Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

مستقبل الدولة القومية في ضوء صعود التيارات الإسلامية
الدكتور عادل عامر   Sunday 28-04 -2013

مستقبل الدولة القومية في ضوء صعود التيارات الإسلامية قد أتى الربيع إثر بلوغ مشاريع الإصلاح نهايتها واليأس من إصلاح هذه الأنظمة كان من نتيجته الرهان ليس على التدرج في الإصلاح وإنما القيام بعملية رحيل كبرى فكرية أكثرها، هل هناك أمل في الأنظمة التي لم تنفجر فيها الثورات هل هنالك أمل بأن النخب الحاكمة تدرك هذه الرسالة بأن التمويل والتمويه وما تقوم به من مناورات لم يعد له مكان وأنها بين أمرين إما أن تقيم إصلاحات كبرى في أنظمتها بما يعيد الثقة بالسلطة للناس أو أن هذه الموجة من التغييرات سوف تأتي عليها. أيضاً الربيع العربي أتى إثر بلوغ المشروع الرأسمالي حداً متقدماً من العجز ومن الارتباك مما يجعله على أبواب الإفلاس مما يجعل هذا المشروع الرأسمالي عاجزاً عن إفساحاته الداخلية كما كان يفعل سابقاً. أيضاً أتى الربيع العربي بعد تراكم تضحيات ونكبات كثيرة حلت بكل القوى السياسية وبخاصة الإسلاميين وهو ما أشعر الإسلاميين بأن يكونوا أكثر المستفيدين من هذا الربيع العربي من هذه التحولات بسبب تراكم التضحيات خلال خمسين سنة. أحسب أن الربيع العربي لم يقف على حدود دولة معينة لأن الأنظمة العربية متشابهة في فسادها وفي بعد النخبة الحاكمة عن الناس وفي تحول الدولة إلى احتكارات بل تحول الدولة إلى نوع من المافيا، مما يجعل كل الأنظمة العربية مرشحة للتحول إما بأن تُقدم الأنظمة القائمة على جراحات كبرى وإصلاحات للشعب، أو أن هذه الموجة ستطال الجميع وهي ماضية في طريقها بأن تحدث التحولات الكبرى المطلوبة. أحسب أن الإسلاميين وغيرهم من القوى السياسية المرشحة لقيادة هذا الربيع العربي مطلوب أن تتعلم فن التعايش أن تقبل مبدأ المواطنة أساساً للدولة، وتوزيع الحقوق والواجبات على أساس المساواة في المواطنة، أثمر تأثير الرأسمالية هذا ما أسماه ليون تروتسكي – أحد أهم ماركسيي القرن العشرين – "التطور المركب واللا متكافئ" لقد تجاور القديم والجديد على نحو مفعم بالتناقضات. من جانب، اندمجت بلدان المنطقة في بنية الاقتصاد الرأسمالي العالمي؛ ولكن من جانب آخر، راحت التفاوتات بين العالم المتقدم والمتأخر تتفاقم من نواح عدة. من جانب، تراجعت (وإن لم تختف) علاقات السيطرة الاستعمارية المباشرة (الكولونيالية)؛ ولكن على الجانب الآخر، استمرت الهيمنة الإمبريالية على مقدرات المنطقة الغنية بالبترول، كما تم زرع كيان استعماري استيطاني عنصري في قلب المنطقة. ومن جانب، نما في مختلف بلدان المنطقة قطاع صناعي حديث يعتمد على تكنولوجيا متطورة؛ إلا أن هذا القطاع عاش جنبًا إلى جنب قطاع صناعي تقليدي واسع قوامه عدد هائل من الورش الصغيرة التي يعمل بها مالكها جنبًا على جنب عدد صغير للغاية من العمال، في الأغلب من بين أقاربه. وفي حين حول الإصلاح الزراعي العديد من الفلاحين على مزارعين رأسماليين من طراز حديث، فإن أعداد أكبر كثيرًا من الفلاحين وجدت نفسها