Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

خطاب بوش التهديدى فـى 20/ 9/ 2001
د.إبراهيم عوض   Thursday 18-01 -2007

ألقى الرئيس الأمريكى جرج دبليو بوش تلك الخطبة أمام الكونجرس الأمريكى غداة وقوع أحداث الحادى عشر من سبتمبر لعام 2001م، تلك الأحداث التى يحيط بها الشك من كل جانب، إذ لا يدرى العالم بالضبط من الذين قاموا بها. فهناك تيار قوى من الكتاب والسياسيين والمحللين والصحفيين يؤكد أن عصابة الصهيونيين المسيحيين فى الحكومة الأمريكية هى التى خططت لهدم مركز التجارة العالمى وضرب مبنى البنتاجون تمهيدا للسطو على العالم العربى والإسلامى بذريعة الانتقام ممن اقترف هذا الجرم الرهيب من أبناء ذلك العالم ثم القضاء على العرب والمسلمين أو على الأقل: تنصيرهم من أجل تسريع عودة السيد المسيح إلى الأرض حسب عقيدة الصهيونيين المسيحيين الذين ينتمى إليهم الرئيس الأمريكى كما سنوضح لاحقا. والحق أن كل ما قاله بوش فى خطبته هذه إنما هو كذب فى كذب، وخداع فى خداع. إن الشيطان هنا هو الذى يتكلم رافعا صوته بالصراخ والنحيب يريد أن يقنع الدنيا بأنه مظلومٌ ظُلْمَ الحسن والحسين وأنه مسكين لا يبغى أكثر من استرداد حقه والاقتصاص ممن آذَوْه هذا الأذى الإجرامى دون جريرة من قِبَله تسوّغ الأذى، ناسيا أن جرائم أمريكا فى حق العرب والمسلمين لا تنتهى، وأن العرب والمسلمين هم الذين يدينونها لا العكس. إلا أن الرجل يقلب الحقائق قلبًا ويحاول التظاهر بدور المظلوم. ولم لا، وهذه فرصة لن تسنح مرة أخرى بتلك السهولة لارتكاب ما يريد هو وأمته (أو على الأقل: هو ومن على شاكلته من الصهيونيين المسيحيين) من عدوان يرضى نزعتهم الإجرامية الشيطانية الشريرة التى لا ترتوى ولا تشبع من الدماء والدمار والأموال؟
ومما يحاول جورج دبليو بوش خداع المسلمين والعرب به زَعْمُه فى تلك الخطبة أنه هو وأمريكا لا يكنان أية عداوة للإسلام، الذى يمضى فى الخداع، محاولا التقرب من الضحية المسكينة حتى لا تتنبه إلى الخنجر الذى فى يده يخفيه تحت عباءته الدراكولية، فيقول إنه دين سلام. يقصد أن هدفه هو أن يصير الإسلام دينا مدجَّنا لا يرفع أبدا سلاحا فى وجه أمريكا، فى الوقت الذى تعمل أمريكا على تدميره والقضاء عليه نصرًا للصهاينة على العرب والمسلمين حتى يعود المسيح (حسب عقيدة بوش وأمثاله من الصهيونيين المسيحيين) إلى الأرض فيحكم العالم لمدة ألف سنة سعيدة ثم تقوم القيامة. ومن أجل هذه الغاية يتحتم على أمريكا أن تسرّع من وتيرة الأحداث فتقضى على العرب والمسلمين بالسلاح النووى أو تنصّرهم تنصيرا كى يتم وعد الله طبقا لما جاء فى نبوءة دانيال ورؤيا يوحنا حسب فهمهم وتأويلهم الغبى المجنون كما سبق أن بينت فى كتابى: "مختارات إنجليزية استشراقية عن الإسلام"، فى الفصل الثامن منه. وفى ذات الوقت يعمل على الوقيعة بين الجماعات الجهادية التى تقف فى طريق المشروع الصهيونى المسيحى وبين سائر المسلمين متهما تلك الجماعات بأنها خارجة عن الخط الإسلامى المعتدل. يقصد المسلمين الساكتين الذين لا يسببون لأمريكا أية متاعب، بل يتركونها تنفذ خططها فى سلاسة وسهولة. والعجيب أن هذه الجماعات التى يصفها الشيطان بوش بالجماعات الخارجة والإرهابية هى هى نفسها الجماعات التى كان يضع يده فى يدها لضرب الاتحاد السوفييتى أيام احتلاله أفغانستان ويثنى عليها ويمجدها. حتى إذا انقضى شهر العسل وتم القضاء على العدو المشترك الذى كان يحتل ذلك البلد بنفس الطريقة وبنفس الحجج التى يحتل بها الأمريكان العراق الآن انقلب الشيطان الأمريكى على تلك الجماعات وجعل منها شياطين شريرة يجب محوها من فوق الأرض، إذ إنه يعرف جيدا أنها متى ما وقفت فى طريق مخططاته فلن ترى هذه المخططات النور، أو على أقل تقدير: لن تتحقق إلا بثمن باهظ لا مناص لأمريكا أن تدفعه راغمة ودون نقاش. ومن بين ما قرفها به أنها كانت تعاقب بالسجن كل من يقصّر لحيته. وهو كذبٌ مجرمٌ لا يقدر عليه إلا الأمريكان. وقد كرروه فى الصومال، إذ زعموا أن اتحاد المحاكم الإسلامية يحرّم مباريات كرة القدم ويطارد من يحلق لحيته، ثم تبين تماما أنها مجرد شائعات دلّسها العم سام، عليه السام، كما جاء فى مقال لجمال سلطان بجريدة "المصريون" الضوئية بتاريخ 1/ 1/ 2007م عنوانه: "الدور الأمريكى"، وهو دور نجس دنس كأصحابه الحاقدين المتألهين، عليهم اللعنة من رب العالمين، ومن الناس والملائكة والجنة أجمعين، من هنا إلى يوم الدين. آمين!
والمضحك أن بوش يتهم جماعات المجاهدين بما ليس فيها بل فيه هو وأمثاله من الأشرار المجرمين المتألهين، ألا وهو العمل على القضاء على من عداها من أهل الأديان الأخرى. وهو ما لا يعرفه المسلمون ولا يمكن أن يفكروا فيه مجرد تفكير لأنه يناقض عقيدتهم تمام المناقضة ولم يُؤْثَر عنهم يوما أنهم حاولوه، على العكس من الكنيسة النصرانية وأتباعها، الذين لا يعرفون عادةً إلا إفناء الآخر كلما واتتهم الفرصة. وما إجرام الأمريكان فى حق الهنود الحمر الذين أبادوهم على بكرة أبيهم واغتصبوا بلادهم وادَّعَوْا أنها ملكهم بالحق الإلهى وبركة السماء بالأمر الذى يمكن نسيانه أبد الدهر. كذلك يفترى ذلك الشيطان على الحكم الإسلامى فى أفغانستان أنه يجيع الشعب هناك ويعامله بمنتهى الوحشية، وكل هذا كذبٌ إجرامىٌّ وتلفيقٌ رخيصٌ وقحٌ رغم أن للطالبان بطبيعة الحال عيوبهم التى ترجع فى جانب منها إلى شُحّ الموارد وضيق ذات اليد وقلة الخبرة وعدم المرونة وتصلب الفكر، وكأن الأمريكان بعد أن احتلوا البلاد قد نشروا فى ربوعها الغنى والإنسانية، مع أننا جميعا نعلم مدى الترويع والتدمير والتقتيل والإفقار الذى نشروه ببركتهم الشيطانية هناك حتى أضحت أفغانستان هى والعراق جحيمًا أرضيًّا يمسك بمفاتيح أبوابه وخزائنه مجرمو أمريكا وخونة العراق، وكل من الفريقين أضرط من أخيه، وذلك رغم توفر مقومات النجاح كلها لو كان لدى الأمريكان بعض من الإنسانية والصدق. ولكن كيف يكون الشيطان رحيما ويتصف بشىء من الإنسانية؟ ألا إن الكذابين لفى ضلالٍ وسُعُر! وهذه اللعبة المكشوفة الكاذبة تذكرنا بالمدائح التى كان الاستعماريون الإنجليز يَنْظِمون عقودها للميرزا غلام أحمد نبى قاديان المزيف فى القرن التاسع عشر، ذلك النبى الذى صنعه الإنجليز فى الهند ليكسر مجاديف المسلمين هناك بتحريم الجهاد، بل تحريم مجرد التفكير فى الثورة على الاستعمار البريطانى. ولهذا أثنى عليه وعلى أتباعه السياسيون والمستشرقون الدهاة كالسير ف. كاننجهام، الذى كتب يمجد تعاليم الميرزا المذكور زاعما أنها تجلو وجه الإسلام الصحيح، والبروفسور توى بجامعة هارفارد، الذى أكد أن القاديانية قد أزالت وصمة الجهاد عن جبين الإسلام (A Short Sketch of the Ahmadiyya Movement in Islam, Muslim Mission, Lagos, 1973, 37- 38).
يقول د. فيكتور سحّاب فى عرضه لكتاب: "الأصولية الإنجيلية" للصحفى اللبنانى المعروف محمد السماك: "في الولايات المتحدة الأمريكية كنائس إنجيلية مسيحية هي أقرب إلى الصهيونية، وإن هذه الكنائس تمتلك محطات تلفزة تبشيرية يستمع إليها ملايين من الأمريكيين بلغوا في أواسط الثمانينات نحوا من خمسة وأربعين مليون أمريكي في بعض التقديرات. وإن الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريجان من أتباع هذه الكنائس والمؤمنين بتعاليمها. ما الذي يهمنا من تعاليم هذه الكنائس؟ إن معظم زعماء هذه الكنائس التي اصْطُلِح على تسميتها بــ"المسيحية الصهيونية" يؤمنون ويبشّرون بفكرة "هَرْمَجِدّون"، وهي فكرةٌ مؤسَّسةٌ على نص لا مثيل له يرِدُ مرة واحدة في إنجيل يوحنا... وبناءً على تفسير هؤلاء فإن النص المذكور هو نبوءة تؤكد أن حربًا نوويةً ستقع على أرض فلسطين في سهل مجدّو جنوب شرق حيفا، وإن هذه الحرب النووية ستحرق مئات الملايين من جنود العرب والاتحاد السوفياتي وأوروبا الموحّدة، وستكون انتصارًا للمسيح العائد الذي سينقذ من بَقِيَ من يهود ومسيحيين متجدّدين ويقيم مملكةً على الأرض فيعمّ السلام ألف عام. يتضح من هذا أن معتقدات الكنائس المسيحية الصهيونية مؤسسة على هلوسات متطرفة، وأنها فقدت الكثير من وسائل إقناعها على أي حال حين زال الاتحاد السوفياتي، وهو الذي كان في عقيدة هذه الكنائس مملكة الشيطان المتجسدة في هذا العالم. ومع هذا فإن استخفاف هذه الكنائس وأثرها خطرٌ جدًّا لثلاثة أسباب على الأقل:
أولاً: إن هذه الهلوسات المتطرفة لا تزال إلى الآن تتحكم باتجاهات التصويت لدى ملايين الأمريكيين، وقد نبّه كتّابٌ أمريكيون مرارا إلى الوضع الحرج الذي اتّسم به التوازن السياسي في العالم حين كان ريجان رئيسا على مدى ثماني سنوات، وهو (كما قيل) يؤمن بأن الحرب النووية حتمية وأنها إرادة الله، وأن الضغط على الزر النووي لتدمير العالم إنما هو امتثال لمشيئة إلهية بجب ألا تُعْصَى. ولكم لاحظنا في عصر ريجان كيف كان السوفيات يتنازلون في مفاوضات نزع السلاح، فيما تمسّك ريجان بنظام حرب النجوم الشهير بإلحاح وعنادٍ مدهشين. ثانيا: إن عقيدة المسيحية الصهيونية تشكّل احتياطيًّا إستراتيجيًّا لإسرائيل لدى الرأي العام الأمريكي يسمح لها بإتيان ما تشاء من أفعال وبطلب ما تشاء من أموال طالما أن تأييدها هو امتثالٌ لأمر الله، وأن أعداء إسرائيل هم أعداء الله الذين يجب ألا يُحْسَب لهم أي حساب. ثالثا: لا تكتفي المسيحية الصهيونية بالتحرك السياسي في داخل الولايات المتحدة الأمريكية، بل إنها مدت شبكتها العاملة إلى فلسطين المحتلة ولبنان وقبرص، ولها في لبنان على ما يبدو محطتان للتلفزة: إحداهما تعمل في الجنوب، والأخرى تعمل في شمال بيروت...
وإذا اكتفينا من عناوين خطورة التيار المسيحي الصهيوني بأن هذا التيار يعمل الآن بدأبٍ وجِدٍٍّ لهدم المسجد الأقصى وإعادة بناء هيكل سليمان مكانه، فحسبُنا هذا لنُدرك أن الهلوسات إذا أُهمِلت يمكنها أن تصبح حقيقة واقعة بقوة المال والسلاح والتآمر... وقد صدف... أن الأوروبيين اكتشفوا القارة الجديدة "أمريكا" وأخذوا يستعمرونها، وكانوا بحاجة إلى عقيدة تضفي على هذا الاستعمار الصفة الشرعية، فكانت نظرية "أرض الميعاد" هي العقيدة المنشودة التي أباحت لجحافل الأنجلوساكسون والجرمانيين أن يستوطنوا أمريكا ويبيدوا شعبها وحضارتها، وضميرهم مطمئن إلى صواب فعلتهم. فأي شرعية يمكن أن تسمو على شرعية وعد صريح من الله أن يهب شعبه المختار تلك الأرض الجديدة؟ ولقد لاحظ الدكتور سميح فرسون، الباحث الفلسطيني في الجامعة الأمريكية في واشنطن بحصافةٍ أن كلا من المجتمع الأمريكي والمجتمع الإسرائيلي والمجتمع الأبيض في جنوبي أفريقيا استخدم ذريعة أرض الميعاد في إضفاء صفة شرعية على اغتصاب أرض الغير. ولم يكن غريبا إذن أن ألمانيا لُوثَر صعّدت مسارها المسيحي التوراتي إلى ذروة بلغت إلى التسبّب عمدًا أو عفوًا في تهجير اليهود الأوروبيين إلى فلسطين، ولا كان غريبا أن تتسلّم الولايات المتحدة مهمة رعاية الدولة اليهودية بالمساعدات العسكرية والمالية السخية التي ما كان يمكن لإسرائيل أن تبقى لولاها، ولا كان غريبا ذلك التحالف "الإستراتيجي" بين بريتوريا وتل أبيب. ذلك أن يهْوَه في توراته أباح إبادة الكنعانيين لأخذ أرضهم ونسائهم وأبنائهم، فلماذا يكون الهنود الحمر والزنوج والفلسطينيون أفضل مصيرا؟" (arabic.bayynat.org.lb).
