Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

الكتابة السردية النسائية ورؤية العالم
القاص والباحث عبد النور إدريس   Wednesday 18-10 -2006

مقابلة الواقعي بالسرد النسائي
يشكل العالم الروائي ذلك التكامل الرائع بين الهاجس الفني من حيث البناء السردي برؤاه الإبداعية والوعي بالعوالم الداخلية للواقع المتشكل كواقع موضوعي ، وقد كان يُفهم العمل الروائي سابقا كامتداد للواقع مشمولا بالبنية الفكرية التي يحيل عليها " حيث كان السرد المطابق للواقع يعتبر ، أخلاقيا ، خاطئا إذا لم تعاقب الأفعال الاأخلاقية أو الاقانونية التي يمثّلها " (1 ).
وقد كان الجدل الديني الذي استحكم القرنين السابع عشر والثامن عشر هو الذي عمّق الهوة بين الواقع الدنيوي والواقع الديني الذي سيطرت عليه منظومة العقاب حتى أن لينارد ديفز Lennard Davis اعتبر أن الرواية سجل حي للتفاعلات الاجتماعية والسياسية ، وبذلك كان عمل السوء ضمن العمل الروائي يعاقب عليه المؤلف في الدنيا وفي الآخرة ، ويذهب ديفز إلى أنه " لم يكن هناك في تلك الظروف المتوفرة تمييز واضح بين المسرودات الصحيحة و المسرودات الكاذبة ، كما ندرك نحن ذلك " (2) ، وقد اعتبر مارتن والاس أن نظرية ديفز هاته ممتعة إلى حد أنه قد قارب من نظرية التلقي إشكالية تعامل القارئ مع السرد الروائي واختلاف العصور في التمييز بين الواقعي والمتخيل، الأدبي واللادبي والجمالي والأخلاقي .
ومن ذلك وسمت نظرية ديفز هاته السرد النسائي بنفس الملمس على اعتبار أن المرأة لم تخرج بعد من دائرة اشتمال كتابتها على الاحتمالات الواقعية فيما يتعلق بالمزج بين الذاتي والموضوعي في التعامل مع متخيّلها، ومن ذلك مارس النقد الأدبي "عقابا دنيويا " جعل كل المتخيل السردي النسائي مسكونا بهاجس الذاتي، كسيرة ذاتية، تقوم فيه الكاتبة بسرد ذكرياتها وأسرارها.
أما اليوم و بالرغم من القناعة الحالية الثابتة فيما يتعلق بأرضية الحقل الأدبي المعتمد على الخيال وبالتالي على احتواء السرد النسائي على جوهر قضايا الإنسان فما زالت نفس أحكام الماضي تشمل الكون الروائي للنساء" فنحن مثلا لم نعد نفهم الأحكام التي كانت تتعرض لها في بعض الأحيان بطلات روايات الماضي ، بعدما لم نعد ننظر إلى الحب خارج المؤسسة الزوجية كتجربة لروح فاسدة" (3).
كل ذلك لا ينسينا التنويه بالمقومات البنائية للقرن الثامن عشر التي جعلت الرواية تحتل بؤرة الوعي الاجتماعي والسوسيولوجي والتي استطاعت ببراعة كتابها أن تجعل القارئ لايفرق بين الواقع والخيال واعتبار السرد حقيقة جديرة بالعقاب البشري والإلهي.
إن نظرية الانعكاس واعتبار الفن الروائي مرآة عاكسة للواقع تجعل العمل الأدبي مرتبط ارتباطا وثيقا بالواقع الاجتماعي وبالبنية الفكرية للجماعة موضوع السرد وقد اعتبر لوسيان غولدمان هذه الأطروحة مسلمة بديهية بالنسبة للمادية الجدلية كمنهجية للعمل قابلة للتجاوز عندما قال " كل سوسيولوجيا للفكر تقبل بوجود تأثير للحياة الاجتماعية على الإبداع الأدبي" (4) .
