Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

أخطائي
د.إبراهيم عوض   Saturday 09-09 -2006

منذ فترة ليست بالقصيرة خطر لي أن أُخْرِج للقراء كتابا أتحدث فيه عن الأخطاء المختلفة التي وقعتْ فيما كتبتُ من كُتُب وتنبهتُ إليها، وذلك إبراء للذمة من جهة، واستباقا إلي ما يمكن أن يشغب به علي بعض الكتّاب من جهة أخري، ولأعوّد نفسي ويتعود الناس معي علي المسارعة إلي الإقرار بأخطائهم دون إحساس بأن في الأمر ما يشين صاحبه، وأخيرا وليس آخرا لأنني عندما أكتشف أني قد ارتكبت خطأ (علميا بالذات) فإنه لا يهدأ لي بال إلا إذا تطهرت منه بالاعتراف إذا كان مما يفيد الآخرين أن يعرفوه، إذ أظل أشعر أن علي رأسي بطحة، فأنا دائم التحسس لها، ولا أستطيع أن أرتاح إلا إذا كاشفتهم بها رغم أنهم في الغالب لا يلتفتون إلي شيء من ذلك، إما لأنهم لا يبالون به أو لأنهم لم يتنبهوا إليه أصلا. وكثيرا ما أشرت في محاضراتي وعلي مرأي ومسمع من جميع الحاضرين من طلاب وطالبات أني أخطأت في الكتاب الفلاني أو في المحاضرة الفلانية في الموضوع العلاني، وأن الصواب هو كذا، وقد أذكر الأسباب التي أوقعتني في هذا الخطإ. وعندئذ، وعندئذ فحسب، أشعر بالراحة!

تري هل أنا من ذلك الصنف من الناس الذين يحبون أن يفضحوا أنفسهم؟ أم يا ترى أنا من أولئك الأشخاص المتواضعين، أو علي الأقل الذين يحبون أن يشتهروا بالتواضع؟
لا أظن شيئا من ذلك هو السبب في وجود هذه النزعة لدي، بل ربما كان أقرب التعليلات إلي الحقيقة أنني أنظر إلي الأمر نظرة علمية محايدة، علي أساس أن هذا خطأ حدث، ويجب من ثم تداركه حتى لا يقع فيه شخص آخر. وربما كان هذا راجعا إلي نزعة التدين عندي، إذ أشعر أن الله هو الحق المبين، وألا شيء يعلو فوق الحق، وأن علينا أن نساهم، حسب قدرة كل منا وظروفه، في نصرة الحق وتجليته. ومما يسهل الأمر علي أنني، والحمد لله، لست من الجهل بدرجة مخزية، فأنا دائم القراءة والتنقير في الكتب والمراجع، ومن هنا فإذا أخطأت في شيء فإن عندي ما يعوّض عما أخطأت فيه، فضلا عن معرفتي بأن هذه هي الطبيعة البشرية، وأن الكمال لله وحده، وعلي هذا الأساس فإني لا أخاف أن أُتَّهَم بالجهل. وحتى لو اتُّهِمْتُ به فهل هذه هي نهاية العالم؟ وهل في ذلك ما ينقص من قدري؟ إن البشر جميعا جُهّال بمعني من المعاني، فعِلْمنا إنما هو مستمد من الله سبحانه، ولولا ذلك ما علم أحد منا شيئا. ثم إن الذكاء والغباء هما رزق إلهي، أما نحن فمجرد أدوات في يد القدرة الإلهية. وأستطيع أن أمضي في هذا لتفلسف حتى الصباح دون أن يقف عقلي عن إيجاد التعليلات والمبررات التي من شأنها أن تخفف وقع الإقرار بالخطأ لدي.

