Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات  :: تقارير

 
 

الرشوة اقتصاد خفي في مصر (2-3)
الدكتور عادل عامر   Tuesday 19-07 -2016

الرشوة اقتصاد خفي في مصر (2-3)
وفيما يلى نتناول المداخل المختلفة التى تناولت عملية تقدير حجم الاقتصاد الخفى بالتفصيل.
4/1 - مدخل الفروق بين الدخل والإنفاق.
يسمى هذا المدخل بأسلوب الفروق المكشوفة بين إنفاق القطاع العائلى ودخله. فالأفراد الذين يقل دخلهم المعلن عن إنفاقهم ربما يخفون جانبا من دخلهم والذى قد يرجع الى دخول مولدة أصلا فى الاقتصاد الخفى. ويقوم هذا المدخل على فرض الرئيسى مؤداه أن الأفراد يحصلون على دخول من مصادر مختلفة وأن هناك جانبا من هذه الدخول لا يتم الإفصاح عنها أو على الأقل إخفاء جانبا منها. إلا أن هذه الدخول المخفاة سوف تتحول الى إنفاق أن آجلا أو عاجلا. وبمعنى آخر فان هذا الأسلوب لتقدير حجم الاقتصاد الخفى يقوم على أساس أن معاملات الاقتصاد الخفى لن تظهر فى صورة دخل ولكنها ستظهر فى صورة إنفاق. فإذا ما كان ذلك صحيحا فان هذه الفروق بين الدخول المسجلة والإنفاق تعطينا معلومات حول حجم الاقتصاد الخفى. أكثر من ذلك فان التغيرات السنوية فى حجم هذه الفروق بين الدخل والإنفاق تشير الى الاتجاه العام Trend للاقتصاد الخفى. ويمكن وفقا لهذا المدخل تقدير حجم الاقتصاد الخفى بأسلوبين ؛ الأول يقوم على أساس المقارنة بين الدخل والإنفاق على المستوى الكلىMacro . أما الأسلوب الثانى فيتناول القضية على مستوى التحليل الجزئى Micro وذلك من خلال مقارنة الدخل بالإنفاق للمجموعات المختلفة من الأفراد ثم تعميم النتائج على مستوى الاقتصاد ككل. وعلى المستوى الكلى يتم تحديد حجم الاقتصاد الخفى من خلال مقارنة تقديرات الحسابات القومية للدخل مع تقديرات الدخل التى تتم اعتمادا على الإيرادات الضريبية. أما الفروق فلابد وأن تمثل تقديرا للدخل الغير معلن عنه للسلطات الضريبية. ولقد تمت مثل هذه المقارنات للعديد من الدول.
على سبيل المثال قام Park [ 1979 ] بدراسة عن الولايات المتحدة فى محاولة لقياس " الفروق غير المبررة Unexplained Differences " " بين تقدير الدخل الشخصى بواسطة مكتب التحليل الاقتصادى " Bureau of Economic Analysis " وتلك الخاصة بالتقديرات المعدلة للدخل على أساس عينة من الإيرادات الضريبية بواسطة إدارة الضرائب Internal Tax Revenue . وبإجراء بعض التعديلات لتجنب اثر الفروق فى التغطية الإحصائية لبيانات الحسابات القومية وبيانات الضرائب ، وكذلك لاختلاف المفاهيم الخاصة بالدخل ، بهدف جعل هذه التقديرات أكثر توافقا توصل الى أنه فى عام 1977 كانت التقديرات - المعدلة - لبيانات الدخل الكلى بواسطة مكتب التحليل الاقتصادى تتعدى تلك الخاصة بإدارة الضريبة بأكثر من 82 مليار دولار ، أو 4% من الناتج المحسوب. أما بالنسبة للسنوات السابقة فقد توصل Park الى نسب 5.5% عام 1968 و 9.4% عام 1948. ويعنى ذلك أننا لو اعتبرنا ذلك انعكاسا للاقتصاد الخفى فان تقديرات Park تشير الى أن حجم الاقتصاد الخفى قد انخفض فى الولايات المتحدة الأمريكية منذ الحرب العالمية الأولى .
وعلى العكس من تلك التقديرات يشير Frey & Pommerehne [ 1982 ] الى أن الفروق بين قياسات الدخل القومى وتقديرات الدخل القائمة على أساس إيرادات الضريبة ( المعدلة ) تضاعفت خلال الفترة من 1970-1978 بحوالى 9 أضعاف بالرغم من أن القياسات الرسمية للناتج القومى تشير الى أن الناتج تزايد 3 مرات فقط. كذلك يشير Frey & Pommerehne ( 1982 ) الى أن هذه الفروق قد قدرت بحوالى 4.7% عام 1978 فى الولايات المتحدة ، وفى الدانمرك بحوالى 6% فى عام 1974 / 1975 ، وحوالى 8.9 % فى ألمانيا الغربية ( سابقا ) ، و20% فى بلجيكا فى أعوام 1965-1966 و 1970 ، كذلك قدرت تلك الفروق بحوالى 23% بالنسبة لفرنسا عام 1965. أما( 1982 ) Dilnot & Morris فيشيران الى أن تقديرات الدخل تقل عن تقديرات الإنفاق فى المملكة المتحدة بحوالى 4% عام 1975.
ويمكن إيضاح هذه الفروق أيضا على مستوى التحليل الجزئى ، وذلك من خلال تقدير الفروق غير المغطاة بين الدخل والإنفاق للقطاع العائلى. وفى هذا المجال فقد تمت بعض الدراسات على بعض الفئات من القطاع العائلى أو بعض المنتمين الى مهنة معينة أو فئة دخلية معينة. ويشير كل من Frey & Pommerehne [ 1982 ] الى أن بعض الدراسات أشارت الى المنتمين الى القطاع العائلى الخاص فى المملكة المتحدة ، وعلى رأسه الأفراد الذين يعملون لحسابهم Self Employed ، لم يعلنوا عن 2.1 مليار جنيه استرلينى من دخولهم فى إجاباتهم عن مسح المستهلك Consumer Survey. وهو ما يمثل حوالى 2% من الدخل القومى. ونفس النتائج توصل إليها مكتب الإحصاء المركزى CSO فى المملكة المتحدة. كذلك فقد توصل مسح على 1000 أسرة من الأسر المهاجرة الى إسرائيل من الجزء الأوروبى فى الاتحاد السوفيتى الى أن حوالى 10% - 12% من دخول هذه الفئة أتت من مصادر خاصة ، وأن حوالى 18% من إنفاقهم الاستهلاكى يتم من خلال مؤسسات خاصة ، وأنه بأخذ الأشكال المختلفة للتعديل فان الاقتصاد الغير رسمى فى إسرائيل يصل الى حوالى 6% الى 7% من الناتج القومى الإجمالى فى عام 1973.
