Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

إلى أنصار السلام والقوى الديمقراطية اليهودية في إسرائيل
محمد موسى مناصرة   Saturday 10-03 -2007

إلى أنصار السلام والقوى الديمقراطية اليهودية في إسرائيل مليون سبب تدعوني للكتابة إليكم وتدعوني أيضا للعودة إلى الوراء، لحوادث تحتاج إلى تثبيت، إلى إعادة تنظيم في الذاكرة، وهو ما يثير فيَّ الجنون لقسوة ما كنت التقطُ وأثبِّتُ من ذكريات في نفسي، خاصة وأن المكافأة، التوقعات، والأحلام التي كانت بديلاً عن معاناة الوراء، أو ما أسموه بالعملية السلمية، لم تستطع، ولم يكن بمقدورها حتى اللحظة وضع حدٍ لحالة الصراع القائمة، ولا كان بمقدورها الإجابة على الأسئلة التي ظلَّت تمتطي ظهري حتى اللحظة، لأن الصراع مع العدو، معكم (أو مع الآخر حسب الاتفاقيات) ما تزال أبوابه مفتوحة ولا أحد يعلم إلى أين، فالآخر، (انتم) تواصلون انتهاك كل شأن يتعلق بحياتنا، وتواصلون إثارة الوجع في نفوسنا وأجسادنا.
الطريق الأسرع لإعادة "الزواج المقدس" لم تكن قد تهدَّمت آخر الأيام في أيلول عام 1948، ولم يكن قد قَوِيَ الخريف بعد على ورق الشجر، فيما كان على بعض اليهود "الأتقياء!!" من القادة والضباط في الجيش الإسرائيلي والنشطاء في المنظمات الصهيونية المتطرفة، أن يعملوا على إبعاد الشرور عن اليهود بإعادة الوحدة للزواج المقدس بين الإلهين الذكر والأنثى، بتحرير الآلهة "شيخيناه" أو "ماترونايت"

العنصر الأنثوي في رأس الإله من غواية الشياطين وإعادتها للإله الابن متجسدا في "التقي المبارك".
وما كان ممكنا إعادة ذلك الرباط الجنسي المقدس بين الإلهين الذكر والأنثى حسب الأصولية اليهودية إلا بإلهاء الشيطان عن مغازلة " السيدة"، ليس بواسطة الصلوات وممارسة الشعائر الدينية فقط، وإنما بواسطة طريقة أسرع وأكثر فاعلية وهي قتلنا.

وهكذا تم قتل الفلسطينيين وكل ذكر من صغارهم، وذبح الرجل والمرأة والطفل الرضيع فيهم، وطردهم من ديارهم بتدمير منازلهم حسبما كان قد جرى في صيف ذاك العام في اللد والرملة والدوايمة بحسب التعاليم التوراتية.

وفي هذه الدوامة من العنف فجَّرتِ القوات الإسرائيلية منزل والديَّ في قرية وادي فوكين في إطار عملية تفجير شملت جميع منازل القرية والقرى الفلسطينية بشكل عام.

الهجرة الأولى
وبرغم الغارات المتكررة على القرية بالرصاص وبالمدافع، وبرغم الريح وعربدة الشتاء التي طغت على القرية، صمد الأهل وصدوا الغزاة، وعلى مدى أيام وأشهر الأعوام 48 و 1949 تواصلت معاركنا معكم ودون أن تتوقف، كنتم تحتلون القرية وتطردوننا، فنعود لتحريرها في اليوم التالي أو بعد أقل من أسبوع، إلى أن تم الاتفاق بين ضباط إسرائيليين وضباط إنجليز قادة في الجيش الأردني وممثلين عن الأمم المتحدة يقضي بترحيلنا عن قريتنا بالقوة إلى قرية نحالين، مع احتفاظنا بحق العمل فقط خلال ساعات النهار في بعض أراضينا التي بقيت تحت سيطرتنا في الصراع، بحسب الاتفاق، فيما سمح للقوات الإسرائيلية الاحتفاظ بثلثي أراضي القرية التي تم احتلالها.

