Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

هل يمكن تطوير الفكر الديني؟
أ. تحسين يحيى أبوعاصي   Thursday 24-10 -2013

هل يمكن تطوير الفكر الديني؟ كل نبي أو مُفكر أو فيلسوف أو حكيم ( مع الفرق الكبير ) عبر التاريخ الإنساني الطويل ، يبذر بذور فكره في تربة العقول البشرية ، ثم يتداولها البشر ، فيزيدون عليها أو ينقصون، وفقا لخيال أفكارهم وواقعهم المُعطى ، فالفكرة التي أتى بها هؤلاء العظماء ، ليست من صنع رجل واحد فقط ، بل هي إبداع سلسلة من التأملات والأفكار المتصلة والمتواصلة ، التي أثمرت ثمارا تتناسب وطبيعة ذلك الزمان والمكان ، الذي ظهر به ذلك النبي أو الفيلسوف أو المفكر ، ووفقا لطبيعة التربة البشرية المتلقيَّة في ذلك الوقت ، ومتغيرات كينونتها الخاضعة للجغرافية والسياسة ... حتى أن الفكر السماوي استطاع البشر من أن يضعوا عليه بصماتهم ، من حيث التبديل ، والخلافات المذهبية ، وتعدد الآراء والمدارس الفكرية عبر التاريخ ، وكذلك الحال في الفكر المصنوع بشريا ( بعيدا عن الخلاف بين الأرضي والسماوي ) ، ولعل آخر تجربة في ذلك هي تجربة الدكتور يوسف القرضاوي ، الذي أجمع مع علماء العالم الإسلامي قبل سنوات ، على ضرورة تغيير الهدي النبوي ، وهو تغيير محمود ، من أجل مصلحة الأمة ، وذلك في موضوع تمديد فترة رمي جمرة العقبة ، بدلا من انتهاء توقيتها بغروب شمس يوم الوقوف على مِنى ، أي بعد يوم وقفة عرفة ، وذلك رحمة بالأمة ، حيث كان يسقط المئات من القتلى أثناء عملية الرجم ؛ بسبب الازدحام والتدافع ، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الحصول على ثمن تلقيح الفحل المنهي عنه ، ثم أجاز العلماء قبض ثمن التلقيح ؛ بسبب تغيير طرأ على الزمان والمكان ، حيث يتم استيراد الفحول من أماكن بعيدة ، والتكلفة الكبيرة المترتبة على ذلك من شراء ونقل وغير ذلك ، وهو الأمر الذي لم يكن من قبل ، فقد ارتفعت وتيرة الكثافة السكانية ، وقلت مساحة الأراضي الخضراء الصالحة للرعي المجاني ، وتعسر التنقل الذي كان من قبل بدون بطاقة إثبات شخصية وجواز سفر ، وخلافات سياسية ، وصراعات على الحدود ... الخ .
وكذلك أيضا مسألة الشراء عن بُعد ، فقد أمر الشرع الحنيف بمعاينة البضاعة وتفحصها ، ودفع المال قبل أن تغادر البضاعة أرضها ، لكن العلماء أجازوا الشراء عن بعد من خلال الشبكة العنكبوتية ؛ من أجل توفير الوقت والجهد ، ورحمة بعباد الله ...
لقد أفتى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في أمور تتعلق في العراق ، وعندما عاد إلى مصر وسؤل نفس الأسئلة التي سؤل عنها في العراق ، أجاب خلاف إجابته في العراق ، وعندما سؤل عن السبب قال : ما يصلح لأهل العراق لا يصلح لأهل مصر .
من هنا نشعر بقيمة وبأهمية تغيير المفاهيم لصالح الناس وانسجاما مع الواقع المتجدد ، مهما كان نوع تلك المفاهيم والأفكار ، باستثناء الثوابت كالصلاة والصيام والزكاة وأمور العقيدة وما شابه ذلك ... فهل يتمكن علماء الأمة اليوم ومن جديد ، من صياغة رؤية إسلامية تجمع بين الثقافة الإسلامية والثقافة الوضعية من غير تعارض ولا تناقض ولا تناحر !؟ ، وهل سيملك علماء الأمة رؤية شمولية ليست جمودية ولا متيبسة ، بل رؤية مرنة متطورة مع الزمان والمكان من أجل مصلحة الأمة !؟ ، فالأمة لن تتقدم إلا عند انفتاحها على الآخر ، وعند تطور المفاهيم وتلاقحها المستمر ، وهذا ما حدث عند تلاقي الثقافة الإسلامية مع الهندية واليونانية والمصرية والبابلية ، فأنتجت مزيجا راقيا ، صنع نهضة علمية ، وثورة في المفاهيم المتجددة ، منذ فجر التاريخ الإسلامي ، فتعددت أساليب تقديم المعلومة ، وتطورت المفاهيم الدعوية ، ودخل كثير من الناس الإسلام عندما تأثروا بعظمة أخلاق المسلمين ، بعيدا عن العنف وسفك الدماء والتكفير والشطب والرفض والإقصاء ...