قد يقول بعضهم إن بوش إنما ينتمى إلى الكنيسة الميثودية، التى أدانت غزو أمريكا للعراق سنة 2003م، إلا أن كاتبا نصرانيا لبنانيا هو د. جيروم شاهين يزيل لنا اللبس الذى يغشى الموقف فيقول: "معروف أن بوش ينتمي "شكليًّا" إلى إحدى الكنائس الإنجيلية التي تسمى بالكنيسة "المنهجية" أو "المثوديست". ومعروف أن هذه الكنيسة هي من الكنائس الأميركية، البروتستانتية والكاثوليكية والأردثوذكسية، التي أدانت بوضوح تام وتكرارا، عبر بيانات مجالسها الكنسية، الحرب على العراق. بالتالي تردد كثيرا في الآونة الأخيرة، لاسيما منذ بدء المسألة العراقية التي أدت إلى حرب الخليج الثالثة التي نشهدها اليوم، أن الرئيس الأميركي قد يكون منضويا في تيار ديني "أصولي". وذهب البعض إلى تسمية هذا التيار الديني الأصولي الذي ينتمي اليه بوش باسمه، أي تيار الذين يلتزمون بعقيدة "الولادة الثانية". إلا أن جماعة المؤمنين "بالولادة الثانية" (ويُسَمَّوْن أيضا: "المولودون من جديد") هم، في الواقع، من الجماعة التي أطلقت على نفسها اسم "الصهيونية المسيحية..." (انظر عرض د. فيكتور سحّاب لكتاب محمد السماك السابق الذكر فى جريدة "النهار" البيروتية بتاريخ 13 أغسطس 2003م، تحت عنوان "البعد الدينى في سياسة جورج بوش").
وقد تناول هذه النقطة، ضمن من تناولها من الكتاب والمفكرين، د. رياض جرجور، الذى ننقل عنه قوله: "إن هذه الحرب التي أدانتها شعوب العالم بأسره بما فيها شعوب الدول المشاركة فيها والمؤيدة لها تتأسس على أيديولوجيا صهيونية استعمارية توسعية عنصرية، يرزح تحت آلتها العسكرية شعبنا في فلسطين، ويعاني من احتلالها جزء من أرض الشقيقة سوريا، وتصدت لها مقاومتنا اللبنانية الباسلة حتى دحرتها. وتتمثل تلك الأيديولوجيا الصهيونية في رموز السياسة الأميركية الحاكمة، لا سيما في البيت الأبيض والبنتاجون، والتي قيل عن سيدها إنه ينتمي إلى تيار مسيحي أصولي يسمى صوابًا أو خطأً: تيار"الصهيونية المسيحية"... (و) تم تعريف "الصهيونية المسيحية" على أنها "الدعم المسيحي للصهيونية". وقد قيل أيضا إنها "حركة قومية تعمل من أجل عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين وسيادة اليهود على الأرض". ويعتبر الصهيونيون المسيحيون أنفسهم كمدافعين عن الشعب اليهودي، وخاصة "دولة اسرائيل". ويتضمن هذا الدعم معارضة كل من ينتقد أو يعادى "إسرائيل". والتر ريجنز الأمين العام لما يسمى: "السفارة المسيحية الدولية"، وهي من أحدث وأخطر المؤسسات الصهيونية، ومركزها في القدس، يعرّف اصطلاح "الصهيونية المسيحية" بطريقة سياسية، وعلى أنه... أيّ مسيحي يدعم الهدف الصهيوني لدولة إسرائيل وجيشها وحكومتها وثقافتها...إلخ. أما القس جيري فالويل مؤسس جماعة العمل السياسي الأصولي المسماة: "الأغلبية الأخلاقية"، وهو الذي منذ فترة تكلم واتهم دين الإسلام بأنه دين إرهابي، فإنه يقول: "إن من يؤمن بالكتاب المقدس حقا يرى المسيحية ودولة اسرائيل الحديثة مترابطتين على نحو لا ينفصم. إن إعادة إنشاء دولة إسرائيل في العام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين لهي في نظر كل مسيحي مؤمن بالكتاب المقدس تحقيق لنبوءات العهدين القديم والجديد" (من كلمة ألقاها الدكتور القس رياض جرجور، الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط، تحت عنوان "صهيو مسيحية أم صهيو أميركية؟" في ندوة بمركز الإمام الخميني الثقافي ببيروت في 8 نيسان/ أبريل 2003م).
ليس ذلك فقط، بل إن لبوش وآل بوش موقفا شنيعا من الإسلام، ذلك الدين الذى يتذاكى علينا ثعلبنا المكار محاولا أن يوهمنا أنه واقع فى غرامه وأنه حريص على نقاء صفحته وطهارة سمعته. وتلقى الفقرات التالية الضوء على ما هو مستكنّ فى قلب ذلك الثعلب المتذاكى. جاء فى موقع "www.almotamar.com.ly" تحت عنوان "آل بوش ووهم النهايات": "عرف الكثير من الباحثين والمهتمين بتاريخ الفكر السياسي أن الأبحاث الغربية قد عملت على طمس مراحل عديدة من التاريخ الإنساني وعملت على تشويه تلك المراحل، وذلك لارتباطها بأهداف سياسية واعتمادها على الغرب وحده بكل ثرائه باعتباره الإطار المرجعي في كل تلك الدراسات والأبحاث... ويبدو من خلال جملة المعطيات الفكرية والتاريخية المطروحة أن الغرب لم يتردد في قراءةٍ للإسلام متعمقةٍ متفحصةٍ لفهم جوانب الفكر والدين والثقافة والسلوك من أجل وضع الخطط والإستراتيجيات نحو ذلك الهدف المرسوم، وهو المزيد من التوسع والهيمنة والسيطرة .
نقول ذلك وبين أيدينا نسخة مترجمة لكتاب خطير يحمل عنوان "محمد مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس إمبراطورية المسلمين". المثير أن مؤلف هذا الكتاب جورج بوش (1796- 1856)، وهو الجد الأكبر لجورج بوش الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية، كان أستاذا في جامعة نيويورك متخصصا في اللغة العبرية، وكان من البارزين في دراسة حفريات النصوص القديمة وأسفار العهد القديم... كما كان واعظا دينيا في علم اللاهوت والأديان. وقد انحصرت، على ما يبدو، معظم نشاطاته في المراكز العلمية والدينية والمؤسسات الجامعية. ومازالت هذه الدراسات في الجامعات الأمريكية والغربية عامة تمثل المصدر والمرجع للعديد من الأبحاث الجامعية التي شكلت بعد ذلك اتجاها عاما للعديد من الدارسين الذي تخرجوا واستلموا مراكز قيادية. وهذا الفهم الخاطئ للإسلام اعتنقته المؤسسات السياسية، واستخدمت القوة للسيطرة على عالم الإسلام والمسلمين. وهي في ذلك متأثرة بأفكار وآراء ما يتضمنه ذلك الفكر والخطاب الديني والعلمي الذي احتوته تلك الدراسات.
