Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

بلاغة التسامح
الاستاذ فؤاد نصر الله   Saturday 17-02 -2007

بلاغة التسامح تشهد المنطقة العربية هذه الأيام موجة محمومة من تأجيج الصراع بين المذاهب الدينية والطوائف المختلفة ، وفيما يرى العقلاء أنها محاولات مكشوفة من قبل العدو التاريخي وجبهة الصهاينة ومن يحالفهم لتفكيك الجبهة الداخلية وضربها بأسهل الطرق ، يرتفع الغبار في الأجواء الشرق أوسطية ـ بتعبيرهم الماكرـ وتختفي معه نبرة التعقل والاتزان والموضوعية لدى عدد لا يستهان به من القيادات السياسية والدينية هنا وهناك.
وخطورة الأمر تتبلور في أن نظرية " فرق تسد " التي جربها الاستعمار في الماضي مرشحة هذه الأيام لتلعب الدور نفسه ، فهناك صرخات تعلو لتعميق الخلافات الشكلية ، وثمة توترات بسيطة يتم الإعلاء من شأنها في ظل إعلام تابع لا ينفك ينقل عن الشرق والغرب دون فحص أو تمحيص أو مراجعة .
لقد عاش السنة والشيعة في العديد من البلدان العربية يجمعهم حلم واحد هو الارتقاء بالإنسان المسلم ، والتكاتف من أجل الارتقاء بالأمة ، والنهوض بها لتكون في مصاف الكيانات العظمى ، وهي بحق تستحق هذه المنزلة العالية التي تعمل من أجلها .
لقد اكتشف أعداء الأمة الإسلامية أنه يمكنهم أن ينفذوا مخططاتهم الدنيئة دون أن يطلقوا رصاصة واحدة ، ومن غيرأن تراق دماؤهم في المعارك الحربية والغزوات العدوانية ، فتحالفوا مع دعاة الفتنة واحتالوا على البسطاء الذين لا يوجد لديهم وعي بحقيقة الأمر ، وتمكنوا من التغلغل داخل عقولهم ليسهل عليهم بعد ذلك إحداث الفتنة وتعميق الخلافات ، ومن ثم اشتداد الصراع وتحويله من خلاف فكري ممكن إلى حرب مستعرة لاهوادة فيها .
إن ما يجري من حولنا في هذه الدولة أو تلك ليؤكد من جديد أن المستعمرين الجدد ، وفلول الصهاينة ، والمغامرين بتاريخ البلدان العريقة يتأهبون لإشعال النار في المنطقة ضمن مخطط خسيس يهدف إلى تمزيق الشمل وتفتيت الكيان ، وبالتالي يسهل عليهم احتواء الدويلات التي يحلمون بنشأتها على امتداد الخريطة العربية.
صحيح أن هناك من يستجيب لتلك المخططات بشيء من العصبية وعدم التقدير الصحيح للمسألة ، ولكنني أعتقد إعتقادا جازما أن المخلصين للأمة ، ولتاريخها المجيد يعرفون أن صمام الأمان الوحيد الذي يمكنه أن يحفظ الأمن والأمان في المنطقة هو في التكاتف الحقيقي والتلاحم الفعال بين أبناء الأمة مهما كانت مذاهبهم الدينية ، أو مرجعيتهم الفكرية ، او اجتهاداتهم الفقهية ؛ وحسبنا أن نذكر أن رسالة الإسلام السامية قد نجحت لأنها انبعثت من شبه الجزيرة العربية لتؤسس لمعنى التآخي والتراحم والتضامن وحسن المعاملة ، كما أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يدرك الرسول الكريم محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ بثاقب بصيرته أن تأليف القلوب ، وتقريب النفوس ، مقدم عما عداه من أمور دنيوية ، ولذلك كان الصلح بين الطوائف المتنازعة مثل الأوس والخزرج ، وحين صارت الأمة لحمة واحدة شديدة التماسك أمكنها أن تقهر كل الظروف القاسية لتتخطى حدود الجغرافيا ، ولتطوي صحف التاريخ ، وليشرق نور الإسلام بالحق والعدل والرحمة في مشارق الأرض ومغاربها.
