Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

الجثمان
د.أيمن يس   Monday 29-08 -2016

الجثمان لطمته الكلمات القصيرة..مات رضيعه بعد أن تنسم عبق الحياة يوما أو بعض يوم..تركه الطبيب إلى موظف مسئول لاستكمال بعض الاستمارات..أوراق كثيرة بصم عليها لا يدري ما بها..تنفس الموظف براحة و لملم الأوراق ثم أعطاه أقصوصة صغيرة..إنها إيصال استلام جثمان رضيعه..دلوه على المكان..دلف إلى الحجرة المبطنة بالقيشانى..رائحة الموت تثقل الصدور..رعشة غريبة اجتاحته..أستلم أخر منه القصاصة ثم ذهب إلى أحد الأركان و عاد و سلمه إياه..وقف جامدا..حائرا..لا يدري ماذا يفعل..عالجه الرجل "هات حاجه و لفه بيها"..أومأ بغير وعى..ناوله أحدهم غطاء أطفال بالكاد أحتوي الجسد الضئيل.
مضى إلى الخارج..لفحه ضوء الشمس..مرة أخرى ألجمته الحيرة..ماذا يفعل..؟ تعالى صوت أذان الظهر..تساءل أمن الواجب أن يصلى عليه صلاة جنازة..؟..دخل المسجد..حار كيف يخلع حذائه و الجثمان بين يديه..نظر حوله لعل أحدهم يحمله عنه لحظات..لم يجد بدا من وضعه على الأرض..خلع الحذاء بسرعة و حمله مرة أخرى..تعمد أن يصلى الظهر عند طرف المسجد ليضعه بجواره..أستفسر و أجابوه بشرعية صلاة الجنازة حتى على الرضيع..تناول الأمام عنه اللفافة و وضعها أمامه .. أقام الصلاة مرشدا المصلين أن المتوفى طفل فادعوا لأبويه..لأول مرة انهمرت دموعه و كأنه شعر بحقيقة مصابه حتى أن الناس جميعا مطالبون بالدعاء له و لزوجته.

انتهت الصلاة..لم يسلم عليه أحد تشاغل الجميع عنه و عن لفافته..لم يبقى سوى الإمام..أقترب منه.."هو أول نصيبك يا بنى"..أومأ برأسه بالإيجاب..أقترب الإمام أكثر.."و الست والدته مش بخير و الحمد لله"..واصل الإيماء برأسه بالموافقة..تهلل وجه الإمام.." يا ولدى لا يعلم الغيب إلا الرحمن ..إنك صغير السن..و غدا يرزقك العاطى الوهاب بالذرية الصالحة حتى تمل الأطفال"..لم يعرف بما يرد على مجاملة الإمام..بالابتسام أم بالبكاء..و فى النهاية أسعفته إيماءة جديدة برأسه.

ضوء الشمس هذه المرة كان أقوى و الزحام أشد..جموع من البشر تزحف فى الشوارع و خاصة فى هذا الحى الشعبي أمام المستشفى المجانى..تمسك بقوة بجثمانه خشية أن يفلت منه من صدمة سائر هنا أو هناك..خفف القبضة فقد شعر بأصابعه تغوص فى الجسد الذابل..خشى عليه..مرة أخرى شعر بدموعه تختلط بحبات عرقه..لقد مارس شعورا جديدا عليه..بالحنو و بالخشية على ولده حتى و لو كان جثة هامدة..برغم أن موضوع الإنجاب هذا لم يكن يشغله و لا حتى يفكر فيه..بل لقد فوجئ يوم أن أخبرته زوجته بحملها..أستثقل الخبر ..لقد تزوج بالكاد.. و لكنه جاملها بابتسامة باهته و نسى الأمر أو تناساه تحت وطأة قسوة عمله بدنيا و نفسيا..يقضى يومه جالسا القرفصاء على أحد أرصفة شوارع القاهرة مجاورا العشرات و أمامه تنتصب (العده)..لا تهدأ عينه بحثا عن زبون يريد تكسير بلاط أو هدم حائط..يجرى عليه مزاحما العشرات..يحدوهم جميعا ذات الأمل الذي سريعا ما يصرعه اختيار الزبون لواحد أو أكثر..يعود إلى جلسته حتى يداهمه الغروب معلنا نهاية المحاولة اليومية إلى غد قد يتصادف فيه اختيار الزبون له.

أخيرا استجابت له سيارة أجرة بمجرد التوقف..أتخذ المقعد الأمامى و لفافته على ذراعه..سأله السائق مستنكرا دخوله السيارة قبل إتمام الاتفاق حول (على فين و بكام).."على فين إن شاء الله"..أجاب باقتضاب متجنبا النظر إليه.."المدافن"..واصل السائق لهجته الاستنكارية.."أى مدافن..؟ المدافن كتير"..أسقط فى يده فجأة أكتشف أن القاهرة الكبيرة بها أكثر من منطقة مدافن..فى بلدته بل و فى كل القرى المجاورة له..كلمة مدافن تعنى مكان واحد فقط..و بغض النظر عن مكان المدافن..الأدهى انه لا يعرف أين يدفن جثمانه..؟ذادت حيرته من ارتباكه..و للحظة فهم السائق..نظر له بتردد.."هو ده أبنك يا بلدينا..؟"..مرة أخرى هاجت مشاعره بوخزة كلمة أبنك..تمنى لو أطلق العنان لدموعه بل لصرخاته ..تمنى لو ارتمى بين أحضان السائق منتحبا..فى هذه اللحظة بالذات تمنى أمه ..تمنى أحضانها أو حتى لمسة من كفها الخشن..لعن فى سره يوم أن ترك بلدته إلى القاهرة الواسعة وحيدا مع زوجته لهثا وراء سراب لقمة الخبز..و بالفعل فى معظم الأحيان كان نصيبه من تلك القاهرة..فقط لقمة خبز..أفاق على تمتمة السائق بلا حول و لا قوة إلا بالله.

