمت قاتل ليرقد بجانب كلاوديا التي عادة ما تفقد الشعور برجل يدعى علي ينام بجانبها.

محمد نبيل صحافي و كاتب مقيم بألمانيا
[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  حي الظلام

 ::

  رسالة من برلين 2

 ::

  اللاجئات العربيات بألمانيا و حكاية الخوف من المجهول

 ::

  علي الضاحك

 ::

  كيف يدفن الموتى العرب بالمقابر الألمانية ؟

 ::

  حفار القبور

 ::

  سؤال الموت

 ::

  الأمهات العازبات بالمغرب

 ::

  حلاق للكلاب فقط


 ::

  بعد العراق بلاك ووتر في الضفة الغربية

 ::

  عقوبة الإعدام .. رؤية إسلامية

 ::

  حملة شبابية تدعو لتعدد الزوجات

 ::

  اقتراح حل السلطة الفلسطينية لماذا الآن؟

 ::

  كلام فلسطين : البعد الأمني الإسرائيلي في المعادلة الفلسطينية

 ::

  التيار الممانع ورهان التغيير في البحرين

 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.