Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

الإسلام والماركسية علاقة الالتقاء والاختلاف 4
محمد الحنفي   Sunday 07-08 -2016

 الإسلام والماركسية علاقة الالتقاء والاختلاف 4 و لذلك فممارسة ادلجة الدين الإسلامي تعتبر ظاهرة مرضية ترتبط بتعميق الاستغلال الرأسمالي العالمي لأوضاع الكادحين في العالم الذي جاء مصحوبا بمناهضة و محاربة المد الاشتراكي على المستوى العالمي، و توظيف كل الإمكانيات من اجل ذلك، بما فيها توظيف الدين الإسلامي من قبل الذين قدمت لهم الرأسمالية العالمية كل الإمكانيات المادية لأداء دورهم المرحلي لمساعدة الرأسمالية العالمية على محاصرة الاشتراكية على المستوى العالمي حتى لا يتغلغل في صفوف الكادحين بدعوى مواجهة "الإلحاد".
و لتجاوز هذه الظاهرة المرضية يجب إعادة الاعتبار لدمقرطة المجتمع اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا و مدنيا و سياسيا لأنه بدون الدمقرطة لا يمكن القضاء على الأمراض الناتجة عن الاستغلال الرأسمالي التبعي للشعوب الإسلامية. فدمقرطة المجتمع تمكن الفعاليات الاجتماعية من التمتع بحقوقها و التعبير عن رأيها في كل القضايا التي تهمها و اختيار من يمثلها في كل المؤسسات التمثيلية، وفق برنامج محدد و هادف يسعى إلى وضع حد لمختلف الظواهر المرضية و بدون تلك الدمقرطة يحضر التعلق و التراجع و التدهور المنتج لظاهرة ادلجة الدين الإسلامي، و إقناع الناس بتلك الادلجة و تعبئتهم وراء مؤدلجيهم لتحقيق أهداف طبقية محددة، و ليس نشر الإسلام أو المحافظة عليه أو الدفاع عنه كما يدعي ذلك المتنبئون الجدد.
فما مصير مؤدلجي الدين الإسلامي ؟ من المعلوم أن من وقف وراء ازدهار هؤلاء، و اكتساحهم للشعوب الإسلامية في جميع أرجاء الأرض، و قيادة المسلمين و تعبئتهم لمحاربة المد الاشتراكي، و العمل على نقض الفكر الاشتراكي العلمي، و إتاحة الفرصة أمام التغلغل الرأسمالي التبعي هم الرأسماليون و الرجعيون. و مادام هؤلاء قد حققوا أهداف الرجعية، و الرأسمالية الهمجية العالمية، فإن الرجعية و الرأسمالية العالمية لم تعودا في حاجة إلى مثل هذا التوظيف الإيديولوجي للدين الإسلامي و لا لمؤدلجيه. و بالموازاة مع ذلك أخذت تنكشف معالم الإيديولوجية في فكر و ممارسة المتنبئين الجدد و دورهم في تكريس التخلف الاجتماعي الذي اصبح يتعمق اكثر من أي وقت مضى. و لذلك فمؤدلجو الدين الإسلامي اصبحوا يشكلون عائقا كبيرا أمام التطور الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي بسبب تمسكهم بالشعارات الأيديولوجية التي صاغوها بدعم من الإمبريالية و الرجعية التي لم تعد تطمئن على نفسها من خطر المتنبئين الجدد، و جحافل اتباعهم. و لذلك فإن الرجعية الرأسمالية التابعة و الرأسمالية ستعمل على التخلص منها، و الجماهير الشعبية الكادحة ستتخلص من هيمنة الفكر الإسلامي المؤدلج على عقولها، و سينحصر فقهاء الظلام الذين سيراوحون مكانهم، و لا يجدون سبيلا إلى الامتداد كما كانوا، و سيصبح خطابهم منبوذا لانكشاف ادلجته و لتمسك المسلمين في معظم بقاع الأرض باعتبار الإسلام دين السلام، لا دين الإرهاب. لأن ما يدفع إلى اعتبار الإسلام دين الإرهاب هو تحويله إلى أيديولوجية. و هكذا نجد أن إعادة النظر و كيفية التعامل مع مؤدلجي الدين الإسلامي سيغطي مرحلة بكاملها ليعود الاعتبار إلى دور التنوير الذي يجعل المسلمين بالخصوص يسعون إلى البحث عن السبل التي تقود إلى اندماجهم في المحيط العالمي المتقدم و المنفتح على كل أشكال التطور التي سيلعب الإسلام دورا أساسيا فيها باعتباره صالحا لكل زمان و مكان.