ملفوظة من الريف دون أن يتمكن الاقتصاد المديني البازغ من استيعابها، فانتهى بهم الحال عمالا موسميين في ورش وأسواق أحياء الفقر العشوائية التي راحت تنمو كالسرطان حول المدن الكبرى. وإذا كان التوسع الهائل في نظام التعليم يفرز أعدادًا كبيرة من خريجي المدارس والكليات، فإن هذه الجموع لا تجد فرص عمل كافية في قطاعات الاقتصاد الحديثة وينتهي بها الحال في وظائف هامشية لا تتمشى ومستوى تعليمها فيما يسمى بالقطاع غير الرسمي. وقد زادت الأزمة الاقتصادية العالمية على مدى الربع قرن الأخير من حدة هذه التناقضات. فالصناعات الحديثة وجدت الاقتصاد القومي أصغر من أن يسمح لها بالعمل بكفاءة، بينما وجدت أن حدة المنافسة في الاقتصاد العالمي أكبر من أن تسمح لها بالبقاء دون حماية الدولة لها (في وقت مالت فيه الدولة لتقليل تدخلها المباشر في الاقتصاد). وفي حين أن الصناعات التقليدية راحت تصرخ مطالبة بالحماية إزاء المنافسة "غير المنصفة" التي واجهتها من جانب الرأسمالية الحديثة المحلية والأجنبية، فإن بعض القطاعات الصناعية استطاعت أن تقيم صلات وثيقة بالرأسمال العالمي، وأخذت تعرب عن صبرها إزاء استمرار سيطرة الدولة على الاقتصاد. وفي غضون ذلك، راحت الفجوة تتسع بين قاع المجتمع وقمته على نحو غير مسبوق، وهو ما خلق سخطًا متزايدًا في أوساط قطاع العمال الموسميين والعاطلين عن العمل الآخذ في التضخم، ذلك القطاع الذي صار الإفقار والبؤس المتفاقم جزءًا عاديًا من حياته اليومية. وتعبر الأيديولوجية والحركة الإسلامية عن محاولة التعامل مع تلك التناقضات من جانب أناس تربوا على احترام الأفكار الإسلامية التقليدية، وذلك في ظل تراجع البدائل الأخرى مثل القومية البرجوازية بتلويناتها المختلفة، وكذلك في ظل إفلاس اليسار نتيجة لهيمنة الستالينية والإصلاحية عليه. ولا تحظى هذه الإيديولوجية وتلك الحركة بالتأييد ذاته من جانب كافة فئات المجتمع. فهناك قطاعات تتبنى أيديولوجية برجوازية وطنية حديثة من الطراز العلماني أو شبه العلماني، بينما تميل قطاعات أخرى نحو شكل من أشكال رد الفعل العمالي العلماني (ماركسية ما). أما الحركة الإسلامية وفكرها، فإنها تتلقى الدعم من جانب ثلاث قوى اجتماعية مختلفة – تميل كل منها لتفسير الإسلام بطريقتها الخاصة، وفقًا لمصالحها. أن تقبل النظام الديمقراطي بكل آلياته دون إقصاء لأي فكرة أو إلى أي طرف، والقبول بحكم صناديق الاقتراع والتعددية لن تقصي أحد وقبول حقوق الأقليات، أحسب أن هذه الشروط أساسية. أن تفهم هذه النخب الجديدة رسالة الشعوب التي من طبيعتها الاجتماعية الحكم بالعدل والمساواة وهي تريد أن تكون الثروة مقسمة بعدالة أو تقدم بالوسائل الاجتماعية والسياسية والدينية والأخلاقية لهذه الثورات حتى لا يكون الربيع العربي سلبياً يهدم ولا يجني، لأن البناء يحتاج إلى عقلٍ مركّز إلى عقل يستوعب كل الآخرين، نحتاج إلى إعادة الإجماع إلى أمتنا التي فقدت لمدة طويلة. إن الولايات المتحدة ينبغي أن تساعد على إدراج الأحزاب الإسلامية في العملية السياسية لكي يتمكنوا من المشاركة في المسئولية عن