وتنبغى الإشارة الى ضرورة أخذ الحذر عند تناول هذا المدخل. فمن الممكن أن تكون زيادة الإنفاق عن الدخل راجعة الى الادخار السلبى ، أو بسبب ظروف طارئة أو بسبب العوامل المرتبطة بدورة الحياة Life Cycle. من ناحية أخرى فان Greenfield [ 1993 ] يشير الى أن هناك احتمال قوى أن يلجأ الأفراد الى إعطاء إجابات زائفة ، أو أنهم قد لا يعلمون أن من يقدمون لهم السلع أو الخدمات يعملون أصلا فى الاقتصاد الخفى.
4/2 - مدخل المراجعات الضريبية.
يتناول هذا المدخل المعلومات عن الاقتصاد الخفى على أساس الجهود التى تبذلها الإدارات الضريبية لكشف الدخول التى لا يتم الإفصاح عنها. ويتم ذلك من خلال المراجعة الضريبية المكثفة لعينة من الممولين الذين قدموا إقراراتهم الضريبية للتأكد من مدى صحة هذه الإقرارات. ويفترض فى هذه الحالة أن يقوم الممول بصورة تطوعية ( بالطبع تحت وطأة التهديد القانونى من أن يقع فريسة قوانين التهرب الضريبى ) بالكشف عن كافة مصادر دخله. ويقوم هذا الأسلوب على أساس اختيار عينة عشوائية من دافعى الضرائب فى المجتمع ثم إخضاع أعمال هؤلاء للفحص الدقيق والمراجعة فى محاولة لاكتشاف نسبة التهرب الضريبى ثم تعميم هذه النتائج على المستوى القومى.
ويتميز هذا الأسلوب فى انه يعطى تقريبا دقيقا لكمية الدخل التى يتم إخفاؤها من قبل الممولين. على سبيل المثال يشير Greenfield [ 1993 ] الى أن عمليات المراجعة الدورية لعينة من 50000 شخص من دافعى الضرائب فى الولايات المتحدة ، والتى تمت من جانب إدارة الضرائب فى الولايات المتحدة الأمريكية IRS أوضحت أن عمليات إخفاء المستوى الحقيقى للدخل ترتفع بالنسبة لبعض الفئات الى مستويات خطيرة قد تصل الى 60 %. كذلك يذكر Hansson ( 1980 ) أن هناك نسبة تتراوح ما بين 8% - 15% من الدخول المعلنة لا يتم الكشف عنها فى حالة السويد.
على أن هذا الأسلوب يعانى من عدة عيوب منها العيوب المصاحبة لعملية المعاينة Samplling بصفة عامة. كذلك فان بعض أشكال الدخل يصعب قياسها أو اكتشافها. مثال ذلك أنشطة التهريب السلعى وتهريب المخدرات وغيرها. وهكذا فان هذا المدخل لا يسمح بتقدير الحجم الكامل للدخول المخفاة بالنسبة لبعض القطاعات أو المجموعات والتى ترتفع بينها درجة التهرب الضريبى. ولهذا السبب فانه من الأمور المشكوك فيها أن يؤدى هذا الأسلوب الى إعطاء معلومات كافية عن مستوى واتجاه الاقتصاد الخفى. وأخيرا فان تقديرات الاقتصاد الخفى يمكن أن تتأثر بسهولة بالتغيرات التى تحدث فى أساليب كشف التهرب الضريبى وهيكل الضريبة وكذلك التشريعات الضريبية.
4/3 - مدخل سوق العمل.
ينعكس تصاعد أهمية الاقتصاد الخفى فى شكل انخفاض معدلات مشاركة قوة العمل Participation Rates ، بالمقارنة بتلك الخاصة بالفترات أو الدول التى تقل فيها أهمية الاقتصاد الخفى. وبالتالى فان الفرق بين معدلات المشاركة الفعلية وتلك المسجلة بشكل رسمى قد تمكن من تقدير حجم العمالة غير المنتظمة Irregular Labour Force وبالتالى حجم الاقتصاد الخفى.
ويقوم هذا المدخل على أساس استخدام المسوحات Surveys التى تتم على مشاركة قوة العمل Labour Force Participation والتى تكشف عن أن كثيرا من الناس يشاركون فى الأنشطة الاقتصادية أكثر مما ينشر بواسطة الإحصاءات الرسمية. ومن خلال مقارنة معدلات المساهمة فى بداية الفترة قبل انخفاض معدلات المساهمة وفترة المقارنة يمكن اشتقاق الحجم النسبى لقوة العمل غير المنظمة. وبوضع بعض الفروض حول إنتاجية العامل فى كل من الاقتصاد الرسمى والخفى يمكن تقدير حجم الاقتصاد الخفى. ولقد تم استخدام هذا الأسلوب بصفة أساسية بالنسبة لإيطاليا. على سبيل المثال فان معهد DOXA-ISFOL قدر معدلات المساهمة الفعلية لقوى العمل فى إيطاليا عام 1975 ب 39.5 % أى حوالى 4 % أعلى من المعدل الرسمى والذى يساوى 35.5 %. ومعنى هذه الأرقام أن هناك حوالى 10 % من قوة العمل تعمل فى الاقتصاد الخفى لإيطاليا عام 1975. أما فى عام 1977 فقد قدر معهد ISTAT فى إيطاليا تلك النسبة ب 13 % بينما قدرها معهد CRES بحوالى 25 % وذلك أخذا فى الاعتبار الأفراد الذين يمارسون أكثر من عمل ، وهو ما يعنى أن حجم الاقتصاد الخفى وفقا لهذا التقدير يتراوح بين 25 % الى 33 %. ( انظر Frey & Ponnerehne ( 1982 ) ).
على أن التركيز على الآثار التى يتركها الاقتصاد الخفى على سوق العمل له عدة مزايا من أهمها كشف الدخول غير النقدية أو التى تتم من خلال عمليات المقايضة. إلا أن المشكلة الأساسية هى أن عملية شراء خدمات العمل غير المنظم أقل خطورة وأقل احتمالا للتعرض للعقاب القانونى بالمقارنة بعرض خدمات العمل فى الاقتصاد الخفى. ومن ثم فانه من المحتمل أن نحصل على إجابات متحيزة. حيث ترتفع معدلات الإجابة بين جانب الطلب على العمل غير المنظم ، وتقل بين جانب العرض للعمل غير المنظم فى الاقتصاد الخفى. كذلك فان عملية مقارنة معدلات المساهمة تعد أسلوبا من الأساليب غير المتعمقة. فاشتقاق حجم الاقتصاد الخفى من هذه التقديرات يعتمد على مدى صحة الفروض الموضوعة حول إنتاجية العامل فى كل من القطاعين الرسمى وغير الرسمى. وهو ما قدي يؤدى الى تقديرات مرتفعة لحجم الاقتصاد الخفى إذا ما افترضنا أن الإنتاجية فى الاقتصاد الرسمى والخفى واحدة.