مضت السيارة تجوب شوارع و أحياء لا يعرفها حتى اجتازت منطقة مدافن..توقفت..هم بالخروج منها..أستمهله السائق.."أستنى يا بلدينا ..أنت رايح فين..أستنى دلوقتى ربنا يفرجها"..عاد إلى وضعه منتظرا..لا يعرف حتى ماذا ينتظر..إنه فقط ينتظر فرج ربنا..ياه..فرج ربنا..منذ سنوات طوال و هو ينتظره برغم أنه ذاته أسمه "فرج ربنا"..لطالما قصت عليه أمه..أن أبوه صمم على تسميته كذلك..فقد تزوج ثلاث مرات بحثا عن امرأة تهبه الولد بعد رحلة طويلة مع الإناث..و عندما أتت له الثالثة بالولد أصر على تسميته (فرج ربنا)..لم يرد تسميته (فرج الله) لأنه أسم شائع..لقد أراد لولده التميز و لو فى الاسم..و لكن القدر لم يمهله حتى يراه مميزا أو حتى معدما فقد مات فى ريعان شبابه تاركا لفرج ربنا ..(العده).

شعر بتنميل فى ذراعه..نقل الجثمان للذراع الأخر..من يدري قد يكون هذا الجثمان أسعد منه حظا ..قد يكون الرحمن قد كفاه شقاء هذه الحياة و لم لا و كل الشواهد تدل على أن فرج ربنا لم يكن سيورثه و بالكاد سوى (العده).

لكزه السائق.."الحمد لله..مش قلت لك ربنا حيفرجها"..لمح من بعيد جنازة تتجه إلى مدفن قريب منهم..نزل السائق و فتح له الباب.."تعال..تعال بسرعة"..مضى خلف السائق متعثرا..حاول أن يسأل و لكن خطى السائق السريعة خلف الجنازة لم تسعفه..تركه جانبا و ذهب إلى أحد حملة النعش مؤكدا لنفسه أنه أقرب أقرباء الميت..أسر فى أذنه بكلمات..و ما أن وضع الرجل النعش حتى هرع إليه..لم يفهم..أقبل عليه متهللا.."ربنا يعوض عليك يا بلدينا..هاته..هات.."..تردد..لكزه السائق مرة أخرى "أديه له..أديه له"..قاوم إحساس داهم بالحسرة و الحزن و ربما

بشيء من التأنيب الذاتى على تفريطه فى الجثمان..أخذه الرجل من بين يديه و عاد به إلى المقبرة..اختفى فى جبها ثم خرج متربا..أغلقوا القبر..فوجئ بالرجل يعود و يدس فى يده ورقة بخمسين جنيه و هو يهلل مستبشرا.."إن شاء الله أبنك ده حيكون نور و رحمة على التربه كلها".

بسرعة تم كل شئ..حتى أهل الميت أبتلعهم الطريق..لم يبقى سواه و السائق و الرجل صاحب المال..أستأذنهم فى غلق المدفن..ربت السائق على كتفه و سحبه للخارج.."مش قلت لك فرجه قريب.. و ربك بيقطع من هنا و يوصل من هنا"..سار مطأطئ الرأس..متحسسا الورقة المالية دون أن يدري أنه قد نسى تحديد مثوى ولده وسط المدافن المتشابهة.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  المطلوب حكم لا حكومة

 ::

  قراءة في "رســـــــــــــالة" لشريفة العلوي

 ::

  «خريف الجنرال» عمير بيريتس!

 ::

  جرحنا في العراق

 ::

  إدعموا الفانوس المصري الأصيل في هذه الحرب الثقافية

 ::

  الحرب القادمة حاسمة

 ::

  الورقة المصرية لا تصلح أساساً للحوار

 ::

  محمود الزهيري يحاور أمين المهدي 2

 ::

  نحن وأوباما

 ::

  نداء – يا قادتنا أما آن لنا أن نتفق ؟



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  عملاءٌ فلسطينيون مذنبون أبرياء

 ::

  تركيا وقادم الأيام،،هل يتعلم أردوغان الدرس

 ::

  رباعيّة المجتمعات الحديثة الناجحة

 ::

  الملف اليمني يضيف فشلا آخر إلى رصيد بان كي مون

 ::

  خروج بريطانيا والتمرد على النخب

 ::

  مقترحات لمواجهة عجز الموازنة

 ::

  من (أور) إلى (أورو)

 ::

  العلمانية والدين

 ::

  الواقع الاجتماعي والسياسات الاقتصادية

 ::

  ماذا يريد نتانياهو من روسيا؟

 ::

  العامل الحكومي وحرية الباحث

 ::

  هلوسات وشطحات

 ::

  ترامب .. وهواجس الزعيم في العالم

 ::

  معايير تطبيق مبدأ المساواة لأسباب تتعلق بالمصلحة العامة






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.