فالسوسيولوجيا يمكن أن تسهم بقوة في غنى الحوار النقدي وتجعل الروائي في علاقته الحميمية بمجتمعه هي المحرك الأساسي الراصد في تحليل المجتمع وبناء رؤاه من داخل الوعي الاجتماعي ذاته مأخوذا بإيقاع الحياة النابض وبالأنساق الفكرية التي يتحرك المؤلف والسارد ضمنها ، كل منهما على حدة ، وقد حاولت البنيوية التكوينية تعويض نظرية الانعكاس بنظرية التماثل البنيوي حيث تكون العلاقة بالشكل الروائي والواقع عوض المضمون الأدبي والواقع، وبذلك يصبح المضمون الفكري في الرواية يقابله التسلسل المنطقي للمضمون الفكري في الواقع، لكن ومع كل ذلك فالرواية تصنع عالمها الخاص وأنماط وعيها الخاصة بها في ضوء خطابها الذي يتلاقى أحيانا بالواقع الاجتماعي " فليس الروائي هو الذي يضع الرواية بل الرواية هي التي تضع نفسها بنفسها" كما عبّر عن ذلك ميشيل بوتور .
من خلال هذا المعطى وباعتبار السرد النسائي المغربي يعبر عن الواقع الاجتماعي المتفاعل مع رؤاه الأيديولوجية، راوحت قراءتنا النقدية لبعض النصوص السردية النسائية (نص زهور ﮔرام، قلادة قرنفل) و التي تجعل ثيمتها الأساسية تتمحور حول وضعية المرأة خارج المناولة التي تضع نصب أعينها العمل السردي مأخوذة بسحر "النص المفقود"، أي عبر الدخول إلى النص السردي من الداخل ومن خلال رؤية أخلاقية واجتماعية بالمفهوم السوسيولوجي مقرونة بهاجس أيديولوجية الساردة مع الأخذ بعين الاعتبار الطرح المفاهيمي النقدي ،مع فتح إمكانية السرد العربي ل" تجاوز حدود التأثر الدائم والمتواصل دائما إلى الإسهام والتأثير "(5) بالرغم من أن د. سعيد يقطين ما يزال مستبعدا هذا التأسيس وإن كان هو بإنتاجاته النظرية بكتابه" القراءة والتجربة.." قد أزاح الحجرة الثقيلة من فوق الفكر السردي العربي .
هذا و دون اللجوء إلى إعادة إنتاج النص للمرة الثانية عبر شرحه بلغة أخرى على اعتبار إن السرد في علم النص هو بناء فني ذو طوابق، وهو يخالف بذلك منهجية التسطيح.
فخلال العملية النقدية التي نقاربها ستشرئب الكتابة النقدية بعنقها هنا، نحو العملية الإبداعية إذ نعتبرها وظيفة إبداعية وليست نقدا أو شرحا ،لأنها تعيد صياغة متخيل الرواية انطلاقا من القراءات المتعددة التي يقيمها المتلقي على هامش النص الأصلي.
أما الخلفية النظرية لهذا التوجه المنهجي فهي تشير بالتلميح إلى العديد من المحاولات النقدية التي ما تزال عملية" حذف المؤلف" أو " "موت المؤلف" قائمة بها على اعتبارأن التأويل ليس من شأن المؤلف "فالرواية، كما هو حال كل نص إبداعي، آلة مولدة للتأويلات، لذا على الروائي أن يموت لكي لا يشوش على مصير نصه"(6).
فمن خلال حضور هذه المنظومة النقدية اعتُبر العمل السردي النسائي سلوكا شخصيا للكاتبة حيث يُفسر بحسب هذا المعطى وليس انطلاقا من النص ذاته فما " هو حاسم، ليس هو نوايا المؤلف بل الدلالة الموضوعية التي يكتسبها النتاج، بمعزل عن رغبة مبدعه وأحيانا ضد رغبته" (7)، وقد عانت الكاتبات على المستوى الشخصي من استمرار حضور نظرية المحاكاة ، من نزق شخوص رواياتهن ومن محاولة ربط الشخصية الروائية بالشخصية الواقعية وهي كما قال حيدر حيدر " محاولة لا تنتمي إلى الأدب ، بل إلى المحاكم وسجلات الشرطة وتقارير الأحزاب ولا تقل عنها خرقا وجهلا محاولة ربط النص بالواقع ربطا آليا