Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

ابتسامة... ومجرد إيماءة!!!!
مجدولين جبريل   Monday 18-12 -2006

للمرة العاشرة أنظر إلى نفسي في المرآة وأتأكد من شعري... وأحمر الشفاه وخط الكحلة... والظلال فوق عيني... التي أضعها للمرة الأولى منذ أشهر... ربما سأراه مرة أخرى... تأكدت من تناسق ألوان ملابسي ومناسبتها على جسدي، لقد زاد وزني في الأشهر الأخير أكثر من عشرة كيلو جرامات... ولكن عادتي بشراء ملابس واسعة طوال الوقت تنقذني من شراء ملابس جديدة كلما زاد وزني...
وزني يزيد لأني أتسلى بتناول الطعام... صنع الطعام والتهامه متعة وإدمان يشاركني فيه كثيرين... خاصة وبأن حياتنا في هذه البلاد لا تسمح لنا بكثير من المتع... لبست معطفي بمحاولة لإخفاء هذه الكيلوجرامات... مقنعة نفسي بأني سأتبع نظاماً غذائيا في الأسبوع المقبل حتى أخسرها...
وها أنا أنظر للمرآة من جديد وأتأكد من كل شيء مرة أخرى... حملت حقيبتي وتوجهت للباب... نظرت إلى يدي وتذكرت بأني نسيت الأوراق التي أنا ذاهبة من أجلها اليوم لمكان لم أزره منذ أعوام... في الخارج كان ينتظر ذلك القط الرمادي العجوز... الذي أمرتني أمي بأن أطرده من البيت لأنه يخيف قططنا الصغيرة... لكنه مسكين ويبدو بأنه لن يطول به البقاء فوق هذه الأرض... إن أخي يمازحني دائماً ويقول لي بان كل القطط في حارتنا تتبادل الحديث عن دارة العجزة الخاصة بالقطط التي أنشأتها أنا في بيتنا...
ربما أنا أخاف أن لا أجد من يعتني بي عندما أصبح مثل هذا القط العجوز في المستقبل... لهذا أحاول أن أساعد هذه القطط فربما تشفع لي في كبرتي وأجد شخصا مثلي يعتني بي كما أعتني بها...
لقد حاولت إقناع أختي بأنه لا جدوه من التسجيل في نفس جامعتي... لقد كانت في يوم ما ملاذ لكل المثقفين والوطنيين ولكنها الآن مجرد مكان آخر لعرض الأزياء والمزيد من الابتذال... لقد تغيرت كما تغير كل شبر في هذه الأرض... لقد أعجبني تعليق لصديقة قديمة التقيتها صدفة... بأن طلاب الجامعة كانوا في السابق رجالا يعتمد عليهم ولكنهم الآن حالهم حال معظم الشباب، وليس كلهم... "ولاد ما بنقضوا وضوء"....
نظرت إلى ساعتي وأنا أتوجه نحو موقف الباص فوجدتها تشير للساعة الثامنة والنصف... الوقت ما زال مبكراً... فمكتب التسجيل لا يفتح قبل الساعة التاسعة والنصف....
تذكرت كم كان الوقت يمضي سريعا في تلك الأيام... كيف كنت أنتظر رؤيته... كان بالنسبة لي ملاذاً ... ابتسامته وحكمته.... وبدلته الكحلية... وقميصه الأبيض الذي لم يلبس عليه يوماً ربطة عنق... لم يكن يكبرني إلا بعشر سنوات... كنت أحس بأنه أكثر الرجال حكمة... ومعرفة... وكنت شبه متأكدة بأنه يحاضر من أجلي فقط... وبأن تلك الكلمات عن التاريخ والقضية والسياسة كانت كلمات حب وعشق وهيام....
كنت أدرس من أجله... وأجتهد ليفتخر بجهدي... كنت أود لو أستطيع الاعتراف بحبي له... كانت إحدى صديقاتي تتخيل دخولي عليه في مكتبه مستفسرة عن مشاعره.. مغنية أغنية ميادة الحناوي.. " بتحبني ولا الهوى عمره مازارك؟؟؟" وكنا وقتها نضحك بصوت عالي حتى نسقط أرضاً...
قطع أفكاري صوت الباص يقف بجواري... أصعد للباص والمذياع يصدح بصوت قارئ يجود القرآن... وجلست لأعود لذكرياتي...كان بيته قريباً من مكان سكني في المدينة الجامعية... وكنت أتعمد المشي بقرب بيته أنا وصديقاتي علنا نصادفه... أذكر مرة كان علي امتحان في مادته... ورآني قرب سور بيته وابتسم... فرددت على ابتسامته... صباح اليوم التالي كنت لم أنهي دراسة المادة... فطلبت منه أن يسمح لي بتقديم الامتحان مع الشعبة المتأخرة... فابتسم وقال لي ممازحاً... "كان الأجدى أن تدرسي امتحانك ولا تضيعي الوقت في التسكع بالطرقات..." وقتها احمر وجهي خجلاً ولم أستطع أن أرد عليه... لكنه ابتسم وسمح لي بتقديم الامتحان معهم...
وأذكر بأنه التقاني ليلة الإعلان عن نتيجة الامتحان... وأخبرني بأنني لم أحصل على درجة جيدة... ليلتها بقيت أبكي طوال الليل... ولم أستطع أن أنام... ولكن صباح اليوم التالي وعندما أعطاني ورقتي اكتشفت بأني لم أنقص سوى أربع علامات عن العلامة الكاملة... وقتها نظرت إليه معاتبة... وابتسم من جديد...
قطع حبل أفكاري من جديد صوت المذياع ينقل صوت تلك المرأة التي تبكي بحرقة... وهي تتساءل لماذا أصبحنا الآن نقتل بعضنا البعض بدلا من مواجهة الاحتلال... لم تذهب من مخيلتي صورة الأطفال الثلاثة غارقين بدماءهم... ما ذنبهم ليدفعوا ثمن صراع لا أساس له من الصحة... فالحقيقة بأننا يجب أن نعترف مرة واحدة... وأن نسمح لأنفسنا بخلع كل الأقنعة... حكومتنا وسيادتنا ليست بيدنا... هي بيد الآخر... لذا فمن يريد تحرير الوطن لن يحررها من هذا الكرسي الذي التصق به... التحرير من هناك... لنتحد أولا... ولا نختلف من أجل شيء هو ليس حقنا أصلاً.. لنتوقف عن حرق الأحلام الجميلة.. لنتعلم كيف نهدأ ونفكر بمصلحة هذا الوطن وأبناء هذا الوطن هنا وفي الشتات...
