Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

عبد الهادي والعسس وتونس...الخضراء
د. عادل سمارة   Thursday 12-04 -2007

لم اكن قد زرت اي قطر في المغارب العربي قط، وكم أسعدني ذلك. وذهبنا مسعد وأنا إلى باريس، فما زالت الدولة الإستعمارية هي بوابة مستعمرتها العربية، ومن هناك إلى تونس.

ليست هذه العجالة وصفا جغرافيا لتونس فهي خضراء كما كانت ايام تغريبة بني هلال، والمنازلة الفظيعة والخرافية بين الزناتي خليفة وذياب بن غانم، ورمي "سعدة" المسكينة بخيانة "أو بيع رجالها". وليست وصفاً لاقتصاد تونس، وقد وصلت الخصخصة وبيع مواقع الإنتاج الصناعي وحتى الزراعي لصالح الشركات الأميركية ذروتها، وأصبح معظم قوة العمل فيها جيوشاً من العاطلين عن العمل. وليست وصفاً للوضع الثقافي في تونس، وقد تأدبت بالسياسة فقررت وأد أبي القاسم الشابي، كي يُحال دون "أن يريد الشعب الحياة".

هذه مقالة عن العسس، عن جيش من طراز عبد الهادي. ولا نقصد هنا عبد الهادي الذي خلّده الشاعر الراحل عبد اللطبف عقل بعنوان قصيدته: "عبد الهادي يصارع دولة عظمى".

وعبد الهادي هذا، رجل عسس مشرقي، حصل أن كنت ذات يوم قبل عقود رهن إقامة جبرية، وكان عبد الهادي يأتي يومياً من المدينة إلى قريتنا على دراجة نارية يضعها مقابل بيت والدي ويصعد سفح الجبل الذي تتعلق عليه قريتنا كسلة درَّاق صيفية ناضجة، ليجلس على شرفة عجوزين من اقاربه ليراقب من يزورني، ولم يعرف العجوزان شيئاً وما كانا ليسألاه.

- مرحباً عبد الهادي... هكذا بادرته ذات صباح بمجرد ما أطفأ محرك الدراجة العتيقة التي كان محركها يتوقف قبل أن يطفئه عبد الهادي لفرط قدمه.

- أهلاً.

- لماذا تتعب نفسك وتجلس وحدك حتى العصر، كما أنني وحدي، ما رايك أن تغير دوامك وتاتي عندي، على الأقل نتحدث؟

- مش فاهم شو قصدك.

- لأ ، أنت فاهم، بدل أن تراقبني وأنت وحدك وأنا وحدي، تعال وراقبني مباشرة، وبالمناسبة نتحدث. (طبعاً لم تظهر الحمرة على وجه عبد الهادي لأن لونه اسمر قليلاً، ومطعوج، ثم بما هو مخبر، لا يستحي...كما لم يصفر وجهه لأنه لا يخافني، فهو محمي من المخابرات).

- قال، يا شاب حل عني.

مضى...انهى يومه كالعادة، ولم يعد للمكان بعدها.



وذهب الزمان، وأخذت منا الحياة مأخذها. وفي زيارتي لتونس تحدثت مرتين في ضيافة منظمة غير حكومية، تديرها سيدة هندية تقدمية، منتمية إلى العالم الثالث بإخلاص وانفعال، السيدة كورين. كان الحديث بتنسيق بين هذه المنظمة ورابطة الكتاب الأحرار في تونس التي من نشطائها الكاتب محمد البجليّ، وهي رابطة لا مقر لها لكثرة ما لديها من موارد مالية. وحضر الحديث جمع من المثقفين والمناضلين السياسيين العرب التوانسة.

دعاني أكثر من واحد منهم للقاء في المدينة، وهم من منظمات يسارية، مختلفة، التجمع الوطني الديمقراطي، حزب العمال الشيوعي، حزب اليسار الإشتراكي...الخ.

بينهم كثير من الإختلاف ولكن ما لاحظته أن شيئاً خارجياً واحداً يجمعهم، وهو عبد الهادي. فقد أدهشني ان المخابرات تلاحق هؤلاء الرجال على المقاهي، بوضوح، وعلانية...تزيد كثيراً عن "نحن هنا".

أمام أحد المقاهي اشار "الهمامي" إلى رجل يركب دراجة نارية قديمة، والله كأنها دراجة عبد الهادي القديمة نفسها، توقف الرجل، وأطفا المحرك مقابل المقهى ـ وقال الهمامي، هذا من المخابرات، فهم لا يكتفون بالمشاة، والجالسين في "لوبي" الفندق، بل يستخدمون الدراجات كذلك.

لولا المبالغة لقلت ربما استعارت المخابرات التونسية نفس الدراجة المخابراتية المشرقية قبل اربعين عاماً، ومن يدري فتبادل الخبرات وارد.

ولكن ايها السادة، حتى اليوم، تتم متابعة الناس بهذا القدر وبهذا الشكل، ومن أجل سماع كلمة هنا وأخرى هناك. أما وهذه الأقطار ما تزال في مرحلة عبد الهادي وراحلته، فواحزناً على تونس الخضراء!



عن كنعان النشرة الألكترونية

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  عندما تحاصر اليهودية ذاتها والفلسطينيين

 ::

  النمو الصيني يصل التخمة وفوائض النفط العربي إلى المحرقة

 ::

  حرب على إيران...حرب إلى يوم القيامة!

 ::

  عن الفارق بين القرارين السياسي والإقتصادي لفك الإرتباط باقتصاد الإحتلال

 ::

  لا يوجد بديل: هذا بديل للبديل

 ::

  العام الأول بتوقيت "مجدو":هل نواجهه بالكتلة التاريخية؟

 ::

  العراق بالأحمر والأسود...سيخرجوا حقناً لرأس المال وليس الدم

 ::

  على الحبل كان أشهى...فلا نامت أعين العملاء

 ::

  كي لا يحاصروا النصر في لبنان كما حاصروا الانتفاضة الأولى


 ::

  الزبـــادي وما أدراك ما الزبـــادي

 ::

  حكومةأ مونة

 ::

  ثورة الدجاج ( قصة قصيرة)

 ::

  الشرطة في بهدلة الشعب

 ::

  ما وراء الأفق الشيعة قادمون

 ::

  كل عام انتم والامة الاسلامية بحال أفضل

 ::

  التدين الشيعي.. فرز بين خطابين

 ::

  انطلاق المارثون من جنوب سيناء نحو مقاعد مجلس الشعب

 ::

  الكتب هي الأولى في هدايا الهولنديين للنجاح والإجازات

 ::

  العقرب ...!



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.