ولكن لا بد من الاعتراف رغم ذلك بأن من الصعب علينا أن يرمينا أحدهم بالجهل أو يخطئنا علي رؤوس الأشهاد. ومع هذا فربما كان العبد لله الآن من أقل الناس حبا للجدل لمجرد الجدل، إذ إنني إذا ما استبان لي خطئي أسارع إلي الإقرار به والاعتذار عنه، وأجد أن هذا أكرم لي من المضي في العناد وركوب الرأس خشية الفضيحة. بل كثيرا ما جاملتُ من يختلف معي وسكتُّ عن الرد عليه أو علي الأقل أجبتُه بأن في كلامه وجاهة رغم تأكدي أن الصواب في صفي، وذلك رغبة في وضع حد للمِراء الذي نهانا
الرسول عن الانسياق وراءه. بيد أنه ينبغي أن أصارح القارئ بأني لم أكن هكذا من قبل، إذ كنت في شِرّة الشباب لا أطيق أن يغلبني غالب ما دمت أعرف، أو علي أقل تقدير: أتصور، أني علي الحق. ومن المؤكد أن لتقدم السن دخلا في ذلك، كما أن لتحذير الأطباء من شدة الانفعال والتوتر مدخلا في هذا أيضا.

ومن ذلك أن بعض من أعرف من مفتشي اللغة العربية قد خالفني ذات مرة في مجلس من المجالس حين رآني أُدْخِلُ "اللام" علي عبارة "أول مرة" فأقول: "لأول مرة". وكانت حجته أن القرآن لم يستعمل اللام مع هذا التعبير قط، فأجبته أن القرآن، وإن كان كل ما فيه صحيحا فصيحا، لا يستوعب كل ما هو صحيح فصيح، لأنه ليس معجما ولا بحثا في الصواب والخطأ اللغويين، لكنه لم يشأ أن يسمع، فسكتّ. وهل كان أمامي شيء آخر، اللهم إلا أن أقول له: إنك لا تعرف الأمر كما ينبغي أن يُعْرَف يا صديقي؟ وعندئذ سوف يغضب، وهو ما لا أريده. ومع ذلك فإني لم أكذِّب خبرا وذهبت فاستقصيت الأمر فوجدت القرآن يقول: "لأول الحشر" ووجدت في "المعجم الوسيط" وغيره: "لأول وهلة"، ووجدت أن "اللام" كثيرا ما تأتي حتى في الذكر الحكيم بمعني "حين/ عند/ في"، ووجدت أن القرآن عندما يقول : "لأول مرة" فإنه في الغالب يعني: "قبلا" ولا يقصد ترتيبا كما قصدت أنا حين استخدمت عبارة "لأول مرة"... إلخ.

ومع هذا فإني لم أجد في نفسي نشاطا إلي إطلاع الأستاذ المذكور علي نتيجة سعيي وتنقيبي وراء الصواب في هذه المسألة لأني أحسست أن مبعث الأمر عنده هو الرغبة في التخطئة والانتصار، إذ عندما رددت علي الفور بأن القرآن يقول هو أيضا: "لأول الحشر" بإدخال "اللام" علي "أول كذا"، كان جوابه أنها صحيحة في هذا الموضع
فقط، أي أنه لا يري أن اللغة قياس، بل أشياء تُحْفَظ كما هي دون تعليل. وعندما جاء ذكر بعض علماء اللغة الذين أَوْرَدَهم هو في مجال تعضيد رأيه وقلت: "لكنني أري غير ما يراه هؤلاء الأساتذة الأجلاء"، وجدته يلمح إلي أنه لا يحق لأحد أن يقارن نفسه بأولئك العلماء. فعندئذ تبين لي أن أبواب النقاش معه مسدودة، وبخاصة أني لم أشأ أن أنزل إلي هذا المستوي من التفكير الضيق العنيد في حضور الآخرين، وهو مستوي لا يصلح له في رأي بعضهم إلا أن يقال لمن يحاورنا: "ألا تعرف من الذي تناقشه؟". ولو كنتُ فعلتُ لرددتُ علي نفسي في الحال: "طظ فيك يا أخي! ومن تكون بسلامتك؟". مرة أخري هل كان هناك ما يمكنني أن أفعله غير الذي فعلت؟