أو حرفيا " فالنص السردي النسائي إذن ليس تشكيلا جديدا لإعادة صوغ الواقع أو عكسه أو محاكاته ، إذ الواقع هو ما لانستطيع رؤيته من حيث أنه المتواري والمختبئ وراء العادات الكلامية والأخلاقية والقيمية وهو العمق المكشوف الذي يمتاز بسطح شفاف هو ما يستطيع الوصف إدراكه والنيل من عريه وفضحه، كما أن بعض الكاتبات يشتملن على نوايا واعية وأفكار تحررية سياسية وفلسفية وأدبية لكن طريقة الرؤية التي يرين بها أو يحسسن بها العالم من حولهن تجعل يون باسكاوي يتساءل عن الكيفية التي " تحول تجربة ورؤية المجموعة الاجتماعية أو الطبقة إلى طريقة للرؤية وللإحساس لدى الفرد دون أن يمس ذلك أفكاره ونواياه" (8).
فالرواية النسائية لم تستطيع كرديفتها الرجالية أن تخلق نسق ما يتجاوزها بحكم تغلغل القيم الذكورية الكابحة ولهذا كان نيتشه يقول أنه، "عندما تكون للمرأة قيم ذكورية، يجب ألا يُعتد بها،وعندما لا تكون لها قيم ذكورية ، فهي التي لاتعتد بنفسها، فهي التي تهرب"(9).
ويمكن أن نجزم غير مغالين بأن الرواية النسائية ستكون هي مستقبل الرواية الرجالية، فكان لابد أن يتم التعرف على حدود شرطها المعرفي في ذواتنا أولا وبالتالي ينبغي المرور إلى المعرفة بحدودها القصوى كمتخيل له مشروعية التواجد لتحديد التفارق ما بين الواقع الموضوعي،عن الواقع الصوري ، في انتظار نشوة السعادة الممكنة التي ينسجها الوعد برواية تزيح الغطاء عن المستور والزائف والأقنعة المفارقة، فالفن استيهام للجميل، لعبة بريئة ومتعة خالصة كما يقول كانط، تفتح عتبات الإمكان وهو عند استندال standal " وعد بالسعادة " وليس السعادة ذاتها باعتباره مدارا لطرح الأيديولوجيات على الطريق فحسب أدورنو فالأيديولوجية التحكمية تعجل بنهاية الفن ، وإن انفلتت الرواية من هذا المصير فإنها قد عملت على تحييد قوتها النقدية بإتقانها شرعية الحياد الملتبس كما شرعنه أفلاطون عبر جمهوريته كقوة انتقاديه للسلطة القائمة في عصره وينطلق من العمل الأدبي ليعود إليه و يفترض توافقه مع الوقائع الأدبية حيث مزجنا بين ثلاث أساليب في التحليل ما بين أسلوب تحليل المضمون وأسلوب تحليل الأدوار وأسلوب دراسة الحالة.
الأسلوب الأول يعرفه بيرلسون B .Berelson بأنه" أسلوب للبحث يستهدف وصف المضمون الواضح للاتصال وصفا موضوعيا ومنظما وكميا" ، ويمكن أن ننظر من خلال هذا الأسلوب إلى معرفة مدى الحرية والمساواة التي تتمتع بها المرأة المغربية في السرد النسائي ، وما إذا كان هذا السرد يساهم في إعادة إنتاج وتنميط نفس الدور لها ، وهو أسلوب يساعد على فهم العمل الأدبي وتقويمه.
أما أسلوب تحليل الدور ومن خلاله سنتعرف على الدور الاجتماعي Position والدور Le Role والدور المقابل والحقوق والواجبات وإدراك الدور وسلوكه وصراعه ، لمعرفة توقعات الشخصيات إزاء بعضهم البعض، مثل معرفة الأبعاد الأساسية لسلوك المرأة المغربية بالرواية النسائية مستكنهين المفاهيم الإدراكية المحيطة بها من حيث الثنائيات الضدية المستحكمة لمجالات تحركاتها الاجتماعية :
السلبية / الإيجابية ، الغيرية / الذاتية، العاطفية / العقلانية.