لقد كان دائما يتكلم عن الوطن... وعن النضال بشكل رائع... فلقد كان أستاذاً ومناضلاً سابقاً احتضنته سجون الاحتلال وهذا الوطن بعنف شديد... لقد كان يحدثنا عن كل شيء... ويحملنا إلى هناك.. إلى الأرض التي كنا نعتقد بأنه لا أروع ولا أجمل منها... يحول الحلم إلى واقع... ويفرح قلوبنا الكسيرة...
كان يقول دائماً بأن الطلاب الذي سبقونا كانوا مناضلين ومثقفين... وأكثر اجتهادا وتصميما... أما نحن فقد كنا أقل منهم في كل شيء... أذكر بأنني بعدما تخرجت ذهبت لأحضر محاضرة له.. وأذكر بأنه كان يتكلم عن جمال عبد الناصر بكل حب وإعجاب... وإذا بإحدى الطالبات تقف وتسأله وبكل بساطة :" أستاذ بس بدي أسألك مين عبد الناصر؟؟؟؟؟؟"... وقتها أحسست بأنه تمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها... كان يظن بأنه لن يجد من هم أقل منا معلومات... ولكنه وأكيد وقتها تمنى لو أنه لم يسمع مثل هذا السؤال من طالبة متخصصة في مادة العلوم السياسية!!!! نظر إليها... وأجابها وبكل تهذيب عن سؤالها... وأحسست بأناها لم تفهم شيئاً مما قال... لأنها التفتت لزميلها الذي يجلس خلفها... وانخرطت معه بالحديث...
يومها عندما انتهت تلك المحاضرة نظر إلي وطلب مني الانتظار... ابتسمت وفرحت لطلبه هذا وكنت أمني نفسي بحديث مطول معه خاصة بأنني كنت قد قررت إكمال الماجستير... سرت معه نحو مكتبه... يومها سحب لي الكرسي كما في الأفلام وطلب مني الجلوس... جلس ينظر إلي قليلا ومن ثم قال لي.. "لماذا تحضرين محاضراتي؟؟؟ هل تراقبين أسلوبي بالتدريس؟؟؟ هل تغيرت؟؟؟"
يومها أجبته بأنه لم يتغير ما زال يدرس بطريقة رائعة ومشوقة مليئة بالمشاعر... ولكن طلابه أصبح يجرحون القلب والفكر... وأخبرته بأنني أريد أن أكمل دراستي... يومها شجعني وشد على يدي... عندما خرجت لأخبر صديقتي ما جرى... وكنت منفعلة جداً وأنا أحدثها كيف سحب لي الكرسي وكم كان رقيقاً وهو يحدثني.. وكم كنت سعيدة لما حدث... أشارت لي صديقتي بأن أخفض صوتي ولكني لم أهتم... وقتها كان يمر من خلفي... وقالت لي صديقتي بأنه على الأغلب استمع لأهم المقاطع من حديثي...
عندما كنت أدرس لأحصل على درجة الماجستير... كان مرشدي... لم يكن مرشدي وحدي بل كان مرشد كل دفعة التخصص... ولكني كنت أحب فكرة بأن يكون مرشدي.. كأنه مرشد روحي وليس أكاديمي... عندما كانت تصلني رسالة منه على بريدي الإلكتروني.. كنت أكاد أرقص فرحاً كأنها رسالة حب وليست توجيهات أكاديمية...
كنت أحب أن أسأله عن كل شيء... حتى لو كنت أعلم جواب سؤالي... أتذكر يوم مناقشة بحث تخرجي... كان هناك... صافحني وهنأني... وقال لي فقط " مبروك... لقد أنهيت متطلبات التخرج..." تمنيت لو تطول تلك اللحظة... لكني لم أره منذ ذاك اليوم...
ها أنا أقترب من ذاك المكان الذي لم أزره منذ أعوام... وأنظر لمرآتي الصغيرة... وأتأكد من شعري... وأحمر الشفاه وخط الكحلة... والظلال فوق عيني... التي أضعها للمرة الأولى منذ أشهر... ربما سأراه مرة أخرى... وأتساءل هل سينتبه للون شعري المختلف... لقد أصبح أقرب للون الأحمر... فلقد بدأت أصبغه لأخفي الشعيرات البيضاء التي بدأت تتخلله... ربما سيلاحظ بأن وزني قد زاد... فلقد كنت أكثر رشاقة في ذلك الوقت... هل يا ترى سيتذكرني؟؟؟ هل يفكر في كما أفكر فيه؟؟؟
دخلت لحرم الجامعة... ونقلت بصري في كل مكان علني أجده... ولكن من دون جدوى... لم أرى سوى أكوام من الطلاب تتكدس في كل ناحية... في أيامنا كانت الجامعة واسعة ورحبة ومريحة... رغم أن مساحتها كانت أصغر من مساحتها اليوم...
هناك شيء لم يتغير منذ أيامي... ما زالت الحركات الطلابية... تحمل مجرفونات وسمعات... وتصرخ بأعلى صوتها... بشعارات أكل عليها الدهر وشرب.. تحول الجامعة لساحة معركة... ولا نرى شيء لمصلحة الطلاب أبداً... انتخابات وحفلات .... وندوات... لكل الأفكار... ولكن مصلحة الطالب آخر شيء يبحث عنه...
صعدت الدرجات لأصادف صديقة كبيرة وقديمة أخرى ما زالت تعمل هنا... أخبرتني بأن ابنتها ستتزوج وهي الآن تبحث عن شقة تستأجرها... سألتني إن كان هناك بيوت حولنا جميلة وإجارها ليس مرتفع... قلت لها بأن البيوت حولنا جميلة جداً ولكن إجارها ما زال مرتفع...
ودعتها ونقلت بصري من جديد علني أجده لكن لا جدوى... ها هو صديق قديم آخر ما زال يعمل هنا أحيه واسأله عن أحواله... وأتذكر زميلي الذي علق علي يوماً... " هل تركتي أحداً لم تصادقيه في هذه الجامعة؟؟؟ المراسلين والسواقين وعمال الكفتيريا والنظافة؟؟؟"... بصراحة كنت أحب أيامي في هذا المكان... وأحب كل ما يتعلق به... رغم أنني كلما أتواجد فيه اليوم أحس بالاختناق والوحدة تقتلني...
ما زلت أبحث عنه ولا أجده... ولا ألمحه... أنا أعلم أين مكتبه... ولكن مصادفته ستكون أكثر شاعرية... أنتهي من معاملاتي ومن أوراقي التي أحضرتني اليوم هنا... أودع أصدقائي... وأنزل الدرجات نحو البوابة...
هاهو يقف هناك يتحدث بهاتفه الجوال... أنظر إلى نفسي وأتأكد من أن كل شيء على ما يرام... وأقترب منه.. أحيه بابتسامة... فيرد علي بابتسامة... ومجرد إيماءة... ويكمل طريقه مشيراً لي بيده اليمنى التي تحمل الجوال.. ويلمع خاتم الزواج يحتضن إصبعه... أشير برأسي... وأكمل طريقي نحو بوابة الخروج....