تحويل الماركسية إلى عقيدة ممارسة تحريفية :
و ما قلناه عن تحويل الإسلام إلى أيديولوجية أدى إلى تحريف العقيدة عن أهدافها الحقيقية، يمكن قوله كذلك في الماركسية التي يجب اعتبار تحويلها إلى عقيدة ممارسة تحريفية.
فالأصل في الماركسية أن تكون منهجا للتحليل الملموس للواقع الملموس وصولا إلى معرفته، و استشراف ما يجب عمله لتغييره إلى الأحسن. و هذا المنهج له منطلقات، و قوانين و أهداف يسعى إلى تحقيقها سعيا إلى تغيير الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي بما يخدم مصلحة الكادحين بقيادة الطبقة العاملة، و التغيير لا يكون إلا بإذكاء حدة الصراع الطبقي و العمل على إدارته بما يخدم الطبقة العاملة و حلفائها.
و قد لعب المنهج الماركسي منذ ظهور الماركسية و إلى اليوم دورا كبيرا في جعل الوعي الطبقي يعم الكادحين في هذا العالم و خاصة الطبقة العاملة. فقد اصبح الكادحون بقيادة الطبقة العاملة يدركون عمق الاستغلال الذي يمارس عليهم، و من يستغلهم، و نسبة ما يذهب إلى جيوبهم من فائض قيمة الإنتاج و دور الدولة كأداة للسيطرة الطبقية في قمع الكادحين و إخضاعهم للاستغلال البورجوازي الذي لا يرحم. كما لعب دوره في جعل هؤلاء الكادحين يدركون ما يجب عمله لخوض الصراع ضد المستغلين، و خاصة عندما يتعلق الأمر بتأسيس تنظيمات جماهيرية و حزبية لقيادة خوض الصراع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي من اجل الحد من شراسة الاستغلال على المدى المتوسط، و من اجل وضع حد للاستغلال على المدى البعيد. و هذا ما دعا إلى تأسيس النقابات و الجمعيات، و الأحزاب كأدوات لخوض ذلك الصراع و قيادته.
إلا أن ابتلاء الماركسية و المنهج الماركسي بالوثوقية على يد البيروقراطيين قاد إلى تحويل الماركسية إلى عقيدة تنتج عبادة البيروقراطيين بدل عبادة الله كما يحصل في الديانات السماوية. فالعقيدة الماركسية تقود إلى تقديس النموذج في الفكر، و في الممارسة و في الأشخاص، و هو تقديس لا علاقة له بحقيقة الماركسية بقدر ما له علاقة بالأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى المراكز العليا للسلطة التي استغلوها لفرض عقيدتهم المنسوبة إلى الماركسية، و فرض كيفية الممارسة السياسية و النقابية و الحزبية و المنظماتية المختلفة و الإيقاع بكل من خالف رأي القيادة الحزبية و السياسية المحلية و المركزية و تصفية كل المخالفين الماركسيين عبر العالم.
فالدوغمائية أو الوثوقية ممارسة قمعية تهدف إلى التخلص من المعارضين الذين يرفضون عبادة الأشخاص، و عبادة النموذج الفكري و الحزبي و النقابي و المنظماتي الذي يعزف على نفس أوتار القائد، و معلوم ما جرته الدوغمائية على الماركسية من خراب، و خاصة عندما حولتها إلى مجرد مقولات لا علاقة لها بالماركسية و بالمنهج الماركسي العلمي.
و قد أدى تحويل الماركسية إلى عقيدة إلى الدخول في عملية ممارسة حق القائد في مصادرة حق الرأي الآخر في التواجد عن طريق توظيف الماركسية نفسها، و أجهزة الدولة القمعية و أجهزة الحزب و النقابة و المنظمات الحزبية في عملية المصادرة من اجل القضاء على كل العقائد الأخرى حتى تبقى العقيدة الماركسية وحدها السائدة بقوة الواقع الناتج عن قوة القمع. و كنتيجة لذلك، و بسبب تعدد الأنظمة الماركسية فقد تعددت العقائد الماركسية التي تختلف منطلقاتها و آفاق عملها لتجد نفسها متصارعة فيما بينها، بل و متناحرة و كل واحدة من تلك العقائد الماركسية تتهم الأخرى بالتحريف الذي لا يمكن تبريره إلا بنفي كون الماركسية عقيدة ، و التعامل معها كمنهج للتحليل العلمي، و السعي إلى تحويل الواقع في اتجاه تحقيق كرامة الإنسان التي لا تتحقق إلا بالقضاء على أشكال الاستغلال المادي و المعنوي، ذلك القضاء الذي لا ينفي حق الإنسان في اختيار العقيدة التي يراها مناسبة له دون أن يرغمه أحد على ذلك.
و كما اعتبرنا تحويل العقيدة الإسلامية إلى أيديولوجية ممارسة تحريفية. نعتبر كذلك تحويل الماركسية إلى عقيدة ممارسة تحريفية أيضا، و هو ما يدعو إلى إعادة قراءة الماركسية و التاريخ الماركسي من اجل الوقوف على أشكال التحريف التي لحقت الماركسية و التي حالت دون استفادتها من التطور العلمي و التكنولوجي و العمل على إزالة تلك الأشكال التحريفية من الفكر الماركسي و إعادة الماركسية إلى اصلها القائم على الانفتاح على العلوم المختلفة، و السعي إلى تطوير مناهجها و الاستفادة من النتائج التي تتوصل إليها، و العمل على تطوير المنهج الماركسي الذي يجب أن يستوعب مختلف المستجدات المنهجية العلمية التي يجب توظيفها و التعامل مع مستجدات الواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي من اجل ضبط وتيرة العمل على تغيير الواقع بما يخدم مصلحة الكادحين.
و قد أدى تحويل الماركسية إلى عقيدة : انحسار الاشتراكية و الاشتراكيين، و انهيار الاشتراكية في اعتى معاقلها الاتحاد السوفياتي – و تراجع العديد من الأحزاب عن تبني الاشتراكية العلمية بعد انهيار النموذج المثال/النموذج المقدس و انحسار ما بقي منها على قناعته بالاشتراكية العلمية في تطورها، و تعاطيها مع المستجدات المختلفة، و محاصرتها من قبل الرجعية المتخلفة، و الأجهزة القمعية، و من قبل الأحزاب التي تدعي الديمقراطية و التقدمية المستعدة دائما لارتداء اللباس المناسب في الوقت المناسب للمقام المناسب حتى و إن أدى ذلك إلى التنكر للمبادئ و للتاريخ النضالي لحركة التحرر الوطني و حركة التحرير الشعبية.
و للانفلات من الجمود العقائدي الذي أصيبت به الماركسية لابد من إعادة الاعتبار إلى الديمقراطية بمفهومها العلمي الماركسي التي تعتبر وسيلة وحيدة للكشف عن التناقض القائم في تحويل الماركسية إلى عقيدة، و الخلفية الطبقية التي تحكم ذلك. و سبل تجاوز هذه الظاهرة المرضية التي ابتليت بها الماركسية على يد من يمكن اعتبارهم من كبار الماركسيين و قادتهم كما هو الشأن بالنسبة لجوزيف ستالين.
و تبعا لذلك فقد تحول قادة اعتى دولة اشتراكية في العالم إلى بورجوازيين استغلوا الجمود العقائدي الذي دعوا إلى تجاوزه بما صار يعرف ب"البيروكسترويكا" أو إعادة البناء، و "الغلانزوست" أو الشفافية التي كانت في ظاهرها دعوة إلى دمقرطة المجتمع، و إشراك الناس في كل ذلك و دعوتهم إلى المساهمة في إعادة البناء الاشتراكي، و في باطنها السعي إلى تقويض الدولة الاشتراكية العظمى ليقوم على أنقاضها ما اصبح يعرف بالدول المستقلة التي اتجهت جميعها لتخطب ود الرأسمالية، و تدخل شعوبها في جحيم الفقر و القهر و الجوع و المرض، إلى جانب الاحتفاظ بالرؤوس النووية. جزاءا على هذا العمل نال المحرف غورباتشوف جائزة نوبل للسلام، فاحتفت به وسائل الدعاية الرأسمالية.