هذا الكتاب نموذج للكره الأمريكي الغربي للإسلام، وهو أحد مصادر الفكر الغربي الأمريكي المتطرف، ويقدم مجموعة من المزاعم والافتراءات على شخصية الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وحددت تلك الافتراءاتُ والمزاعمُ الأسلوبَ الذي يسير عليه ساسة أمريكا ومن تبعهم في فهمهم للإسلام والمسلمين. بل إن هذه النوعية من المؤلفات قد أثرت تأثيرا كبيرا في مجريات تاريخ الأحداث في المنطقة حيث مركز الديانات والرسالات السماوية، وهي الموجهة للفكر السياسي المعاصر تجاه المنطقة الذي يشهد عودة إلى الأصول والالتفاف حول السلفية وتوجيهها الاتجاه الخاطئ لمزيد من التناقضات والأزمات في المنطقة. الكتاب جدير بالقراءة والفهم لأنه يمثل اتجاها خطيرا نحو ضرورة فهم الآخر، وهو يدل دلالة واضحة على الروح العدائية تجاه الإسلام ودولته التي أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم. ورغم ادعاء المؤلف حرصه على العلمية والمنهجية في دراسة هذا الاتجاه الذي فرض نفسه على العالم منذ ظهور الإسلام، فإن صفحات الكتاب مليئة بالافتراءات والتشويه لدور الرسول صلى الله عليه وسلم في التبشير بدعوة الإسلام وبطولاته في توسيع دائرة الإسلام من مكة إلى العديد من أصقاع المعمورة منذ عهده وحتى بعد الخلفاء الراشدين في الدولة الإسلامية.
يقول مؤلف الكتاب في ص 17 من النسخة الأصلية : "إن تاريخ العالم لم يشهد، باستثناء التأثير الذي أحدثه دين الإنجيل، ثورة كبرى قد أحدثت تغييرات في العالم المتحضر أكثر مما أحدثته دعوة محمد الإسلامية منذ ظهوره مرورا بتقدمه وهيمنته. لذلك فإن تاريخ الإسلام وطبيعته أصبح مثيرا للاهتمام لكل العقول المتنورة، فهذا الدين جزء مهم وشائق من تاريخ الجنس البشري العام. وهذا يدفعنا، حسب رأي المؤلف، إلى الاهتمام بهذا الأمر اهتماما جديدا أقوى من ذي قبل. إن كثيرين من الكتَّاب المتميزين الذين درسوا هذا الدين وعبقريته وتاريخه ينظرون إليه بوصفه هرطقة مسيحية أو نتاجا لهرطقات قال بها بعض المسيحيين أكثر من وصفهم له بأنه خرافة وثنية. من هنا فقد كان قَدَرُ هذا الدين أن يرتبط بكل العقائد الفاسدة التي أفسدت الإنجيل. وبقدر ما نفضح هذه النبوءة ونكشفها، وبقدر ما نكشف الادعاء الحالي الموجود على ظهر هذه الأرض، كلما عجلنا بسقوط الخداع وكلما زاد اهتمامنا بعمق هذه المناطق التي طالت فيها سيادة هذا الدين (ص 18). وبقدر اهتمامنا بالإسلام يكون اهتمامنا بحياة مؤسسه وشخصيته وأعماله، هذا الشخص "الغامض" الذي خرج من قبائل الجزيرة، ولم يكن ذا مكانة تسمو على مكانة تاجر في قافلة، ولم يكن يتمتع بمزايا عقلية خاصة، ولم يكن يتميز بامتلاكه قوة أو نفوذا، ومع هذا فقد تمكن، رغم العمليات العديدة، من تأسيس مثل هذه الإمبراطورية الواسعة التي تضم ملايين البشر والتي استمرت أكثر من ألف ومائتي سنة".
تلك هي رؤية آل بوش العملية، كما يعتقدون، حول دين الإسلام ورسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم... ولابد أن نعمل على تكثيف الجهود من مؤسسات علمية وباحثين ومؤسسات دينية لوقف تلك التفاهات والإيمان بقوة بأن ما بيننا وبين الغرب الأمريكي هي حرب مستمرة لن تتوقف. الهدف الأساسي هو الإسلام، القوة الإسلامية العادلة، الإسلام النهضة حتى يستطيع بسط هيمنته بأشكال مختلفة إما عن طريق النظام الجديد أو عن طريق العولمة أو عن طريق صِدَام الحضارات .
لا بد من إعادة قراءة التاريخ بفهم مستنير وإيمان عميق بجوهر الإسلام. والجدير بالذكر في هذا السياق أنه بعد أحداث 11 سبتمبر، وبالتحديد في 16 سبتمبر 2001 م، أعلن الرئيس الأمريكي بوش الصغير حملة صليبية ضد الإسلام وأمته وعالمه واضعا إياهم تحت اسم "الأشرار والإرهاب". لقد حاول البعض تصوير عبارة الرئيس الأمريكي الحالي بوش الصغير، والتي جاءت في خطابة مباشرة في بعد أحداث 11 سبتمبر، والذي أعلن فيه بداية حملة صليبية ضد الإسلام والمسلمين وأطلق عليهم اسم "الأشرار والإرهاب"، بأنها زلة لسان تدل على قلة الثقافة والفهم للتاريخ الإسلامي. إلا أن سبيل الكراهية الذي انهال على الإسلام سواء من وسائل الإعلام أو كبار المسؤولين وصنَّاع القرار، إلى جانب الممارسات العدوانية التي مارستها الحكومات الغربية بقيادة وضغوط أمريكية، إنما يدل دلالة واضحة على أن عبارة "حملة صليبية" كان يقصد بها ذات المعنى في التاريخ الوسيط أثناء الصراع التاريخي الذي مارسه الغرب الاستعماري ضد الشرق والشرقيين، وهي النزعة الاستعمارية ذاتها التي تعاني وتغلّف الأطماع الغربية بالمسيحية. وإذا كان الرئيس الأمريكي بوش الصغير قد استخرج مصطلح "الأشرار" الذي أطلقه على الدول والتوجهات الإسلامية المعارضة لسياساته من "سفر المزامير"، فإن حربه على الإسلام هي حرب عادلة وفق المفهوم المسيحي. وإنه كان خلال حملته الصليبية الجديدة قد تعود أن يبدأ يوم عمله في البيت الأبيض بالقراءة في كتاب عظات إنجيلية قصيرة عنوانه "أعظم ما يمكنني لأعظم العلماء" للقسيس أوزوالد تشيمبرز الذي تُوُفِّىَ عام 1917 وهو يحرض جنود نيوزيلندا وأستراليا على ضرورة غزو القدس في الحملة التي قادها الجنرال الإنجليزي أَلِنْبِي (1861 – 1936). وإذا كان هذا هو الطقس المقدس الذي يبدأ به بوش الصغير كل صباح، وإذا كان قد أعلن عن البعد الديني في حملته هذه على الأشرار المسلمين عندما خطب في إبريلاند بمدينة ناشفيل متوجها إلى رجال الإعلام الديني في الحزام الإنجيلي بجنوب أمريكا حيث قال: "إنهم (المسلمون الأشرار) يكرهون حقيقةً أن نعبد الرب بالطريقة التي نراها مناسبة، حتى إن أحد المشتركين في ذلك اللقاء قال: لا يسعدني أن أتصور المسيح يدعو حشدا يهتف له: "إلى الحرب" كما سمعت الرئيس يفعل.
