Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

 

من أمراض العصر .. الإسراف والتّبذير         الآلهة المزعومة فى القرآن         الخطبة الموحدة للمساجد تأميم للفكر والإبداع         الإسلام مُتهم عند الأخوان لذلك يسعون لتحسين صورته         جريمة ازدراء الأديان         نسمات رمضانية         التجارة والبيوع فى القرآن         هجرة النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة         الظلم ظلمات         بنيامين أخو يوسف كان أطرش أخرس        

:: مقالات  :: فكـر

 
 

جمالية المفردة القرانية
معمر العاني   Monday 29-01 -2007

لا نجد بليغاً في العربية سواء أكان ممن دانوا بالإسلام أم ممن لم يدينوا به لم يطعَم من مائدة القرآن الكريم زاداً من البيان العالي الذي تستطيع أن تتبين كنوزه فيما ترك من نتاج. ولن يحتاج المرء إلا إلى قليل من النظر ليقف عند آثار القرآن فيما خلَّف كبار الكتَّاب وعظماء الشعراء.
وسأحول في هذه العجالة ان ابرز عدد من الجوانب الني تحدد جمالية المفردة القرآنية مستندا على آراء العلماء وأرباب هذا الباب الرائع ، واهم هذه الجوانب :
-ائتلاف أحرف الكلمة:‏
كقوله تعالى : (ليستخلفنَّهم في الأرض) فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف، وقد جاءت عذوبتها من تنوع مخارج الحروف، ومن نظم حركاتها، فإنها بذلك صارت في النطق كأنها أربع كلمات، إذ تنطق على أربعة مقاطع، وقوله: (فسيكفيكهمُ اللهُ) فإنها كلمة من تسعة أحرف، وهي ثلاثة مقاطع، وقد تكررت فيها الياء والكاف، وتوسط بين الكافين هذا المدُّ الذي هو سر الفصاحة في الكلمة كلها .‏
-سهولة النطق:‏
كقوله تعالى: (ولقدْ أنذرهم بطشَتنا فتمارَوا بالنَّذُر)، وكقوله تعالى: (إنَّ المجرمينَ في ضلالٍ وسُعُر)، وكقوله تعالى: (وكلُّ شيءٍ فعلوه في الزُّبُر) فحركة الضمّ في هذه الألفاظ متوالية، وليس بها من ثقل ولا كراهة. وقد استوقف هذا الرافعيَّ، وصدر عنه رأي غاية في الوجاهة يقول: ومن ذلك لفظة (النُّذر) جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معاً، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام، فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنه جاء في القرآن على العكس، وانتفى من طبيعته في قوله تعالى: (ولقد أنذرهُم بطشتَنا فتمارَوا بالنُّذُر)، فتأملْ هذا التركيب، وتأمل مواضع القلقلة في دال (لقد)، وفي الطاء من (بطشتنا)، وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو (تماروا) مع الفصل بالمد، كأنها تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان؛ ليكون ثقل الضمة عليه مستخفاً بعد، ولتكون هذه الضمة قد أصابت موضعها كما تكون الأحماض في الأطعمة. ثم ردد نظرك في الراء من (تماروا) فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء (النُّذُر) حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها، فلا تجفو عليه ولا تغلُظ ولا تنبو فيه، ثم أعجب لهذه الغنَّة التي سبقت الطاء في نون (أنذرهم) وفي ميمها، وللغنة الأخرى التي سبقت الذال في (النُّذُر).‏
- الجدة وعدم الابتذال:‏
لم يستعمل القرآن لفظة "آجَرّ"، التي تبدو كانها مبتذلة جداً، فحين احتاج الذكر الحكيم إلى مدلولها استعاض عن هذا اللفظ ببديل، في طريقة غاية في السمو والأناقة والروعة. علما بان النابغة الذبياني قد أوردها في قصيدته بقوله :
أو دمية في مرمر مرفوعة بنيت بآجر يشاد بقرمد‏
فلفظة "آجر" مبتذلة جداً، وإن شئت أن تعلم شيئاً من سر الفصاحة التي تضمنها القرآن، فانظر إلى هذا الموضع، فإنه لما جيء فيه بذكر الآجر لم يذكر بلفظه ولا بلفظ القرمد أيضاً، ولا بلفظ الطوب الذي هو لغة أهل مصر؛ فإن هذه الأسماء مبتذلة، لكن ذكر في القرآن على وجه آخر، وهو قوله تعالى: (وقال فرعونُ يا أيّها الملأُ ما علمْتُ لكم من إلهٍ غيري فأوقِدْ لي يا هامانُ على الطِّينِ فاجعل لي صرحاً) فعبر عن الآجر بالوقود على الطين. فيعمد الذكر الحكيم ههنا وفي مواضع كثيرة إلى الكناية، وهي ضرب من البيان العالي الذي يذهب بالنفس كل مذهب، ويحدث فيها أقصى قدر من التأثير. وانظر موضع هذه القلقلة التي هي في الدال من قوله (فأوقد) وما يتلوها من رقة اللام، فإنها في أثناء التلاوة مما لا يطاق أن يعبر عن حسنه. وكأنما تنتزع النفس انتزاعاً. وليس الإعجاز في اختراع تلك العبارة فحسب، ولكن ما ترمي إليه إعجاز آخر، فإنها تحقر شأن فرعون، وتصف ضلاله، وتسفه رأيه، إذ طمع أن يبلغ الأسباب أسباب السموات فيطلع إلى إله موسى، وهو لا يجد وسيلة إلى ذلك المستحيل ولو نصب الأرض سلَّماً، إلا شيئاً يصنعه هامان من الطين.‏
- ملاءمة المقام:‏
