Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

صِـنو أبيه «قصة قصيرة»
يوسف زيدان   Sunday 07-08 -2016

صِـنو أبيه «قصة قصيرة» الزقاق الطويل الذى نسكن به حالياً، وكنا سابقاً نسكن إليه وفيه، يتفرع آخره إلى حارتين كانتا مفتوحتين على الميدان الواسع المفتوح على أحياء البلدة كلها، وعلى كل الاحتمالات، فلما حكم «الجاشنكير» البلدة، وأدرك رجال حاشيته أنه لا يحب الاتساع، تسارعوا إلى البناء فى دائرة الميدان فصار أضيق، وصارت الحارتان مسدودتين بظهر المبانى المخالفة للقانون، الموافقة لهوى من بيده القانون والحل والربط والحِل والترحال والحال والمآل، وهو الجاشنكير المكين المكنى بأبى الاستهبال، الملقب لدى غالبية الناس بالماسخ لأنه يحب المسخ والفسخ والرسخ فوق التخت، ويقال إنه المقصود بالأغنية الفلكلورية التى يتهامس بأنغامها معارضوه للتعريض به، إذ يقول مطلعها: والله الزمان تغيرت عداليه، واتقلبت قلوع المراكب، راح السبع يأخذ فى يوم عادة ليه، لقى الهلف ع التخت راكب.

البيت الذى يتفرع عنده الزقاق إلى الحارتين المسدودتين، مثلث، ويسميه السكان باسم لا يعرف أحد معناه: السمبوكسة. وفيه يعيش عدد وفير من أهل الحارتين والزقاق، وهو بيت عتيق، يقال إنه بُنى قبل عصر القهر، وقيل: بل قبل إرساء الأسرات كخلايا أولى للمجتمعات، وقيل: بل يرجع بتاريخه إلى ما قبل التاريخ. وقيل إن هذه كلها مبالغات سفيهات لأنه انهدم مرات لا تحصى، ثم أعيد بناؤه بأشكال لا تُعد.. ومن ثم، فلا تاريخ له.

فى الطابق الأول من «السمبوكسة» تستكين أسرة مسلوبة القسوة مثل الكين، وكل أفرادها أربعة: السيدة الفاضلة أم ممدوح، والمرأة الشهية المهملة زوجة ممدوح، وممدوح، وابنه الصغير ممدوح.

? ? ?

أم ممدوح تؤكد أنها لم تبلغ بعد الخمسين، والخبثاء يؤكدون أن أعوام عمرها تعدت الستين، والعقلاء يقولون إنها عاشت عشرين سنة شعرت خلالها بنفسها سبع مرات، ثم توالت عليها المرارات حتى ماتت وهى حية، فلا عبرة من بعد بعدد السنوات وحساب الأيام.. لأن الساكن من السنين، والمثقل بالمعتاد لا يجوز معه العد.

كانت أم ممدوح أيام عذريتها تسكن فى المنزل الذى بأول الزقاق، ويقال إن الذى تزوجها كان موظفاً فى الديوان العام، مهمته تحصيل المكوس من سكان البلدة، ولما مر فى تجواله اليومى للتحصيل وحصول الحسرة فى نفوس الناس، رآها فانبهر بجمالها البتولى الآسر، فاستغل نفوذه وأسقط عن أبيها كل المديونات السابقة واللاحقة، وتقرب إلى أمها بحفنات يومية من الدوم والتين الشوكى المقشور، وبعد شهر تزوجها، فعرفت معنى قولهم «السعد» واستمتعت به وهى تمتعه بها، ثلاث مرات شعرت خلالها بنفسها ثم أخبرتها أمه التى تعيش معهم، بأن عليهما عدم الإفراط فى الخلوة، تفادياً للإنهاك.

ولما حبلت أم ممدوح بممدوح، خطرت لها فكرة وجدتها جيدة، هى أن تسمى المولود، إذا كان ذكراً، باسم أبيه ليستمر السلسال وتدوم الثوابت والكوابت، وأخبرت حماتها بفكرتها فاستطابتها العجوز التى كانت أيامها تؤكد أنها لم تبلغ الخمسين، مع أن الجميع كانوا يؤكدون أن أعوام عمرها تعدت الستين.. يوم الولادة وإطلاق اسم ممدوح على الوليد، فرح ممدوح الأب واحتفل فى سبوع ابنه بوليمة أكل فيها سكان الزقاق والحارتين كلهم الدواجن المجمدة مطبوخة مع قطع الباذنجان والفلفل الحار.. كان يوماً مشبعاً من بعد طول الجوع.