وقد وصف الكاتب الإنجليزي جيلبرت كيه الروح الدينية والنزعة الصليبية في هذه الحملة الأمريكية فقال إن أمريكا أُمّة بروح كنيسة، وإن الرئيس الحالي والرئاسة الحالية هما الأشد رسوخا في هذا الإيمان خلال العصور الحديثة. وإذا كانت تلك هي وقائع شهادات الأمريكيين الغربيين، فإن القساوسة من اليمين الديني والمسيحية الصهيونية كان لهم دور قيادي في هذه الحملة ضد الإسلام والمسلمين. لقد ذهب قساوسة التحالف المسيحي والمؤتمر المعمداني والجيب السامري مع الجيش الأمريكي في احتلاله للعراق، وهم لا يخفون رغبتهم في تحويل المسلمين إلى المسيحية، لا سيما في بغداد. أما القس فرانكلين جراهام، الذي ترأس حفل القيم الدستوري لبوش الصغير والذي يعتبر الأب الروحي الذي قاد بوش من السُّكْر إلى الربّ والولادة المسيحية الجديدة، يقول عن الإسلام إنه دين شيطاني وشرير. والقس بات روبرتسون، وهو أوسع قساوسة اليمين الديني نفوذا في الإعلام الأمريكي ورئيس التحالف المسيحي الذي يتحكم في انتخابات الرئاسة والكونجرس، هو القائل عن الإسلام إن الدين الإسلامي دعا إلى العنف وإن أمريكا بحاجة إلى إنذار ضد خطر المسلمين الذين يكرهون أمريكا ويحاولون تدمير إسرائيل. والقس جيري فامن هو القائل عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إن محمدا هو الشيطان نفسه .
إذن المواجهة بين أمريكا والإسلام اليوم هي مواجهةٌ ذاتُ أبعاد ودلالات تجمع بين أفكارهم فى الدين والسياسة والمصالح الأمريكية وفرض قيم النموذج الأمريكي الغربي في العالم الإسلامي. وها هو السيناتور الأمريكي جوزيف ليبرمان مرشح الرئاسة يعلن أن المواجهة مع الإسلام هي حملة لفرض القيم وليس السياسات فقط. يقول: لا حل مع العرب والإسلام إلا أن تفرض أمريكا عليهما القيم والنظم التي تراها ضرورية، فالشعارات التي أعلنتها أمريكا منذ استقلالها لا تنتهي عند الحدود الأمريكية، بل تتعداها إلى الدول الأخرى. أما مارجريت تاتشر فهي تتحدث عن أن المعركة هي حول القيم والمصالح فتقول إن المسلمين يرفضون القيم الغربية وتتعارض مصالحهم مع مصالح الغرب، وإنهم يمثلون أيدلوجية عدائية لأمريكا والغرب، فهم كالشيوعية في الماضي، ولابد من تبني إستراتيجية طويلة المدى لهزيمتهم .
وهذه القيم التي تريد هذه الحملة الصليبية فرضها على الإسلام والمسلمين هي قيم الغرب التي تريد تغيير طبيعة الإسلام وعزله عن شؤون الحياة والمجتمع وتحويله إلى صورة من المسيحية الغربية التي فصلت بين ما للقيصر وما لله، مكتفية بما لله وخلاص الروح ومملكة السماء خارج هذا العالم. هذه الحملة الصليبية هي ضد الإسلام الرافض لقيم الغرب وسياسات الغرب الليبرالية العلمانية. ولا بد أن يدرك العالم جيدا أن الكنيسة عبر التاريخ قد حافظت على موقفها الثابت من المسألة اليهودية، إذ كان دعم الغرب المسيحي للحركة الصهيونية يتخذ أشكالاً متعددةً ومجالاتٍ شَتَّى .
ويذهب البعض في تفسير ذلك إلى أنه التقاء الهدف بين الغرب والصهيونية أو لظروف ومصالح اقتصادية، ويعتقد البعض الآخر أن الأمر هو نتيجة عداوة تاريخية بين الإسلام، والمسيحية واليهودية منذ صَدْر الإسلام، وتلك هي أسباب الحروب الصليبية. لكن الأمر الذي لا يعرفه الكثيرون أن أسباب ذلك الدعم والتأييد المتواصل إنما هو لأسس دينية عميقة الجذور في البنية الثقافية المسيحية، وإلى جهد دؤوب ومنظم بذلته الكنيسة الغربية عبر العصور، إذ إن الكنيسة قد فسَّرت بذلك كل النبوءات والإشارات المتعلقة باليهود في الكتاب المقدس (العهد القديم والجديد) كما جاءت في "رؤيا دانيال" وفي "سفر حزفيال"، وكذلك ما عرض في "رؤيا يوحنا اللاهوتي"، كل ذلك بما يحقق أهداف الكنيسة في عودة يسوع المخلص، وصارت أرض الميعاد حقيقة روحية، وليست رقعة جغرافية مادية.
من هنا تجسدت هذه العلاقة في إطار الحركات الدينية والمجموعة الأصولية الإنجيلية التي أهمها الطائفة التدبيرية أو الكنيسة المرئية، وهي طائفة لها أتباعها الآن في أمريكا، وتعرف بــ"التدبيريين"، أهم أقطابها بيل جراهام وجيري فالويل وبات روبرتسون وجيمي سواجرت وريتشارد هات، وتعتمد هذه الطائفة على الجانب المرئي في تبشيرها كوسيلة رئيسية لإيصال رأيها لعامة الناس. وهم جميعا يبشرون بنظرية هرمجدون حيث يؤمنون بها ويعملون من أجل تحقيق هذه النظرية وهذا الهدف، ويجعلون من تأييد إسرائيل نوعا من العبادة لأنه بذلك تتحقق عودة المسيح. والطريقة المثلى لذلك هي المعركة الأخيرة بين الخير والشر، وبين إسرائيل وجيوش العرب والإسلام .
ولكن ما هي هرمجدون؟ تروي الكاتبة الأمريكية جريس هالسيل تجربتها في كتابها: "النبوءة والسياسة" حول البحث عن جواب لهذا السؤال: ما هي هرمجدون؟ وتقدم لطبيعة العلاقة بين الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية، كما تقدم التفسير الصحيح والعميق للمواقف الأمريكية المؤيدة للصهيونية والمعادية للعرب والإسلام، وهي الكاتبة التي شهدت بنفسها عمليات التضليل والتزوير الدينية الذي مارسته الصهيونية المسيحية من أجل تطويع نصوص الكتاب المقدس لخدمة المشروع الصهيوني والسياسة الأمريكية. كما يقدم الكتاب شهادة حية مدعمة بالوقائع والنصوص والأرقام للدور الكبير الذي لعبته الصهيونية المسيحية في الماضي لمصلحة إسرائيل والدعم الهائل الذي تقدمه هذه الحركة لتنفيذ سياسات الصهيونية العدوانية التوسعية. وتستمد هذه النظرية أصولها الدينية من "سفر دانيال" (الإصحاح السابع والثامن) و"سفر حزقيال" (الإصحاح 38)، وكذلك "رؤيا يوحنا" (الإصحاح 13). الأمر المثير أنه في عام 1970 حذر القس بيلي