Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

إعادة إنتاج السلطويّة في فلسطين
د. بلال الشوبكي   Wednesday 17-08 -2016

إعادة إنتاج السلطويّة في فلسطين خطّت الأحزاب والفصائل الفلسطينية في اليوم العشرين من الشهر المنصرم أربعة وعشرين بنداً، وزعمت أنّها تشكّل ميثاق الشرف الخاص بإجراء الانتخابات. وبتجاوز الأخطاء النحويّة في الميثاق، والتي لم تثر حفيظة الموقّعين أدناه، وبتجاهل أغلب الفصائل المشاركة فيه، والتي لا تظهر لنا إلّا على شكل أختامٍ بشعاراتٍ مثيرة حين يؤتى بها على عجل، كبائسٍ أتت به بضع دراهم من على رصيفٍ مجاور ليبصم على وثيقة عقد قران يراد منها تجميد حربٍ لا تتويج حبّ. فإنّ معظم بنود الميثاق الموقّع أيضاً من لجنة الانتخابات المركزية تركّز على ضرورة الإلتزام بمعايير النزاهة والشفافية وحفظ الحقوق والحرّيات، وكل ما يستوجب إتمام الانتخابات بشكل سويّ، مضافاً إليها التحذير من تغذية النعرات الطائفية والقبلية والدينية بأيّ شكل.
توقيع هذه البنود قد دفع البعض ليجادل بأنّ هذه الانتخابات ستكون رغم صعوبتها، العنق الذي سنعبره خروجاً من الزجاجة. هذا النوع من المجادلة، يستدعي نقاشاً لازماً للعديد من النقاط، منها ما هو سابق للميثاق وللإعلان عن إجراء الانتخابات المحلية، ومنها ما هو لاحقٌ لذلك، ومتطوّر حتى ساعة كتابة هذه السطور.
البداية من البيئة الحاضنة للانتخابات، وهي بيئة بمحدّدات وملامح سابقة للحديث الجديد عن صندوق الاقتراع، ولاحقة لما أفرزه ذات الصندوق قبل عقدٍ تقريباً. إنّ الإلتزام بقيم النزاهة والشفافية وضمان الحقوق والحرّيات التي ينادي بها الميثاق، والنّاطقون باسم الفصائل، خاضعة للاختبار في كلّ ثانية، على الأقل بالنسبة لحركتي فتح وحماس، فالأولى نافذة في الضفة والثانية في القطاع، وبمراجعة سريعة لآخر تقارير الهيئة المستقلّة لحقوق الإنسان يمكن الاستنتاج أنّ التوقيع على الميثاق تضليل للجمهور. يشير التقرير إلى رصد الهيئة لما يزيد عن ثمانين حالة انتهاك لحقوق الإنسان في الضفة الغربية وقطاع غزة خلال حزيران 2016 شملت حالات وفاة غير طبيعية واعتقالات وتعذيب واعتداءات على التجمّعات السلمية وعدم الإلتزام بالإجراءات القانونية. كما أنّ فلسطين احتلت المرتبة الـ 132 على مقياس حرّية الصحافة العالمي، الذي تعدّه مؤسسة "صحفيون بلا حدود" علما بأنّ التقييم شمل 180 دولة.
هذه المؤشرات وربما غيرها الكثير غير المرصود تعني أنّ القبول بالاحتكام إلى الصندوق دون الالتفات إليها تجميلٌ للسلطوية وشرعنة لها. إنّ القول بأنّ هذه الخطوة قد تخفّف من حالة الاحتقان القائمة، استنتاجٌ لا تدعمه أيةّ حجّة، فحتّى تكون الانتخابات خطوة حقيقية في طريق التحوّل الديمقراطي لا بدّ من أن تترافق مع إصلاحاتٍ حقيقية على مستوى السياسات لا على مستوى الخطاب، وإن كان الأخير يعاني أيضاً من تشوّهات. الانتخابات بما قبلها وما بعدها، بما قبلها من توفير البيئة المناسبة، وبما بعدها من قبول بالنتائج.
حركتا فتح وحماس تدركان هذه الحقيقة، وهو ما يفسّر سلوك الحركتين جزئياً في الآونة الأخيرة، وفيما يخصّ الانتخابات المحلية تحديداً. قرار حماس الواضح بشأن مشاركتها، وغير الواضح بشأن شكل هذه المشاركة، يكشف مخاوف الحركة على مستويين، الأول متعلّق ببيئة الضفة الغربية المقيّدة لحركة حماس، وهي بيئة تجعل من مشاركة عناصر حماس في الانتخابات باسم الحركة خطوة باهظة الثمن، وتكلفتها ستُلقى على كاهل العناصر بشكل فردي بحكم تفكيك التنظيم أمنياً. وهنا يأتي تقدير حماس بأنّها ستشارك حتى لا توضع في خانة المحارب للديمقراطية، ولن تشارك حتى لا يدفع أبناؤها الثمن، أو أن تُستخدم النتائج لقياس شعبيتها في ظل وضع حقوقي بائس. الثاني في غزّة، إذ تدرك الحركة أنّ ضنك العيش قد يجعل من النتائج مفتاحاً لقلب الطاولة على حماس، لا من قبل الشعب بالضرورة، إنّما ممّن يبحث عن شرعية قانونية لسحب البساط من تحت حماس، وهو ما قد يتمثّل في الانتخابات المحلّية.