مجزرة نحالين
وتعود القوات الإسرائيلية لملاحقتنا من جديد بالهجوم على قرية نحالين وارتكاب مجزرة فيها عام 1954، وبالذات، في شهر رمضان المبارك، وهو هجوم استهدف كل الذين فتحوا بيوتهم لأهل قريتي بمن فيهم الرجل الطيب محمد إبراهيم مسلم الذي استضافنا وقتل وهو يحملني وينقلني أنا وشقيقتي لحمايتنا من الرصاص أمام الطابون.

في اليوم التالي للمذبحة جاءنا المرحوم الملك حسين الشاب برفقة "غلوب باشا" قائد الجيش العربي الأردني (الإنجليزي) ووزعا علينا علب السردين والكشكوان لإغاثتنا، وكان هذان الحادثان، صورة الشهيد محمد إبراهيم مسلم ممدداً على عرض باب الطابون خلال المجزرة، وزيارة الملك للاطمئنان علينا ودعمنا، بداية الذاكرة خاصتي لسجل الاضطهاد الإسرائيلي لشعبي حيث تتربع الواقعة في صدر الذاكرة المؤلمة المليئة بالحوادث. وبعد تلك الزيارة بايام اصدر القائد الإنجليزي "غلوب باشا" القرار بترحيلنا مجدداً من قرية نحالين لإرضاء إسرائيل.

مجزرة مخفر بتير
هُجِّرنا من نحالين محملين على عربات عسكرية أردنية إلى قرية حوسان، كانت أمي حافية القدمين لم يسمحوا لها إلا بتحميل القليل من متاعنا، وبعض الأهالي قفز من العربات العسكرية عائدا إلى نحالين، أو عائدا للمواجهة في وادي فوكين، مفضلا الموت على الرحيل إلى الشرق المجهول.

وفي عام 1956، نفذت القوات الإسرائيلية مجزرة جديدة في "مخفر بتير" الذي كان مقاما على مفرق قريتي حوسان وبتير، وخارج حدود دولة إسرائيل، قتل فيها (55) شهيدا وجميعهم من قوات الحرس الوطني، وكان ذلك جزءًا من مسلسل اعتداءات القوات الإسرائيلية على جميع القرى المحاذية للخط الأخضر في ذلك العام.

التهجير القسري الثالث
بعد هذه المجزرة وللمرة الثالثة تم ترحيل قسم آخر من أهالي وادي فوكين من حوسان إلى مخيم الدهيشة حيث كان العديد من أهالي القرية قد استقروا هناك لحظة تأسيس المخيم، لنُدرج في الدهيشة على قائمة اللاجئين وليحصل والدي على بطاقة "نصف لاجئ" من وكالة الغوث، أي الحصول على نصف القيمة المخصصة من المواد الغذائية للاجئين.

ثقافة القتل الموسيقي
ثقافة قتل العرب، ولسوء الحظ، هي التي تقدم حتى يومنا هذا لجنود الاحتياط الإسرائيليين الذين يطلب منهم الخدمة العسكرية في غزة أو الضفة الغربية باعتبار الفلسطينيين من العماليق، وتتسلح بهذه الثقافة أيضا جماعات عنصرية عديدة مثل "كاخ" و"غوش أمونيم" التي دفعت عدد من طلاب جامعة تل أبيب في أعقاب محاولة اغتيال بسام الشكعة وكريم خلف في تموز عام 1979 لذبح بعض القطط وشوائها وتقديمها للمارة باعتبارها "كباب" مصنوع من أرجل كريم خلف وبسام الشكعة!.

إنها ذات الثقافة التي استخدمت لاحقا لتبرير سياسة تكسير العظام خلال انتفاضة العام 1987.

وهي نفس الثقافة التي استخدمت لتبرير تفوهات اسحق شامير الذي وصفنا بالجنادب والصراصير عندما كان رئيسا للوزراء وزار المستوطنين في منطقة جبل هيرودوس إلى الشرق الجنوبي من بيت لحم، ولتبرير أقوال عوباديا يوسف إله حركة "شاس" المشينة عشية الولوج الانتفاضة.