? ? ?

بعدما رُزق ممدوح بممدوح، تجبر، لأنه كان يؤمن بأنه صار خالداً، عملاً بقاعدة: اللى خلف ما يموت، واقترن شعوره بالأبدية بجشع عظيم، فاستبد فى تحصيل الأموال المطلوبة على كل رأس حى، وغير المطلوبة، فاغتنى من المال الحرام المسروق من المال الحرام المفروض تحصيله للجاشنكير.

اشتكت أم ممدوح الوليد لأم ممدوح البليد، بأن الناس تشكو لها من ظلم زوجها، فغضبت أمه منها، وحذرتها من الوقوع فى براثن الحاسدين وأهل الغل، وختمت كلامها الغاضب بأنه يجب على الزوجة الصالحة أن تنصر زوجها ظالماً أو مظلوماً، تنصره مظلوماً بالصراخ، وتنصره ظالماً بالصمت المطبق وبعدم إعادة الإشاعات التى يحاربه بها السخفاء من الفقراء.. فقالت لها: حاضر يا خالتى.

بعد سبع سنوات عجاف، عادت أم ممدوح الصغير للشكوى قائلة لأم ممدوح الكبير، بلطف، إنه لم يعد يبتسم لها نهاراً أو يلمسها مساءً، فصاحت فيها حماتها: عيب، اختشى! فلم تجد الشاكية بداً عن التزام الصمت، واستعيبت شكواها، واختشت، ولم تعد من يومها تهتم بما يفعله زوجها، وأدركت أن حياتها مرهونة فقط بابنها، الذى منحها المرات الثلاث التى شعرت خلالها بوجودها: مرة وهو يتحرك فى بطنها، ومرة حين ولدته، ومرة يوم فطامه، وسوف يمنحها مرة رابعة، يوم يتزوج ويأتى إليها بحفيد.

بعد سبعة شهور على مرور السنوات العجاف السبع، عادت أم ممدوح للشكوى مما لم تستطع معه صبراً، وصارحت حماتها التى لم تحمها يوماً، بأن أخباراً وصلت إليها تؤكد أن الممدوح أبوممدوح على علاقة بامرأة رقيعة تقيم مؤقتاً بآخر بيت فى الحارة اليمنى، فقالت لها حماتها إن هذا الكلام لا يجوز النطق به، حتى وإن صح، لأن للرجل القوامة وللمرأة الاستقامة، ولا يجوز الخلط بين ما للرجال وما للنساء، لأن فى ذلك، حسبما قالت العجوز، استهانة بالثوابت الكوابت التى يحيا الناس للمحافظة عليها، وإن ضاعت ضاعوا.

وكان آخر حديث جرى بين أم ممدوح وحماتها، قبل وفاة الأخيرة بأربعة شهور، إذ تأكدت الأخبار الموثقة القائلة بأن ممدوح الكبير استهان بأم ممدوح الصغير وتزوج عليها بامرأة خليعة غير تلك الرقيعة التى كان على علاقة بها من قبل، وكان على علاقة بغيرها من بعد، اندهشت منها حماتها التى كانت آنذاك لا تقوم من سرير مرضها الأخير، وقالت ما مفاده إنها لا ترى وجهاً لهذه الشكوى، فهذا ديدن الرجال، فهل هناك شك فى أن ممدوح الكبير من الرجال؟! ردت الزوجة المهملة المكلومة بكلام لا يعقل، قائلة إنها كانت دوماً مخلصة لزوجها وهو خائن، وراضية بحرمانها وهو سادر فى غيه ومتابع لشوارد شهواته، ومتمسكة باحترامه وهو مستمسك بإهانتها.. فصرخت فيها حماتها: أين الإهانة، إذا كان قد تزوج عليك فعلاً فقد التزم بالشرع، وإن كان - فرضاً - يعرف النساء بغير زواج فهو مسكين ندعو له بالهداية والعودة إلى سواء السبيل، وإن كان لا يقوم بواجباته فهو معذور لأنه يتعب كثيراً فى عمله بسبب رغبة الناس فى التهرب من تأدية المكوس.

