Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات  :: تقارير

 
 

حينما تدفىء روسيا يتجمد الغرب
د. عادل سمارة   Monday 09-01 -2006

ما زلت أحتفظ برسم كرتوني نشرته مجلة تايم أثناء إقامتي في لندن، يصور مجموعة رجال حول طاولة يرتدون الملابس العربية، ويتناقشون على سعر النفط، بينما يضع كل واحد منهم يده على خنجر مخفي وراء ظهره. والكرتون تعبير عن أن العرب يـتآمرون على العالم في سعر النفط، أما الخناجر فلكي يغدر كل منهم بالآخر. وحتى أمس، كان العرب متهمون دوماً بأنهم وراء مشاكل العالم الاقتصادية لأن اسعار النفط غير محمولة لا من أغنياء العالم ولا من فقرائه. وعلى ارضية سعر النفط وضرورته، خرج علينا كثير من إقتصاديي العالم بمزاعم أن النفط سلعة عالمية، ولذا، يجب أن لا يتحكم به العرب. بينما لم يناقش اياً منهم أن التكنولوجيا عالمية مثلا!

هذا السياق ليس سياق توضيح ان العرب لا يتحكمون بالنفط ولا يملكونه، وحتى ما وصلهم من فوائض (بسبب الطفرات السعرية للنفط وهي من صنع الشركات الغربية اساساً) جرت إعادة تسييلها إلى البنوك الغربية واستخدمها الغرب في إقراض العالم الثالث مما فجر أزمة المديونية العالمية منذ بواكير ثمانينات القرن الماضي، بل وتمكن الغرب من إرغام العرب على تقديم مساعدات وهبات لنفس البلدان المدينة للغرب نفسه!

لا فخر بالطبع ان نقول أن أزمة النفط الحالية ليست من أرض ولا من صنع العرب. فهذه المرة تقف روسيا وراء أزمة النفط. هل هي روسيا الدولة أم الشركات، أم تقاطع مصالح الطرفين؟ لا ندري بعد. ولكن ربما تمكن الثعلب المخابراتي بوتين من تسيير الدولة والشركات ولا سيما بعد أن أودع طاغوت النفط خودروفيسكي (الصهيوني-الغربي) في السجن.

الاحتجاج الامريكو-أوروبي على روسيا عالً جداً، مع ان ما قامت به روسيا في منتهى الشرعية. فهي تريد بيع الغاز لأوكرانيا بسعر السوق، اي السوق الغربي، فما وجه الغرابة هنا؟ وهي تعمل على منع أوكرانيا من سرقة الغاز الروسي المار في أراضيها. بعبارة أخرى، فإن أوكرانيا تسرق الغاز الروسي لتنفق على تجهيز نفسها للانضمام للاطلسي عدو روسيا.

يحصل هذا في الحقبة التي تحاول روسيا الإقلاع، او على الأقل النهوض من كبوتها. ففي السنوات الأخيرة طرأ تحسن على الأداء الاقتصادي الروسي حيث اصبح 70 بالمئة من الاستثمارات الروسية موجهة إلى الداخل، وتباطىء بالتوازي مع ذلك هروب راس المال إلى الخارج. وإذا وضعنا هذا إلى جانب ارتفاع اسعار النفط، هناك زيادة في السيولة المالية في روسيا، وهذه إذا ما أُدمجت في توجه الدولة لتطوير الاقصاد، تعطي في النهاية تطوراً إيجابياً يستحق الاهتمام لا سيما في برامج التنمية متوسطة المدى.

صحيح أن النفط عامل اساسي في توفير السيولة المالية للتنمية في روسيا، ولكنه وحده لا يحقق تنمية وإنما يعزز دور الاقتصاد الريعي وحسب (كما هي بلدان الخليج). ولا شك ان حكومة روسيا الحالية تتذكر أزمة الاتحاد السوفييتي في أواخر ايامه حيث كان اعتماده على الغرف من مخزون النفط اعتمادا عاليا، وبالنتيجة قاتلاً.

لا شك أن بوتين يريد إعادة مجدٍ ما لروسيا، وكي يفعل ذلك عليه أن يُحصن دفاعاتها في البداية. فهو في مواجهة الزحف الراسمالي الاوروبي-الاميركي باتجاه التهام كل اوروبا الشرقية ضمن حلف الاطلسي. وعندها، قد تتم استحالة نهوض روسيا التي سوف تُدخل في حروب صغيرة مع دول عميلة للغرب لاستنزافها.