حركة فتح بدت مرتبكة، تحديداً بعد قرار حماس الموضّح أعلاه، وهي الآن في مأزق حقيقي يؤكّد أنّ البيئة الحالية ليست مثالية للحديث عن الانتخابات، مأزقها متعدّد الأركان، الأوّل أنّها وعلى مدار سنوات عديدة ماضية جعلت من الخصومة مع حماس نقطة الاجماع المركزية، فيما لم تعط أية أهمية للتنشئة والتجنيد على أسس ذاتية بعيدة عن استعداء الآخرين. بعد أيّام قليلة من الإعلان عن الانتخابات، بدت نقطة الاجماع هذه غير كافية لتوحيد الحركة خلف قوائم محدّدة، وظهرت الخلافات الداخلية على شكل حالة اشتباك في أكثر من منطقة.
الجانب الثاني من المأزق، أنّه وفي الجهة المقابلة لتخوّف حماس من استخدام النتائج لسحب البساط من تحتها، تتخوّف فتح وبشأن قطاع غزّة من أن تستخدم النتائج لتكريس حكم حماس، نتاجاً لسيطرة الأخيرة على غزة، والانقسام الفتحاوي - الفتحاوي في أكثر من منطقة، ما يعزّز هذا التخوف تلك التقديرات الصادرة عن الاحتلال والتي ترجّح تفوّق حماس. ما زاد من إرباك فتح أنّ قرار حماس بعدم الدخول بقوائم تحت اسمها جعل من النتيجة بالنسبة لفتح مشكلة بكل الأحوال، إن هي فازت في الانتخابات فلا يمكن الادّعاء بأنّ هذا الفوز ذو قيمة كبيرة على الصعيد السياسي بحكم غياب المنافسة، وإن هي لم تفز ستكون خسارتها مضاعفة في ظل غياب المنافس التقليدي.
هذا المأزق هو ما يدفع الحركة حالياً لتطعيم قوائمها بشخصيات من خارج حركة فتح، تارةً بتجنيد الكفاءات، وتارةً أخرى باسترضاء العشائر واستثمار نفوذها. بالنسبة للكفاءات المهنية، تبدو الاستعانة بهم كجزء من الدعاية الانتخابية أكثر من كونها خطوة نحو إشراكهم في السياسات، فقد تم تهميشهم لفترة طويلة، ولا يتم اللجوء إليهم إلا لتوسيع القاعدة الجماهيرية المساندة لقائمة ما، خصوصاً في ظل فقدان الثقة بالكثير من النخب السياسية.
أمّا بالنسبة للعشائر، فإنّ إدخالها بقوّة في المشهد الانتخابي تتحمّل وزره حركتا فتح وحماس، فالتخوّف من المشاركة بقوائم حزبية خالصة يجب ألّا يدفع باتجاه فتح الباب للقوى العشائرية بحيث تتسيّد المؤسسات بشكل بدائي ودون أيّ معيار مهنيّ، بل ومصحوباً بمغامرة سياسية خطيرة، إذ بإمكان الاحتلال أن يعزّز هذا التوجّه ليخاطب العشائر في مرحلة لاحقة، بدلاً من القوى السياسية، ورغم أنّ إحياء العشائرية بدأ بعد تأسيس السلطة كخطوة لإضعاف الأطر السياسية، إلّا أنّ حضورها اليوم يبدو أكثر إثارة للريبة من ذي قبل، في بعض البلدات والمدن الفلسطينية، تبدو نتائج الانتخابات محسومة سلفاً بناءً على اتفاقات عشائرية معيارها الوزن الديمغرافي للعشيرة لا البعد المهني. هذا النهج يتناقض مع الدعوة للتحوّل الديمقراطي ويحمل مخاطرة سياسية بشأن التواصل مع الاحتلال مستقبلاً، ولا يتماشى مع ما ورد في ميثاق الشرف.
التناقض مع ميثاق الشرف لا يظهر فقط في إحياء العشائرية، بل في التمييز بين المواطنين على أساس دينيّ، فتخصيص كوتا للمسيحيين في بعض المدن والقرى، وإن جادل البعض باعتباره تمييزاً إيجابياً، إلا أنّه يحمل تهديداً بإمكانية إحياء نعرات فئوية على أساس ديني، خصوصاً أنّ المنطقة العربية يتم شحنها بخطاب الكراهية على أساس دينيّ. كما أنّ هذه الخطوة تتناقض مع التوجهات العلمانية المعلنة من قيادة السلطة. فذات القيادة التي درست قراراً يقضي بإلغاء خانة الديانة من بطاقة الهوية، هي التي أصدرت قرار الكوتا، وإن لم تكن الكوتا على أساس ديني بالجديدة، فإنّ الإصرار عليها أمرٌ لا بدّ من التحذير منه، وهو تحذير المتخوّف من استيراد الانقسامات المجتمعية على أساس دينيّ، لا تحذير المتخوّف من نفوذ أتباع أيّ ديانة في مؤسسات الوطن.
تأسيساً على ذلك، تبدو المزاعم بأنّ هذه الانتخابات هي بداية النهاية للانقسام الفلسطيني مفتقرةً للمنطق، ومتجاوزةً للحقائق على الأرض، إذ أنّ الدعوة لإجراء الانتخابات والقبول بها من كلّ الفصائل دون تقويم المشهد الفلسطيني الكلّي أو البدء في تقويمه على أقلّ تقدير؛ قد يدفع بالمجتمع نحو إشكاليات أعمق، تصبح البُنى الاجتماعية كلّها جزءاً منها، ويصبح الانقسام حاضراً في أضيق الدوائر الاجتماعية، وتتشكّل في المجتمع نخبٌ محلّية جديدة قد تُستحضر للانقضاض على الحركات الوطنية. هذا لا يعني المطالبة بوقف الاحتكام إلى صندوق الاقتراع، إنّما يعني ضرورة احتكام جميع القوى والأفراد للقانون واحترام الحقوق والحرّيات، والانتباه إلى علاقة السياسي بالخدماتي في ظلّ الاحتلال وفي ظل التمويل الأجنبي، من ثمّ يمكن مناقشة موضوع الانتخابات.
*أستاذ العلوم السياسية في جامعة الخليل