وهي ذات التربية المستخدمة لتفسير أعمال القتل التي تنفذ ضد أطفال وشبان الانتفاضة الحالية التي كانت أجلى صور التعبير عنها، الطريقة التي قتل فيها الطفل البريء الشهيد محمد الدرة ابن الثانية عشر ربيعا بدايات الانتفاضة!.

المأساة..مسئولية من؟
إنكم لا تعترفون بمسئوليتكم تجاه هجرتنا القسرية إلى مخيم الدهيشة ومخيمات اللجوء الأخرى، وكأن قوة خفية من كواكب أخرى هي التي هجَّرتنا وهدمت بيوتنا وليس أنتمّ.

عشنا على منح الأمم المتحدة من المواد الغذائية وما كانت تجود به علينا الولايات المتحدة من "بُقَج" وهي صرة من الملابس غير المناسبة لنا، تكيفها أمهاتنا علينا كي نستر أجسادنا كيفما كان، ولكي تقينا برد الليالي الطويلة.

ولم يكن بمقدوري ولا بمقدور جيلي الذي ولد في أتون المأساة، ولا جيل أبي وأمي الذين تعرضوا لجريمة طردهم من ديارهم، جميعنا، لم يكن بمقدورنا تجاهل حقيقة أن الآخر، أنتم، المسئولون مباشرة عن كل ما حلَّ بنا، وعن سلبنا حقوقنا في الحياة، وسلبنا حقوقنا في الأمن أو العيش بكرامة، أنتم المسئولون عن حرمان أهلنا من ذكرياتهم والتسبب بطفولتنا المعذبة.

نشأنا نرضع القهر والظلم ممزوجا بكأس الحليب الذي كانت وكالة الغوث توزعه علينا في الطابور أمام مطعم الوكالة في المخيم صبيحة كل يوم.

نشأنا في أزقة المخيم وحواريه محرومين من جميع الحقوق الآدمية التي منحها الله لكل البشر، وحين كانت أقدامنا العارية تغوص في وحل الأزقة، أو حين نتجمد من البرد في ساعات الليل، أو حين كنا نتلوى من الجوع ولا ننام، كان الآخر، أنتم، عنوان القهر وسبب مأساتنا، وكنتم سبب فشلنا وإحباطاتنا، كبرنا على أنكم عدونا الظالم.

سبيلنا للكفاح والثورة
وجاءت حرب العام 1967، لتحتل إسرائيل بقية الوطن من البحر إلى النهر، وتواصل حكوماتها المتعاقبة حملة التطهير والتهجير وهدم المنازل والتطاول على حرياتنا، ومصادرة أراضينا والاستيلاء على مواردنا الوطنية، فيما وجدنا وجيلي سبيلنا للثورة التي شرعتها كل المواثيق الدولية، وجدنا سبيلنا في التأسيس للنضال المتواصل حتى الآن والبعض بيننا يسميه "المقاومة".

من جانبكم، تجاهلتم في مأزقكم أننا لم نصنع ظلم النازية لكم، بل وتجاهلتم أن القيادات اليهودية الدينية والعلمانية، لم تقم بأي دور احتجاجي ضد النازية وضد ما تسمونه بالمذبحة، (بل ومن الثابت تعاون العديد من القيادات اليهودية مع النازية) اللهم عدا الاحتجاج المتواضع لتلك النخبة الرائعة من اليهود والقليلة العدد التي كانت في معسكر وارسو.

إن "كالمان بار أون" ليس الناجي الوحيد من الكارثة الذي أثار هذه المعضلة الأخلاقية اليهودية في أل "جروزلم بوست" يوم 22/4/1990، بل كثيرون تم إسكاتهم للحيلولة دون استخلاص العبر.

فهل جرى ذلك لتهيئة المناخ ضدَّنا كفلسطينيين، وكأننا نحن الذين خططنا لقهر اليهود في أوروبا، فصار الشعار (الذي تشك بأنه يأتي لقتلك انهض واقتله أنت) موجها ضدَّنا، في عملية إحلال مرضية خطيرة. ونلام لأننا لا نتصرف كما تصرفتم "كالنعاج" في مواجهة النازية!!.

هل توقف أي منكم أمام السؤال لماذا على الفلسطيني بان يتصرف كما تصرفت القيادات اليهودية الصهيونية بسلبية في مواجهة النازية؟!.