ومن هذا الوادي أيضا ما سمعته منذ عدة سنوات من زميل أصغر مني متخصص في اللغة لا في الأدب والنقد مثلي تعليقا علي استعمالي الفعل "دان" في تعليق لي بإحدي الندوات متعديا، وهو ما أخذه علي قائلا إن هذا الفعل لازم، وإننا إذا أردنا تعديته أدخلنا عليه الهمزة فقلنا: "أدان". ولم يحاول أن يصغي لما كنت أريد أن أوصله إليه من
أن الهمزة لا تكون للتعدية ضربة لازب، إذ قد تدخل علي الفعل فتقلبه من التعدي إلي اللزوم كما في "عَرَضَ" و"أَعْرَضَ" مثلا. كما قلت له إنني كثيرا ما رجعت في صغري للتحقق من هذا الفعل بالذات، وإنني إذا كنت قد قلت: "دان" بمعني "جَرَّم" مثلا فذلك راجع إلي الانطباع الذي ترسب في ذهني منذ وقت طويل أن هذا الاستعمال صحيح. لكنه لم يلتفت لما قلته هنا أيضا. وعلي أية حال فقد قمت بُعَيْد ذلك بالرجوع إلي المعاجم، فقرأت هذه المادة في عشرة منها لأجد أن الصيغتين كلتيهما تستخدمان للتعدي واللزوم معا في كل المعاني التي تدلان عليها تقريبا. وكنت قد أزمعت أن أطلعه هو وصديقه الذي عضده في موقفه علي النتائج التي وصلت إليها، لكني عدت فقلت لنفسي: لا
تشغل بالك، فمن الواضح أنه لا يريد أن يسمع ولا أن يفهم. ثم إنني، إذا حاولت أن أطلعه علي ما وجدته في رحلة البحث في المعاجم، قد أبدو وكأنني أريد أن أنتصر عليه. ولهذا أمسكت بما وصلت إليه من نتائج في جيبي، وإن كنت بين الحين والآخر أروي الحكاية لبعض محدثي إذا اقتضت الضرورة ذلك كي أدلل لهم علي خطإ التسرع في التخطئة اللغوية الذي كنت أقع فيه أنا أيضا بحسن نية مثل الزميل المذكور.

قلت إنني أريد منذ فترة أن أكتب كتابا أسجل فيه أخطائي التي اكتشفتها في كتبي بعد أن خرجتْ للناس ولم يعد بمستطاعي أن أستدرك هذه الأخطاء إلا في الطبعات اللاحقة، لكني كنت أعود فأقول: ينبغي أن أتريث حتى أضمن أني لن أصدر كتبا أخري كي يكون الكتاب المزمع إصداره آخر ما أكتب، وإلا عدت مرة أخري لإصدار كتاب آخر أذكر فيه ما اجترحته من أخطاء بعد ظهور الكتاب الأول. إلا أن هناك مشكلة عويصة هي أنني لا أعرف متي أكفّ عن التأليف، أو متي سأموت حتي يكون إخراج الكتاب المذكور قبل موتي مباشرة! وهو ما لا يستطيع معرفته أي إنسان، فإن الله سبحانه لا يأخذ رأي أحد في ميعاد موته، أو يخبره بهذا الميعاد. وهكذا يري القارئ الحيرة التي أنا فيها، وإن كنت في ذات الوقت أنتهز صدور كتبي الجديدة فأنصّ في المقدمة عادة علي أنني متأكد من وجود أخطاء في الكتاب الذي بين يدَي القارئ رغم تدقيقي الشديد بل المبالغ فيه في تصحيح تجارب الطبع، وكل ما هنالك أني أتمني علي الله ألا تكون أخطاء فادحة ولا فاضحة. وأنا، في الواقع، أقصد كل كلمة بل كل حرف مما أقوله حينئذ، وليس الأمر مجرد شقشقة باللسان أو ترديد لما يقوله الناس في مثل هذا الموقف. إنما هو كلام صادر من أعماق القلب. وأحسب أن الأمر واضح الآن للقارئ بحيث لا
أحتاج أن أبرهن علي صدق ما أقول. ولكن لأنه قد قيل: "ما لا يُدْرَك كله لا يُتْرَك كله" فقد رأيت أن أخرج من هذه الحيرة بكتابة المقال الذي يطالعه القراء الآن، طالبا منهم أن يبلِّغ الشاهدُ منهم الغائبَ بما أقوله هنا، وأن يأخذوا ما أقوله علي أنه مجرد تمثيل لأخطاء أخري لا أستطيع تذكرها الآن، ولأخطاء ثالثة سوف أرتكبها بالتأكيد فيما بعد إن قُدِّر لي أن أكتب شيئا آخر. والآن إلي التمثيل علي الأخطاء التي يجدها القراء في كتبي: بعض هذه الأخطاء لا دخل لي فيه، إذ هو راجع إلي ما يعرف بالأخطاء المطبعية.