و لعل ما يلفت انتباهنا في هذه النازلة هو أن وضع حد لاعتبار الماركسية عقيدة لم يحصل بالطرق العلمية التي يقتضيها البحث الاشتراكي العلمي الذي كان من المفروض أن تشكل له هيئات مختصة لدراسة مرحلة بكاملها، و ما شابهها من تجربة الماركسية في استغلال الدولة التي كانت محسوبة على الاشتراكية لخدمة المصلحة الطبقية لبيروقراطية الدولة و الحزب على السواء من اجل الخروج بخلاصات تترجم إلى إجراءات عملية تساهم في تطوير النظرية الماركسية و الفكر الماركسي و الماركسيين على مستوى الممارسة السياسية. و هو ما لم يتم اللجوء إليه فكانت معالجة ممارسة تحريفية بممارسة قادت إلى التحول في اتجاه الرأسمالية و هو ما يمكن اعتباره اكبر خدمة قدمها التحريفيون إلى الرأسمالية هي نهاية التاريخ.
و لذلك فتجاوز تحويل الماركسية إلى عقيدة يفرض على الاشتراكيين العلميين :
1) تطوير المجتمع الاشتراكي بما يتناسب مع ما وصل إليه العلم الحديث و التكنولوجية الدقيقة و المتطورة التي أصبحت في خدمة العلوم و الآداب و الفنون، حتى يصير المنهج متطورا فعلا في تفاعل مع المناهج العلمية الدقيقة.مما يساعد على تطوير التحليل العلمي للواقع، و الوصول إلى خلاصات تساعد على التغيير الحقيقي للواقع الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي أو على وضع برنامج رائد للنضال من اجل التغيير المنشود.
2) و بما أن بناء الأداة النضالية بناءا سليما يعتمد مبادئ المركزية الديمقراطية، و التنظيم الخلوي، و النقد و النقد الذاتي، كما يعتمد أسس بناء الحزب الاشتراكي العلمي المتمثلة في الأساس الأيديولوجي الاشتراكي العلمي، و الأساس التنظيمي الذي يتناسب مع هذه الأيديولوجية و الأساس السياسي المعبر عن القناعة الإيديولوجية الاشتراكية العلمية، لأنه بدون بناء الأداة النضالية الصحيحة نبقى عاجزين عن قيادة النضال من اجل التغيير.
3) قيادة النضال الديمقراطي في إطار جبهة للنضال من اجل الديمقراطية تساهم كل المنظمات التي تسعى إلى تحقيق الديمقراطية في مجتمعاتها وفق برنامج محدد لاستنهاض قطاعات المجتمعات المتخلفة، و إعدادها لامتلاك الوعي المتطور و المتحرك لفرض انتزاع الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية و فرض احترامها عبر القوانين المتبعة في جميع المجالات.
4) العمل على اجراء انتخابات حرة و نزيهة بإشراف هيئة محايدة تفرض احترام إرادة الشعوب المقهورة، و تشكيل حكومة من الأغلبية تقوم بتنفيذ البرنامج الذي صوتت الجماهير لصالحه.
5) قيام الهيئات المنتخبة بمراقبة الحكومة، و محاسبتها بالإضافة إلى تشريع القوانين الضرورية لعملية التغيير المنشود و اجرأة المواثيق الدولية من خلال ملاءمة القوانين المحلية معها.
6) قيام الحكومة بإنشاء هيئات مختصة بدراسة القوانين و الوقوف على جوانب القصور فيها، و العمل على تطويرها بملاءمتها مع المواثيق الدولية قبل فرضها على المؤسسة التشريعية. و أخرى مختصة بدراسة الوضعية الاقتصادية، و تحديدها إذا كانت وطنية أو غير وطنية، و هل تستجيب لمتطلبات الشعوب أم لا؟ و هل يصمد الاقتصاد الوطني أمام التقلبات العالمية ؟ و هل هو مؤهل لمنافسة اقتصاديات الدول المتقدمة ؟ و ماذا يجب عمله للوصول إلى بناء اقتصاد وطني متطور و مستفيد مما تحققه اقتصاديات الدول المتقدمة و متحول إلى اقتصاد اشتراكي تكون فيه ملكية وسائل الإنتاج للشعوب ؟ و يتم توزيع الدخل بين الفقراء توزيعا عادلا ؟ و أخرى لدراسة الوضعية الاجتماعية قصد الوقوف على جوانب القصور في التعليم و الصحة. و ماذا يجب عمله لجعل الخدمات الاجتماعية في خدمة الجميع ؟ و أخرى لدراسة الوضعية الثقافية، و ما العمل لإنجاز ثورة ثقافية حقيقية لجعل الناس يمتلكون وعيا ثقافيا متقدما تتم في إطاره إعادة النظر في الهياكل السياسية القائمة في كل بلد على حدة من اجل إزالة مظاهر الاستبداد التي تحول دون ديمقراطية المجتمع، و استبدالها بهياكل ديمقراطية تؤهل الشعوب للقيام بالممارسة الديمقراطية الحقيقية التي تعتبر ضرورية لممارسة الشعوب لسيادتها.
و بذلك تكون الماركسية وسيلة لتثوير المجتمع من اجل أن يختار ما يناسبه على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، بعد أن يمتلك وعيه الحقيقي الذي يقوم الحزب الاشتراكي العلمي بإشاعته بين الناس بواسطة المثقفين الثوريين الذين يتحملون هذه المسؤولية بإخلاص و تفان لا مثيل لهما. و بتحول الماركسية إلى وسيلة لتثوير المجتمعات البشرية يزول عنها كونها عقيدة كما يسعى إلى ذلك بيروقراطيو الأحزاب الماركسية التقليدية.
و بناء على هذا التجاوز، هل تعود الماركسية إلى الواجهة كمنهج و كهدف ؟
إن منظري البورجوازية و البورجوازية الصغرى و المتوسطة يرون أن مجال عودة المنهج الاشتراكي العلمي باعتباره منهجا ماركسيا إلى الواجهة لم يعد واردا لأنه اصبح متجاوزا بحصول القناعة بأن النظام الرأسمالي في ظل العولمة هو آخر ما وصلت إليه البشرية و دليلهم على ذلك هو فشل التجارب الاشتراكية أو شبه الاشتراكية التي كانت حتى الآن، و أن العديد من الأحزاب الاشتراكية تخلت عن ماركسيتها و تحولت إلى أحزاب بورجوازية صغيرة، أو أحزاب بورجوازية، إن لم تعمل على حل نفسها و تراجع كبار الماركسيين في العديد من الدول، و خاصة الدول القائدة في بلاد المسلمين، و إعلان ثوريتهم. و هو دليل لا يرقى أبدا إلى مستوى قول الحقيقة لأن الذي انهار هو التجارب التي تسمي نفسها "اشتراكية"، و الأحزاب التي تخلت عن المنهج الاشتراكي العلمي هي أحزاب البورجوازية الصغرى، و من طبيعة أحزاب من هذا النوع أن تكون تجريبية تستبدل أيديولوجية بأخرى لتحقيق تطلعاتها حتى لا نقول مصلحتها الطبقية. لأن البورجوازية الصغرى تتلون كالحرباء و تتنقل في مواقع مختلفة. و لذلك لا نستغرب إذا وجدناها تتنقل بين الأحزاب، و تغير إيديولوجيتها كما تغير ملابسها. أما الماركسية فتبقى صامدة بالماركسيين الحقيقيين، و متطورة بمساهمتهم المستفيدة مما تبدعه العلوم من مناهج في مختلف المجالات العلمية. و المنهج الماركسي سيعرف تطورا بإبداعات الماركسيين النظرية و العلمية و سيلعب دوره في التحليل الملموس للواقع الملموس انطلاقا مما تقتضيه الرغبة في مقاومة نتائج عولمة اقتصاد السوق، و همجية الرأسمالية، و رغبة الشعوب في التخلص من تلك الهمجية، و النضال من اجل تحقيق الاشتراكية التي ستبقى أمل الشعوب المقهورة كيفما كان التضليل الذي يمارس عليها من قبل الأنظمة الرأسمالية و الأنظمة التابعة شبه الرأسمالية، و شبه الإقطاعية. و ما دام الأمر كذلك فإن عودة المنهج الاشتراكي العلمي إلى الواجهة سيبقى واردا لأن ما يجري الآن في العالم يحتاج إلى فهم علمي دقيق. و ذلك الفهم العلمي لا يتم إلا بالمنهج الاشتراكي العلمي لا بمنهج آخر و لا ينجزه بمناضليه الماركسيين إلا حزب اشتراكي يناضل من اجل الحرية و الديمقراطية و الاشتراكية.