لهذا السبب كانت ثورة "الأنجزة-البرتقالية" في أوكرانيا ضربة تحت الحزام لروسيا، ويبدو أن بوتين وجد ان لا بد من الرد، لا بد أن تدفع أوكرانيا ثمن انتقالها للعاشق الجديد، ثمن يبدأ بتبريد حضن العاشق كي لا يتم الجماع! لذلك اختار بوتين فصل الشتاء القارص. والشتاء هو أكثر ما يُظهر أهمية النفط. لا بد أن يعرف المتهالكون على الغرب، بأن الغرب لا يقيهم غائلة البرد، وأن الغرب خُلق كي يأخذ وليس كي يهب.

افادت التقارير في الاسابيع الأخيرة، أن الاوضاع الاقتصادية في أوكرانيا متدهورة، وأن النظام الجديد يعاني فساداً هائلاً، وهي الأمور التي أوضحت للمواطن هناك، بأن الثورة البرتقالية كانت بالمعنى الأميركي لهذا اللون، اي حالة الخطر القصوى! وقد لا تكون الصدفة هي التي حشدت لروسيا هذه الإيجابيات، اي فساد النظام الجديد ذي الهوى الغربي، والشتاء الشديد معاً. وهذا ما هيأ للضربة الروسية. وقد تؤتي هذه الضربة أُكُلها مباشرة، لكن هذا ليس شرطاً كما انه ليس الهدف الأساس. ما تريده روسيا هو ان تعود أوكرانيا الى سكة الصواب، وأن يفهم الناخب الاوكراني أن مصلحته هي عند التعاون مع روسيا، وليس عند اعداء روسيا. فليس الوقود والتدفئة وتحريك السيارات مجرد خطاب لغوي تقوم أوروبا الغربية وأمريكا بإمداده للمواطن الأوكراني. لذا تحاول روسيا إفهامه وهو يرتعش أن دفئه في حضن بوتين.

وحين ياتي النمو المقبول في روسيا متوازياً مع قدرتها على توجيه ضربة قوية لأوكرانيا المنشقة عنها، لأن هذا يحيي مناخاً قومياً في روسيا، ويزيد من حماسة المواطنين لدعم الدولة.

لقد تراجع ضخ الغاز الروسي في الايام الاخيرة من 20-40 بالمئة، وهذا أثر على اوروبا الوسطى والشرقية بل وكل اوروبا. وبدورها أعلنت أوكرانيا أنها سوف تسرق الغاز الذاهب إلى أوروبا الغربية إذا ما وصلت درجة الحرارة نقطة التجمد. وقد يكون هذا ما تريده روسيا، فهي تريد من الاوروبيين أن يقتتلوا على طابور التدفئة. وللتدليل على حساسية الموقف وأهمية الغاز، أعلنت شركة جاز فروم الروسية يوم 3 من الشهر الجاري أنها ستعيد ضخ الغاز بعد الظهر، وهذا يعني ان كل ساعة هي مسألة حاسمة وحساسة في الأمر. ويبدو أن اوكرانيا ليست بحاجة للتهديد بسرقة الغاز، لأنها حسب الزعم الروسي تسرق الغاز منذ فترة طويلة. وربما هذا ما عجل في الخطوة الروسية.



لقد إطمئنت الشركات النفطية الغربية والتي من كبار المشرفين على سياستها كيسنجر والسيدة تاتشر وعائلة بوش وغيرهم، إطمئنوا بعد احتلال افغاستان والعراق ان نفط العالم تحت سيطرتهم، وأنه سوف يسيل دفئاً هذه المرة إلى الأبد. ولكنهم ربما نسوا، أن البحث عن المصالح القومية ليس خاصة اشتراكية فقط، فالانظمة الراسمالية الوطنية تفعل ذلك ايضاً، ناهيك عن المنافسة الحادة بين هذه الانظمة.

هذا يؤكد على عدة حقائق منها:

أولاً: أن وضع أوروبا الغربية هشاً فيما يخص الطاقة، وهو أمر لا ينتهي عند الطاقة وحدها

ثانياً: أن نظرية ما فوق الامبريالية، التي روج لها كثير من علماء الاجتماع والاقتصاد الاصلاحيين، ليست صحيحة، وأن الامبرياليات الكبرى يمكن أن تقتتل على المصالح.

وثالثاً: أنه رغم هيمنة القطب الواحد، فإن الهيمنة الكاملة غير واردة، فها هي روسيا تعرقل وضع المركز الراسمالي بأكمله. ونستذكر في هذا السياق أن روسيا ليست مرتاحة للضغط الاميركي على المسألة النووية الإيرانية لأنها مشروع مربح لروسيا، وعليه يكون توجيه اللكمة لأوكرانيا مثابة ضرب عصفورين بحجر واحد.