الميل للمستقبل
لم يكن بمقدوري يوما التفريق بيني وبينكم، كنتُ وأنتم بُنية متكاملة في الأنين والوجع، لأني لم أستطع تأريخ أية لحظة من حياتي بمعزل عن علاقتي بكم، وبرحلة اللجوء والعذاب التي سببتموها لي ولأسرتي ولشعبي.

ومع ذلك، وبرغم سعيكم غير العقلاني بتحميلنا مسئولية وقوفنا أمام بنادقكم، فلا أحد بينكم للأسف يستطيع فهم ميلنا لإقامة وبناء علاقات احترام متبادل بين شعبينا.

انه ميل لا ينم عن ضعف كما يتخيله مرضاكم من الجنرالات، أو الجهلة أعداء المستقبل بيننا، انه ميل يستند للقوة الهائلة الكامنة في شعبنا واتجاهاته الانفعالية نحو العدل، والمستندة ليس لأسطورة، أو حكاية من حكايا التلمود، بل لحقوقنا الثابتة في هذه البلاد، وللإرث الثقافي الذي نتسلح به، المستند إلى ديانتين متسامحتين وتنبذان القتل هما المسيحية والإسلام، وإلى ما راكمه شعبنا والإنسانية من خبرات في مناهضة الظلم والقهر والحروب.

لقد كافحت’ والعديد من قادة شعبنا الخيِّرين الذين لم تفسدهم مرحلة "البترودولار" في حياة الثورة الفلسطينية خلال السبعينات والثمانينات بالذات، من أجل إقناع الشعب، شعبنا، بالحاجة لتغيير شعارنا من دولة "من النهر إلى البحر"، لشعار "دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب دولة إسرائيل في حدود الرابع من حزيران"، وبالحاجة إلى عمل جماهيري سلمي واسع بديل عن شعارات الحرب والكفاح المسلح.

وعلى تلك الثقافة والقناعة لاحقني الحكم العسكري الإسرائيلي بمختلف العقوبات، ومنها الإقامة الجبرية المنزلية أو الإقامة الجبرية داخل المدينة، وحاول قتلي أكثر من مرة بمحاولات اغتيال فاشلة على أيدي عملاء في سجن بئر السبع وأخرى خارج المعتقل، عدا عن إقدام قوات الاحتلال على اعتقالي سنوات عدة، والتي لم تكن تعترف بمجرد وجود شعبنا الفلسطيني.

وجاءت الانتفاضة المباركة عام 1987 التي كرست قناعة الشعب بالشعار "دولتان للشعبين" والطريق السلمي للحرية والتخلص من احتلالكم والتي لسوء الحظ، انتهت بالولوج في مرحلة أوسلو.

مأزق أوسلو
واليوم هل نستطيع مواصلة السير على ما تأسس منذ العام 1993 في أوسلو؟

من لديه الشجاعة في إسرائيل للاعتراف بان مأزق أوسلو الذي فضحته الانتفاضة لم يكن إلا بفعل السياسات الإسرائيلية التي لم تحترم أي اتفاق وقعته مع السلطة الفلسطينية؟

من لديه الشجاعة في إسرائيل للاعتراف بأن الشعب الفلسطيني لديه الجاهزية للعناد والمواجهة، فهو الواقع تحت الاحتلال، والذي لا يستطيع بأي حال من الأحوال التنازل عن حقوقه الثابتة المؤكدة بمبادئ الشرعة الدولية، حقوقه في الاستقلال والحرية.

من لديه الشجاعة في إسرائيل للاعتراف بأن إعلان المواقف المسبقة قبل أي جلسة حوار مع القيادات الفلسطينية مثلما فعل باراك وفعلها من قبله نتنياهو، وواصلها شارون فيما بعد مع الرئيس ياسر عرفات ومن بعد مع الرئيس ابو مازن، والاستمرار في سياسة الاستيطان ومصادرة الأراضي العدوانية، وتهديدات المسئولين الإسرائيليين للقيادة الفلسطينية "كل ما دق الكوز في الجرة" للاعتراف بأن هذه المسالك للقيادات الإسرائيلية كانت من أسوأُ أشكال الحوار من زاوية العلم، وساعدت في أن يصل مأزق أوسلو إلى نهايته وأن تبلغ العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية ما بلغته.