أهداف الإسلام و أهداف الماركسية أو علاقة الالتقاء و الاختلاف :
و للحديث عن أهداف الإسلام و أهداف الماركسية يجب أن نستحضر منذ البداية أن الدين الإسلامي نشأ في ظروف موضوعية تختلف كليا و جزئيا عن الشروط الموضوعية التي نشأت فيها الماركسية. فالدين الإسلامي نشأ في الجزيرة العربية خلال القرن السابع الميلادي و في مجتمع قبلي متخلف، و في ظل سيادة عبادة الأوثان التي لا تتناسب مع عبادة الإنسان لها، و التي جاء الإسلام لنفي عبادتها، و إخلاص العبادة لله وحده بناءا على ما جاء في القرآن الكريم، و السنة الشريفة.
و المجتمع الذي نشأ فيه الدين الإسلامي هو مجتمع عبودي/قبلي/رعوي يعتمد الغنيمة التي تكلف الناس أرواحهم أثناء خوض حروب الكر و الفر كوسيلة اقتصادية للحصول على المتاع و الرقيق. كما يجب أن نستحضر الشروط الموضوعية التي ظهرت فيها الماركسية. فقد نشأت في أوربا و خلال القرن التاسع عشر، و كنتيجة لتفاقم أوضاع الطبقة العاملة بسبب شراسة ما تتعرض له من استغلال، و هذا يعني أنها ظهرت في مجتمع متطور بالقياس إلى ما كانت عليه الجزيرة العربية في القرن السابع. و قد ظهرت الماركسية على يد ماركس و انجلز، و الهدف من ظهورها هو محاربة الاستغلال البشع و الشرس الذي تتعرض له الطبقة العاملة على يد كبار البورجوازيين الذين يملكون وسائل الإنتاج.
و بصفة عامة فالإسلام دين يهدف إلى إخلاص العبادة لله، أما الماركسية فليست دينا، إنها مذهب اقتصادي اجتماعي ثقافي سياسي يهدف إلى تغيير علاقات الإنتاج من علاقات إنتاج رأسمالية في بناء الدولة الرأسمالية، و الرأسمالية التابعة إلى علاقات إنتاج اشتراكية. ثم إن الدين الإسلامي هو دين جميع الناس سواء كانوا رأسماليين أو اشتراكيين، و سواء كانوا شرقيين أو غربيين أو شماليين أو جنوبيين، و يكفي لكي يصبح الإنسان مسلما أن يشهد أن لا اله إلا الله و أن محمدا رسول الله.
أما الماركسية فهي مذهب يحق لجميع الناس أن يقتنعوا به و يسعوا إلى تحقيق الاشتراكية بناء على ذلك الاقتناع الذي لا ينفي الاعتقاد بالدين الإسلامي و لا يحول دون اعتناقه.
الاقتناع بالماركسية معناه الاقتناع بالمنهج الاشتراكي العلمي الذي أبدعه منظرو الاشتراكية ماركس و انجلز و توظيف ذلك المنهج في تحليل الواقع، و الوصول إلى ما يجب فعله لتغييره حتى يصبح في مصلحة الكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة.
و انطلاقا من هذا التوضيح يمكن أن نسجل نقط الالتقاء و الاختلاف بين الإسلام و الماركسية مع إخضاع كل نقطة للمناقشة حتى نتبين التمايز الواضح بين الإسلام و الماركسية على مستوى الأهداف ؟
1) فالدين الإسلامي يسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التي نذكر منها :
أ- إخلاص العبادة لله تعالى وحده دون سواه "قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد و لم يولد و لم يكن له كفؤا أحد" لأنه لو لم يسع إلى ذلك ما عرف هذا الإقبال الواسع، و هذا الانتشار السريع كالنار في الهشيم بسبب كون الدعوة إلى توحيد عبادة الله تعالى قد تعد بداية للتحرر من عبادة الأوثان التي تقود إلى تقديس الأشخاص و تأليههم أو احتقارهم و استعبادهم. فتوحيد عبادة الله إذن هي بداية تحرر الإنسان من التبعية. إلا أن هذا التحرر اكتفى بالتحرر من عبادة الأوثان. و ما سوى ذلك يترك لتطور الإنسان على جميع المستويات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. فكلما تطور المجتمع، إلا و نجد أن الإنسان يحصل على مستوى معين من الحرية إلى أن وصلنا إلى المرحلة التي يتحرر فيها الإنسان من التبعية لمالكي وسائل الإنتاج التي تصبح مملوكة للمجتمع بدل الأفراد و يصبح الإنتاج موزعا بين جميع أفراد المجتمع على أساس مبدأ " على كل حسب قدرته و لكل حسب حاجته" فتوحيد عبادة الله هي بداية انفلات الإنسان من عبودية الأسياد في بداية خلخلة المجتمع العبودي.
ب- احترام العقائد التوحيدية التي تجمعها بالدين الإسلامي عبادة الله تعالى مع الاختلاف في طريقة العبادة انطلاقا من "مبدأ التعدد في خدمة الوحدة". فاختلاف الرسل و طرق العبادة لا يلغي وحدانية العبادة، و احترام العقائد الأخرى يدخل في إطار انفتاح الإسلام على تلك العقائد و إقراره بحق الإنسان في اختيار العقيدة التي يؤمن بها أو البقاء بدون عقيدة. فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى " فمن شاء فليومن و من شاء فليكفر"و قوله تعالى " لا إكراه في الدين" و قوله تعالى "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم أن لا نعبد إلا الله" و قوله تعالى " قل يا أيها الكافرون لا اعبد ما تعبدون و لا انتم عابدون ما اعبد و لا أنا عابد ما عبدتم و لا انتم عابدون ما اعبد لكم دينكم و لي دين" و هي أقوال تؤكد كلها موقف الإسلام من حرية العقيدة التي يجب أن تكون سائدة في المجتمع البشري. و هو ما جاءت به المواثيق الدولية عندما يتعلق الأمر بحرية العقيدة و هي خلاف ما يجري في المجتمعات الإسلامية حيث يرغم غير المسلمين على اعتناق الإسلام ، أو يرغمون على اعتناق دين معين إذا كانوا لا يقتنعون به.
