Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

في رحاب التقنية
الباحث المغربي محمد سعيد الريحاني   Friday 09-03 -2007

في رحاب التقنية "يختلف العلم سواء في سعيه نحو غايته أو في مبدئه عن بادئ الرأي اختلافا مطلقا... إن الفكر العلمي يمنعنا من أن نكون آراء تبدو لنا حول قضايا لا نفهمها، ومسائل لم نصغها صياغة واضحة. ينبغي أولا وقبل كل شيء معرفة طرح المسائل، ومهما قيل فإن المسائل في الحياة العلمية لا تطرح نفسها. وهدا الحس بالضبط، حس طرح المسائل والشعور بها، هو الذي يشكل الصفة الأساسية للفكر العلمي الصحيح. فعند هذا الفكر تكون كل معرفة جوابا عن سؤال، ولولا السؤال لما كانت هناك معرفة علمية. فلا شيء من تلقاء ذاته ولا شيء يعطى وكل شيء يبنى ويشيد."

غاستون باشلار
"تكوين العقل العلمي"
1967، ص. 14

أطل الجابي برأسه من نافذة الحافلة على المسافر الذي نزل فجأة إلى الشباك البنكي على الرصيف، قائلا :
- يا سيدي، لدينا خمسين راكبا على مثن الحافلة وهم يصرخون في وجه السائق ويطالبونه باستئناف السفر .
أجابه المسافر على الأرض هو يدخل بطاقته البنكية في شق الشباك الآلي:
- لحظة من فضلك، سيدي. سآخذ نصيبا من المال أنا بأمس الحاجة إليه قبل محطة الوصول النهائي للحافلة. مجرد دقيقة. دقيقة واحدة. الأمر سيتم بمنتهى السرعة. نحن، سيدي، في زمن السرعة، زمن التقنية، زمن خدمة الإنسان.
الجابي، غاضبا :
- يا سيدي، لقد توقفنا عند هذا الرصيف أكتر من اللازم. إن كنت تريد مواصلة السفر معنا فمرحبا. وإن كنت تفضل البقاء هنالك، فاسحب أمتعتك من الصندوق، من فضلك.
المسافر، مهادنا :
- مهلا، سيدي. أنا لدي تذكرتي ثم إنني معكم منذ بداية الرحلة...
الجابي، صارخا:
- حسنا. إذا كانت لديك تذكرة فأقرأ فيها أخطاءك: "من تأخر عن موعد السفر لا تقبل منه شكاية".
ثم أدخل الجابي رأسه وهو يطلب من السائق الانطلاق :
- رول، آلشيفور. رووووول!...
ثم غابت الحافلة تاركة وراءها زوبعة من الدخان والغبار تعتم على وجهة سفر الأمتعة في صندوق الحافلة. حتى حين رسا الغبار، كان الشباك الآلي لا يزال يقرأ شفرة البطاقة ويحاول التعرف على صاحبها ورصيدها...
أزيز الشباك يبشر ببداية العملية الآن.
أخيرا، هاهي الزجاجة الواقية تنجلي عن مفاتيح الأرقام! وهاهي الشاشة ترحب بي بلباقة ظاهرة وتطلب مني إدخال قني الشخصي.
أدخلت قني الشخصي!
أنتظر.
الشباك بدوره ينتظر . نتناظر وننتظر، أنا وإياه.
أخيرا، عاد الأزيز ليوقظ في الاستعداد لتركيب أرقام المبلغ. الأزيز يطول والشاشة مازالت تظهر الترحيب السابق وقني الشخصي والليل يزحف فوقي باتجاه الغرب....
التعب بدأ يدب إلى ركبتَيﹶَ ووركي.
أخيرا، تظهر على الشاشة علبة حوار تطلب مني تركيب المبلغ المراد سحبه من الشباك الأوتوماتيكي. ركبت المبلغ وصادقت عليه بالضغط على زر "موافق" ثم بدأت انتظر.
الشباك، غير مستعجل، ينتظر هو كذلك.
نقف، أنا وإياه، متواجهين، نتناظر وننتظر.
يعود الأزيز مرة أخرى. افرك يدي استعداد لتسلم المبلغ وعد الأوراق المالية . افرك يدي. افركها. يتوقف الأزيز فجأة. تظهر علبة حوار جديدة. اقتربت منها لقراءتها:
" زبوننا العزيز. الشباك غير جاهز مؤقتا. شكرا على تفهمكم."
هل تعطل الشباك حقيقة ؟!
والبطاقة الالكترونية ؟!
هل احتفظ بها، الشباك ؟!
والمبلغ المالي المطلوب؟!
أنا مجرد زائر من مدينة بعيدة، والليل أسدل ستائره على الكون ولن يكون بإمكاني مغادرة الشباك لأي سبب أو غرض. من يدري ؟! فقد يعود الشباك الآلي للعمل في لحظة من فترة غيابي فيخرج بطاقتي والمبلغ المالي. ومن يدري؟! فقد تمتد إليها أصابع طائشة وتسحبها...
اسودت الشاشة بالكامل وانطفأت أزرار الشباك جميعا وانتقل الأزيز من الشباك إلى دماغي.
أحس بالدوار.
طلبت كرسيا من نادل المقهى المجاور. احضره له لي في رمشة عين ووضع لي مائدة اتكئ عليها ثم اقترب مني عارضا خدمة. طلبت قهوة مضغوطة، استعداد للسمر. ومن يدري ؟! قد يعود الشباك للعمل بعد منتصف الليل وعلي ،آنذاك، أن أكون يقظا.
رشفت من قهوتي السوداء. فتحت عيني : المدينة تدور بي، أضواء السيارات تعميني. الصداع، الصداع... أي مدينة هذه ؟ يجب أن أسأل النادل. ناديته:
- نادل !
أوه ! لكني لست راكبا في حافلة أو سيارة. إنني على الأرض. والسؤال عن اسم المدينة قد يجعل مني إنسانا أحمقا في عين النادل وقد يفقدني احترامه...
انحنى النادل على مائدتي بيديه خلف ظهره :
-أمرك، سيدي ؟
حولت الطلبية إلى كوب ماء.
- كوب ماء، من فضلك.
احضر لي الكوب وانصرف.
سأتعرف على اسم المدينة من خلال أرقام تسجيل السيارات.فأرقام التسجيل الغالبة ستكون هي أرقام تسجيل هذه المدينة : السيارات تمرق أمامي يمينا ويسارا بأرقام تسجيل لا تتكرر.واستخلصت أن هذه مدينة عابرة لزوار عابرين وأحسست ثانية بالدوار ولم أصح إلا على صوت النادل وهو يطلب مني الأداء :
-عذرا، سيدي. سنقفل المقهى !
أحسست فجأة أنني سأبقى وحيدا في الظلام، هنا، بجانب الشباك.
فقلت له :
- والشباك ؟
أجاب ، متعجبا :
- الشباك تابع للوكالة البنكية ونحن تابعين في عملنا للمقهى!....
أدركت مدى سذاجة سؤالي. فحيثما كان الجواب بليدا كان السؤال قبله أبلد.
أديت قهوتي ونهضت من مكاني لأفسح له المجال لجمع الكراسي والموائد. وقفت قرب الشباك الآلي ، برجل مسندة على الحائط ويدين متصالبتين على صدري، انتظر انتقال الأزيز من دماغي إلى الشباك.

