Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

 

حكم السندات         الانسان ؟؟؟         الإحصاء فى القرآن         السجن فى القرآن         من أمراض العصر .. الإسراف والتّبذير         الآلهة المزعومة فى القرآن         الخطبة الموحدة للمساجد تأميم للفكر والإبداع         الإسلام مُتهم عند الأخوان لذلك يسعون لتحسين صورته         جريمة ازدراء الأديان         نسمات رمضانية        

:: مقالات  :: فكـر

 
 

أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟(2)
د.إبراهيم عوض   Tuesday 06-03 -2007

2- ولادة محمد والمسيح:
* يعرف الجميع أن أبا محمد هو عبد الله، وأمه هي آمنة. فكان محمد إنسانًا حقًّا من والد معروف وأم محترمة. لم يذكر القرآن ولا يقول علماء الإسلام إن محمدًا وُلِد بطريقة غير طبيعية، فلم تخلقه بشارة ملاك، ولا وُلِد من كلمة الله، بل وُلد بطريقة طبيعية مثل باقي الناس من أبيه عبد الله وأمه آمنة. ويخبرنا القرآن مرارًا أن المسيح لم يولد بطريقة طبيعية كسائر البشر، ولم يكن أبوه بشرًا، فوُلِد من مريم العذراء بدون تدخّل أي رجل لأن الله نفخ من روحه فيها. فالمسيح هو الإنسان الوحيد الذي وُلِد من روح الله- سورة النساء 4:171، وسورة الأنبياء 21:91، وسورة التحريم 66:12. ليس المسيح إذن إنسانًا عاديًا بل روح إلهي وبنفس الوقت جسد عادي، إذ وُلد من روح الله ومن مريم العذراء. لم يولد محمد من روح الله، إنما وُلِد من أب حق وأم حقة، فهو جسد عادي فقط لا روح إلهي.
** فأما أن محمدا قد وُلِد من أب وأم معروفين ومحترمين فهذا مما لا يخالف فيه أحد، وإن كان قد ظهر بين الحمقى الموتورين من المبشرين الأقباط فى الفترة الأخيرة من يستبله ويشكك فى هذا كتشكيكهم فى كل ما هو ثابت فى الإسلام لم يكن موضع شك أو جدال يوما من الأيام، لكنها الخطط التبشيرية الخبيثة ودعاياتها الفِجّة التى يظن أصحابها أنها يمكن أن توصلهم إلى شىء بعدما ذاقوا مرارة عجزهم عن أن ينالوا من المسلمين منالا، فكان لا بد لهم من اللجوء إلى الكذب، كالقمص المنكوح، الذى يأتى فى برنامجه ببعض المعاتيه من شبان النصارى ممن لا يحسنون شيئا سوى طَرْقه ودَقّه ويسمى كلا منهم بــ"الأخ محمد"، وكأن كل مسلم اسمه "محمد"، وكأن المبشرين النصارى يتركون أى متنصر على اسمه القديم، فضلا عن أن يكون هذا الاسم هو "محمدا"، الذى لا يوجد فى الدنيا كلها اسم يسبب لهم هرشا فى الجلد وانتفاخا فى القولون وصداعا فى الرأس مثله! كما يلجأ القمص المنكوح ذو الدبر المقروح إلى رفع "دائرة المعارف الإسلامية" الاستشراقية التبشيرية بيده فى وجه المشاهدين كلما ظهر فى برنامجه قائلا: انظروا! أنا لا آتى بشىء من عندى، بل أستقى كلامى من الموسوعة الإسلامية، موهما الجهلة الذين ليس عندهم نبأ من الأمر أن تلك الموسوعة إنما كتبها مسلمون لا يهود ونصارى وملاحدة غربيون يكرهون محمدا ودين محمد كراهية العمى، بل كراهية الموت. وهو أسلوب لا يليق بمن يزعم أنه يتكلم باسم الله ويدعو الناس إلى الصراط المستقيم، على حين أن صراطه كله التواء وخبث وكيد شيطانى، وإن كان مفضوحا لدى كل من لديه ذرة من العلم بتلك الأمور. لكن مؤلف الكتاب الذى بين أيدينا لا ينتهج منهاج القمص المنكوح وأضرابه وضاربيه وطارقيه، بل يقف عند حدود الأدب، أو على الأقل: حدود المجاملة، وهو ما نشكره له ونبادله بمثلها كلما وجب ذلك ولم يتعارض مع أى من اعتقادات ديننا أو مبادئه، فشكرا له على هذا وعلى كل ما قاله فى الكتاب، وهو غير قليل، أيا ما كان باعثه على ذلك، أى سواء قاله من قلبه وضميره أو كان الدافع له هو مجرد المجاملة كما قلت، ومنه أن محمدا نبى كريم، وأن دينه دين عظيم وما إلى ذلك، مما نعيد شكره عليه محاولين أن نرد بنفس الأسلوب ما أمكن، وهو ما يدل على أننا لا ننتهج نفس الطريقة مع جميع المجادلين من أتباع الديانات الأخرى، بل نميز بين مجادلٍ مهذَّبٍ، فهذا نحافظ على مشاعره، وخنزيرٍ نجسٍ دنسٍ حقير، فهذا ليس له عندنا إلا الحذاء القديم لرقعه به على استه المنتنة كذلك القمص المنكوح، ذى الدبر المقروح، الذى منه النتانة تفوح.