ج- تحقيق كرامة الإنسان انطلاقا مما جاء في الكتاب و السنة حيث تختصر كرامة الإنسان في تسخير ما يوجد في الطبيعة لخدمة الإنسان. و قد ورد في القرآن الكريم ما يفيد ذلك و منه قوله تعالى "و لقد كرمنا بني آدم" و قوله تعالى " و من الثمرات و النخيل و الأعناب تتخذون منه سكرا و رزقا حسنا" هذا بالإضافة إلى سوق مجموعة من الأحكام التي ترفع مكانة الإنسان على جميع الكائنات الأخرى التي ميزه عنها بالعقل و بالكلام و بالقدرة على الاسترجاع و الاستفادة من التجارب السابقة. و من تجارب الآخرين لأجل صياغة تجربة جديدة و متطورة و نوعية " انا خلقناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم".
د- بث القيم الإنسانية بين البشر كقيم الخير و الشر، و قيم الجمال و الحب و كل ما يؤدي إلى قيام مجتمع للمسلمين خال من الأمراض التي تسيء إلى كرامة الإنسان. فأول آية نزلت على محمد (ص) "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق" تبين أهمية العلم و المعرفة كقيمتين إنسانيتين و نحن إذا قرأنا القرآن الكريم من أوله إلى آخره نجده يزخر بالقيم الإنسانية النبيلة التي يرى الإسلام تجسيدها في المسلمين و قد جاء في السنة ما يؤكد ذلك و ما يغنيه.
ه- تمتيع الناس بمجموعة من الحقوق التي يقتضيها الاعتقاد بالدين الإسلامي كحقوق الآباء على الأبناء و حقوق الأبناء على الآباء. و حقوق الفقراء على الأغنياء و حقوق الجار و حقوق الصحبة. و قد جاء في هذا الإطار قوله تعالى " و لا تقل لهما أف و لا تنهرهما و قل لهما قولا كريما و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة" و قوله تعالى "و حمله و فصاله في عامين" و قوله تعالى " إنما الصدقات للفقراء و المساكين و العاملين عليها و المؤلفة قلوبهم و الغارمين وفي سبيل الله و ابن سبيل فريضة من الله" إلى غير ذلك من الآيات و الأحاديث التي تنص على مختلف الحقوق التي يسعى الإسلام من وراء الحرص عليها إلى بث روح التعاضد بين المسلمين بما يضمن سلامة مجتمع المسلمين من التمزق و الانحلال .
و- بناء مجتمع سليم من الأمراض الاجتماعية. و في أفق ذلك حرم السرقة و القمار و شرب الخمر و الدعارة. فقد ورد قوله تعالى " و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله" و قوله تعالى "يا أيها الذين ءامنوا إنما الخمر و الميسر و الأنصاب و الازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون" و قوله تعالى " الزاني و الزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة". و لكن قبل هذه الصرامة يحرص الإسلام على بث العدل الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي بين الناس فقد قال تعالى " إن الله يامر بالعدل و الإحسان" إلى آخره.
ز- و الهدف من مجتمع صالح خال من الأمراض المختلفة هو إعداد الإنسان الصالح الذي يعرف حدود الله و لا يتجاوزها، و بناء عليها يحرص على التمتع بحقوقه دون سواها و لا يلحق الأذى بغيره، يقوم بواجبه تجاه الناس، و يكون كريما معهم في المعاملة، و "الدين المعاملة" و ينصحهم، و يستمع إلى نصيحتهم و "الدين النصيحة" حتى يكون بذلك مساهما في بناء مجتمع المسلمين المنشود الذي يحرص في إطاره المسلمون على تجسيد معنى الحديث الشريف "المومن للمومن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا" فيكون كل مسلم قويا في مجتمعه، و بتلك القوة الجماعية يسعى المسلمون إلى بناء الاقتصاد و الاجتماع و الثقافة، و يختارون النظام السياسي الذي يناسبهم دون إملاء من أحد " و أمرهم شورى بينهم".
و بذلك يتبين أن الأهداف التي يسعى الإسلام إلى تحقيقها هي أهداف تتمحور حول هدف مركزي واحد هو ضمان تحقيق كرامة الإنسان.
2) و كما يسعى الإسلام إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التي أبرزنا بعضها بما له علاقة بالقيم النبيلة و بناء مجتمع سليم، و تحقيق كرامة الإنسان، فإن الماركسية بدورها تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التي نذكر منها :
أ- إشاعة الوعي الطبقي بين أفراد المجتمع، لأن إشاعة هذا الوعي هو المسألة المركزية في الماركسية و بدونه تفقد الماركسية قيمتها، و تتحول إلى مجرد مذهب مثالي كباقي المذاهب المثالية الأخرى. فالماركسية منهج للتحليل و التفكير تسعى إلى جعل الطبقات المقهورة في جميع المجتمعات البشرية تمتلك وعيها، و تدرك بدقة موقفها من الإنتاج الذي يمكنها من إدراك ما يمارس عليها من استغلال بشع، و البحث عن القوانين الاجتماعية المكرسة للاستغلال، و معرفة ما يجب عمله للتخفيف من وطأته في أفق القضاء عليه. وبذلك يدرك المقهورون ما يجب عمله، و عند ذلك يشرعون في امتلاك وعيهم الذي لا يكون إلا طبقيا، و هو ما يقاومه المستغلون بنشرهم بين الناس كل أشكال التضليل الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و السياسي. و الوعي الطبقي هو الوسيلة المثلى لإزالة الوعي الزائف، الناتج عن أشكال التضليل الممارسة على المستغلين.