فمن ذلك قوله تعالى: (ما جعلَ اللهُ لرجلٍ من قلبين في جوفه) وقوله تعالى: (ربِّ إنّي نذرتُ لك ما في بطني محرَّراً) فاستعمل الجوف في الأولى والبطن في الثانية، ولم يستعمل الجوف موضع البطن، ولا البطن موضع الجوف واللفظتان سواء في الدلالة، وهما ثلاثيتان في عدد واحد، ووزنهما واحد أيضاً، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف يفعل؟. ويخيّل إلي أن الأمر يعود ها هنا إلى الدلالة الإيحائية لكل من اللفظتين، ذلك أن مادة كل منهما تختلف بعض الاختلاف عن مادة اللفظة الأخرى. فمادة "الجوف" توحي بالضمور والخلوّ والانحسار والعمق، ولاسيما بما يرسمه الجيم وبعده الواو الساكن ثم الفاء من دلالة إيحائية، على عكس مادة "البطن" التي توحي بالنتوء والبروز والانكشاف، وهي أنسب للحمل من مادة الجوف؛ فالجنين المكنَّى عنه بقوله تعالى على لسان مريم –عليها السلام-: "ما في بطني" يناسبه كثيراً النتوء والبروز والانكشاف، مثلما هي حال "الحامل"، ويناسبه، تبعاً لذلك، لفظ "بطن" دون "جوف".‏
- الرفق في التعامل مع الحس:‏
أن أسلوب القرآن الكريم يتعامل مع الحس تعاملاً خاصاً، فهو يرفق به، ويستعمل كل وسيلة يحقق من خلالها امتاع هذا الحس، فإذا ما حدث أن استخدم الذكر الحكيم ألفاظاً متفاوتة في درجة جمالها، فإنه يؤديها إلى الحس وفق ترتيب خاص تزداد فيه جمالاً ورواء.
تأمل قوله تعالى: (وأرسلنا عليهمُ الطوفانَ والجرادَ والقمَّلَ والضفادعَ والدمَ آياتٍ مفصلاتٍ) فإنها خمسة أسماء، أخفُّها في اللفظ (الطوفان والجراد والدم وأثقلُها (القمَّل والضفادع) فقدَّم (الطوفان) لمكان المدّين فيها، حتى يأنس اللسان بخفتها، ثم الجراد وفيها كذلك مدّ، ثم جاء باللفظين الشديدين مبتدئاً بأخفهما في اللسان وأبعدهما في الصوت لمكان تلك الغُنَّة فيه، ثم جيء بلفظة (الدم) آخراً، وهي أخف الخمسة وأقلُّها حروفاً؛ ليسرع اللسان فيها ويستقيم لها ذوق النظم ويتم بهذا الإعجاز في التركيب.‏
- جمالية خاصة لبعض الصيغ:‏
أن الذكر الحكيم يصطفي صيغاً صرفية خاصة للمفردات، يلح عليها دون غيرها في استعمالها. مثل الفعل "وَدَع" لا يحسن إلا حين يستخدم مستقبلاً وأمراً، ولم يجئ في القرآن الكريم إلا كذلك، بينما جاء في الشعر العربي ماضياً فشأنه إتيانه في هذه الصيغة. يقول ضياء الدين: "ومن هذا النوع لفظة "وَدَع"، وهي فعل ماض ثلاثي لا ثقل بها على اللسان، ومع ذلك فلا تستعمل على صيغتها الماضية إلا جاءت غير مستحسنة، ولكنها تستعمل مستقبلة، وعلى صيغة الأمر، فتجيء حسنة. أما الأمر فكقوله تعالى: (فدعهمْ يخوضوا ويلعبوا)، ولم تأت في القرآن الكريم إلا على هذه الصيغة... وأما الماضي من هذه اللفظة فلم يستعمل إلا شاذاً، ولا حسن له، كقول أبي العتاهية:‏
أثّرَوا فلم يُدخلوا قبورهم شيئاً من الثروة التي جمعوا‏
وكان ما قدَّموا لأنفسهم أعظم نفعاً من الذي ودَعوا‏
وهذا غير حسن في الاستعمال، ولا عليه من الطلاوة شيء، وهذه لفظة واحدة لم يتغير من جمالها شيء، سوى أنها نُقلت من الماضي إلى المستقبل لا غير.‏
- ملاءمة السياق:‏
كقوله تعالى: (تلك إذاً قسمةٌ ضيزى) وقد وقف الرافعي عند هذه الكلمة وتبين من جمالها مظاهر كثيرة، ومخايل لا يملك من يطلع عليها إلا أن يخفض جناح الإقرار والتأييد. قال الرافعي: فإن حسن ( ضيزى ) في نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه، ولو أردت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها؛ فإن السورة التي هي منها، وهي سورة النجم، مفصلة كلها على الياء، فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل، ثم هي في معرض الإنكار على العرب، إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بناتٍ لله مع أولادهم البنات، فقال تعالى: (ألكُمُ الذَّكرُ وله الأنثى تلك إذن قسمةٌ ضيزى)، فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة التي أنكرها، وكانت الجملة كلها كأنها تصور في هيئة النطق بها، الإنكار في الأولى والتهكم في الأخرى، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة، وخاصة في اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل، ووصفت حالة المتهكم في إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدين فيها إلى الأسفل والأعلى.‏
وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية... وأن تعجب فعاجب لنظم هذه الكلمة الغريبة وائتلافه مع ما قبلها، إذ هي مقطعان: أحدهما مد ثقيل، والآخر مد خفيف، وقد جاءت عقب غُنَّتين في "إذن" و "قسمةٌ". وأحداهما خفيفة حادة، والأخرى ثقيلة متفشية، فكأنها بذلك ليست إلا مجاورة صوتية لتقطيع موسيقي. وهذا معنى رابع للثلاثة التي عددناها آنفاً. أما خامس هذه المعاني، فهو أن الكلمة التي جمعت المعاني الأربعة على غرابتها، إنما هي أربعة أحرف.‏