وأما أن محمدا لم يولد بطريقة غير طبيعية فهذا صحيح، إذ وُلِد كما يولد سائر البشر من أب وأم بشريين، وإن كان هناك من علماء المسلمين من أحاط مولده صلى الله عليه وسلم بطائفة من الأعاجيب كالبشارة التى تلقتها أمه وهى نائمة بأنها بسبيل ولادة طفل لا نظير له، وكتصدع إيوان كسرى وانبلاج نورٍ أضاء ما بين الشام ومكة، وغير ذلك من المعجزات التى لا يصدّق بها إلا بعض علماء المسلمين لا كلهم، وبخاصة أن القرآن لم يذكر شيئا من هذا ولا السنة النبوية الصحيحة. وهو مما يُحْسَب للإسلام ونبيه، الذى لو كان نبيا زائفا كما يتهمه الحَقَدة من مروِّجى الأكاذيب لزعم المزاعمَ حول ميلاده وشخصيته، لكنه لم يفعل، لسبب بسيط: هو أنه ليس مؤلف الدين، بل مجرد رسول نزل عليه القرآن فبلّغه كما هو للعالمين دون زيادة أو نقصان أو تحريف.
وأما أنه عليه السلام لم يُولَد بكلمة الله فهذا ما لا نواقق عليه بطل القصة المخترعة، إذ ما من شىء فى الدنيا إلا وقد أتى إلى الوجود بكلمة الله: "كن، فيكون". قال عز شأنه: "إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له: كن، فيكون"، "إنما أَمْرُنا لشىء إذا أردناه أن نقول له: كن، فيكون". كما نص القرآن على أن مولد عيسى، وإن اختلف قليلا عن الوضع الطبيعى لتوفر الأم فيه دون الأب، فهو لا يختلف عن ميلاد آدم من حيث إن كليهما تم بكلمة الله: "كن فيكون": "إن مَثَل عيسى عند الله كمَثَل آدم. خلقه من ترابٍ ثم قال له: كن، فيكون". بل إن أمر آدم أعجب وأدعى إلى الدهشة بالنسبة لنا نحن الذين تعودنا على أن نرى المواليد يأتون من جراء اللقاء الجنسى بين رجل وامرأة، لا من تراب، وهو يزيد بما لا يقاس عن ميلاد المسيح من مريم فقط عليها السلام مما يفسره اليهود الملاعين بأنه ثمرة الخطيئة بين الأم ورجل من البشر يقولون تارة إنه يوسف النجار، وتارة إنه جندى رومانى، وهو ما يرفضه المسلمون تماما ويعدون القول به كفرا بواحا لا ريب فى ذلك. ووجه الإيغال فى العجب والدهشة فى أمر آدم أنه خُلِق من تراب، لا من أب وأم ولا من أم فحسب، بل من تراب. وهو أدعى إلى العجب والدهشة من أمر ميلاد المسيح كما هو واضح وضوح الشمس.
وأما قوله إن "القرآن يخبرنا مرارًا أن المسيح لم يولد بطريقة طبيعية كسائر البشر، ولم يكن أبوه بشرًا، فوُلِد من مريم العذراء بدون تدخّل أي رجل لأن الله نفخ من روحه فيها. فالمسيح هو الإنسان الوحيد الذي وُلد من روح الله: سورة النساء/ 171، وسورة الأنبياء/ 91، وسورة التحريم/ 12" ففيه، وفيه: فالمسيح فعلا لم يولد بالطريقة الاعتيادية التى يولد بها سائر البشر من بعد آدم وحواء، لكن القرآن لم يقل إنه لم يولد من أب بشرى بما يومئ إليه هذا الكلام من مغزى، بل الذى فيه أنه لم يولد من أب بشرى أو غير بشرى، وإلا فليدلنا أىٌّ كان على أى نص فى كتاب الله يقول إن عيسى قد ولد من أب غير بشرى. القرآن واضح الدلالة فى أن عيسى هو ابن مريم فقط، ولهذا سُمِّىَ كثيرا فى القرآن بـــ"عيسى بن مريم" أو "المسيح عيسى بن مريم"، وهو ما ليس له من معنى إلا أنه ابن امرأة فحسب، ولا أب له على الإطلاق لا بشرى ولا غير بشرى. وأى قول بأنه هو ابن الله كما يُلْمِح الواعظ هنا من طَرْفٍ خَفِىٍّ هو كفر وشرك صراح لا جدال فى ذلك. وهذه النقطة هى أحد الفروق الجوهرية بين الإسلام والنصرانية، ولكل إنسان أن يؤمن بما يريد لا مشاحّة لأحد سواه فى ذلك، لكن هذا شىء، والتلميح بأن القرآن يقول ببنوة المسيح عليه السلام لله شىء آخر مختلف تمام الاختلاف، ولا يتماشى مع عقيدة الإسلام ولا نصوص