و الماركسية عندما تحرص على نشر الوعي الطبقي الحقيقي فلأنها تحرص على تثوير المجتمع، و جعل وعيه يتجدد باستمرار من اجل الوصول إلى تغيير بنياته الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية، و إنضاج شروط استمرار ذلك التغيير إلى الأحسن لقطع الطريق أمام عودة الاستغلال.
ب- لكن هل يمكن حدوث ذلك التغيير بدون أداة تناضل من اجله ؟ و لذلك نجد أن الماركسية لابد لها من أداة تعمل على نشر فكرها و وعيها و تحقيق أهدافها في المجتمع، إنها الحزب الماركسي الذي ليس إلا حزبا للكادحين و طليعتهم الطبقة العاملة. حزب يقوم على أساس مبادئ الاشتراكية العلمية باعتبارها أيديولوجية الكادحين، و تصور تنظيمي ينسجم معها، و موقف سياسي يعبر عن رغبة الكادحين في التغيير. و هذه الأداة تعمل على تنظيم العمال و الفلاحين و المثقفين الثوريين و سائر أصحاب المصلحة في التغيير بعد اقتناعهم بذلك و العمل على نشر الوعي الطبقي في صفوف أفراد المجتمع، و وضع كل أشكال التضليل التي تستهدفهم، و ربطهم بالمنظمات الجماهيرية النقابية و الثقافية و الحقوقية التي تعمل على تحسين أوضاعهم المادية و المعنوية وصولا إلى التغيير الجذري و الشامل للأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية لصالح الجماهير الشعبية الكادحة، و طليعتها الطبقة العاملة.
ج- و مما يعمل من اجل تحقيقه الحزب الماركسي قبل تحقيق هدفه الاستراتيجي، العمل على بناء مجتمع متطور، و المجتمع المتطور هو كل مجتمع تتوفر فيه شروط إمكانية التحرر و الممارسة الديمقراطية باعتبارهما شرطين للنضال من اجل تحقيق العدالة الاجتماعية كمقدمة لتحقيق المجتمع الاشتراكي، و للوصول إلى مجتمع من هذا النوع يسعى الحزب الماركسي من خلال برنامجه المرحلي الذي يسعى إلى تحقيق الحرية الفردية و الجماعية في نسيج المجتمع، و في القوانين المتبعة حتى يتمكن أفراد المجتمع من التعبير عن إرادتهم و تقرير مصيرهم الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي و المدني و السياسي، و العمل على تحقيق الأغلبية في تلك المجالس للوصول إلى السلطة التنفيذية حتى يكون هناك تكامل بين البرنامج المحلي و البرنامج الاستراتيجي و المتمثل في إقدام الأغلبية على فرض تحقيق الاشتراكية إلى جانب تحقيق الحرية و الديمقراطية، و قيام الحكومة بالإشراف على بناء المجتمع الاشتراكي.
د- و من معالم تحقيق المجتمع الاشتراكي، العمل على حفظ كرامة الإنسان عن طريق تمتيعه بحقوقه الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية. و هذا المجتمع لا يقف عند حدود الإجراءات القانونية الصرفة، بل لابد من إيجاد المؤسسات المشرفة على حفظ تلك الكرامة سواء تعلق الأمر بالتربية و التعليم أو الصحة أو التشغيل، أو الثقافة أو الترفيه أو السياسية. لأنه بدون وجود تلك المؤسسات التي تقدم خدماتها بالمجان تبقى كرامة الإنسان مهدورة ، و معرضة لكافة أشكال الإهانة التي تلاحقها من كل الجهات المعنية بتقديم الخدمات بالمقابل، بل قد يعجز الإنسان عن أداء واجب الخدمات فيحرم منها. لذلك تحرص الماركسية في نهاية المطاف على تحقيق الاشتراكية كمنهج، و كهدف استراتيجي تسعى إلى تحقيقه على المدى البعيد، لأن المجتمع الاشتراكي هو الإطار الذي تحفظ فيه كرامة الإنسان بالمعنى الاشتراكي العلمي، على خلاف المجتمعين الإقطاعي و البورجوازي اللذين لا يعبئان أبدا بتقديم الخدمات، و تعميمها على المجتمع ككل، و دون مقابل مادام أفراده في خدمة المجتمع. و الماركسية بذلك تلتقي مع الإسلام في هذه النقطة، و تختلف في وسيلة تحقيقها كما سنرى ذلك في مكان آخر من هذه المعالجة.
ه- و تبعا لحفظ كرامة الإنسان بالمفهوم الماركسي الاشتراكي العلمي، نجد الحرص على تمتيع أفراد المجتمع بجميع الحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و المدنية و السياسية في إطار المجتمع الاشتراكي الذي يحرص على التوزيع العادل للإنتاج الاقتصادي الذي تكون فيه وسائل الإنتاج في ملكية المجتمع مع تقديم الخدمات الاجتماعية للجميع على أساس المساواة سواء تعلق الأمر بالتعليم أو بالصحة أو بالسكن أو بالشغل أو بالترفيه. و إتاحة الفرصة أمام المكونات الثقافية للشعب الواحد من اجل التفاعل فيما بينها على أسس ديمقراطية حتى لا يطغى مكون على باقي المكونات الأخرى. و أن يتم تمكينهم من اختيار ممثليهم في المؤسسات المختلفة على أسس تتناسب مع الديمقراطية بمفهومها الماركسي الاشتراكي العلمي. و بذلك يكون المجتمع الاشتراكي إطارا لتمتع جميع الناس بجميع الحقوق باعتبارها هدفا أسمى تسعى إلى تحقيقه الماركسية بعد تحطيم قلاع الاستغلال الرأسمالي الهمجي الذي اصبح يهيمن على العالم في ظل ما اصبح يعرف بالعولمة التي لا تعني إلا عولمة اقتصاد السوق التي تساهم في تعميق إهدار كرامة الإنسان.