جراهام الإنجيلي التدبيري الشهير في هذه الطائفة من أن العالم يتحرك بسرعة نحو هرمجدون وأن الجيل الحالي هو آخر جيل في التاريخ. وفي مناسبة أخرى يقول: "إن أناسا كثيرين يتساءلون عن هرمجدون وعن موقعها. إن الكتاب المقدس يعلمنا أن آخر حرب في التاريخ سوف تكون في هذا المكان في الشرق الأوسط. إن ما جاء في "نبوءة دانيال" و"سفر حزقيال" و"رؤيا يوحنا" إنما تمثل المضامين السياسية لمستقبل العالم الإسلام، وما قدمه جورج بوش الجد الأكبر لآل بوش في كتابه المشار إليه هو تفسير لتلك النبوءات وتقديمها في الوعظ الديني الكنسي، إذ من الواضح أن هذه النبوءات هي التي تخطط السياسات وتضع الإستراتيجيات وفق نصوصها الموصوفة بأنها دينية. وهي تهدف لإزاحة الخريطة الإسلامية والاستفراد بشعوبها وتفريقها وتقسيمها وبث الخلاف بينها وإثارة النعرات، ويسقط بذلك العالم ويعود إلى الدين الحقيقي على حد تفسير بوش والتدبيريين لــ"رؤيا دانيال" و"رؤيا حزقيال" ...
لابد أن نشير في هذا السياق إلى أن هذه الرُّؤَى والنبوءات وما صاحبها من تفسيرات لها تأثير كبير على السياسة الدولية، وصارت هي المحرك الأساس لها باعتبارها المعتقد الخاص للشعب الأمريكي، وهي بذلك ليست منفصلة عن الواقع السياسي في المنطقة وقضاياها. بل إن تأثير هذه التيارات الدينية وأفكارها الأصولية في العلاقة مع الغرب أمر لم يعد بالإمكان تجاهله، خاصة أن هذا التيار قد بدأ فعلاً في نقل معتقداته من حيز الإيمان إلى حيز الفعل والتنفيذ. تلك هي الأبعاد الحقيقية للمواجهة وللمخططات الأمريكية وسياساتها من أجل السيطرة على مواقع عديدة في العالم لتؤكد مدى سيطرة البعد الديني على خريطة الأحداث الدولية.
وفي كتابه: "أقواس الهيمنة" يشير إبراهيم أبو خزام إلى أن التفوق الأمريكي أصبح من حقائق الحياة التي سوف تستمر، كما أن الإمبراطورية الأمريكية صارت فريدة في التاريخ حيث التفوق الشمولي في المجالات العسكرية والاقتصادية. هذه الرؤيا المستقبلية التي يقدمها مؤلف الكتاب حول مستقبل العالم في ظل أقواس الهيمنة إنما تؤكد أن الأسلوب الأمريكي في الحياة وما يتسم به من جاذبية أصبح استدعائيا يثير الإعجاب، فأمريكا ليست قوة مسيطرة فقط، وإنما هي ممسكة بمفاتيح السيطرة، ولن تسمح لغيرها بأن يقترب من منطقة السيطرة ومفاتيحها. ورغم أهمية ما يطرحه الكتاب إلا أن أهمية الجوانب الدينية في السياسة الأمريكية يبدو واضحا عبر التاريخ في الأحداث الدولية للسياسة الأمريكية وتداعياتها على العالم. النبوءات الدينية هى التي تخطط للسياسة الأمريكية، والطوائف الدينية في أمريكا قد عملت على تأكيد هذه النبوءات وتنفيذها على الواقع في أمريكا وخارجها، إذ تعتقد هذه الطوائف الأصولية الإنجيلية أن الحرب على العرب والمسلمين (الأشرار) وقتل أطفالهم ونسائهم هو عمل مقدس، وهو تنفيذ لأمر الرب كما ورد في "سفر دانيال" و"سفر حزقيال" (الإصحاح 38). ويعتقد أتباع هذه الطوائف أيضا أن الرب يبارك من يؤيد إسرائيل. بل إن قيام إسرائيل وتفوقها وعودة بني إسرائيل هو واجب مقدس. الغريب أن العديد من أتباع هذه الطوائف هم من الشعب الأمريكي، وهم يؤمنون بهذه العقيدة إيمانا حرفيا حيث هنالك إرساليات عديدة لنشر هذه الفكرة حول العالم، وخاصة بين مسيحيي الشرق. كما يؤمن هؤلاء بأنه حتى يعود إليهم المسيح المنتظر لابد من تحقيق الآتي: عودة اليهود إلى فلسطين. إقامة دولة يهودية. التبشير باللاهوت الإنجيلي لجميع الأمم. هنالك شعوب لا تؤمن بالمسيح ستقود حربا على إسرائيل، وهم الأشرار العرب والمسلمون.
ويروج لهذه الآراء والمعتقدات عديد من المبشرين حيث تمتلك الأصولية الإنجيلية محطات البث الإذاعي المرئي وشركات الإنتاج الإعلامي. كما تمتلك المدارس والجامعات والشركات التجارية والمؤسسات البحثية والمقاعد في مجلس الشيوخ والنواب، إلى جانب امتلاك الصحف والمجلات والمصارف. كما تعمل هذه الطوائف على إخضاع الآليات الحديثة والتقنية المتطورة لخدمة عقائدها وأهدافها. من ذلك أن مكوك الفضاء "تشالنجر" التقط صورا سنة 1988 لما ادعى أنه بقايا مدينة توراتية أسطورية في الطرف الجنوبي لشبه الجزيرة العربية، بالتحديد في منطقة الربع الخالي، كانت تسير إليها سفن النبي سليمان من نواحي فلسطين بحسب الرواية. والجدير بالذكر أن الطائفة البروتستانتية الأصولية هي أكثر الطوائف الإنجيلية في تبني المعتقد الصهيوني، وتعرف آنذاك بــ"الطائفة التدبيرية"، ويبلغ عدد أتباع كنائسها أكثر من أربعين مليونا. وهي تضم الشخصيات الأبرز في المجتمع الأمريكي سياسيا واقتصاديا وتربويا وإعلاميا، وحتى عسكريا. ومعظم الأصوليين أتباعها يعلنون عبقريتهم بصراحة. وهم يعتقدون بتفوقهم على السود والهنود والكاثوليك والصينيين واليابانيين والهندوس والمسلمين. كما تدعي هذه الطائفة بأنها تقوم بعملية تجديد ديني بإحياء النصوص التوراتية والإنجيلية. وهي تخرج عن السلطان الكنسي التقليدي في فهم النصوص بتفسيرها بعد أن كان ذلك خاصا برجال الكنيسة وحدهم في الماضي. لكن هذه الحركة في الإحياء والتجديد لها أبعاد سياسية ونفعية لفئات تتستر بالنصوص الدينية لتحقيق مصالح معينة. وحيث كان تأييد إسرائيل مطلوبا فإنها تقدم المسوغات لذلك باسم الرب. وحيثما كانت مواجهة الإسلام والحرب على المسلمين ومحو هويتهم فإنها تجد المبررات لذلك من النصوص المقدسة في التوراة والإنجيل. وحيث يكون الترويج للحرب لإنعاش تجارة السلاح فهي تدعو إلى ضرورة الحرب المقدسة. الأمر الأكثر غرابة أنه عندما يتناقض القرار الإسرائيلي مع النظم الدولية والشرعية الدولية والمعاهدات فإن السياسة الخارجية الأمريكية تعلن أن القرار الإسرائيلي يجب أن ينفذ ويحترم لأنه يعكس إرادة الرب. هكذا تقول نبوءاتهم في الأسفار المقدسة. إن ما يحرك الغرب المسيحي بطوائفه الدينية المتعددة هو معتقداتهم الخاصة ونبوءاتهم التوراتية التي بَنَوْا منها نظاما نظريا عن عودة اليهود إلى أرض الميعاد وإقامة مملكة صهيونية تمهيدا لعودة المسيح آخر الزمان! تلك هي بعض دعاوى نصوصهم المقدسة!" (www.almotamar.com.ly). ولمن يريد مزيدا من التفصيل يمكنه أن يقرأ تحليل جورج بوش الجد لنبوءة دانيال ورؤيا يوحنا فى نصه الإنجليزى وتعليقى على هذا العته الإجرامى المسعور وتفنيدى له فى الفصلين السابع والثامن من كتابى: "مختارات إنجليزية استشراقية عن الإسلام" (المنار للطباعة والنشر/ القاهرة/ 1427هــ- 2006م/ 169- 226).