القرآن والسنة فى قليل أو كثير. وأى محاولة للتضليل فى هذا السياق هى محاولة مقضىٌّ عليها بالفشل ولا تجدى صاحبها فتيلا، فلا داعى لها إذن. المسيح فى الإسلام هو عبد الله ورسوله لا غير، مثله مثل نوح وإبراهيم وموسى وزكريا ويحيى وعيسى وهود وصالح وشعيب لا أكثر ولا أقل، مع اختلاف الدرجات من رسول إلى آخر، وزعيمهم كلهم هو محمد عليه السلام، إذ هو رسول للعالمين جميعا وخاتم النبيين والمرسلين، كما أنه لم يكن رسولا فقط، بل وضع مبادئه موضع التطبيق، فكان رئيس دولة وقاضيها، وكذلك قائدها العسكرى فى معظم الأحيان.
ويبقى قوله إن المسيح هو الإنسان الوحيد الذى وُلِد من روح الله، وهذا أيضا قول لم يقل به القرآن المجيد، بل قال إن البشر جميعا قد نُفِخ فيهم من روح الله، إذ جاء فى سورة "السجدة": "ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (9)"، وفى سورة "الحجر": "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)"، وفى سورة "ص": "إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)". بل جاء أيضا فى القرآن قوله تعالى إن الله سبحانه قد أوحى إلى محمد روحا من أمره: "وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)". فهل بعد هذا يمكن المجادلة بأن عيسى هو الوحيد الذى وُلِد من روح الله؟ لا إخال هذا ممكنا أبدا! وعلى ذلك فقول الواعظ فى آخر الفقرة السابقة: "ليس المسيح إذن إنسانًا عاديًّا بل روح إلهي، وبنفس الوقت جسد عادي، إذ وُلد من روح الله ومن مريم العذراء. لم يولد محمد من روح الله إنما وُلِد من أب حق وأم حقة، فهو جسد عادي فقط لا روح إلهي" هو كلام لا يمكن التسليم به لأنه تَقَوُّلٌ على الله والقرآن بغير حق كما رأينا معا. كذلك فقوله إن المسيح عليه السلام، حسبما جاء فى القرآن، روح الله، هو كلام خاطئ تماما، فالقرآن يقول إن الله نفخ فى مريم من روحه، ولم يقل إن عيسى هو روح الله، مثلما قال إن الله نفخ فى الطين من روحه فكان الإنسان الذى هو آدم وحواء وأولاد آدم وحواء إلى يوم يبعثون. لو أنه قال إنه وقومه يؤمنون بهذا فلا تثريب عليه، إذ هو حر فى اعتقاده رغم أننا نراه مخطئا فى هذا الاعتقاد. كما أنه قد أخطأ فى نسبة هذا الاعتقاد إلى القرآن، ولن نقول إنه "كَذَبَ" فى ذلك، جريًا على ما قلناه قبل قليل من أننا سوف نتمسك بأهداب المجاملة إلى أقصى حد ما دمنا لن نخرج على مقتضيات إيماننا بالله وبرسوله وكتابه المجيد.
3- الوعود الإلهية عن محمد والمسيح:
* نقرأ في القرآن بخصوص المسيح أن الله بشرّ مريم العذراء أنه سيُولَد المسيح منها. فالقرآن يقول: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ -سورة آل عمران 45. فالقدوس نفسه منح لمريم البشرى السارّة عن ولادة المسيح وسمّاه: كلمة منه. لقد استمع كل الأنبياء الصالحين إلى كلمة الله ونقلوها بإخلاص مهما كلّفهم الأمر. أما المسيح فلم يسمع الوحي، بل هو كلمة الله المتجسّد. وحلّ فيه سلطان الكلمة الإلهية بقوتها الخالقة الشافعة الغافرة المعزّية والمجدّدة. فلأجل ذلك أعلن الله مسبقًا ولادة المسيح لمريم العذراء شخصيًّا مؤكدًا لها الأعجوبة العظمى. لم نقرأ في القرآن عن محمد أنه كلمة الله المتجسد، إنما نقرأ أنه تلقى الوحي ونقله إلى مستمعيه. ولم يبشر الله أمه آمنة بشارة خاصة، ولم ينفخ روحه فيها، أما مريم العذراء فواجهها الملاك جبرائيل المرسل من الله فقبلت منه روح القدس. وأصبحت المختارة بين النساء كقول القرآن: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ- سورة آل عمران 42. وقد ورد اسمها في القرآن 34 مرة، بينما لم يرد اسم أم محمد ولو مرة واحدة.