4/4 - المداخل النقدية.
يعد المدخل النقدى أكثر المداخل التى استخدمت فى تقدير حجم الاقتصاد الخفى كما أنه أكثرها عرضة للانتقاد فى ذات الوقت. ويقوم هذا المدخل على افتراض أساسى مفاده أن معاملات الاقتصاد الخفى تتم أساسا باستخدام النقود السائلة Cash وذلك فى محاولة من جانب المتعاملين فى هذا الاقتصاد لإخفاء معاملاتهم ، والتى يمكن أن يتم اكتشافها إذا تمت هذه المعاملات بوسائل دفع أخرى مثل الشيكات. ومن ثم يفترض أن كبر حجم الاقتصاد الخفى لابد وأن ينعكس فى شكل ارتفاع مستوى الطلب على النقود السائلة. إن هذا الافتراض يجد من الناحية الواقعية ما يؤيده. على سبيل المثال فان كافة القضايا التى تم ضبطها داخل مصر والمتعلقة بالاتجار فى المخدرات أو العملة أو القمار ... الخ، كانت مصحوبة بضبط أو مصادرة كميات كبيرة من النقود السائلة.
لقد دعى هذا الافتراض المنطقى المهتمين بمجال الاقتصاد الخفى الى إجراء العديد من الدراسات على الطلب على النقود ، فى محاولة لتقدير حجم الاقتصاد الخفى. ولقد تمثل التساؤل الأساسي الذى تحاول هذه الدراسات الإجابة عليه فى الآتى ، " ما هى كمية النقود التى يمكن تداولها فى الاقتصاد إذا لم يكن هناك اقتصادا تحتيا ؟ ". فإذا تم التوصل الى ذلك فان الفرق بين الطلب على النقود فى الاقتصاد ككل والطلب على النقود اللازم لتمويل المعاملات التى يمكن أن تتم فى ظل غياب الاقتصاد الخفى يمثل كمية النقود اللازمة لتمويل معاملات الاقتصاد الخفى. ومن ثم تأتى الخطوة التالية وهى محاولة تقدير كمية المبادلات التى تتم فى مقابل كل جنية فى الاقتصاد الخفى. أو بمعنى آخر محاولة قياس سرعة تداول النقود فى الاقتصاد الخفى ، والتى من خلالها يمكن تقدير حجم الاقتصاد الخفى. ويحتاج تقدير سرعة تداول النقود فى الاقتصاد الرسمى الى البحث عن فترة زمنية يفترض انه لم يكن هناك خلالها اقتصادا تحتيا ، أو كان حجمه ضئيلا بالشكل الذى يمكن تجاهله. ثم وضع بعض الفروض حول كيفية تغير الطلب على النقود خلال الفترة الزمنية التى تفصل بين الفترة التى يفترض عدم وجود الاقتصاد الخفى خلالها وفترة الدراسة. وفيما يلى نتناول هذه الأساليب النقدية بالتفصيل.
4/4/1 - أسلوب معدل النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب Cash/Demand Deposits.
يعدGutmann ( 1977 ) هو أول من استخدم هذا الأسلوب فى تقدير حجم الاقتصاد الخفى فى الولايات المتحدة. ويقوم هذا الأسلوب على أساس افتراض أ ن معاملات الاقتصاد الرسمى يتم جانب منها باستخدام النقود والجانب الآخر باستخدام الحسابات الجارية ، وأن النسبة بين هذين المكونين للنقود ثابتة. أما معاملات الاقتصاد الخفى فيتم تمويلها أساسا باستخدام النقود السائلة. وعلى ذلك فان التغيرات الحادثة فى معدل النشاط الذى يتم فى الاقتصاد الخفى الى الأنشطة التى تتم فى الاقتصاد الرسمى يمكن حسابها من خلال التغيرات التى تطرأ على معدل النقود السائلة الى المودعات تحت الطلب. ولقد افترضGutmann ( 1977 ) فى دراسته الآتى:
- أن الفترة من 1937 - 1941 لم يكن يوجد خلالها اقتصاد خفى فى الولايات المتحدة. ومن ثم فقد اتخذها كفترة أساس. ولقد قدر معدل النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب فى فترة الأساس هذه على أنها تساوى 21.7 %. ثم افترض أن هذا المعدل للنقود السائلة Cash الى الودائع تحت الطلب هو المعدل العادى أو الطبيعى.
- أن معدل النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب ثابتا ، ومن ثم فان أى زيادة فى هذا المعدل لابد وأن تعكس زيادة فى الطلب على النقود السائلة لتمويل المعاملات التى تتم فى الاقتصاد الخفى.
- أن سرعة تداول النقود فى كل من الاقتصاد الخفى والاقتصاد الرسمى واحدة.
واعتمادا على هذه الفروض استطاع Gtumann تحويل الزيادة فى النقود السائلة ( الفرق بين معدل النقود السائلة / الودائع تحت الطلب فى فترة الأساس ومعدل النقود السائلة / الودائع تحت الطلب فى فترة المقارنة ) الى معاملات من خلال استخدام سرعة التداول للنقود المقدرة فى الاقتصاد الرسمى وذلك وصولا لتقدير حجم المعاملات التى تتم فى الاقتصاد الخفى. ولقد توصل Gutmann ( 1977 ) الى النتيجة المعروفة بأن الاقتصاد الخفى يمثل 10% على الأقل من الناتج القومى فى الولايات المتحدة فى عام 1976. ولقد تمت نفس المحاولة على استراليا مع الفارق فى افتراض أن معدل النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب فى فترة الأساس تساوى 30 % ، وأيضا تم التوصل الى تقدير لحجم الاقتصاد الخفى فى استراليا يصل الى حوالى 10% من الناتج القومى الاجمالى.
وتتمثل الميزة الاساسية فى أسلوب Gutmann هى أن هذا الأسلوب يسمح لنا بتقدير سلسلة زمنية حول حجم النشاط الاقتصادى فى الاقتصاد الخفى. إلا أن هذا الأسلوب تعرض للانتقادات الآتية:
- أن تقدير حجم المبادلات فى الاقتصاد الخفى يقوم على أساس افتراض أن سرعة تداول النقود واحدة فى كل من الاقتصاد الخفى والاقتصاد الشرعى ، على سبيل المثال يشير Greenfield [ 1993 ] إلى أن هناك احتمال أن تكون سرعة تداول النقود فى الاقتصاد الخفى أقل من تلك الخاصة بالاقتصاد الشرعى.