فهذه نقطة، أما النقطة الثانية فهى إشارة بوش إلى أن الهجوم على البنتاجون ومركز التجارة العالمى هو أول حرب تخوضها أمريكا داخل حدودها طوال 136 عاما لم تنغمس خلالها فى أى حرب داخل البلاد ما عدا ضرب اليابانيين لميناء بيرل هاربر فى يوم من أيام الآحاد عام 1941م. يقصد أن حروب أمريكا كانت داخل حدود البلاد الأخرى، وهو ما يعنى أن أمريكا دولة مفترية معتدية لا تترك أحدا فى حاله، بل تبادر بالهجوم على الآخرين فى عقر دارهم. وفعلا نجد أن التاريخ يسجل هذه الملاحظة، فقد دخلت الولايات المتحدة الأمريكية منذ إنشائها عشرات الحروب كانت كلها خارج الديار. وقد قرأت فى موقع "www.counterpunch.org" لفرانسيس كاتالين (Francis Catalin) أن أمريكا قد شنت الحرب على أربع وسبعين دولة (انظر مقالها: "An ABC of American Interventions"). ولأنه ليس فى الإمكان التعرض لكل تلك الحروب هنا فإننا نكتفى بتقديم بعض الأمثلة التى تنوب عن غيرها فى إعطاء صورةٍ للإجرام الأمريكى البشع الذى يريد أن يضحك على ذقون البشر متظاهرا أمامهم بأنه ضحية مسكينة، مما يذكرنا بالثعلب الخبيث الذى ارتدى يوما ثياب الواعظين، ومشى فى الأرض يهدى ويسب الماكرين، ويدعو الديكة والدجاج إلى الصلاة خاشعين، حتى يخرجوا من حظائرهم مطمئنين، فيكونوا له طعاما هنيئا، لعنه الله والملائكة والناس أجمعين. إن بوش، عندما يحاول خَتْلنا عن عقولنا بهذه الطريقة الفِجّة، لَيُذكّرنا بعنوان تلك القصة القصيرة التى أبدعها قلم نجيب مخفوظ، قصة "الشيطان يعظ"، إلا أن الشيطان الأمريكى المطرود من رحمة الله والملعون فى الأرض والسماء والبحار والقفار وفى جوف المحار لَيتفوّق على كل الشياطين والمردة والعفاريت والغيلان. إنه شيطان نسيج وحده، وبئس هذا لأمريكا تفردا وتميزا!
يقول حسـني إبراهيم الحايك تحت عنوان "أمريكا بلد قام على الإرهاب": "إن المراقب للتاريخ الأمريكي تصدمه وقائع الطريقة التي تَعَامَلَ بها الأمريكيون مع شعوب العالم، إذ سرعان ما يكتشف المرء ألا فرق بين نظرة اليهود إلى الأمميين ونظرة الأنجلوسكسون إليهم. والسبب هو أن الولايات المتحدة الأمريكية تشكلت، بعد اكتشافها، من عناصر أنجلوسكسونية كان الغالب عليها العرق البريطاني الأبيض الذي يشمل الإنجليز واليهود الغربيين، ورافقت حملاتِ الإرهاب والإبادة ضد الهنود الحمر حملاتُ الاسترقاق من أفريقيا، والتي كان أهم تجارها من البروتستانت واليهود. وجميع الوثائق التاريخية تشير إلى ذلك دون مواربة أو تعصب أو اتهام. وراحت الولايات تتشكل حتى جرت أحداث الحرب الأهلية الأمريكية بين الجنوب والشمال، وانجلت عن تشكل ما يسمى: "الولايات المتحدة الأمريكية". ومع مطلع القرن السابع عشر كان عدد الهنود الحمر في عموم القارتين الأمريكتين أقل من ثمانية ملايين بعد أن كان أكثر من خمسين مليونا... و يكفينا أن نذكر أنه في عام 1730 أصدرت الجمعية التشريعية (البرلمان) الأمريكي لمن يسمون أنفسهم: "البروتستانت الأطهار" تشريعا يبيح عملية الإبادة لمن تبقَّى من الهنود الحمر، فأصدرت قرارا بتقديم مكافأة مقدارها 40 جنيها مقابل كل فروة مسلوخة من رأس هندي أحمر، و40 جنيها مقابل أَسْر كل واحد منهم، وبعد خمسة عشر عاما ارتفعت المكافأة إلى 100 جنيه، و50 جنيها مقابل فروة رأس امرأه أو فروة رأس طفل (هذه هي الحضارة الأمريكية التي يتشدق بها بعض المفكرين). وفي عام 1763 أمر القائد الأمريكي (البريطاني الأصل) جفري أهرست برمي بطانيات كانت تستخدم في مصحّات علاج الجدري إلى الهنود الحمر بهدف نشر المرض بينهم، مما أدى إلى انتشار الوباء الذي نتج عنه موت الملايين من الهنود، ونتج عن ذلك شبه إفناء للسكان الأصليين في القارة الأمريكية. إنها حرب جرثومية بكل ما في الكلمة من معنى، ونشر مرض الجدري من أسلحة الحرب الجرثومية. وكان أخطر ما فيه أنه لم يكن لهذا المرض أي وجود في القارتين الأمريكتين. يعني ذلك أن هذا المرض لم يكن مستوطنا هناك، ويعني هذا أيضا أن السكان الأصليين ليس لديهم أية مناعة ضد هذا الوباء الجرثومي. والمجرمون الذين استخدموا هذه الأسلحة الجرثومية يعلمون بأنه سيفتك إلى حد الإبادة بالهنود الحمر، ورغم ذلك استخدموه، فكانت هذه الحادثة هي أول وأكبر استخدام لأسلحة الدمار الشامل بشكلها الشامل ضد الهنود الحمر، حتى إن القنابل النووية التي أطلقت بعد ذلك بما يزيد عن قرن ونيف على هيروشيما وناجازاكي لم تكن أكثر فتكا من جرثومة الجدري المستخدمة ضد الهنود، حيث قتل من اليابانيين 5% من عدد ضحايا الهنود في تلك المجزرة. حتى في موضوع استخدامات أسلحة الدمار الشامل لا يسعنا إلا أن نذكر أن أمريكا أكثر مَنِ استخدم أسلحة الدمار الشامل في العالم. فهي استخدمت الأسلحة الجرثومية بشكلها الواسع وقتلت أكثر من سبعة ملايين هندي أحمر. وأمريكا أكثر مَنِ استخدم الأ