? ? ?

مرت السنوات والشهور متشابهات، ومات ممدوح الكبير بعد أمه بفترة، لم يهتم أحد بحسابها، فانفردت أم ممدوح بالبيت مع ابنها، وتوجهت إليه بكل اهتمامها حتى شب عن كل طوق وبلغ مبلغ الرجال.. وكانت المرة الأخيرة التى شعرت فيها بوجودها، لحظة أخبرها ابنها بأنه تخطى العشرين وليس له عمل أو تسلية، فسألته عما يريد، فقال المعتاد.. يقصد الزواج.

خفق قلب أم ممدوح، وتلاطمت بقلبها موجات الأمومة حتى أغرقتها فى بحر الحنو، فتمهلت مع ابنها فى الكلام واحتالت بترقيق صوتها لتصل إلى ما يخبئه عنها: وماله يا حبيبى، حقك، بس الأول نشوف عروسة كويسة، علشان تعيش.

- شفت، وبصراحة انبهرت بجمالها.

- خلاص يا بنى، على خيرة الله.. ربنا يسعدك.

جرت الأمور كالمعتاد، وجاءت العروس ذات الملامح البتولية الآسرة، وسكنت مع ممدوح وأمه فى الشقة ذاتها، وعاشت فى شهرها الأول سبع لحظات سعيدات شعرت خلالها بوجودها، وشعرت أم ممدوح بالقلق على ابنها فنصحت العروس بعدم الإفراط فى الخلوة تفادياً للإنهاك وتحسباً من الهلاك، وهنا اشمأزت العروس من النصح، وقالت ما لم تتوقعه حماتها: معلش يا خالتى، بس أنا شايفة إن الموضوع ده مايصحش الكلام فيه، علشان دى حاجة تخصنى أنا وجوزى، بس.

ارتبكتْ أمُّ ممدوح لحظة، ثم استفاقت فقالت وهى تصطنع الحكمة، إنها تخشى على زوجة ابنها أن تكون حُبلى وهى لا تعلم، ولذلك يجب الحذر. فانسحبتْ العروس من لسانها، واختفت من وجهها ملامح البتولية الآسرة وهى تقول: لأ يا خالتى، أنا مُش حامل، والموضوع ده إحنا متفقين على تأجيله، لحد ما ممدوح يلاقى شغل. أصل يعنى، ما يصحش يبقى أب، وهو عاطل كده.

أسرعت أم ممدوح إلى غرفتها، كهاربةٍ من صدمةٍ لم تكن تتوقعها، وعند دخولها الغرفة فعلت شيئاً غريباً لا صلة له بما دار مع زوجة ابنها من كلام، إذ أخرجت من تحت طيّات ملابسها مرآة، وراحت تحدّق فى وجهها فلم ترَ فى ابتداء النظر شيئاً. أطالت التحديق، فرأت فى مرآتها امرأةً تكاد تكون عجوزاً، غير أن رمقاً ما لا يزال باقياً.. دسّت المرآة فى مكانها، وأخذتها فكرة عجيبة لا صلة لها بما سبق، أو لها صلة، فقد سألت نفسها: هل هناك أمل، بعد هذا العمر ومرور عشر سنوات علىّ كأرملة، أن أتزوج مجدداً؟!

ظلت هذه الفكرة تتأرجح فى سرِّ أم ممدوح عدة سنوات، لم تجرؤ خلالها على التصريح بالجموح الذى هَدَرَ بداخلها بعد ما فات الأوان. كانت تواسى نفسها بأن الأوان ما فات، فهى لاتزال فى الأربعين من عمرها، وليس صحيحاً أنها بلغت الخمسين حسبما تقول الأوراق والناس. الناس لا تعرف، والأوراق ليست دقيقة المعلومات. وحتى لو صدقاً، فشعورى بنفسى هو الأصدق. وكلما صارحت نفسى بأحوالها، أخبرتنى بأننى مازلت حتى اليوم كالعذراء. فما بالك لو اهتممت بنفسى وأنقصت وزنى ومسحتُ على وجهى ببعض المساحيق.. لكن فى الأمر مخاطرة، وقد يسخر منى سكان الزقاق والحارتين ولا أجد رجلاً من بعد ذلك، فأكون قد خسرت كل شىء. ولكن، ما هو الضبط الذى سأخسره؟! هل فى اهتمامى بنفسى خُسران؟!