و- و حتى يتمتع جميع أفراد المجتمع بجميع حقوقهم في ظل النظام الاشتراكي، يتم الحرص على تغيير الممارسة الاجتماعية و الفردية من الأمراض البورجوازية. فمحاربة أمراض النظام البورجوازي يعتبر من الأهداف الأساسية للماركسية، فلا وجود للرشوة و الفساد الإداري و القضائي و المحسوبية و الزبونية و كل أشكال التضليل الإيديولوجي التي تستهدف تكريس الاستغلال و الحيف الطبقي. و كل الأمراض التي يظهر أنها لصيقة بالأخلاق البورجوازية و المنطلقة من المبدأ الليبرالي "دعه يعمل، دعه يمر" وصولا إلى بناء مجتمع سليم من الأمراض الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و السياسية.
ز- احترام العقائد المختلفة التي يزخر بها الواقع و ضمان حق ممارسة الطقوس التي لها علاقة بتلك العقائد و حماية مؤسساتها. و تجريم إيذاء ممارسيها، و اعتبارها عاملا من عوامل التنوع في إطار الوحدة.و في هذا الإطار يتمتع المسلمون بكامل الحرية في ممارسة طقوسهم في المباني المخصصة لذلك كما هو الشأن بالنسبة لباقي الديانات الأخرى. و ما ينسب إلى الماركسية في هذا المجال مما لا يتناسب مع جوهرها ما هو إلا مجرد تجن يستهدف التضييق على الماركسيين، و التحريض ضدهم من اجل تأبيد السيطرة الرأسمالية أو الرأسمالية التابعة. لذلك تتصدى الماركسية إلى كل أشكال التضليل التي يقودها عتاة التنظيم البورجوازي المتعفن.
د- و حتى نصل إلى تحقيق الغاية من تحقيق البناء الاشتراكي المنشود كما تطمح الماركسية إلى ذلك. نجد أن من بين أهداف الماركسية : إعداد الإنسان الاشتراكي الذي يتحمل البناء الاشتراكي الذي يشترط فيه الاقتناع بالاشتراكية كهدف استراتيجي و بالبرنامج المرحلي المؤدي إلى تحقيقه، و الانخراط في النضال الديمقراطي الحقيقي من اجل استنهاض جميع أفراد المجتمع و إعدادهم أيديولوجيا، و سياسيا للارتباط بالحركة الاشتراكية وصولا إلى تحقيق البرنامج المرحلي ثم الدخول في بناء الاشتراكية.
ط- و تتويجا للأهداف المشار إليها، تسعى الماركسية إلى بناء المجتمع الاشتراكي على أنقاض المجتمع الرأسمالي و الرأسمالي التبعي عن طريق استبدال علاقات الإنتاج الرأسمالية أو الرأسمالية التبعية بعلاقات الإنتاج الاشتراكية كمدخل لبناء الاقتصاد الاشتراكي الذي يستهدف أولا و أخيرا بناء الإنسان و إسعاده بالتوزيع العادل للثروة في ظل المجتمع الاشتراكي الذي لا يكفي الوصول إلى تحقيقه، بل لابد من التخطيط لتحقيق ضمان تطويره و تطوره و استمراره، و حمايته من كل ما يؤدي إلى التشكيك في نجاعته، و صلاحيته للإنسان.
و تطوير و تطور المجتمع الاشتراكي يقتضي قطع الطريق أمام الدوغمائية، و الحرص على الممارسة الديمقراطية، و الاهتمام ببناء و سلامة الأدوات المساعدة على ذلك.
و بتحقيق هذه الأهداف الماركسية جزئيا أو كليا، تكون الماركسية قد برهنت فعلا عن صلاحيتها كإطار للنضال من اجل تحقيق سعادة الإنسان.
3) و انطلاقا من وقوفنا على أهداف الإسلام و أهداف الماركسية نجد أن هناك نقطا للالتقاء، و نقطا للاختلاف مع اعتبار اختلاف الشروط الموضوعية التي ظهر فيها الإسلام عن الشروط الموضوعية التي ظهرت فيها الماركسية، و اعتبار انه لا داعي للقول بوجود تناقض صارخ بين الإسلام و الماركسية كما يدعي ذلك مؤدلجو الدين الإسلامي الذين وهبوا أنفسهم لخدمة الرأسمالية و الرأسمالية التابعة، خاصة و أن مؤسسي الماركسية لم تكن لهما دراية كافية بالإسلام. و أن مقولة ماركس الشهيرة "الدين أفيون الشعوب" جاءت في سياق الدور الذي كانت تلعبه الكنيسة لصالح الرأسماليين كما كانت تلعبه لصالح الإقطاعيين من قبل دون سائر الطبقات في النظاميين الإقطاعي ثم الرأسمالي. ثم إن الدين الإسلامي ليس دينا لطبقة معينة دون سائر الطبقات، فهو دين لجميع الناس يعتنقه الإقطاعي و البورجوازي و العامل و التاجر، و كل الذين يختارونه دينا لهم. و لذلك لا نجد تناقضا واضحا بين الماركسية و الإسلام، خاصة و انه لم تكن هناك ماركسية في فترة ظهور الإسلام. و الماركسيون الأوائل لم تكن لهم معرفة بالإسلام. و إلى جانب ذلك، فالإسلام دين و الماركسية علم. و الإسلام ليس ضد العلم بل يدعو إليه، و الماركسية كعلم لم تضع أسسا لذلك المنهج. و إذا ظهر في المنهج أو في أسسه ما يوحي بمعاداة الماركسية للدين –أي دين- فذلك ليس شأن الماركسية، انه شأن العلم نفسه الذي يستفيد من نتائجه البورجوازي و الإقطاعي و العامل و الفلاح و المسلم و المسيحي و اليهودي و البوذي، و لذلك لا نرى تناقضا بين الإسلام و الماركسية و هو ما يبيح لنا القول بنقط للالتقاء، و نقط للاختلاف.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 7