فبُعد السلبية/ الايجابية مثلا يمكن أن يناقش معالجة المرأة لضعفها بالبكاء، ارتباط المرأة برجل لحمايتها في مجتمع يسوده الرجال ،إشكالية الدوافع الحقيقية للمرأة وعدم التعبير عنها ، فالسلبية درجات والأدوار التي يتوفر عليها السرد النسائي المغربي متعدد إلا أن استخدام هذا المقياس يمكن أن يضعنا على جانب قوي في معرفة الدرجة و في حدود موضوعيتها وعلاقة أبعادها بالقيم الرسمية ،" بيد أن سلبية بطل الرواية ليست ضرورة شكلية ، بل إنها تميز علاقة هذا البطل بروحه وبالعالم المحيط به . فليس عليه هو ذاته أن يكون بالضرورة سلبيا ، ولذلك فالسلبية هي بالنسبة إليه كيفية خاصة من الكيفيات السيكولوجية السوسيولوجية، وهي تحدد، من الإمكانيات البنائية للرواية ، نموذجا معينا" (10) .
كما سنتطرق من خلال النموذج التي سندرسه – نموذج زهور ﮔرام - إلى خوض غمار أسلوب دراسة الحالة لمعرفة مدى قرب أو ابتعاد الدور النسائي بالرواية من خلال مفهوم " البطل الإيجابي " من القيم الرسمية وهي القيم التي سنستعملها كإطار مرجعي لإثبات أو نفي قرب العمل الأدبي من القيم القديمة والحديثة للأسرة المغربية .
وبما أن سوسيولوجية الأدب عند بيير زيما تعيش مأزقها الناتج عن تعقيداتها كعلم مزدوج موضوعه البنية الاجتماعية والبنية الأدبية في نفس الآن، فعلى النقد السوسيولوجي أن يصير بحثا متعدد الاختصاصات من حيث أن النص الأدبي المعاصر عند الناقد أحمد اليابوري " يُتيح مقاربات نقدية متعددة، بنيوية وتيماتية وبنيوية تكوينية وتحليلية نفسية وسيميائية وأسطورية.." (11).
ـــــــــ الواقع الروائي و رؤية العالم ـــــــــ
كيف تحولت الواقعة الاجتماعية في استطيقا الرواية إلى عمل من اللغة والخيال؟
يتحول السلوك الاجتماعي داخل الرواية من الواقعي إلى المتخيل بحيث يصبح من الصعب التحقق من معادلته الاجتماعية وقد اتخذ جاك دوبوا موقفا من العلاقة التي يقيمها العمل الروائي مع الواقع فلم يقبل " التعامل مع العمل الأدبي على أنه مجرد انعكاس للعالم الاجتماعي" (12) فبالنسبة لجاك دوبوا فالمجتمع هو" مجتمع الكتاب " الذي يبرزه العالم المتخيل.
لقد حدد غولدمان مفهوم رؤية العالم باستعماله في البحث تماثل البنية لدى أيديولوجية الفئة الاجتماعية بحيث جعله شاملا للاتجاهات الواقعية والوجدانية والفكرية وحتى الحركية لأعضاء مجموعة ما، بينما "على عاتق الكاتب المتميز يقع نقل هذه الرؤية نحو أعلى قدر من الوعي مع الاحتفاظ بها ،على مستوى المتخيل ، بتمثيل مُبَنْين" (13).
وإذ أن هذه الرؤية للعالم تبتعد عن كونها نسقا فرديا على اعتبار أن " الطابع الاجتماعي للمبدع يكمن بوجه خاص في أنه لا يسع أي فرد على الاطلاق أن يقيم بنفسه بنية عقلية متماسكة متطابقة مع ما يسمى" رؤية العالم" "(14) .
فالوجهة النظرهاته تلتقي مع التفكيكية في رفضها الاعتقاد بأن المبدع فرد يملك معاني خاصة به، وحقائق خاصة برؤيته الذاتية، فرؤية العالم تتخذ طابعها الاجتماعي من موقفها اتجاه الكون والإنسان والمجتمع في الربط العقلاني للعناصر المحددة لرؤية هذا العالم، يقول غولدمان في كتابه " الإله الخفي" " إن الكاتب لا يعكس الوعي الجمعي La Conscience Collective (..) بل يقدم بشكل متقن درجة المطابقة البنائية التي أدركها بعمق الوعي الجمعي نفسه فقط. وهكذا فإن العمل يكوّن نشاطا جمعيا عبر الوعي الفردي لمبدعه (..) هو نشاط سوف يميط اللثام بعد ذلك عن الجماعة التي كانت تتحرك نحوه دون معرفته، في أفكاره، ومشاعره، وسلوكه " (15).