[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         
  مجدولين جبريل -  فلسطين       التاريخ:  24-01 -2008
  عزيزتي لولا شكرا لأنك مررتي بقصتي
   ومتأسفة لأنني أرد بعد هذه المدة الطويلة، ولكن شكرا لك


  لولا -  عراق       التاريخ:  08-06 -2007
  قصتك ليست جميلة فقط بل رائعة
   عندما قرئتها مع كل سطر تذكرت الجامعة والاصدقاء والضحكات شكرا لانك جعلتني اتذكر اجمل الايام


  جمانة جبريل -  Palestine       التاريخ:  18-12 -2006
  قصة جميلة
   تضاف الى قائمة قصصك الرائعة
   حماكي الله
   



 ::

  فرار

 ::

  كراسي في الأراضي الممزقة!!!

 ::

  انطلق

 ::

  أربع ساعات وعينيك

 ::

  فلسطين... والانتخابات

 ::

  أرملة...


 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  قائدة الثورة المصرية.. أسماء محفوظ..محطمة حاجز الخوف

 ::

  العلاج بالروائح العطرية

 ::

  الصحافة ايام زمان

 ::

  الفلافل.. مكونات مختلفة لوجبة متكاملة القيمة الغذائية

 ::

  مساواة المرأة بالرجل في الثرثرة!

 ::

  النباهة والاستحمار



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.