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  إسماعيل أدهم، ذلك المغرور المنتحر!وقفة مع كتابه: "لماذا أنا ملحد؟"

 ::

  مع جعِيط وزعِيط ومعِيط ونطّاط الحِيط! ج2

 ::

  مع جعِيط وزعِيط ومعِيط ونطّاط الحِيط! ج1

 ::

  المستشرقون الجدد: دانيال بايبس وبقية أفراد العصابة 2/2

 ::

  المستشرقون الجدد: دانيال بايبس وبقية أفراد العصابة 1/2

 ::

  سُورة الحَفْد وسُورة الخَلْع: هل هما فعلا قرآن؟

 ::

  أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟(2)

 ::

  أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟(1)

 ::

  الإسلاموفوبيا: هل هى خرافة حقا؟


 ::

  "حياة سابقة"مجموعة قصصية جديدة للكاتب العراقي علي القاسمي

 ::

  وزير التعليم المصري: مستوي التعليم في مصر تراجع بسبب مجانية التعليم وعدم التركيز علي البحث العلمي

 ::

  أيها الحزن الصديق!

 ::

  كهوف تاسيلي أقدم لغز بشري عمره ثلاثون ألف عام

 ::

  المجتمع المدني والدولة

 ::

  نكتب لأننا نرجسيون

 ::

  العالم العربي وتحديات الحداثة... وجهة واعدة على رغم الآلام

 ::

  كيف سحب الصحفي انور مالك البساط من تحت اقدام الجزيرة؟

 ::

  الإسلاموفوبيا والفلاسفة الجدد

 ::

  الحمية الخاطئة تؤدي الى السمنة



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.