فبالنسبة لغولدمان يوجد هناك تطابق بين رؤية العالم كواقع معيش وبين رؤية الكون ضمن الإبداع ، بين الكون الحقيقي والكون ذو العوالم الشكلية المتحقق بالوسائل الفنية المحضة ،التي لاتسقط من اعتبارها أهمية الواقع الاجتماعي " التي تمكن الناقد من اكتشاف ما يطلق عليه " الرؤية الشاملة للعالم"، التي يدعوها أحيانا " الوعي الجمعي"..تلك الرؤية أو هذا الوعي الذي يوجد تعبيرا عن ظروف جماعات اجتماعية محددة ..والذي يزود الناقد بمدخل أساسي للتعامل مع النص الأدبي" (16) فالوعي الجماعي يستطيع تمثل البنية الذهنية للجماعة الاجتماعية ويعبر عنها في أشكال خيالية متنوعة .
ويحتاج هذا الطرح عند غولدمان ضرورة ربط الأثر الأدبي أو الفني بالفاعل الاجتماعي من حيث "أن الأحداث لا تكتسب دلالتها الاجتماعية دون تحديد الفاعل ودوره فيها "(17)، فالأثر الأدبي ليس من إبداع الفرد بل من إعداده لأن النقد السوسيولوجي لا يؤمن بالفاعل الفردي بل بالفاعل الاجتماعي – عكس اتجاه النقد النفسي – انطلاقا من مفهوم الرؤية للعالم كمفهوم جوهري يرتكز في منهجه على مناقشة البُنى الروائية والعلاقة التماثلية بينهما.
ومن هذا المنظار يكون الأثر الأدبي الذي يسمح باستخراج هذه الرؤية للعالم متوفرا على حد أدنى من الانسجام (Cohérence) والتناسق وبذلك يكون الفاعل الاجتماعي(18) – الكاتب(ة)- " هو ذلك الشخص المتميز في مجموعته التي ينتمي إليها بقدرته على خلق عالم فني منسجم يتناسب بنيويا مع سيرورة تجربة هذه المجموعة ". (19)
فالطابع الجماعي للأثر الأدبي معناه حسب غولدمان أن بُنى عالم الأثر تجانس بشكل مُدرك ومفهوم البُنى العقلية ( وهي البنى المقولية ذات الدلالة – structures catégorielles significatives - في حالة إنتاج الفاعل الاجتماعي للعوالم الخيالية) لمجموعات اجتماعية معينة ، والتي لها ارتباط وثيق بالفاعل الاجتماعي، تكون ظواهر اجتماعية وليست ظواهر فردية .
إن التماثل الذي تحيطه البنيوية التكوينية بالاهتمام يستحضر المسار الذي اتبعه ماكس فيبر Max Weber عندما وضع النموذج المثالي في قطب اهتمام نظريته حول الفهم بالرغم من أن التماثل عند دوبوا " يضم شيئا آخر غير الكيانات الفلسفية وحدها" (20) يضم النزوع إلى تثقيف الحاضر انطلاقا من نصوص ذات العلاقة بمفاتيح الواقعة الاجتماعية التي تكشف الحضور الاجتماعي في مستقبل الجماعة .
فالنقد عند دوبوا " ينفتح على الجمعي والاجتماعي عن طريق المقارنة بين الأدبي والأدبي، فالخطاطات المشتركة بين عدة أعمال أدبية هي التي تحيل إلى واقع التفاعلات البشرية" (21) ، وهو إذ يحدد بعض عناصر المنهج يضع للمساءلة عجزه عن تفسير الكيفية التي تجعل إبداعات ذات بنية متماثلة لا تقدم نفس الرؤية عن الواقع ، كما بقي له تفسير كيف أن الكُتاب بالنسبة لهذا الواقع محكومون داخل تناقضات إما يخفونها أو يعملون على تجاوزها .
