Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

تاريخ القراءة
عباس عبد   Saturday 24-02 -2007

كتاب آخر عن القراءة لقارئ حقيقي هو البرتو مانغويل، تعرفنا عليه ـ في العربية ـ في كتابه السابق «تاريخ القراءة»، ويواصل فيه وصف علاقة العشق التي تربطه بالكتاب، خلال رحلة بين الكتب الأثيرة، نطالع فيها «تأملات قارئ شغوف في عام من القراءة»، وهذا هو العنوان الفرعي الذي يحمله الكتاب.

كتب قرأها حين كان يافعا، فقرر اعادة قراءتها خلال عام واحد، اثنتا عشرة رواية من الروايات المفضلة، واحدة في كل شهر. لم تكن كل هذه الكتب من الأعمال الأدبية الهامة، لكنه اختارها لأنها منحته ، في قراءاته الأولى، متعة فريدة وارتبطت بتجربته الشخصية، وأغلبها من الأعمال الكلاسيكية، من تلك الكتب التي عادة ما تسمع الناس يقولون انهم يعيدون قراءتها، ولا تسمعهم يقولون انهم يقرأونها، حسب تعبير كالفينو.

يبدأ مانغويل «يوميات القراءة» في شهر حزيران عام 2002، في طريقه الى مسقط رأسه بوينس ايرس، مع مواطنه الروائي الأرجنتيني ادولفو بيوي كاسارس وينهيها في ايار من السنة التالية مع ماشادو دي اسيس. ومثل ريلكه ـ الذي يتحدث عنه كقارئ في «تاريخ القراءة» ـ فإنه يرى النص «كمكان اسقاطي لمشاعرنا الشخصية وكلعبة لظلال انفسنا»، فهو حين يسجل انطباعاته الشخصية على الكتب التي يعيد قراءتها فإنه يرى فيها «انعكاسا للفوضى السوداوية» التي تسود عالمنا، كما في الانهيار الاقتصادي في الأرجنتين عام 2001 والحرب في العراق عام 2003 . وهو اذ يسافر الى مدن مختلفة خلال العام، فإنه يدون افكاره عن القراءة وعن المكان الذي يقرأ فيه ساعيا لإيجاد رابط لقراءاته هذه مع الحياة اليومية، حيث شاء لكتابه ان يكون، كما يورد في المقدمة، هجينا من المذكرات الشخصية والكتاب العادي. يقودنا مانغويل في «يوميات القراءة» في رحلة اكتشاف الى المدن التي يسافر اليها حاملا معه كتابه الأثيرين: كبلنغ وغوته وسرفانتس وبوتزاتي ، راويا الذكريات التي تستدعيها كتبهم ، وعلاقته مع الكتب التي تضمها مكتبته، الذي يسكنه دائما هاجس العودة اليها والى بيته في فرنسا خلال تطوافه. نتعرف على شخصياته الأدبية الأثيرة، وعلى روايات الخيال العلمي والروايات البوليسية التي بدأ بها قراءاته في الطفولة.

في هذا الكتاب يتحدث مانغويل عن الحنين لتلك القراءة العذرية، أو كما يدعوها «القراءة الساذجة»، الحنين لقراءاتنا الأولى، حيث كنا نجهل ما سنقرأ لاحقا، لهذا فهو لا يروي لنا حبكة الروايات التي يقرأها، كي لا يفسدعلينا «متعة الجهل».