استدراج منظمة التحرير تحت الضغط
لقد تم استدراج القيادة الفلسطينية للمفاوضات بتأثير عوامل عديدة منها: تداعيات انهيار الاتحاد السوفييتي وضغط موازين القوى في المنطقة، وضغط بعض الحكام العرب، وتداعيات حرب الخليج على المنطقة، والاستفادة من أخطاء منظمة التحرير في دعم اجتياح الكويت الشقيق، أو تحت ضغط حصار منظمة التحرير المالي الدولي والعربي الذي بلغ أوجَهُ عام 1992، وبسبب ضيق أفق بعض رموز القيادة الفلسطينية الناجم عن انفصالهم عن هموم الشعب، وعدم ثقة هذا البعض من القيادات بقدرات شعبهم، والذين كانوا يمثلون أصلا شريحة بيروقراطية طفيلية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج.

تحت طائلة هذه الضغوط مجتمعة، تم استدراج المنظمة للمفاوضات من أجل تحقيق ما أسميتموه بالسلام!!!!.

البداية الخاطئة
لقد شكَّلَ مفهوم " التفاوض من أجل السلام " ومنذ البداية "اللغم الأول " في طريق إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي!.
لقد كان اعتماد هذا المفهوم عملا ونهجا ضد التاريخ وفي خلاف مع المنطق ؟!.

فكيف كان على شعبنا أن يقيم سلاما دافئا مع الاحتلال بدون الاستقلال؟

لقد فاوضت جميع شعوب الأرض محتليها من أجل نيل الاستقلال والحرية، وبعد ذلك شرعت في التأسيس لعلاقات السلام والاحترام المتبادل باستثنائنا نحن.

لقد أُملي علينا أن نفاوض بشكل معكوس مخالف لكل قوانين الطبيعة وقوانين التطور الاجتماعي، أن نفاوض من أجل السلام وليس من أجل الاستقلال، فهل يتوقع أحد والحال كهذا بأن يواصل الشعب الفلسطيني صمته تجاه مصيره وأهدافه الوطنية إلى مالا نهاية.

ومع ذلك منح شعبنا الفرصة كاملة لمحاولة الوصول إلى "تسوية" حسب ديباجة أوسلو، وبذلت قيادة السلطة الفلسطينية فعلا وحقا كل ما بوسعها من اجل إنجاح التجربة، ولكن!.

إلى أين وصلنا وأوصلنا منهج الابتعاد عن رعاية المجتمع الدولي للمفاوضات؟
أين أوصلنا منهج ابتزاز القيادة الفلسطينية الذي مارستموه ضدَّها، مستفيدين من السلام الدافئ الذي أقمتموه حقا وفعلا مع جماعات أل (VIP ) الفلسطينية السياسية والأمنية والاقتصادية، ولم تقيموه مع الشعب الذي واصلتم نهب أراضيه ومياهه، والتطاول على كرامته الوطنية وانتهاك حقوقه في الحياة وفي العيش بكرامة وبإدارة الظهر لحقوقه الدينية في القدس، وحق لاجئيه بالعودة إلى ديارهم؟؟‍

نعم، لقد أقمتم سلاما دافئا مع تلك القيادات التي لم يكن بحوزتها أية شرعية سوى الشرعية التي منحت لها من المرحوم الرئيس ياسر عرفات.
ولكن هل استطاع هذا السلام بأن يكون بديلا عن السلام مع الشعب الذي واصلتم نهب أراضيه وإيذاء كرامته الوطنية؟؟

وكيف لنا أن نثق بأية نوازع إنسانية سلامية لشعب لا يختار قياداته من أوساط المجتمع الإسرائيلي المدني، بل يختارهم من الجنرالات الملطخة أياديهم بالدماء، ك(أرئيل شارون) مثلا، والذين يرفضون حتى الآن التخلي مطلقاً عن حقهم في امتلاك مصدر عذابنا ومصدر الظلم المتواصل علينا؟