نجاح أو إخفاق بلدانهم في الإدارة والدفاع والشئون الخارجية وعلى الرغم من أن بعض المفكرين في دوائر السياسة الخارجية الأمريكية يحثون على عزل الإسلاميين مثل –جماعة الإخوان المسلمين– في مصر فإن هذا النهج من شأنه أن يأتي بنتائج عكسية في النهاية، فعندما يتم تهميش الجماعات الإسلامية في صفوف المعارضة فإنهم يصبحون قناة ناجحة للتعبير عن المعارضة السياسية والمظالم الشعبية وخير مثال على ذلك حركة "حماس" ففي طوال الفترة التي كانت تمثل فيها حركة المعارضة استمرت جاذبيتها السياسية في الصعود وهو ما مكن لفوزها في انتخابات 2006. وبنفس القدر فإن على الولايات المتحدة ألا تخلط بين الأحزاب السياسية التابعة للتيار الإسلامي المعتدل وبين الأصوليين الإسلاميين، فالمساواة بين الاثنين ليس فقط أمر يعوزه الإدراك ولكنه ذو عواقب أيضاً، والتمييز بين المعتدلين والأصوليين من شأنه أن يمنع الأنظمة الجديدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من اللجوء إلى استراتيجيات البقاء القمعية باسم محاربة التهديد الإسلامي وهي الكيفية التي ظل بها الكثير من أسلافهم في السلطة. بأن القول بأن الكيان الصهيوني يعد نفسه ليكون في مواجهة في حالة وصول الإسلاميين للحكم خاصة في مصر باعتبارها من دول الطوق فهذا مردود عليه بأن الكيان الصهيوني حريص على أن يظل في حالة استنفار مستمر تحت هذا الزعم لأن وجوده غير شرعي وغير مقبول من دول المنطقة ويعتمد على ما يملكه من قوة ودعم خارجي فضلا عن إنكاره لحق الشعب الفلسطيني وهو بالتالي لم ولن ينجح في التسويق لإمكانية تعايشه مع العالم العربي طالما أنه يصر على تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني ويصر على إقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين. وافتراض أن وصول الإسلاميين للسلطة محكوم عليه بالإخفاق فهو مراهنة في غير محلها لأن نظم الاستبداد السابقة لم تقدم لشعوبها سوى إغراق البلاد في مشاكل لا حصر لها وأن صدق النوايا وخبرة الإسلاميين في إدارة بعض المرافق المجتمعية كفيل بتحقيق نوعا من الإنجازات فضلا عن قدرتهم على اكتساب الخبرات اللازمة ولعل بعض التجارب السابقة رغم ما شابها من بعض السلبيات خير شاهد على ذلك، بل إن المراهنة على إخفاق الإسلاميين المعتدلين أو إبعادهم سيدفع الكثير إلى تبني أفكاراً أقرب إلى التطرف والعنف في العالم العربي والذي ستكون نتائجه أشد فتكا. وهكذا فإن الإسلاميين في شتى الأقطار العربية يقتربون بصورة أو بأخرى من تحقيق المشاركة في السلطة ويبدو أن اللحظة الراهنة هي أفضل الأوقات وأن الفرصة الحالية هي أفضل الفرص لذلك وإن كنا نرى أن المرحلة تستدعي التريث في التصدي لاستلام السلطة في الوقت الراهن حتى يتهيأ المناخ الداخلي والخارجي لإزالة كثير من التخوفات التي في غير محلها حول كيفية التعامل مع الإسلام المعتدل. ومن الجدير بالذكر أن هذا التخويف المتكرر من الإسلاميين غير مبرر حيث أن الشريعة الإسلامية تحمل من القيم والمبادئ التي يجعلها صالحة ومصلحة لكل زمان ومكان وهي رسالة عالمية للناس كافة، وفيها يتحقق العدل والحرية والسلام والمساواة بين الناس جميعا، وفيها قارورة الدواء لكل الأمراض التي تعاني منها البشرية، والتطور والنهضة والرقي والتعاون بين جميع البشر على اختلاف ألوانهم وعقائدهم لإسعاد البشر جميعاً، فقد جاء في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع..." أيها الناس، إن ربكم واحد، وكلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم. ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. فليبلغ الشاهد منكم الغائب. الحركة الإسلامية إذن حركة مليئة بالتناقضات. إنها تتبنى أفكارًا بالغة الرجعية لكنها ليست حركة فاشية. وهي تتخذ مواقف ومضادة للإمبريالية ولكنها ليست بالأساس حركة معادية للإمبريالية. إنها حركة برجوازية صغيرة تعبر عن بؤس الجماهير وسخطها، لكنها لا تستطيع أن توفر بديلاً حقيقيًا يقضي على مصدر هذا البؤس ويسمح للسخط بأن يتخذ مسارًا نضاليًا حقيقيًا. وتنبع تناقضات الحركة الإسلامية من الأساس الطبقي لكوادرها الأساسية. إن البرجوازية الصغيرة كطبقة تعجز في أتباع سياسة متسقة ومستقلة خاصة بها. إن أبناء هذه الطبقة بجناحيها التقليدي والحديث يتذبذبون ما بين التمسك بالماضي الذهبي والحرص على إبقاء الأوضاع على ما هي عليه خوفًا من ثورة تقضي على امتيازاتهم، وبين التطلع للتغيير الثوري تحت وطأة ما يعانونه من أزمات. ومن الناحية الملموسة تتجلى تناقضات الحركة الإسلامية في الإجابات المختلفة على هذين السؤالين: هل يجري انتهاج سبيل الإصلاح السلمي أم يتم اللجوء للعنف المسلح؟ وهل الهدف من النضال هو تغيير الدولة أم تطهير من "مظاهر الفجور"؟ لا يمل عبد الرازق، من تفنيد الاحتجاج الشائع بأن "الخلافة مقام ديني" ويرى ذلك على أنه من الأخطاء الشائعة التي تسربت إلى عامة المسلمين، الذين خيل إليهم أن الخلافة مركز ديني، وأن من ولي أمر المسلمين فقد حل منهم في المقام الذي كان يحله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا بل إنه يعتبر أن استمرار هذا الاعتقاد يصلح لأن يكون شاهداً على استقالة العقل عند المسلمين في التفكير السياسي، والنظر في كل ما يتصل بشأن الخلافة والخلفاء(10). أعود للقول، إن الشيخ عبد الرزاق يرى أن السياسة شأن تدبيري، وهذا ما يجب عليها أن تدركه ما يسميها بـ"الزعامة الجديدة" التي يلح عليها عبد الرازق، والتي هي في جوهرها زعامة سياسية "زعامة الحكومة والسلطان، لا بل زعامة الدين"(11). وهو بذلك إنما يفتح باباً للمسلمين إلى ولوج عالم أصول الحكم، كما يشير إلى ذلك عنوان كتابه. يقول في خاتمة كتابه: "أن لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذي ذلوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم، على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم"(12). ولكن أصول الحكم هذه كانت موضع استنكار الشيوخ الأزهريين الذين هاجموه وجردوه من ألقابه العلمية ومن وظيفته وكذلك الراديكاليين الإسلاميين الذين لم يغفروا للشيخ علي عبد الرازق هذا التطاول فراحوا يصفونه بأنه دعوة للانفكاك عن