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 6

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 3

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 2

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 5

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 4

 ::

  وأسام منك...


 ::

  الاوقات العصيبة تؤدى الى انجاب ذكور أقوى

 ::

  الاحتباس الحراري والكوارث الناجمة عنه

 ::

  هل تحب العصافير

 ::

  لا بد من إنهاء إضراب المعلمين: منع التعليم جريمة ضد الإنسانية

 ::

  ألعب دوراً

 ::

  تنظيم القاعدة والأقلام العارية

 ::

  خارطة طريق مختصرة تنقذ أميركا وحكومة المالكي، وتعيد العراق والعراقيين مثلما كان وكانو

 ::

  حالة ارتباك بشأن سفر وإقامة اللاجئين العراقيين في سوريا

 ::

  اذبح الفراغ بسكين العمل

 ::

  أخلاق أشباه الرجال



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  "الجودة الشاملة"في المؤسسات الأكاديمية

 ::

  الاسرائيلي يتمدد في القارة الأفريقية عبر الحفرة اليمنيّة والعربي يتبدد

 ::

  "بوكيمون غو" تثير الهوس حول العالم!

 ::

  جنوب أفريقيا أم الطريقة الأيوبية؟!

 ::

  السرعة هي الخطر الأكبر في وقوع حوادث المرور

 ::

  الغراب ....!

 ::

  انقلاب تركيا.. الغموض سيد الموقف

 ::

  الحماية التأديبية للمال العام

 ::

  من هنا.. وهناك 17

 ::

  بالتفاصيل والأرقام.. الاحتلال يسيطر على أكثر من 85% من فلسطين التاريخية بعد النكبة

 ::

  صناعة الذبح

 ::

  الخطبة فى الإسلام زواج

 ::

  “بوكيمون” تحول الكعبة المشرفة لساحة قتال وتجميع نقاط

 ::

  تداعيات الحراك السوري على العلاقات التركية الروسية






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.