ويُستخدم مفهوم النظرة إلى العالم ضمن منهجية تلجأ إلى التفسير الكلّي أي تفسير العمل الأدبي في كليته وتماسكه، وهذا التماسك في نظر غولدمان يحقق أن تعمل الأجزاء كلها بطريقة تتمكن بها من إعطاء المجموع دلالته الحقيقية " فالحقيقة الجزئية لا تكتسب دلالتها الحقيقية إلا بمكانتها في المجموع، كذلك لا يمكن معرفة المجموع إلا عبر التقدم في معرفة الحقائق الجزئية" (22)، ويطرح هذا الاستخدام عند ر.هيندلس معيقات ابستمولوجية تطرح على الفكر الجدلي الذي يقول " أن الأجزاء لا تفهم إلا داخل الكل وكل تفسير جزئي يفترض معرفة الكلية" وهذه النظرة إلى العالم تمدنا " بما يسمح بتوحيد الموضوع وإدراك الروابط بين أجزائه فلا يتخذ معناه الكامل إلا في هذه المرحلة، وأن أحد شروط اللجوء إلى هذه النظرة أو تلك يقوم بالضبط في قدرتها على توحيد مختلف العناصر التي يقدمها النموذج الاستطلاعي(23) والترتيب فيما بينها" (24)،وقد تدعو نفس النظرة للعالم بحسب الطرح المنهجي لأحمد اليابوري الأخذ بآليات النقد السيميائي خاصة وأن الجسد الأنثوي داخل الرواية تختزله الأجزاء في دلالاتها على الكل، يقول د. سعيد بنـﮕراد :" فعندما يستعصي العثور على معنى للكل، بإمكان المحلل أن يعود للأجزاء ، فقد لا يدل الكل إلا من خلال أجزائه ،أو قد تختلف دلالة الكل عن دلالة الأجزاء المكونة له، تلك حالة الجسد وتلك حالة دلالاته وأشكاله ومعانيه"(25).
أما الانتقال من النظرة إلى الموضوع يتطلب في نظر ر.هيندلس وخاصة عند التعرض للإشكاليات الجمالية التي تطبع كل سوسيولوجيا جدلية للفن عموما والأدب خاصة ، نوعا من التناسق والانسجام والذي " لابد وأن "يستخرج" من الممارسة ذاتها، وفيما يخصنا هنا ، من ممارسة الإبداع الأدبي" (26) .
أما الحديث عن الربط بين العلاقات المجتمعية الفعلية من حيث اعتبارها محددا أساسيا للإبداع " فيفترض – لدى هيندلس- تدخل "لحظة ذاتية " في عملية التحديد الاجتماعي للعمل الأدبي " نفس المرجع السابق، لتحيل من جديد على مفهوم التناسق الذي يوضح علاقة الأثر الأدبي برؤية العالم داخل بنية سوسيولوجية شاملة.
فرؤية العالم تختلف من عصر إلى عصر كما أنها تأخذ هويتها من جنس الكاتب في تحديد هويتها وآفاق تصوراتها عن ذات الكاتب (ة) ، فالنمطية التي تلتصق بكتابة المرأة لم تكن لتستقر عبر العصور لو لم تكن المركزية الذكورية قوية لدرجة إلغاء كل ما يتحرك في محيطها ومن ذلك يمكن للرؤية الواحدة "أن يكون لها في عصور مختلفة وظيفة مختلفة كأن تكون ثورية أو دفاعية تبريرية أو محافظة أو منحطة" (27) .
إن طريقة رؤية المرأة لعالمها رؤية متشظية يسكنها السلبي في العلاقة مع الآخر القوي أو الذي يُنظر له كقوي يشملها لدى المرأة الإحباط التام من مؤسسات الشأن العام وإن كانت تجمع بين الخاص بجزئياتها والعام بفضائه العمومي يصبح بين أيدي الكاتبات أكثر وضوحا حيث تلتقي المشاكل الكبرى بالأجوبة الأساسية لخلق علاقة حميمية بين الإبداع الأدبي (السردي) بوظيفته الاجتماعية، لكن تبقى مسحة الحزن على ضياع الذات واضحا يستصرخ الذات المفزوعة من الواقع المخيف بزمنه وضبابية وجوده.