ومعظم هذه الأغلاط يتعرف إليه القارئ بسهولة ويعرف وجه الصواب فيه، ويدرك عادة أنه راجع إلي الطباعة لا إلي المؤلف, ومع ذلك فإن بعض هذه الأغاليط مما يصعب التنبه إلي أنها أغاليط مطبعية، وبخاصة إذا ترتب عليها غلط في اللغة. ومن ذلك مثلا ما اكتشفته في كتاب لي من أن الطبّاع قد استبدل بكلمة "المسلمين" كلمة "المسلمون"، وهو غلط نحوي لا يغتفر، إذ إن الكلمة الأولي منصوبة ، علي حين أن الثانية مرفوعة، وهذا غير ذاك. وأغلب الظن أنه، غفر الله له، حسب أن الأخيرة هي الفصيحة، بطريق المغايرة للأولي التي لا نستعمل غيرها في كلامنا العامي. ومن هذا الوادي ما عثرت عليه في كتاب آخر، إذ كتب الطابع عبارة "لم يستطع" بـ"ياء" بعد "الطاء" هكذا: "لم يستطيع"، وهو عيب فاحش، وبخاصة بالنسبة لواحد مثلي ينبغي ألا يقع في مثل هذه الأخطاء. والمضحك أني قد أخذت هذا الخطأ ذاته علي مترجم الرواية التي كنت أتكلم عنها حينذاك، فبدا الأمر وكأني المعني بقول الشاعر:
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثله ** عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ
لكن ما العمل؟ هذا ألله، وهذه حكمته! ومن هذا أيضا أنني في الدراسة المقارنة بين الآجُرّوميّة العربية والإنجليزية في مقدمة كتابي:"الترجمة من الإنجليزيةـ منهج جديد" قد مثَّلْتُ لكل صورة من صور الشرط في الإنجليزية بمثال. لكن الطابع قد وضع الأمثلة كلها في غير أماكنها الصحيحة، إذ كان الكتاب يُطْبَع بطريقة التيبو، حيث يُكْتَب السطر كله كتلة واحدة. لكن لما كان في السطور التي أتحدث عنها كلام بالعربية، وآخر بالإنجليزية، فقد عمد الطابع إلي ترك فراغ للكلمات الإنجليزية كي يصُفّها علي حِدَة ويُسَقِّطها فيه فيما بعد، وهو ما لم يفلح فيه رغم تصويبي إياه في تجارب الطبع الثلاث مما ما اضطرني إلي تصحيحه بيدي (علي كرهي لذلك) في الطبعة الثانية المصورة من الطبعة الأولي. وأحيانا ما ينسي الطبَّاع كلمة واحدة فينقلب المعني رأسا علي عقب كما هو الحال في ترك كلمة "لا" مثلا.

هل معني ذلك أني لا أخطئ في اللغة؟ حاشاي أن أقول هذا، فالخطأ وارد في كل الظروف. ألستُ بشرا؟ ألم يقل سيد المرسلين: "كل بني آدم خطّاء، وخير الخطائين التوابون"؟ ومن الأمثلة علي ذلك ما وقع مني في كتابي عن تسليمة نسرين وروايتها "العار"، إذ قلت عن أمر من الأمور إنه "يُؤْتِي بثمرته". والمفروض أن أقول: "يَأتي
بثمرته"، أو "يُؤْتِي ثمرته" من غير باء. أما "يؤتي بـ..." فلا أعرفها. وأذكر أنني حين كتبتها كنت مرهقا ومريضا، وكأن ذهني قد غاب عني. كما أذكر أنني كنت أشعر أن هناك شيئا غير سليم، لكني لم أتبين وقتها كنه ذلك الشيء. ومع هذا فما إن ظهر الكتاب، ولم يعد ثمة سبيل للرجوع، حتي تنبهتُ لما وقعتُ فيه، ولكن بعد خراب بصرة! وفي كتابي:"لكنّ محمدا لا بواكي له" وقعتُ في خطأ أشد، إذ أعربت الفعل المضارع المجزوم بحذف حرف العلة في آخره بـ"لا" الناهية، علي أنه فعل أمرٍ مبني، مع أنني دائم التحذير للطلاب من هذا الإعراب الذي لا أنسي فوق البيعة أن أنبههم إلي تأثرنا فيه بما يقوله الأوربيون عن الأمر المُثْبَت (وهو الأمر عندنا) والأمر المنفي (وهو عندنا
المضارع المجزوم بـ"لا" الناهية). أي أنني قد وقعت هنا أيضا في الحفرة التي دائما ما أحذّر منها الطلاب، برغم أنني قد راجعت الكتاب عدة مرات، وراجعه ابني معي، وكذلك زوجتي، وكلاهما ممن لا تفوته عادةً هذه الغلطة. أليس ذلك أمرا مضحكا؟ بلي والله إنه لكذلك!