** لا خلاف على ما قاله الواعظ عن تبشير الملائكة مريم بولادة المسيح، إذ الواعظ لم يزد على أن نقل ما نقرؤه فى القرآن عنه عليه السلام، ولذلك لن نقف أمامه، بل سننتقل لما قاله الواعظ بعده من أن عيسى هو كلمة الله المتجسد، وهو ما لا وجود لشىء منه فى القرآن البتة. ولو كان هذا كلامًا يعبر به الواعظ عن اعتقاده فى السيد المسيح لكان حُرًّا فيه، أما أن ينسب ذلك للقرآن فلا بد أن نقف ونوقفه قائلين له إنه قد أخطأ خطأ فاحشا، إذ ليس فى القرآن فى أى موضع منه أن عيسى عليه السلام هو كلمة الله المتجسد، فالله فى الإسلام يستحيل أن يتجسد لأنه ليس كمثله شىء، ومعروف أن هناك أشياء متجسدة لا تقع تحت الحصر والإحصاء، ومن ثم فالله لا يشبهها ولا يتجسد تجسدها. كما أنه سبحانه هو الأول، فلا شىء قبله، والآخِر، فلا شىء بعده، أما الأشياء المتجسدة فلها بداية ونهاية، ووجودها محدود، وليست أول شىء ولا آخره. كما أن قوله إن عيسى (طبقا لما ورد فى القرآن) لم ينزل عليه وحى هو قول خاطئ لا أدرى من أين أتى به، ففى سورة "النساء" يطالعنا قوله عز وجل: "إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163)". وفى هذا النص نقرأ أن الله قد أوحى إلى عيسى كما أوحى إلى محمد وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وأيوب ... إلخ. ومثله قوله عز شأنه من سورة "المائدة": "وَقَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآَتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46)"، فــ"إيتاء" الله عيسى الإنجيل هو هو نفسه "إيحاؤه" إياه إليه. أما لو قال واعظنا إن هذا هو اعتقاده لخَرَجَ بذلك من العهدة وأراحنا وأراح نفسه، أما أن يعزو شيئا إلى القرآن ليس فى القرآن فدون ذلك خَرْط القَتَاد كما كان العرب يقولون. ومثل ذلك قوله جلت قدرته: "وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ" (البقرة/ 87)، "إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ" (المائدة/ 110)، فالله أرسل روح القدس لتأييد عيسى عليه السلام، وهو ما يشبه قوله سبحانه فى سورة "النحل" وسورة "الشعراء" على التوالى عن القرآن الذى أنزله سبحانه على محمد عليه الصلاة والسلام: "فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)"، "وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194)". ولا شك أن تخصيص القرآن سورة كاملة فيه لمريم عليها السلام وعدم تخصيص مثلها لأم الرسول الكريم ولا لأحد من زوجاته إنما هو برهان لا يُصَدّ ولا يُرَدّ على أنه رسول الله حقًّا وصدقًا من رب العالمين، وإلا لتحول الأمر عنده إلى منافسة شرسة فغطَّى على ذِكْر مريم وصَنَع بدلا منه شهرةً لنسائه وأمه. فيا لعظمة النبى الكريم!
وعلى ذلك فكل ما رتبه الواعظ على هذا هو عندنا مرفوض رفضا باتا جملة وتفصيلا، فسلطان الله وقدرته وقوته الخالقة لم تحلّ فى عيسى قط، وما كان لها أن تحل، لأنه عليه السلام فى القرآن ليس أكثر من عبد ورسول. أما إذا كان قد أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى فإننا لا نشاحّ فى هذا، لكن القرآن واضح فى ذلك تمام الوضوح ولم يتركه مائعا، إذ قال إنه إنما كان يصنع من ذلك ما يصنع بإذن الله لا بإذنه، كما أكد القرآن أنه عليه السلام لا يملك لنفسه ولأحد غيره من الأمر شيئا. ثم إن غيره من الأنبياء صنع معجزات مثلما صنع. بل إن العلى الجبار سوف يوقفه أمامه يوم الحساب ويسأله كما يسأل عباده جميعا، وسوف يتنصل ساعتها من الخطيئة العظمى التى اجترحها بعض البشر حين نَسُوا أو تناسَوْا أنه عبد واتخذوه إلها. جاء فى سورة "المائدة": "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)"، "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77)"، "وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)". وفى سورة "مريم" وسورة "الزخرف" نقرأ تباعا: "قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)"، "وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64)".