عندما عاد الشيخ محمد رشيد رضى من فرنسا إلى مصر قال : وجدت في فرنسا مئة أسطول من العلم ، كل أسطول يقول : من ضربك على خدك الأيمن ، فأدر له خدك الأيسر ، أما هنا فوجدت مائة مسطول يقول : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ... محتوى قول هذا العلم الجليل يعني كيف نفهم الإسلام الذي يدعو للجمع بين الدنيا والآخرة معا ، ويدعو إلى المحبة والتسامح والرحمة ، وهذا يعني الجمع بين المبنى والمعنى للنص اللغوي في آن واحد ، سواء كان هذا النص آية من كتاب الله ، أو حديثا نبويا شريفا ، أو قولا مأثورا ، أو غير ذلك ، وهو الجمع بين مدلولات ثلاث ، المدلول الشرعي ، والمدلول اللغوي ، والمدلول الروحاني ، فالمدلول الشرعي هو مدلول ثابت واضح الرؤية ، والمدلول اللغوي فكثيرا ما تمّ تغييبه عن جهل أو قصد بسبب الخلاف حوله ، وأما المدلول الثالث فهو المدلول الروحاني ، وهو الأهم في رأيي ؛ بسبب فقر كثير من علماء الأمة بالروحانيات ، والتي هي البصيرة وليست البصر فقط مع ضرورة الجمع بينهما ... فالتمسك بمبنى النص فقط بعيدا عن معناه ، يغرق الأمة بكثير من الخلافات ويدفعها إلى التناحر ...
الفرق شاسع بين مبنى الكلمة وبين معناها فكلمة "كعبة" - على سبيل المثال – يتكون مبناها من أربعة أحرف فقط ، وترمز إلى القدسية والطهارة والصفاء ، وتعني شعيرة تعبدية ، ولكن أعماق معاني كلمة " كعبة " لا يمكن أن يحيط بها قلم ، ولا كتاب ، ولا لسان ، ولا بيان ، ولا ندرك أسرارها الخافية ، والتي لا يعلم بها إلا الله عز وجل والراسخون في العلم من أهل البصيرة ...
المعنى هو البصر وهو العقل ، والمعنى هو البصيرة وهو القلب ... قال صلى الله عليه وسلم : ما سبقكم أبو بكر بكثير صوم ولا صلاة ، ولكن بسر وقر في قلبه . حديث مختلف حوله ولكن لا بأس في معناه ...
المعنى هو روح الكلمة ، وهو قريب من روح القانون في علم القضاء ، مع الفرق الكبير بينهما ؛ من أجل ذلك قال الحق سبحانه حول المعنى : (( لا يمسه إلا المطهرون )) وقال : ((وتعيها أذن واعية )) ...
المعنى هو بحر في مكنونه الدر كامن كما قال الشاعر حافظ إبراهيم – رحمه الله تعالى - :
أنا البحرُ في أحشائِهِ الدرُّ كَامِنٌ . . . فَهَلْ سَأَلُـوا الغَـوَّاصَ عَـنْ صَدَفَاتـي
ولا يمكن أن يغوص بحر المعاني إلا كل غواص ماهر ، يستخرج من المعاني اللؤلؤ والمرجان ، كما يستخرج الغواص من البحر كل ثمين ...
المعنى لا يمكن الوصول إليه إلا من خلال القدرة على الاستشفاف ، والاسترقاق ، والاستلطاف ؛ لمعرفة ما وراء الحرف ، وما وراء المبنى من بحار المعاني والعلوم والفهوم المكنونة ، وهي صفات يجب أن تتوفر لدى كل من أراد الغوص في بحار المعاني ؛ ليستخرج منها جميل المعاني وأرقها ..
المعنى هو نور يقذفه الله في قلوب الصادقين من عباده ؛ ليميزوا من خلاله بين الحق والباطل ، في زمن اشتدت فيه الفتن وأمست كقطع الليل المظلم ...