- أن اختيار Gutmann لفترة الأساس حيث لا يوجد اقتصاد خفى لم يكن موفقا. إذ أن ذلك يخالف ما يمكن أن يتوقعه الفرد عن فترات الحرب ، حيث تنتشر عمليات الرقابة على الأسعار وارتفاع مستويات الضريبة ومن ثم الأسواق السوداء.
- توصلت بعض الدراسات الى أن معدل النقود السائلة الى الودائع لأجلTime Deposits انخفضت بشكل مستمر فى الولايات المتحدة ، وبالتالى فقد ارجع البعض الزيادة فى معدل النقود السائلة / الودائع تحت الطلب الى تزايد الودائع تحت الطلب بصورة بطيئة. أى أنه إذا ما تمت إعادة حساب المعدل السابق على أساس نسبة النقود السائلة الى إجمالى الودائع ( تحت الطلب ولأجل ) فأننا سنجد أن معدل النقود السائلة الى الودائع سوف ينخفض بصورة واضحة.
- ادعى البعض أنه إذا تم تعديل النقود السائلة والودائع تحت الطلب بالتغيرات فى عدد مرات استخدامها فان نسبة النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب لا تزيد بل تنخفض.
- يرى البعض بأن الزيادة فى النقود السائلة قد ترجع أساسا الى التغيرات الحادثة فى الدخل والاستهلاك ومعدلات الفائدة وليس الى نمو الاقتصاد الخفى.
- أن هناك كمية غير معلومة من الدولارات التى يتم تداولها خارج حدود الولايات المتحدة الأمريكية ولا يمكن الادعاء بأنها متاحة للاستخدام المحلى ، ومن ثم فان نسبة النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب من الناحية الحقيقية أقل من تلك النسبة التى استخدمها Gutmann.
- أن الابتكارات فى مجال الودائع النقدية Monetary Innovations فى البنوك مثال ذلك عمليات التحويل الاوتوماتيكى Automatic Transfers من الودائع تحت الطلب الى حسابات الادخار وحسابات NOW وحسابات Super NOW قد أثارت التساؤلات حول مدى دقة بعض المقارنات التى تتم عبر الزمن لبعض الحسابات مثل نسبة الودائع تحت الطلب الى الناتج القومى الإجمالى ، لأن الفجوة بين الودائع تحت الطلب والودائع لأجل تأخذ فى التلاشى بإدخال هذه الابتكارات الجديدة فى مجال التعامل النقدى.
- أن افتراض أن كافة النقود المصدرة يتم استخدامها فى التداول قد يتنافى مع الواقع ، إذ أن جانبا من النقود التى يتم إصدارها من جانب البنك المركزى قد تتعرض للضياع أو التلف أو يتم الاحتفاظ بها فى صورة تذكارية ... الخ. وقد يؤدى ذلك الى التأثير بصورة جوهرية على تقديرات حجم الاقتصاد الخفى إذا ما كانت نسبة هذه النقود كبيرة.
- يرى Tanzi ( 1982b ) أن متوسط نصيب الفرد من النقود السائلة Currency Per Capita قد يكون متزايدا من الناحية الاسمية بصورة سريعة ، أما عندما ننظر الى هذه الزيادة من الناحية الحقيقية - بأخذ التغيرات الحادثة فى الأسعار فى الاعتبار - فان الزيادة تصبح متواضعة. ويدلل على ذلك بأن متوسط كمية النقود السائلة للفرد فى الولايات المتحدة من الناحية الحقيقية عام 1980 يقل بنسبة 55% عن تلك النسبة فى عام 1945. كذلك فانه ربما تتأثر نسبة النقود السائلة الى عرض النقود بسبب التغير فى أساليب الدفع مثل التحول من استخدام النقود السائلة فى دفع الأجور الى استخدام الشيكات.
- وأخيرا فأنه رغم منطقية الافتراض بأن النقود السائلة هى الوسيلة المستخدمة لتمويل معاملات الاقتصاد الخفى ، إلا أنه لا يوجد هناك ما يمنع من استخدام الأساليب الأخرى فى تسوية هذه المعاملات. ولقد أدى الوعى بهذه الإمكانية الى تطوير أساليب نقدية أخرى لتقدير حجم الاقتصاد الخفى مثال ذلك ما قام به Feige عندما استخدم أسلوب المبادلات Transactions Method والذى يقوم أساسا على معادلة فيشر.
4/4/2 - أسلوب المبادلات Transactions Method.
يستند الأسلوب الثانى لتقدير حجم للاقتصاد الخفى الى Fiege ( 1979 ) والذى استخدمه فى دراسة له عن الولايات المتحدة الأمريكية. ويقوم هذا الأسلوب على أساس افتراض أن كل المبادلات التى تتم سواء فى الاقتصاد الخفى أو الاقتصاد الرسمى لابد وأن تتم باستخدام النقود ( بمعنى آخر فان هذا المدخل يقوم على أساس افتراض أنه لا مجال لعمليات المقايضة فى الاقتصاد الخفى ). كذلك فقد افترض أن العلاقة بين النقود والمبادلات علاقة ثابتة. وبما أنه من الممكن قياس الحجم الكلى للنقود ( سواء النقود السائلة أو الودائع تحت الطلب ) فانه من الممكن اشتقاق حجم الناتج القومى الإجمالى باستخدام الأساليب النقدية ثم خصم حجم الناتج القومى الاجمالى للاقتصاد الخفى من هذا الاجمالى لنحصل على تقدير حجم الاقتصاد الخفى. وكما هو واضح فان هذا الأسلوب مشتق من معادلة فيشر لكمية النقود والتى تأخذ الشكل الآتى:
MV = PT.
حيث:
V = سرعة التداول للمعاملات. p = المستوى العام للأسعار.T = حجم المبادلات. M = الرصيد النقدى المتاح ( النقود السائلة والودائع تحت الطلب ).
فإذا ما عملنا M و V فانه من الممكن أن نقوم حساب PT ( القيمة النقدية للمعاملات ). ذلك أنه إذا كانت نسبة القيمة النقدية للمعاملات PT الى القيمة الأسمية للناتج القومى الاجمالى معلومة ، فانه بافتراض أن هذه النسبة ثابتة فانه من الممكن تقدير مستوى الناتج القومى الاجمالى فى أى سنة إذا ما علمنا القيمة النقدية للمعاملات .PT وفى ظل غياب الاقتصاد الخفى فان القيمة الاسمية للناتج القومى الاجمالى التى يتم تقديرها لابد وأن تساوى القيمة الاسمية للناتج القومى الاجمالى التى تم حسابها وفقا لبيانات الحسابات القومية.