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  إصلاحات المغرب الدستورية.. أقل من ملكية برلمانية

 ::

  من هنا.. وهناك 17

 ::

  كشٌاف فنزويلي

 ::

  طقوس شم النسيم عاده فرعونيه أصيله

 ::

  مفكرٌ للأمة

 ::

  منظمة التحرير هي الكيان السياسي الفلسطيني (2)

 ::

  ضرب اليهود لغزه جريمة استنزاف.. وحماس أعطيهم الفرصه..!

 ::

  زمن الكوابح لا المفاوضات

 ::

  انظر للشرق واذكرني

 ::

  "خيبة" قراءة في نص للكاتبة: صونيا خضر



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  هل انتهى تنظيم داعش حقا؟!

 ::

  الصهيونية فى العقل العربى

 ::

  30 يونيو .. تلك الأيام !!

 ::

  سوريا والعالم من حولها قراءة لما لا نعرف!

 ::

  تداركوهم قبل لبس الأحزمة

 ::

  الجنسية مقابل الخيبة

 ::

  اليمن .. الشرعية التي خذلت أنصارها

 ::

  الدستور الإيراني والإرهاب

 ::

  في إنتظار الإعلان عن وزير أول تفرزه مخابر ما وراء البحار

 ::

  المسلمون وداعش وكرة القدم

 ::

  الغنوشي والإخوان.. ميكافيلية تجربة أم فاتورة فشل!

 ::

  تداعيات التغيرات الداخلية بأضلاع مثلث الاقليم

 ::

  الصهيونية والرايخ (الامبراطورية) الثالث

 ::

  بين تركيا ومصر.. درسان مهمان






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.