دائما توجد سبل أخرى
ومع ذلك، هناك طريق واحد لوقف نزيف الدم الفلسطيني المسفوك على مداخل المدن، ومن أجل الحيلولة دون أن تسفك الدماء في " شارع ديزنكوف" في تل أبيب، أو " محنيه يهودا " في القدس، ولتأمين علاقات حسن الجوار بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي وتامين الأمن والسلام لهما وتأمين فرص التطور الحضاري أمامهما، وللمحافظة على الاستقرار في الشرق الأوسط وحماية الأمن ومصالح النظام العالمي.

هناك طريق واحد تجاهله المفاوضون منذ مدريد وحتى الآن، وهو المحك لمواقف القيادة الإسرائيلية تجاه المستقبل.
فمن لديه الشجاعة والحكمة والحرص على مستقبل الشعبين في إسرائيل ليعلن بأعلى الصوت:
"إن السلام مرهون
بحق تقرير المصير
للشعب الفلسطيني

من لديه الشجاعة بينكم ليعلن لشعبه في إسرائيل حقيقة أن الانتفاضة الفلسطينية المتنامية ما كان يمكن أن تكون لولا الظلم الذي نلحقه بشعبها وبسياسة المس بكرامته الوطنية؟؟
من لديه الشجاعة في إسرائيل للقول بأن صفحة أوسلو لم تطوى إلا بفعل السياسات الإسرائيلية التي لم تحترم أي اتفاق وقعته مع السلطة الفلسطينية؟
من لديه الشجاعة في إسرائيل للاعتراف بأن الجنرالات والعسكر في إسرائيل، المدعومين من قوى اليمين الفاشي يقامرون بشكل خاص بفرص قبول إسرائيل في العائلة الشرق أوسطية، ويضيعون فرص قبولها في البيئة العربية وبين ظهرانيها؟
من لديه الشجاعة ليعلن لشعبه في إسرائيل بأنه حان الوقت للكف عن تجاهل الشرعة والشرعية الدولية، وأن إسرائيل لن تستطيع العيش إلى الأبد كدولة فوق القانون، وأن القوة والتفوق العسكري لن يدومان على مدى الدهر لا لإسرائيل ولا لغيرها؟؟!

لقد قمت وجيلي بتقييد زماننا الماضي، واعتقلناه، ولم نسمح لهذا الماضي، لذكرياته الجارحة والمؤلمة، بأن تعود وتجرحنا وتكبلنا في إطارها، وحاولنا مخلصين الانتصار عليها كجزء من واجب الحرب على الكراهية، وواجب إزالة كل المصاعب التي تعترض سبل حل الصراع بيننا وبينكم، وهو ما يفعله وأنجزه كل الخيِّرين من أبناء شعبي وفي مقدمتهم المرحوم الرئيس ياسر عرفات.

فمن لديه الشجاعة بينكم ليعلن بأنه لا توجد أسباب وأياً كانت قومية أو أثنية أو طائفية أو أيديولوجية أو دينية أو جنسية أو اجتماعية كافية لتبرير قتل أو إنهاء حياة أي إنسان على وجه البسيطة، أو كافية لتبرير حرمان أي فلسطيني أو إسرائيلي من حقه في الحياة التي وهبها الله لجميع خلقه دون تمييز؟‍.

إنه لا المبادرات العربية ولا الدولية مع الاحترام لأصحابها، ولا اقتراحات تقزيم سقف المطالب الفلسطينية بالعودة إلى أوضاع ما قبل الثامن والعشرين من أيلول 2000، ولا أية أموال أوروبية او عربية قد تنفق هنا أو هناك، على فتح او حماس، ولا أية تنازلات يمكن أن يقدمها فلسطينيون تحت الضغط ، سوف تحل أو تنهي الصراع بين شعبينا، فقد يتحقق بعض الهدوء، ولكن، إلى حين.