هوامش البحث
1- مارتن والاس" نظريات السرد الحديثة " ترجمة ، حياة جاسم محمد، المجلس الأعلى للثقافة ، المشروع القومي للترجمة 36 سنة 1998 ص: 60.
2 - نفس المرجع السابق ص: 60.
3 - " نظريات القراءة: من البنيوية إلى جمالية التلقي " تزفيتان تودوروف، القراءة كبناء، ترجمة د.عبد الرحمان بوعلي، دار الحوار للنشر والتوزيع سورية ،الطبعة الأولى 2003، الصفحة: 49.
4-" البنيوية التكوينية والنقد الأدبي "،لوسيان غولدمان ، ترجمة ،محمد برادة، مؤسسة الأبحاث العربية ،بيروت لبنان ،الطبعة الثانية ،سنة 1986،الصفحة :13.
5- جيرار جينيت " عودة إلى خطاب الحكاية " ترجمة: محمد معتصم، تقديم د.سعيد يقطين ،المركز الثقافي العربي الدار البيضاء الطبعة الأولى سنة 2000، التقديم.
6- -أمبيرطو إيكو "حاشية على إسم الورد"التقديم، ترجمة وتقديم :د. سعيد بنگراد، منشور بموقع د.سعيد يقطين:
http://www.said-yaktine.com/maroc.htm
7 -" البنيوية التكوينية والنقد الأدبي "يون باسكاوي، ترجمة محمد سبيلا، نفس المرجع السابق ، ص: 41.
- يون باسكاوي ،نفس المرجع السابق، ص: 49. 8
9- أنظر(ي) ترجمتنا، فريدريك نيتشه" أفول الأصنامّ، حكم وإشراقات رقم 28، منشورة بموقع الأستاذ محمد أسليم
/div.d_abdennour. http//:aslimnet.net
10 - جورج لوكا تش،" نظرية الرواية" ترجمة: الحسين سحبان، منشورات التل،الرباط، مطبعة النجاح الجديدة،الدار البيضاء،الطبعة العربية الأولى سنة 1988 ص: 85.
11 - أحمد اليابوري" النقد الأدبي المعاصر: أوهام الحدود وحدود الأوهام" مجلة الوحدة ،السنة الخامسة ،العدد 49 ،أكتوبر 1988، الصفحة: 5.
12 -البنيوية التكوينية والنقد الأدبي" جاك دوبوا، نحو نقد أدبي سوسيولوجي ،ترجمة قمري البشير، نفس المرجع السابق ص: 72.
13 - نفس المرجع السابق ص: 75.
14- - لوسيان غولدمان" مقدمات في سوسيولوجية الرواية " ،المرجع السابق، ص: 25
15 - L. Goldmann, « Le Dieu Caché » Gallimard, Paris ,1955, p : 71.
16 -"النقد الأدبي وعلم الاجتماع مقدمة نظرية" محمد حافظ دياب" مجلة فصول، المجلد الرابع العدد الأول خريف 1983،ص: 66.
17 - د.الطاهر لبيب، سوسيولوجيا الثقافة، دار قرطبة للطباعة والنشر، الدار البيضاء ،الطبعة الثانية ،سنة 1986، الصفحة :43.
18 - الفاعل الجماعي لا يعني مجرد مجموعة من الأفراد بل يعني الطبقات الاجتماعية التي تكوّن البنية التحتية لرؤية العالم ، وقد يبلور الفاعل الاجتماعي رؤية فردية أو يدافع عن موقف فردي تكون الفر دانية هاته نتيجة لتصور جماعي يعبر عنه الفاعل.
19 - نفس المرجع السابق ص:45.
20- نفس المرجع ص: 79.
21 - البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، جاك دوبوا، نحو نقد أدبي سوسيولوجي ،ترجمة قمري البشير، نفس المرجع السابق ص:78
22 -L.Goldmann, introduction aux premiers écrits de lu kas, Ed Gouthier, Paris 1977, p : 158.
23- يقترب مفهوم النموذج الاستطلاعي من النموذج كما يحدده ماكس فيبر.
24- البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، ر.هيندلس، مفهوم النظرة إلى العالم وقيمته في نظرية الأدب ، ترجمة، عبد السلام بنعبد العالي نفس المرجع السابق ص:119.
25- د. سعيد بنگراد ،السيميائيات، مفاهيمها وتطبيقاتها، منشورات الزمن شرفات سلسلة 11، مطبعة النجاح الجديدة-الدار البيضاء2003 ص:128.
26 - نفس المرجع السابق ، ص: 119.
27 - لوسيان غولدمان، الإلـه الخفي" أخـذا عن: د.الطاهر لبـيب، سوسيولوجـيا الثقــافة، ص: 56.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باحث من المغرب
[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  بين الأنا الشعري والأنا الصوفي :قراءة سيميائية في ديوان "العري على موائد اللغة " لزين العابدين اليساري