- "السلام عليكم !"
انتفضت من مكاني وأحسست للتو أنني كنت نائما وقوفا. فرددت التحية بأحسن منها، في ظل إحساسي بالوحدة في ظلام مدينة غريبة. لكن الرجل اقترب مني بكلبه وهراوته، قائلا:
- ابتعد قليلا من هنا، من فضلك!
حكيت له قصتي. حتى إذا ما انتهيت قال :
- ولكن إلى متى ستظل هنا حارسا ثانيا على الشباك ؟
أجبته :
- حتى الثامنة من صباح الغد حين تشرع الوكالة بابها للزبناء فأفاتح مديرها في الأمر. ليس لدي ما اخسره بعد الذي حصل.
تأملني الحارس قليلا تم قال وهو يجر كلبه، مبتعدا :
- إذا لم يكن لديك ما يخسره في الأيام الأربعة المقبلة فلسوف تحصل على حقك...
أيقظتني أعداده ، فقلت له :
- أنا هنا انتظر صباح الغد. لماذا انتظار أربعة أيام؟!
رد الحارس بعدما عبر الشارع واطمأن أنه على الرصيف الآخر :
- غدا سينظم مستخدمو الوكالة وقفة احتجاجية في نفس المكان الذي تقف فيه الآن. وقد تتدخل قوات الأمن بالعصي وتشملك معهم ...
قاطعته محاولا التمسك ببريق أمل هارب :
- إذن، بعد غد...
أجاب الحارس ، ساخرا :
- السبت والأحد يسميهما العالم "عطلة نهاية الأسبوع"!
الدوار يعاودني. النجوم الجوفاء في السماء تحيل الكون كله إلى لوحة لفان غوخ. الدوار في هذه المدينة قانون. الآن فقط أعرف اسم هذه المدينة: "بيرمودا".


[email protected]
http://raihani.free.fr/arabicversion-webmaster-cv.htm
http://raihani.free.fr/My%20Pictures/at_desk.JPG
P.O Box 251, Ksar El Kebir 92150/ Morocco


 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  ثَوْرَةُ اللّوتس" وَرحيل آخر الفراعنة

 ::

  "ثَوْرَةُ البُوفْرَيْحِيّين"

 ::

  إرادة الحرية في القصة المغربية الجديدة .. قراءة عاشقة لنصوص "أنطولوجيا الحرية"

 ::

  من "غرنيكا" إلى "غزة"

 ::

  "انتصار غرنيكا"، في يوم انتصار غزة

 ::

  "بَطْرِيقْ أَبَادْ"، عاصمة "بَطْنِسْتَانْ"

 ::

  حذاء خاص بوجوه العظماء

 ::

  حوار مع القاص والروائي المغربي محمد عز الدين التازي

 ::

  عن المطالبة بإلغاء نتائج "الانتقاء" القبلي الأساتذة المترشحين لتدريس أبناء الجالية المغربية بأوروبا الغربية لموسم 2008


 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  قائدة الثورة المصرية.. أسماء محفوظ..محطمة حاجز الخوف

 ::

  العلاج بالروائح العطرية

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  الصحافة ايام زمان

 ::

  الفلافل.. مكونات مختلفة لوجبة متكاملة القيمة الغذائية

 ::

  مساواة المرأة بالرجل في الثرثرة!

 ::

  النباهة والاستحمار



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.