أخرجتها من أفكارها زوجة ابنها التى طرقت باب غرفتها مرة وحيدة، ثم دخلت عليها كالمقتحمات عصفاً وهى تقول: وبعدين يعنى يا خالتى، ابنك ده آخرته إيه؟ شكله كده مش ناوى على خير.

ــ ليه يا بنتى بس، ما هو لقى شغل وبقى كويس.

ــ يا سلام، ما كل الناس بتشتغل، فيه إيه زيادة؟

ــ وإنت زعلانه دلوقتِ من إيه؟

ــ من إهماله، أنا حاسّه إنى مُش موجودة ومُش متجوزة.

ــ عيب الكلام ده، وبعدين إنت دلوقتى حامل ومُش لازم تضايقى نفسك كده علشان كلام فاضى. إنت كام شهر هاتولدى وكل حاجة ها تبقى تمام، ويا سلام بقى لو جه ولد، ونسميه على اسم أبوه ممدوح.

ــ نعم، ليه يعنى؟! هى قلة أسامى. المهم دلوقت، قولى لابنك لو كان عاوز يحترم نفسه، يحترمنى شوية ويبطل استهبال.

? ? ?

بعد ثلاثة أشهر، ولدت زوجة ممدوح طفلة واختارت لها اسم ماهيتاب، وراحت تدللها أحياناً بماهى وأحياناً بتاب.. وكانت آخر مرة رأت فيها أم ممدوح، أم ماهيتاب، يوم سمعت الجدة بكاء الطفلة فخرجت تستطلع فوجدت زوجة ابنها تجمع حاجياتها فى كيس كبير من القماش، وهى ترتدى ملابس المغادرة. استغربت أم ممدوح ما تفعله زوجته فسألتها عما يجرى، فلم ترد. أعادت عليها السؤال متعطفة ومستجلبة أى إجابة، فردت عليها زوجة ابنها قبل أن تغادر الشقة وتصفع خلفها الباب: اسألى بسلامته، اللى داير يعاكس فى النسوان، وقال إيه، وعد البت فوزية بالجواز. قال يعنى. مع السلامة يا خالتى، وقولى له ها نتقابل فى المحكمة، وقال على رأى المثل: «اللى خدته القرعة تاخده أم الشعور».

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  سوريا ... ذاكرة مختزلة وأمة مستعبدة!!

 ::

  العرب في مناهج وكتب التعليم الإسرائيلية

 ::

  الربيع العربي يجتث البعث الفصل الأول

 ::

  انتصار فلسطين في اليونسكو خطوة نحو الاعتراف بالدولة ومحو وعد بلفور

 ::

  التضامن المنشود في مواجهة التحديات

 ::

  بوش الرئيس المتمرد

 ::

  تلفزيون فلسطين ... نقلة نحو الانكماش /ردا على رامي دعيبس

 ::

  مصالحة سلطوية و ليست مصالحة وطنية

 ::

  الثورة السورية...صدمة أنجبت صمودا

 ::

  مسامير وأزاهير 162 ... من بركات قافلة الحرية!.



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  وأخيراً اعترف البعير

 ::

  قصة قصيرة / حياة بنكهة الشّعْر و البطاطس

 ::

  كيفية حل مشكلة الدولار في مصر

 ::

  أخطر سبب للإرهاب!

 ::

  خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في مفهوم القانون الدولي العام

 ::

  دراسة: أطفال النطف المهربة ثورة انسانية للأسرى الفلسطينيين فى السجون الاسرائيلية

 ::

  رمضان لن يغيِّر سلوك الإرهابيين!

 ::

  قمة نواكشوط… وتسمية الخطر الإيراني

 ::

  مدينة "بني ملال" بما لا يخطر على بال

 ::

  الجنسية العربية.. ذل و مهانة

 ::

  (إسرائيل)، وحملة تزوير الحقائق

 ::

  الإسلام والماركسية علاقة الالتقاء والاختلاف 2

 ::

  لماذا سيسقط داعش وأمثاله

 ::

  قبل أن تهربي من أسرتك اقرئي مقالي






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.