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  ما بين فلسفة الاسلام والفلسفات الأخرى

 ::

  فلسطين لفصيل واحد لا لفصيلين !!

 ::

  مهازل الشخصيات الفلسطينية في المجتمع الفلسطيني

 ::

  المقاومة وشبكة الأمان العربية

 ::

  تطهير مصر ضرورة لا بد منها

 ::

  أسد سوريا أرنب الجولان ... ممانعة .. .مقاومة ... تصدي

 ::

  غزة بين الوطني والعونطجي

 ::

  مذابح الروهينجا المسلمين في غرب بورما

 ::

  ضعف الإصلاح المجتمعي في غزة ... رسالة لأصحاب القرار الفلسطيني


 ::

  الاتجاة الصعب والوعر

 ::

  حال الأعراب

 ::

  بحث حول المكتبة الظاهرية بدمشق وعلمائها أنموذجا

 ::

  غزة... الانتصار التكتيكي والهدف الاستراتيجي

 ::

  ثرثرة في صالون حلاقه

 ::

  وزير كاوبوي من مخلفات رعاة البقر

 ::

  لماذا تهاجر الكفاءات العربية إلى أميركا

 ::

  3,3 مليار دولار عائد قناة السويس خلال عام

 ::

  لبنان خياره عربي

 ::

  تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها _ألن جونستون



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  بلاء العراق الأعظم: صدَقْتَ يا فردوسي و قلت الحق ايها الفاروق عُمَر

 ::

  'لا تخرج قبل أن تكتب سبحان الله'.. بسطاء في الفخ

 ::

  هاكرز سعوديون يخترقون حسابات مؤسس الفيس بوك علي مواقع التواصل

 ::

  الجزائر.. كما يصفها فرنسي سنة 1911

 ::

  أعمال السيادة وحكم القضاء الإداري بشأن جزيرتي تيران وصنافير

 ::

  العدوان الغربي على العالم الإسلامي

 ::

  ثلاثة تساؤلات حول دراسة الأمريكية والأونروا عن الفلسطينيين في لبنان

 ::

  من مفاهيم الأساس في علم السياسة إلى مفاهيم الأساس في علم العلاقات الدولية

 ::

  دراسة بعنوان: تعاظم القوة العسكرية لاسرائيل لن يحميها من الانهيار 1

 ::

  جيشٌ في مواجهة مقاومٍ ومقاومةٌ تصارع دولةً

 ::

  سلفية المنهج والممارسة السياسية

 ::

  كوكب الشيطان

 ::

  الاتفاق التركي الاسرائيلي وتطلعات حماس

 ::

  إعادة إنتاج السلطويّة في فلسطين






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.