الطريق الأقصر والمضمون للسلام

مدوا أيديكم كي يصار قبل البدء بأية مفاوضات إلى
1 – لما كان لكل طرف نظام القيم خاصته، ولكل طرف حاجاته للحاضر الذي يخصه، ولما كان لكل طرف تاريخه وماضيه المتميز.
ولما كنا قد فشلنا في حل صراعاتنا على أساس تلك القيم المتباينة وذاك الماضي الذي قرر الحاضر الدموي، فليكن المستقبل، مستقبل العلاقة بين الشعبين في المنطقة، هو الأرضية لتحديد هدف المفاوضات أو الحوار المتبادل بيننا.
2 – وعليه سيكون مفيدا لهذا المستقبل تصويب هدف المفاوضات كما ورد سابقا في ديباجة إعلان المبادئ في أوسلو، أو ديباجة ما تبعه من اتفاقات.
فبدلا من القول بأن هدف المفاوضات هو تحقيق السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، ينبغي أولا تحقيق الاستقلال للشعب الخاضع للاحتلال، وبحالتنا هو الشعب الفلسطيني وليس الإسرائيلي، إذ يستحيل إقامة السلام بين شعب ومحتليه، وفقط في حالة حصول الشعب الفلسطيني على الاستقلال يمكن محاكمته إذا كان راغبا في السلام أم لا.
3 - الإعلان من قبل القيادتين الفلسطينية والإسرائيلية باعتراف الطرفين المتبادل بالحقوق القومية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمدنية للشعبين في هذه البلاد، والتي أضحت منذ مطلع الأربعينات من القرن المنصرم بلداً ثنائي القومية، وليس حكرا على هذه الجهة دون تلك.
وقد حان الوقت للإدراك بأن لكل طرف من أطراف الصراع من القيم التي هو مستعد للتضحية من أجلها، ولذا فهي لم تعد كافية للاستناد إليها كأرضية أو أساس وحيد للبناء عليها لصالح المستقبل.
4 – إن الشرعة الدولية، والشرعية الدولية، قد ضمنت لجميع الشعوب الحق في تقرير المصير، وأن تقرر بحرية كيانها السياسي، وأن تطور بحرية نظمها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وضمنت حقها التصرف بحرية في مواردها الطبيعية، ولذا سيكون مفيدا لمستقبل الشعبين الارتكاز على الشرعة والشرعية الدولية كأساس لإجراء أية مفاوضات أو حوار من اجل المستقبل.
وبهذه الحالة، لا يجوز النظر أو التعاطي أيضا مع الشرعة والشرعية الدولية من زاوية الماضي أو من زاوية القيم الخاصة، لأن ما هو مقبول إسرائيليا مرفوض فلسطينيا والعكس صحيح أيضا.

إن يد شعبنا ممدودة لكم، لسلام حقيقي وليس لتسوية تفرض بالقوة، لسلام قوي يحميه الشعبان، لسلام ليس بين ضباط او رجال أعمال إسرائيليين ونخبة فلسطينية مستفيدة مما تمنحوه لها من تسهيلات اقتصادية أو في الحركة والتنقل، بل لسلام بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وهو سلام لا يمكن أن يتحقق إلا باعتراف إسرائيل بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وبإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967.

(*) مدير عام مركز الحارس للدراسات والإعلام
[email protected]
www.alhares.org

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  التهدئة: ليست زفة امام موكب العريس شاليط فقط !!!

 ::

  نعم..... إلى هذه الدرجة الحقيقة واضحة لنا ؟

 ::

  ايام على ضفاف قلب الزعيم (الى: صديقي غريب عسقلاني)

 ::

  التنازل لصالح الشعب معيار لصدق الوطنية

 ::

  فيض الذاكرة

 ::

  الحذر واجب .... واليقظة مطلوبة (3)

 ::

  الحذر واجب...... واليقظة مطلوبة (2)

 ::

  الحذر واجب ... واليقظة مطلوبة (1)


 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  قائدة الثورة المصرية.. أسماء محفوظ..محطمة حاجز الخوف

 ::

  العلاج بالروائح العطرية

 ::

  الصحافة ايام زمان

 ::

  الفلافل.. مكونات مختلفة لوجبة متكاملة القيمة الغذائية

 ::

  مساواة المرأة بالرجل في الثرثرة!

 ::

  النباهة والاستحمار



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.