ولقد افترض Fiege ( 1979 ) أن عام 1939 تمثل سنة أساس فى الولايات المتحدة ، أى انه لا يوجد اقتصاد خفى خلال هذه السنة. كما افتراض أن نسبة قيمة المبادلات PT الى القيمة الاسمية للناتج القومى الاجمالى خلال هذه السنة تعد طبيعية ( حوالى 10.3 حسب تقديرات Fiege ( 1979 ) ). ثم قام Fiege بحساب القيمة النقدية للمعاملات لعامى 1976 و 1978. ومن خلال قسمة هذه القيم على معدل القيمة النقدية للمعاملات/ القيمة الاسمية للناتج القومى الاجمالى والمحسوب لعام 1939 توصل Fiege لتقدير القيمة الاسمية الناتج القومى الاجمالى لعامى 1976 و 1977. أما الفرق بين القيمة المقدرة للناتج القومى الاجمالى والقيمة الفعلية المسجلة للناتج القومى الاجمالى حسب الإحصاءات القومية للناتج فقد نظر إليه Fiege على أنه يمثل تقديرا لمستوى الاقتصاد الخفى. ووفقا لحسابات Fiege فان الاقتصاد الخفى تصل نسبته ما بين 13.2% الى 21.7% عام 1976 وما بين 25.5 % الى 33.1 % من القيمة المسجلة للناتج القومى الاجمالى عام 1977. وعندما تم تطبيق أسلوب المبادلات على الفترة من 1939 - 1968 توصل Fiege الى نتائج سالبة لحجم الاقتصاد الخفى. وكذلك فقد لاحظ أن حجم الاقتصاد الخفى يتناقص خلال فترة الحرب العالمية الثانية. ولذلك قام Fiege بتعديل مدخل المبادلات بطرق عدة ، وبصفة خاصة قام بتقديم تقديرات جديدة لسرعة تداول النقود على أساس متوسط العمر الزمنى للعملة الورقية. أما التقدير المعدل فقد أوضح زيادة كبيرة فى حجم الاقتصاد الخفى خلال فترة الحرب العالمية الثانية ثم انخفض حتى عام 1968 ، ثم أخذ الاتجاه العام فى التزايد بشكل مستمر فيما بعد. أما التقدير الذى توصل لحجم الاقتصاد الخفى فيبلغ حوالى 27%.
وفى عام 1980 قام Fiege بتطبيق نفس الأسلوب على الولايات المتحدة مع إجراء أربعة تغييرات أساسية. فقد تم تحويل فترة الأساس الى 964 . كذلك اخذ الاقتصاد الخفى على أنه يمثل 5% من الناتج القومى الاجمالى فى هذه السنة. وتم افتراض أن ثلثى المعاملات تتم بالنقد السائل وأن الثلث الباقى من المعاملات يتم باستخدام الودائع تحت الطلب ( شيكات أو بطاقات ائتمانية ). وأخيرا فقد افترض أن الدخل المولد لكل دولار فى الاقتصاد الخفى يزيد بنسبة 10 % عن الدخل المولد لكل دولار فى الاقتصاد الرسمى. وباستخدام هذه الفروض توصل Fiege الى أن الاقتصاد الخفى فى الولايات المتحدة الأمريكية يمثل 28% من الناتج القومى الاجمالى فى عام 1979 ، وهى نتائج تتوافق مع النتائج التى توصل إليها مسبقا.
ويعاب على هذا الأسلوب أنه حساس جدا لاختيار فترة الأساس وكذلك الفروض الموضوعة حول سرعة تداول النقود فى الاقتصاد الخفى. إن الدراسات التى تناولت هذا المدخل لتقدير حجم الاقتصاد الخفى افترضت أن سرعة تداول النقود فى الاقتصادي الخفى والرسمى واحدة. ومما لاشك فيه أن تغيير سرعة تداول النقود فى الاقتصاد الخفى سوف ينجم عنه تقديرا مختلفا لحجم الاقتصاد الخفى.
4/4/3 - أسلوب الوحدات النقدية ذات القيم المرتفعة Large Denominations.
يقوم هذا الأسلوب على أساس افتراض انه عندما يتزايد حجم الاقتصاد الخفى فان الحاجة الى النقود السائلة تتزايد. وبالتالى من المتوقع زيادة نسبة الأوراق ذات الفئات النقدية المرتفعة لتسهيل علمية تسوية المعاملات فى الاقتصاد الخفى. على سبيل المثال فى الولايات المتحدة زادت نسبة التعامل فى الورقة النقدية فئة الـ 100 دولار بأكثر من 250 % فيما بين عام 1966 الى عام 1978 فى الوقت الذى زادت فيه القيمة الإجمالية للنقد المصدر بحوالى 125 %. أما فى المملكة المتحدة فقد ارتفع معدل الوحدات النقدية من فئة 10 و 20 جنيها من 7% عام 1967 الى 47.5% عام 1979 ( انظر Frey & pommerehne ( 1982 ) ). ويقوم هذا الأسلوب على أساس اشتقاق حجم الاقتصاد الخفى من خلال نسبة الوحدات النقدية ذات الفئات المرتفعة الى باقى الفئات.
ولقد تعرض هذا الأسلوب أيضا للنقد على أساس أنه من الصعب أن نعزو ارتفاع معدل وحدات النقود ذات الفئات النقدية المرتفعة الى وجود الاقتصاد الخفى. ذلك أن محاولة اشتقاق حجم الاقتصاد الخفى من خلال نسبة الوحدات ذات القيم النقدية المرتفعة يواجه مشكلة كبيرة وهى أن جانبا كبيرا من الحاجة الى إصدار هذه الوحدات قد يعود بالدرجة الأولى الى عوامل ليس لها علاقة بالاقتصاد الخفى مثل التضخم أو التدهور المستمر فى القوة الشرائية للعملة الى الدرجة التى تجعل عملية إبراء المعاملات باستخدام الوحدات النقدية ذات القيم النقدية الصغيرة مشكلة كبيرة بالنسبة للمتعاملين. كذلك قد يرجع جانبا كبيرا من الزيادة فى النقود ذات الفئات النقدية المرتفعة الى زيادة مستوى الأجور والادخار من الدخول القانونية حيث تبرز الحاجة الى وحدات نقدية ذات فئات أعلى.
إن الأساليب الثلاثة التى تم اقتراحها لتقدير حجم الاقتصاد الخفى من خلال المدخل النقدى تعانى من نقص أساسى وهو أن التغيرات فى المعدلات النقدية تعزى فقط للتغير فى حجم الاقتصاد الخفى. ومثل هذا المدخل يعد معقولا فى حالة واحدة وهى غياب تأثير أى عوامل أخرى على هذه المعدلات. إلا أنه من المعلوم وفقا للنظرية الاقتصادية أن المعدلات النقدية المستخدمة لحساب حجم الاقتصاد الخفى عرضة لعدد كبير من العوامل منها:
أ - آثار الأسعار النسبية relative price effects الناتجة عن التغيرات فى تكلفة الاحتفاظ بالنقود السائلةCurrency والنقود بشكل عام Money ، أى التغير فى معدلات الفائدة ومعدلات التضخم ودرجة المخاطرة المرتبطة بالاحتفاظ بالنقود فى شكل سائل.
ب - آثار الدخل Income Effects .
ج - التغيرات فى الترتيبات المؤسسية Institutional Arrangements ، وبصفة خاصة الاستخدام المتزايد للشيكات والبطاقات الائتمانية.
د - التغيرات فى الأذواق والمتعلقة باستخدام النقود السائلة أو باقى أشكال النقود.
ولقد أشار العديد من الباحثين الى أن هناك حاجة الى التحكم فى هذه الآثار بهدف التأكد من أن تغيرات فى عرض النقود ترجع الى التغيرات الحادثة فى الاقتصاد الخفى.
5 - التهرب الضريبة والطلب على النقود: أسلوب Tanzi.
انتقد Tanzi ( 1982a ) أسلوب Gutmann بأنه يقوم على مجموعة من الفروض التى لا يمكن قبولها ، بصفة خاصة الفرض القائم على أساس أن معدل النقود السائلة الى الودائع تحت الطلب يتأثر فقط بالتغيرات فى حجم الاقتصاد الخفى. ولذلك فقد حاول Tanzi تقدير حجم الاقتصاد الخفى من خلال تقدير دالة طلب على النقود السائلة فى الولايات المتحدة خلال الفترة من 1929 - 1976 وتوصل الى أن معدل الضريبة ذو أثر معنوى موجب على الكمية التى يحتفظ بها الأفراد من النقود السائلة.
لقد قامت افتراضات Tanzi على أنه إذا كانت معاملات الاقتصاد الخفى تتم باستخدام النقود السائلة فقط ، وأن الاقتصاد الخفى ينشأ بسبب الرغبة فى التهرب الضريبى فان تغيير معدل الضريبة فى النموذج لابد وأن يعطى تقديرا لكمية النقود السائلة المرتبطة بوجود الاقتصاد الخفى. وبالتالى يمكن استخدام هذا الرقم فى تقدير حجم الناتج القومى الاجمالى فى الاقتصاد الخفى بافتراض تساوى سرعات التداول فى الاقتصاد الرسمى والاقتصاد الخفى.
على أن Tanzi قام بفحص العلاقة بين الطلب على النقود السائلة ومستوى الضرائب بصورة أكثر عمقا وذلك من خلال استخدام نسبة النقود السائلة الى عرض النقود M2. ولقد افترض Tanzi أن هذا المعدل يتأثر بمجموعتين من العوامل هما العوامل القانونية والعوامل غير القانونية.
ولقد حصرTanzi العوامل القانونية فى ؛ استخدام البطاقات الائتمانية ومتوسط الإنفاق على الانتقال للفرد ودرجة التحضر ودرجة انتشار فروع البنوك التجارية فى أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية. ولما كان من الصعب الحصول على سلاسل زمنية فعلية لهذه المتغيرات فقد قام Tanzi باستخدام متوسط نصيب الفرد من الدخل الحقيقى ( المقاس والدائم ) كمقرب Proxy لهذه العوامل. حيث يفترض أنه مع زيادة متوسط نصيب الفرد من الدخل فان ذلك يؤدى الى انخفاض معدل النقود السائلة الى اجمالى الطلب على النقود. ثم استخدم Tanzi معدل الأجور والمرتبات الى الدخل الشخصى كمقرب لمتغير مكونات الدخل ، حيث افترض أنه كلما زاد هذا المعدل كلما زاد معدل النقود السائلة الى اجمالى الطلب على النقود. كذلك استخدم Tanzi معدل الفائدة على الودائع لأجل كمقرب لتكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالنقود السائلة.
أما فى تحليله للعوامل غير القانونية Illegal factors فقد أشارTanzi الى أنه حتى مع افتراض عدم وجود ضرائب ، فان معدل النقود السائلة يمكن أن يتأثر بالأنشطة الإجرامية. مثال ذلك الأنشطة المرتبطة بالقمار وعمليات التهريب السلعى Smuggling وتوزيع المخدرات وغيرها ، والتى تتم غالبا باستخدام النقود السائلة. حيث تؤدى زيادة هذه الأنشطة الى زيادة نسبة النقود السائلة. ولما كانت البيانات عن هذه المتغيرات غير متاحة أيضا فقد لجأ Tanzi الى قياس أثر التهرب الضريبى على معدل النقود السائلة وهى النقطة التى تناولها Tanzi بإسهاب.
لقد حصرTanzi العوامل المؤثرة على التهرب الضريبى فى مدى الشعور بعدالة قوانين الضريبة ، ومدى رضاء دافعى الضرائب عن الحكومة ، والخصائص الدينية والثقافية الأساسية لدافعى الضرائب ، ومدى صرامة وحدة العقوبات المطبقة على المتهربين من الضرائب الذين يتم القبض عليهم والأساليب التى يمكن من خلالها التهرب من الضرائب ، وأخيرا العائد النقدي لدافعى الضرائب والناتج عن عدم دفع الضريبة. وبما أن البيانات عن هذه المتغيرات غير متوافرة فقد اقتصر تحليل Tanzi على تحليل أثر العائد النقدى الناتج من عدم دفع الضريبة على التهرب الضريبى حيث استخدم مستوى العبئ الضريبى القانونى كمقرب لهذا المتغير. فعندما ينخفض العبئ الضريبى فان العائد النقدى من عملية التهرب الضريبى يصبح ضعيفا ومن ثم تصبح تكلفة فضيلة الأمانة لدى دافع الضريبة عند التعامل مع السلطات الضريبية صغيرة. وعندما ترتفع مستويات العبئ الضريبى فان العائد من التهرب الضريبى يرتفع بالتبعية ، ومن ثم تصبح الأمانة فى التعامل مع السلطات الضريبية فضيلة ذات تكلفة مرتفعة بالنسبة للممول.