وهنا فصل من الكتاب: هناك كتب نتصفحها بمتعة ناسين الصفحة التي قرأناها ما أن ننتقل الى الصفحة التالية. اخرى نقرأها بخشوع دون ان نجرؤ على الموافقة او الاعتراض على محتواها. وأخرى لا تعطي سوى معلومات ولا تقبل التعليق. وهناك كتب نحبها بحنان ولوقت طويل، لهذا نردد كل كلمة فيها لأننا نعرفها عن ظهر قلب.القراءة عبارة عن محادثة. مثلما يبتلى المجانين بحوار وهمي يتردد صداه في مكان ما من اذهانهم، لأن القراء يتورطون ايضاً بحوار مشابه يستفزهم بصمت من خلال الكلمات التي على الصفحة. في الغالب لا يدون القارئ ردود افعاله، لكن احياناً تنتاب قارئ ما رغبة بإمساك القلم والتواصل مع هذا الحوار بكتابة الهوامش على النص. هذا التعليق، هذه الهوامش، هذه الكتابة الظل التي ترافق احياناً كتبنا الاثيرة توسع من النص وتنقله الى زمن آخر، تجعل من القراءة تجربة مختلفة وتضفي واقعية على الاوهام التي يخبرنا بها الكتاب ويريدنا (نحن قراءه) ان نعيشها. قبل سنتين مضت، وبعد بلوغي الثالثة والخمسين قررت ان اعيد قراءة بعض من كتبي القديمة المفضلة. وقد دهشت مرة اخرى، حيث الاحظ كيف تبدو هذه العوالم المتراكمة والمعقدة من الماضي انعكاساً للفوضى السوداوية التي يحياها عالمنا الحاضر. قد يلقي مقطع في رواية فجأة الضوء على مقالة في صحيفة يومية، ومشهد معين يمكن له ان يستعيد حادثة شبه منسية، وكلمات قليلة يمكن لها ان تحث على تأملات طويلة. لهذا قررت ان اسجل مثل هذه الملاحظات. خطر لي حينها بأن اعيد قراءة كتاب واحد في كل شهر، ربما بعد سنة اكون قد اكملت شيئاً هو هجين من المذكرات الشخصية والكتاب العادي: مؤلف يشتمل على ملاحظات وتأملات وأدب رحلات، وصور وصفية لأصدقاء ولأحداث عامة وشخصية مستلهمة كلها من قراءاتي. لقد وضعت قائمة بالكتب التي اخترتها. بدا لي من المهم، ومن اجل التوازن، ان يكون هناك قليلاً من التنوع من كل شيء (وبما اني قارئ انتقائي، لأن هذا الامر لم يكن صعباً).

القراءة هي فعل مريح، منعزل، هادئ وحسّي. سابقاً تقاسمت الكتابة بعض هذه الميزات، لكنها في الوقت الحاضر اكتسبت شيئاً من صفات المهنة القديمة للبائع المتجول او ممثل الفرجة، فالكتّاب يدعون من أمكنة بعيدة لتمضية ليلة عابرة، وبدلاً من ان يبيعوا مجلدات دائرة المعارف فإنهم يطرون على فضائل كتبهم الخاصة. بدافع هذه الواجبات بالأساس، وجدتني اسافر الى مدن مختلفة، لكني كنت دائماً مسكوناً برغبة العودة الى منزلي في القرية الفرنسية الصغيرة حيث هناك كتبي وعملي.

يفترض علماء الطبيعة بأن الكون قبل نشوئه كان في حالة طاقة كامنة، حيث الزمان والمكان لا وجود لهما ـ "«في ضباب الامكانية»، كما يحلو لمعلق ما ان يدعوها ـ الى ان حدث الانفجار العظيم. هذا الوجود الكامن لا يجب ان يفاجئ القارئ، الذي يكون كل كتاب بالنسبة اليه كائناً في حالة من الغموض حتى تبادر اليد الى فتحه والعين الى مطالعته وتوقظ الحياة في الكلمات. الصفحات القادمة هي محاولتي لتسجيل مثل هذه الايقاظات.

2002ـ حزيران ـ السبت

لم يمض على اقامتنا في فرنسا سوى اكثر من عام بقليل. والان علي ان اسافر الى بوينس ايرس لزيارة عائلتي هناك. ليس بي رغبة للذهاب، اريد ان اتمتع بفصل الصيف في القرية وفي حديقتي وفي البيت الذي يظل بارداً في موسم الحر بفضل جدرانه السميكة القديمة. اريد ان انضد كتبي في رفوفها التي بنيناها حديثاً. ارغب ان اجلس في غرفتي كي اعمل.