لا يمكننا أن نخفي أن هناك بعض الاختلافات بين المذاهب الإسلامية في مسائل لا تمس الأصول ولا تصل إلى درجة الخلاف ، فالإختلاف في الرأي هو اجتهاد يثاب صاحبه إن أصاب بأجرين ، كما يثاب إن أخطأ بأجر واحد ، وهذا معناه أن القبول بالآخر أمر طبيعي يتسق مع الفطرة الإنسانية البسيطة المحببة ، فمابالنا أن تلك الاختلافات لا تمس كيان الأمر ولا تتطرق للكليات ، وهنا يكون من شأن المثقفين والنجباء وأصحاب البصيرة من كل تيار أو مذهب أو طائفة أن ينتصر لصوت العقل فيؤكدون على أهمية الوحدة من خلال التنوع ، وعلى فضيلة الحوار بعقل مفتوح وقلب يتسع لمن يحمل بعض الاجتهادات التي قد لا يتفق معها .
ولما كنا كأمة إسلامية في مرحلة مفصلية تشهد الكثير من التحولات الدراماتيكية والتحولات الجذرية في السياسة والاقتصاد ، والثقافة والإعلام ، في الدبلوماسية ، وحيث تعلو أصوات القوة على رحابة التفاهم فإنه من الضروري أن ينتبه حكماء هذه الأمة العريقة لأهمية أخذ زمام المبادرة لتحقيق أواصر التفاهم والتسامح والرغبة المشتركة في تعميق روح الإنتماء لأمة لها الحق في أن تتطلع لتتنفس هواء العزة والكرامة والإزدهار .
وغير بعيد منا ما جربه البعض من صيغ للحوار المرتكز على لغة العنف و نبرة الإقصاء ، والذي أوصل الصراع إلى هاوية لا خلاص منها ، وبالرغم من أن الكثيرين من المتابعين للشأن العربي ، والعارفين بدهاليز الخلافات الشكلية بين بعض المذاهب والطوائف رأوا في هذا الصراع المحتدم نوعا من الانتحار وخديعة الذات وهوان للأوطان فلم يكن بإمكانهم أن يخلصوا أشقاءهم من المحنة لأنها اتكأت على دعاوي جاهلية ومنطلقات عنصرية وإشكاليات هامشية بل التبس فيها الحق بالباطل ، وهو ما أراده الأعداء ، وعملوا بليل على إذكاء الصراع بكل طريقة ممكنة ليصلوا إلى أهدافهم بأيسر الطرق .
" الفتنة نائمة ، لعن الله من أيقظها " هذه عبارة تلخص الأمر في وضوح وجسارة ، لكنها وبكل بلاغة تكاد تنطق بأن درس الأمس يجب أن نتعلمه اليوم ، وأن دوران عجلة الزمن ليس معناها أن الإنسان قد تحرر من مفاهيمه القديمة وسلوكياته المعيبة ونقاط ضعفه البدائية بل على الأرجح يوجد هناك من يؤرقه أن تقوم للأمة قائمة ، ولذا فأهم ما يفعله هو أن يستعيد انكسارات الماضي وهزائم الانقسامات الدامية ليشيع فينا اليأس والقنوط ، وهو مالن يحدث إن شاء الله لأن الله سبحانه وتعالى قد أنزل كتابه في هذه الأمة وحفظه إلى أبد الآبدين .
إنها آصرة لا تنفصم ابدا ، إن تمسكنا بها فلسوف ننفض عن كواهلنا كل السنوات الرمادية التي صبغت بعض مراحل تاريخنا بالإحباط والتشرذم. هي دعوة مخلصة من القلب أن يحفظ الله الأمة من كل مكروه ويوحد كلمتها.

[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  فؤاد نصرالله يحاور خالد الزامل

 ::

  جولة خادم الحرمين الشريفين الآسيوية: مكاسب في كل المجالات

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور المفكر الكبير شاكر النابلسي

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور عبد العزيز البابطين

 ::

  الاستاذ فؤاد نصر الله في لقاء مع الشاعرة سلمى الجيوسي

 ::

  فؤاد نصرالله يحاور المفكر ساسين عساف


 ::

  بدران وامير الانتقام

 ::

  أسرار وخفايا من تاريخ العراق المعاصر :المتصارعون على عرش العراق

 ::

  مهزلة العقل البشري

 ::

  إيران تعد لتصدير الغاز إلي إسرائيل عبر تركيا

 ::

  أرجو التكرم بإضافة توقيعى على بيان المبادرة الوطنية للإفراج عن المعتقلين

 ::

  قصصً قَصيرةً جداً

 ::

  مسرحية فلسطينية يشارك الجمهور في تمثيلها

 ::

  المرأة الإسرائيلية سلاح فعال ضد العرب!

 ::

  تحية

 ::

  الأدوية المستعملة في الأمراض المنقولة جنسياً والعدوى بفيروس نقص المناعة البشري HIV



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.