ومن خلال قياس درجة حساسية الطلب على النقود السائلة لمستوى الضرائب قام Tanzi بتقدير كمية النقود السائلة التى يتم الاحتفاظ بها لأغراض تمويل المعاملات فى الاقتصاد الخفى. ثم استخدم تقدير النقود السائلة المستخدمة فى تمويل معاملات الاقتصاد الخفى فى تقدير حجم الاقتصاد الخفى وكذلك مستوى التهرب الضريبى. ولقد لاحظ Tanzi بأن التقديرات التى توصل إليها تقل عن الكميات التى يحتفظ بها الأفراد فعلا ، مما يعنى أن الفرق بين كمية الطلب على النقود المقدر والطلب الفعلى يرجع الى النقود غير القانونية التى تستخدم فى اجراء المعاملات فى الاقتصاد الخفى. وبافتراض أن سرعة تداول النقود فى الاقتصاد الخفى هى نفس سرعة التداول لعرض النقود رقم 1 [ M1 ] فى الاقتصاد الرسمى توصل Tanzi الى تقدير لحجم الاقتصاد الخفى فى الولايات المتحدة بأنه يساوى ما بين 3.4 % - 5.1 % من الناتج القومى الاجمالى ، أخذا فى الاعتبار الزيادة التى حدثت فى الضريبة خلال فترة التقدير. و ما بين 8.1 % - 11.7 % من الناتج القومى إذا قارنا مستوى الضرائب فى عام 1976 بحالة عدم وجود ضريبة على الإطلاق.
ولقد تمت محاولات أخرى لإدخال بعض العناصر الأخرى مثل النظم القانونية أو القواعد المنظمةRegulations . وتتراوح تقديرات حجم الاقتصاد الخفى باستخدام هذا الأسلوب ما بين 8 % الى 30 % بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية ، وما بين 7 % الى 17 % فى السويد ، وما بين 6.5 % الى 16 % فى النرويج.
على أن العلاقة بين التهرب الضريبى والطلب على النقود السائلة كما أشار Tanzi ليست مباشرة بهذه الصورة التى يوحى بها تحليل Tanzi للعلاقة بين الطلب على النقود السائلة والتهرب الضريبى. ذلك أن أصحاب الأعمال وفقا للقانون تحت التزام باقتطاع الضريبة على أجور ومرتبات العمال والموظفين لديهم وتحويلها الى السلطات الضريبية. ومن الممكن أن يحدث نوع من الاتفاق بين أصحاب الأعمال والمستخدمين على عدم دفع الضريبة. كذلك قد يحدث اتفاق بين الموردين وعملائهم على عدم تسجيل المعاملات بهدف عدم دفع الضرائب المستحقة على السلع المختلفة الأمر الذى يستفيد منه كلا الطرفين.
5 - الآثار السلبية للاقتصاد الخفى.
إن الاقتصاد الخفى ظاهرة ذات أبعاد متعددة بشكل بالغ التعقيد. كذلك فان حجمها وأسبابها وخصائصها والنتائج المترتبة عليها لم تفهم بعد بالكامل. أن وجود الاقتصاد الخفى لا يؤدى الى تشويه بيانات الناتج القومى الاجمالى فقط ، وإنما يؤثر على معلوماتنا حول معظم جوانب النشاط الاقتصادى مثل مستويات التشغيل والبطالة وأنماط توزيع الدخل ومستويات الادخار الحقيقى فى المجتمع.. الخ. وفيما يلى نتناول هذه الآثار بالتفصيل.
5/1 - فقدان حصيلة الضرائب.
إن أول وأهم الآثار السلبية المترتبة على وجود الاقتصاد الخفى هى أن جانبا من الدخل الذى يتم توليده داخل الاقتصاد لا يدفع عنه ضرائب. ويحدث ذلك عندما لا يقوم الأفراد بالكشف عن دخولهم أو طبيعة وظائفهم التى يقومون بها أو كلاهما للسلطات الضريبية. كذلك فان هناك بعض أشكال الضرائب مثل ضريبة القيمة المضافة وضريبة المبيعات لا يتم تحصيلها نتيجة التهرب الضريبى. وعندما يصبح حجم الاقتصاد الخفى جوهريا فانه يؤدى الى فقد جوهرى فى الإيرادات العامة. ويترتب على الفقد فى الإيرادات الناتج عن التهرب الضريبى زيادة مستويات الضرائب على الأنشطة التى تتم فى الاقتصاد الرسمى ، بمعنى أن معدلات الضرائب التى يتم جمعها على الدخول المسجلة تصبح أكبر من اللازم. كذلك فان الإيرادات الحكومية ستكون أقل من القدر الذى يجب أن تكون عليه ، ومن ثم يصبح عجز الموازنة العامة للدولة أكبر مما يجب. وبهذا الشكل يصبح النظام الضريبى القائم على الضرائب على الدخل فى ظل وجود حجم كبير للاقتصاد الخفى غير عادل الأمر الذى يولد ضغوطا أكبر نحو تبنى نظم للضرائب غير المباشرة. كذلك فان هناك مخاطرة من أن انتشار عملية التهرب الضريبى سوف تدفع الآخرين على التهرب الضريبى.
لقد قدرت إدارة الضرائب IRS فى الولايات المتحدة مستوى الخسارة الناتج عن التهرب الضريبى بسبب وجود الاقتصاد الخفى بحوالى 40 - 42 مليار دولار عام 1976. أما فى عام 1981 فقد قدرت خسارة الضريبة على الدخل الناتجة عن وجود الاقتصاد الخفى ما بين 86 - 90 مليار دولار ، وهو ما يعنى أن خسارة الضريبة على الدخل الناتجة عن وجود الاقتصاد الخفى تمثل 30% تقريبا من اجمالى حصيلة الضرائب على الدخل.
5/2 - الأثر على سياسات الاستقرار الاقتصادى.
إن النمو السريع الاقتصاد الخفى قد يؤدى الى فشل سياسات الاستقرار الاقتصادى ، حيث يؤدى هذا الأجانب من الاقتصاد الى تشويه المؤشرات الخاصة بسياسة الاستقرار الاقتصادى. ومن ثم فان هناك احتمال أن يقع صانع السياسة فى خطر وصف طرق علاج غير صحيحة بسبب تشخيص غير سليم للمشكلة. فنمو الاقتصاد الخفى ينتج عنه نوع من المغالاة فى المؤشرات الرسمية للتضخم والبطالة ومعدلات نمو الناتج. وبالتالى فان سياسة الاستقرار قد تستجيب لمشكلات غير واقعية. وإذا ما حاولت سياسة الاستقرار الاقتصادى اخذ إجراءات مضادة لمواجهة هذه المشكلات فان سياسة الاستقرار الاقتصادى سينشأ عنها إجراءات تحدث نوعا من عدم الاستقرار فى الاقتصاد الرسمى ، لدرجة أن المشكلات غير الحقيقية تصبح مشكلات حقيقية بمقتضاها يتحول الاقتصاد الخفى من خلال التضخم والبطالة الى اقتصاد ذو حجم أكبر.