ومن الأخطاء التي يجدها القارئ في كتبي أخطاء الاستشهاد بالآيات القرآنية اعتمادا علي الذاكرة الخؤون. وهذا واضح في الطبعة الأولي من كتابي "الجهاد في الإسلام" الذي ترجمته عن الإنجليزية للكاتب الهندي سراج علي. وكانت هذه أول تجربة لي في الترجمة، فضلا عن أنني لا أراجع عادة ما أترجمه بعد أن أفرغ منه اعتمادا علي أنني قد راجعته أثناء الترجمة، وبخاصة أن عملية المراجعة في مثل هذه الحالة مرهقة إرهاقا لا يحتمل. وكان التنبيه إلي الخطأ هذه المرة من قِبَل الطلاب الذين يحفظون القرآن أفضل مني. وقد علمتني هذه التجربة أن أراجع المصحف في أية آية أكتبها، إذ تبين لي أنني لم أعد أحفظ كتاب الله كما كنت أحفظه في صغري منذ أن أتممته وأنا في الثامنة أو دونها. وقد اختفت هذه الأخطاء كلها تقريبا من الطبعة الثانية للكتاب المذكور. ومع هذا فقد خفف عني الأمر ما قرأته بعد ذلك للعلامة المدقق محمد عبد الغني حسن من أن كبار كتاب العرب القدماء كالجاحظ والشريف الرضي كانوا لا يسلمون من الخطأ في الاستشهادات القرآنية، وأورد أمثلة علي ذلك. ويجد القارئ كلامه هذا في مقدمة كتاب "مجازات القرآن" للشريف الرَّضِي، إذا لم تَخُنِّي الذاكرة. وفي كتابي المذكور أيضا يقابل القارئ بضع أغلاط أخري في الترجمة نفسها تنبهت إليها من تلقاء نفسي وصوّبتها في الطبعة الثانية كذلك. وهناك نوع آخر من الأخطاء يتعلق بالفكرة لا بالأسلوب، ومنه الخطأ الذي يجده القارئ في الرسالة التي وجهتها للدكتور جابر قميحة أشكره
فيها علي الكلمة النبيلة التي قالها في حق العبد لله، إذ جاء في كلامي أنني لا يهمني أن أثاب رغم أنفي أو برضاي. المهم أن أثاب، والسلام. وكنت أريد أن أقول: "رغم أنفي، أو بقصدٍ مني"، لأن كلمة "برضاي" تعني أنني يمكن ألا أرضي بدخول الجنة، وهو معني لا يمكن أن يدور في ذهني بحال، علاوة علي أن فيه شيئا من إساءة الذوق في مسألة الثواب الإلهي، وإن كان غير مقصود البتة! وعلي كل حال فقد أصلحتها بعد ذلك. ومثله قولي عن القرآن في كتابي: "القرآن والحديث ـ مقارنة أسلوبية": إنني أستبعد الأمر الفلاني، وهو ما لم يره أحد الزملاء كافيا، لأن المقصود أن ذلك الأمر مستحيل لا مستبعد فقط. ولا أذكر الآن بم أجبت الزميل الفاضل وقتها، إلا أنني بعد أن انصرف الرجل تنبهت إلي ما قصدته حين كتبتُ ما كتبت. ألا وهو أنني أستبعده من دائرة الاحتمالات لا أنني أراه بعيدا، أي ممكنا، وإن كان احتمال وقوعه ضعيفا. أي أنه كان في ذهني، وأنا أكتب، الفعلُ الإنجليزي:"to rule out"، وهو ما ذكَّرني بما كان يقوله العقاد من أنه قد يكتب أحيانا وفي ذهنه التركيب الإنجليزي لا العربي. وهناك أخطاء التناقض التي لا يسلم منها أي إنسان مهما تحرز واحتاط في كلامه مثلي، إذ أُكْثِر من قول: "يبدو لي" أو "غالبا" أو "فيما يخيل لي" أو "إذا لم تخنّي الذكرة" أو "في حدود علمي"...إلخ. ومن الأمثلة علي ذلك أنني في كتابي: "المتنبي ـ دراسة جديدة لحياته وشخصيته" قد وصفت المتنبي بأنه بدوي، بينما نفيت عنه البداوة في كتابي الآخر:
"لغة المتنبي". صحيح أنه يمكن أن أقول إنني قد قصدت أنه بدوي بمعني، ومتحضر بمعني آخر. لكن كان لا بد أن أوضح الأمر بما يزيل هذا التناقض، وهو ما لم أفعله. والسبب؟ السبب هو أنني حين كتبت ما كتبت عن المتنبي في المرة الثانية لم أكن أتذكر ما كنت كتبته عنه من قبل. إلا أنه تناقض علي أية حال! وهناك خطأ آخر لم أنبّه إليه
في الطبعة الأولي من هذا المقال، وهو أنني حين كتبت مقالي: "فضيحة بجلاجل للعلمانيين في برنامج الاتجاه المعاكس" قد خلطتُ بين الشاعر العراقي أحمد مطر ود. أحمد أبو مطر الكاتب الفلسطيني الذي يبدو في مقالاته وأحاديثه وكأنه يجري مع الاتجاه الأمريكي في المنطقة، فهاجمتُ الشاعر وأنا أقصد الكاتب. وكنت قد احترت أثناء كتابة
المقال أمام وجود اسمين: أحمد أبو مطر، وأحمد مطر، وظننت أن ذلك راجع إلي عدم دقة البعض وأنهم يحذفون كلمة "أبو" تسرعا منهم. ثم نبهني أحد الأصدقاء إلي أن التسرع إنما هو من جانبي أنا، وأفهمني أن هناك شخصين مختلفين في هذا الصدد: أحدهما "مطر"، والثاني "أبو مطر"، فحذفت الفقرة كلها التي كنت هاجمت فيها أحمد مطر ظنا مني أنه هو نفسه د. أحمد أبو مطر. ثم تصادف بعد ذلك أن قرأت في أسفل مقالي المذكور تعليقا لأحد القراء ينبه فيها إلي هذا اللبس.