في الطائرة تناولت نسخة من كتاب ادولفو بيوي كاسارس «اكتشاف موريل»، حكاية رجل ينزل في جزيرة يكتشف انها مسكونة بالاشباح. كتاب قرأته للمرة الاولى منذ ثلاثين او خمسة وثلاثين عاما.

هذه هي زيارتي الاولى لبوينس ايرس منذ أزمة كانون الاول عام 2001، حينما تم فك عملة البيزو عن الدولار، الامر الذي ادى الى انهيار الاقتصاد وافلاس آلاف الناس. في وسط المدينة لا يبدو للعيان ما يشير الى الكارثة سوى في حشود الكارتونيروس ـ رجال ونساء واطفال يملأون الشوارع، قبل هبوط الليل، هاربين من الجوع في جمع القمامة من ارصفة الشوارع ـ. ربما اغلب الازمات الاقتصادية لا تكون دائماً واضحة للعيان اذ ليس هناك من مشاهد تثير الشفقة تساعدنا على ان نرى الخراب. معظم المحلات مغلقة، ويبدو الناس منهكين، والاسعار تجاوزت الحدود، لكن على العموم تأخذ الحياة مسارها فالمطاعم ممتلئة، ولا تزال المحلات تكدس في مخازنها البضائع المستوردة الغالية. مع هذا سمعت مصادفة امرأة تشكو قائلة: «لا استطيع العثور على اسيتو بالساميكو في اي مكان»، والمدينة تبقى صاخبة الى ما بعد منتصف الليل. لا يمكنني ان ارى بعين سائح، في مدينة كانت في يوم مدينتي، تكاثر احياء الصفيح ولا المستشفيات التي تفتقر الى التجهيزات الطبية، ولا الافلاس، ولا الطبقة الوسطى وهي تنضم الى جموع الفقراء الواقفين بالدور للحصول على حساء الدجاج.

اراد اخي ان يشتري لي تسجيلاً جديداً لترنيمة باخ. وقفنا عند خمس آلات لصرف النقود قبل ان نعثر على واحدة منّت علينا ببضع ورقات. سألته ماذا سيحدث لو لم تكن هناك من آلة قادرة على الصرف، اجابني بأن هناك دائماً واحدة لديها ثقة سحرية بالناس.

تبدأ «اكتشاف موريل» بعبارة، اصبحت الآن مشهورة في الادب الارجنتيني: «اليوم، وعلى هذه الجزيرة، حدثت معجزة». يبدو ان المعجزات في الارجنتين اصبحت ظاهرة يومية. راوي بيوي كاسارس: «هذه ليست هلوسات او اوهاماً: أناس حقيقيون فحسب، على الاقل حقيقيون مثلي انا»،حسب بيكاسو، لأن كل شيء كان معجزة، وهذه كانت معجزة لم يتمكن المرء من حلها في حمامه.



عن الشرق الاوسط

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  المَـرَح والصـحَّة النَّفسـيَّة

 ::

  نيجيريا والفرصة الضائعة

 ::

  الإسلام المعاصر وتحديات الواقع

 ::

  الحكم في بلاد الأعراب .. عار

 ::

  الاحتلال الإسرائيلي وما تبقى من حارة المغاربة

 ::

  انحسار التعدد الثقافي أمام الوطنية الأميركية

 ::

  أحكام أديان الكفر فى القرآن

 ::

  نتنياهو اولمرت موفاز وصراعات الحكم

 ::

  الحروف لاتعرف معنى للرصاص

 ::

  المعارض الليبي إبراهيم عميش: ما يحدث في ليبيا حرب إبادة.. وعلى القذافي أن يرحل



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.