?

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  المشاكل الاقتصادية للمجتمع من اثر الطلاق

 ::

  كيف يمكن ترشيد الإنفاق الحكومي

 ::

  كيف نشجع المصريين في الخارج على تحويل مدخراتهم ومواجهة مخططات الإخوان لجذب هذه المدخرات وضرب الإقتصاد

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  تداعيات الحراك السوري على العلاقات التركية الروسية

 ::

  الحماية التأديبية للمال العام

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي

 ::

  دور البرادعي في تدمير العراق وبث الفوضى في مصر


 ::

  حوار مع الشاعر قاسم حداد

 ::

  طفلة هندية من أطفال الشوارع تحلم بأن تصبح جراحة

 ::

  مسامير وأزاهير 151...

 ::

  السيوف الصوارم .في إبطال إنتساب الخميني الى عترة ابي القاسم!!

 ::

  هذه المسرحية...شاهدناها من قبل

 ::

  ابنة مارجريت تاتشر ربعها عربي ، و توماس جفرسون فينيقي ، فماذا عنكم ؟

 ::

  القادم الجديد

 ::

  عربة فول وأستاذ جامعة وزوجة تطلب الطلاق

 ::

  عبقرية رئيس

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 4



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  بعد الهزيمة في ليبيا هل يجد «داعش» ملجأً في تونس؟

 ::

  لماذا نرفض الانقلابات العسكرية؟

 ::

  حقوق البائعات السعوديات المهضومات

 ::

  القمة العربية والسلوك المفترض!!

 ::

  أسماء المدن العراقية.. التَّغييب

 ::

  خارطة الطريق الروسية في سوريا ورهانات فلاديمير بوتين

 ::

  سدِّدْ رصاصَك.. سدِّدْ جحيمَك... لن ننحني

 ::

  خفايا صفقة جهاز كشف المتفجرات المزيف

 ::

  مخيم حندرات .. مخيم الشهيد عبد الله عيسى

 ::

  الخوارج والحسن الصباح

 ::

  من يحاسب حزب الله

 ::

  إيران والأكراد ..وذكرى اغتيال قاسملو

 ::

  انتصار الديموقراطية

 ::

  موضوعات في تجاوز فشل السياسات السلطوية والإنقسامية






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.