[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  أنا القدس وأنت

 ::

  الطلاب الفلسطينيون في لبنان يريدون جامعة

 ::

  السعوديات يتجمّلن بـ480 مليون دولار في العام

 ::

  امرأة من هذا العصر...رواية مكامن النفس البشرية

 ::

  عالم السيارات

 ::

  الأمراض المنقولة جنسياً

 ::

  الدولة والانتصار

 ::

  في كل يوم لنا حكاية مع شعب مصمم على مواصة المسيرة

 ::

  رد فنزويلي على فيصل القاسم

 ::

  الضمير الصحفي والرأي العام



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  جرائم أمريكا المتوحشة

 ::

  رمضان في السياسة في الاقتصاد ... لماذا نتوقف؟

 ::

  الانقلاب التركي بين التشكيك والحقيقة

 ::

  لماذا نكره إيران؟

 ::

  إسرائيل تطوق غزة بجدار تحت الأرض

 ::

  خطايا مشروع قانون الصحافة والإعلام

 ::

  تدويل الإرهاب من احتلال العراق إلى جرافة نيس

 ::

  رمضان في السياسة في الاقتصاد.. 2- دعونا نفكر في الاقتصاد

 ::

  الرهان على انهيارٍ أوروبي!

 ::

  العملية السياسية في العراق .. الباطل الذي يجب إسقاطه

 ::

  عن زيارة عشقي للعشقناز

 ::

  الشتات الإسلامي.. رصيد سلبي أم إيجابي؟

 ::

  هل اعد العالم نفسه لما بعد هزيمة داعش وعودة مقاتليها الى بلدانهم

 ::

  وصار الحلم كابوسا






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.