[email protected] yahoo.com
http://ibrawa. coconia.net


 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  إسماعيل أدهم، ذلك المغرور المنتحر!وقفة مع كتابه: "لماذا أنا ملحد؟"

 ::

  مع جعِيط وزعِيط ومعِيط ونطّاط الحِيط! ج2

 ::

  مع جعِيط وزعِيط ومعِيط ونطّاط الحِيط! ج1

 ::

  المستشرقون الجدد: دانيال بايبس وبقية أفراد العصابة 2/2

 ::

  المستشرقون الجدد: دانيال بايبس وبقية أفراد العصابة 1/2

 ::

  سُورة الحَفْد وسُورة الخَلْع: هل هما فعلا قرآن؟

 ::

  أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟(1)

 ::

  الإسلاموفوبيا: هل هى خرافة حقا؟

 ::

  خطاب بوش التهديدى فـى 20/ 9/ 2001


 ::

  التحديات التنموية في اليمن

 ::

  الإخوان المسلمون وعلاقتهم بفلسطين

 ::

  افساد شياطين الأنس في الارض

 ::

  علينا ان نعلم ان نواة الحضارة الانسانية بدأت من بلاد الرافدين

 ::

  الفيلم الجزائري" كارتوش غولواز" إهانة للجزائرين؟

 ::

  تحول 'عالمي' ضد عقوبة الإعدام

 ::

  لماذا حرّم السدلان والعبيكان المقاطعة الشعبية؟

 ::

  آنَ أن يُطلَقَ العنان للصّهيل

 ::

  مقيمون غير شرعيين في منازلهم

 ::

  هم الأكثرية والإساءة للإبداع المغربي



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.