 ::

  عندما ينتمي الاشتهاء إلى دوائر الصمت : قراءة جندرية في ديوان شهوات الريح لمليكة بنمنصور

 ::

  إصدار جديد للدكتور عبد النور إدريس موسوم ب" النقد الأدبي النسائي والنوع الاجتماعي (الجندر

 ::

  النص الديني بين ميثولوجيا المقدس و العقل الفقهي

 ::

  مواصلة قمع سكان اشرف الشرفاء

 ::

  جمجمة - الداخل

 ::

  جمجمة في خريطة الميثولوجيا

 ::

  عشق اللبلاب

 ::

  كتابة الثمالة والمحو


 ::

  الجبهة الشعبية ،،،الرفاق عائدون

 ::

  إسرائيل في مواجهة الوكالة الدولية للطاقة الذرية

 ::

  كن أقوى من منتقديك وواصل طريقك ..

 ::

  لماذا يكره قادة بعض الدول العربية الاسلام

 ::

  بعد العراق بلاك ووتر في الضفة الغربية

 ::

  واشنطن وثورات المنطقة

 ::

  عقوبة الإعدام .. رؤية إسلامية

 ::

  حملة شبابية تدعو لتعدد الزوجات

 ::

  اقتراح حل السلطة الفلسطينية لماذا الآن؟

 ::

  كلام فلسطين : البعد الأمني الإسرائيلي في المعادلة الفلسطينية



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.