وقد يكون الأمر ابعد من ذلك، فبعد أن تخلصت روسيا من مرحلة يلتسين، وهي المرحلة التي كانت تريد دفن الاشتراكية حتى ولو بدفن الشعب الروسي، فإن القيادة الحالية تحاول إعادة دور اقوى للدولة، وقد يكون هذا مؤشراً على حقيقة يؤكدها التاريخ بأن مشاريع التنمية تحتاج إلى دور لدولة قوية. وعليه، قد يكون في خُلد روسيا إستعادة دورها القيادي في أوروبا.

ولكن أوروبا، لا سيما بعد تقوية الاتحاد الأوروبي، تطمح بالمقابل في ابتلاع روسيا. إن روسيا في أوروبا هي العنزة السوداء. لذلك، تشتري أوروبا النفط الروسي، وتوافق على مد خطوط غاز في البلطيق بعيدا عن أوكرانيا، ولكنها في الوقت نفسه تثير بكل الجدية الممكنة مسألة البدائل. ومن بين هذه البدائل، الاستيراد من النرويج أو من الولايات المتحدة "صاحبة نفط العراق والنفوط العربية. وفوق كل هذا لا شك أنها تفكر في البدائل النووية للنفط.

على أن هناك جوانب أخرى في الأمر تتعدى النطاق الروسي والاووبي. فالضغط الروسي، قد يرفع اسعار النفط مجدداً، وبالتأكيد سوف يبقي على الأسعار الحالية (لا بل إن خطوة روسيا تهدد برفع سعر الغاز في أوكرانيا بنسبة 400%). وهذا بدوره سيرفع اسعار سلسلة من المنتجات مما يعني في التحليل ألأخير رفع كلفة المعيشة على نطاق عالمي. وهذا لن يعجب الولايات المتحدة وأوروبا الغربية واليابان. ولكنه بالمقابل سوف يزيد من شدة الميل القومي الروسي، لا سيما بعد سلسلة الخسائر التي رافقت تفكك الاتحاد السوفييتي.

وقد تكون مفارقة مضحكة، أن أزمة النفط هذه سوف ترفع شعبية جورج بوش ولو بأعشار صغيرة. فالناخب الاميركي العادي أو كما يسميه "لندين لاروش- البائس من حيث الوعي السياسي" سوف يشعر بأن احتلال العراق خاصة والنفط العربي عامة هو خطوة جبارة من جورج بوش لتأمين دفئاً مناسباً للاميركيين!

ولا إخال أن رجالات ونساء المجتمع المدني والأنجزة سوف يخالفون هذا الاستنتاج، لأن مسألة المجتمع المدني تتكشف أكثر وأكثر على المحك، بأن مدنية هذه المجتمعات هي لنفسها، بل لبعض افرادها، ولكنها لا تابه بالامم الأخرى ابداً.

وبمعزل عن اين سوف تنتهي هذه المحاولة الروسية، إلا أنها تعتبر الضربة الفعلية الأولى التي ترد بها روسيا على خصومها الأوروبيين والامريكيين. وهي كما اسلفنا، تأكيداً بأن الإمبرياليات يمكن أن تقتتل ولا بد أن تقتتل.

[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  عندما تحاصر اليهودية ذاتها والفلسطينيين

 ::

  عبد الهادي والعسس وتونس...الخضراء

 ::

  النمو الصيني يصل التخمة وفوائض النفط العربي إلى المحرقة

 ::

  حرب على إيران...حرب إلى يوم القيامة!

 ::

  عن الفارق بين القرارين السياسي والإقتصادي لفك الإرتباط باقتصاد الإحتلال

 ::

  لا يوجد بديل: هذا بديل للبديل

 ::

  العام الأول بتوقيت "مجدو":هل نواجهه بالكتلة التاريخية؟

 ::

  العراق بالأحمر والأسود...سيخرجوا حقناً لرأس المال وليس الدم

 ::

  على الحبل كان أشهى...فلا نامت أعين العملاء


 ::

  الزبـــادي وما أدراك ما الزبـــادي

 ::

  حكومةأ مونة

 ::

  ثورة الدجاج ( قصة قصيرة)

 ::

  الشرطة في بهدلة الشعب

 ::

  ما وراء الأفق الشيعة قادمون

 ::

  كل عام انتم والامة الاسلامية بحال أفضل

 ::

  التدين الشيعي.. فرز بين خطابين

 ::

  انطلاق المارثون من جنوب سيناء نحو مقاعد مجلس الشعب

 ::

  الكتب هي الأولى في هدايا الهولنديين للنجاح والإجازات

 ::

  العقرب ...!



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.