وبعد، فإن الكلام يطول في هذا الموضوع، فأكتفي بهذا القدر، وبإمكان القراء أن يجدوا أخطاء أخري كثيرة إذا أحبوا.


[email protected] yahoo.com
http://ibrawa. coconia.net



 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  إسماعيل أدهم، ذلك المغرور المنتحر!وقفة مع كتابه: "لماذا أنا ملحد؟"

 ::

  مع جعِيط وزعِيط ومعِيط ونطّاط الحِيط! ج2

 ::

  مع جعِيط وزعِيط ومعِيط ونطّاط الحِيط! ج1

 ::

  المستشرقون الجدد: دانيال بايبس وبقية أفراد العصابة 2/2

 ::

  المستشرقون الجدد: دانيال بايبس وبقية أفراد العصابة 1/2

 ::

  سُورة الحَفْد وسُورة الخَلْع: هل هما فعلا قرآن؟

 ::

  أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟(2)

 ::

  أيهما أعظم؟ محمد أم المسيح؟(1)

 ::

  الإسلاموفوبيا: هل هى خرافة حقا؟


 ::

  "حياة سابقة"مجموعة قصصية جديدة للكاتب العراقي علي القاسمي

 ::

  وزير التعليم المصري: مستوي التعليم في مصر تراجع بسبب مجانية التعليم وعدم التركيز علي البحث العلمي

 ::

  أيها الحزن الصديق!

 ::

  كهوف تاسيلي أقدم لغز بشري عمره ثلاثون ألف عام

 ::

  المجتمع المدني والدولة

 ::

  نكتب لأننا نرجسيون

 ::

  العالم العربي وتحديات الحداثة... وجهة واعدة على رغم الآلام

 ::

  كيف سحب الصحفي انور مالك البساط من تحت اقدام الجزيرة؟

 ::

  الإسلاموفوبيا والفلاسفة الجدد

 ::

  الحمية الخاطئة تؤدي الى السمنة



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.