النص الديني لصالح تبعية الغرب والاندماج به(13)، وذلك دون أن ننسى إعجاب شيوخ آخرين به، وأخص بالذكر منهم الشيخ ابن باديس الذي أبدى إعجابه بالشيخ عبد الرازق وبتجربة كمال أتاتورك في بناء الدولة الحديثة، واصفا إياه"بأنه أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث وعبقري من أعظم عباقرة الشرق"، وذلك دون أن ننسى أيضاً مرافعات الشيخ خالد محمد خالد في دفاعه عن عبد الرازق وذلك في كتابيه"من هنا نبدأ، 1951" و"الديمقراطية أبدا، 1953" اللذان هاجم فيهما الدولة الدينية وراح يشيد بديمقراطية الإسلام0(14) وكان أواسط عقد الخمسينيات من القرن المنصرم قد شهد تجاذباً حاداً بين الأحزاب والتيارات السياسية والمثقفين العرب، فثمة من يرى أنه لا يمكن للأمة أن تنهض إلا بفصل الدين عن الدولة وجعله أمراً خاصاً بين العبد وبارئه وذلك انطلاقا من رؤية ليبرالية ترد تخلف الأمة إلى الاستبداد(15)، وثمة من يرى أن الإسلام دين ودولة، مصحف وسيف كما ذهب إلى ذلك الشيخ حسن البنا في قوله الشهير:"الإسلام:عبادة وقيادة، ودين ودولة، وروحانية وعمل، وصلاة وجهاد، وطاعة وحكم، ومصف وسيف، لا ينفك واحد من هذين عن الآخر وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"(16) فالدولة من خلال آرائه هي دولة إسلامية، بصورة أدق، هي دولة الدعوة ودولة الرسالة لأن "الدعوة أساس الدولة، والدولة حارس الدعوة، وهما معا قوام الحياة الإنسانية الصحيحة المستقيمة(17). في هذا السياق جاءت محاولات فكرية عديدة لفض الاشتباك بين الدين والدولة والتأسيس لحداثة سياسية ولمجال سياسي جديد بعيدًا عن المجال الديني، أو زيادة الالتحام بينهما من خلال القول بأن الدولة حارسة للدين وحامية له وأن الهدف هو بناء الدولة الإسلامية، أو التوفيق بين هذا وذاك على اعتبار أن التوفيقية تمثل جوهر الحضارة العربية كما يذهب إلى ذلك محمد جابر الأنصاري في بحثه عن حقيقة التوفيقية في حياتنا العربية المعاصرة(18). وقد شهدت العقود الثلاثة المنصرمة من القرن الماضي نقارًا حادًا بين المفكرين والمثقفين العرب حول سلم الأوليات: الدين أم السياسة أو التوفيق بينهما كما أسلفنا، نقارا يشهد على حيوية فكرية في بعض الأحيان وفي أغلبها على عقلية تخوين واستبعاد بقيت تستبطن الخطاب السياسي العربي في سعيه إلى بناء مجال سياسي جديد؟ من الناحية النظرية العامة، لم يكن هناك خلاف بين تنظيمي الجهاد والجماعة الإسلامية على هدف إقامة الدولة الإسلامية ومن ثم تطبيق الشريعة الإسلامية من خلال النضال المسلح. إلا أن التنظيمين اختلفا حول الإستراتيجية المتبعة للوصول لهذا الهدف. تمثلت إستراتيجية الجماعة الإسلامية في العمل على محورين: علني وقتالي. أما المحور العلني، فيتضمن الدعوة العلنية من خلال المساجد التي تسيطر عليها الجماعة، وتوفير الخدمات الاجتماعية للفقراء من خلال شبكة المساجد نفسها، وأخيرًا الانخراط في أعمال "تغيير المنكر"، أي استخدام العنف ضد كل من لا يلتزم أسلوب الحياة الإسلامي (وكل ما لا يتمشى مع هذا الأسلوب) كما تراه الجماعة (النساء "المتبرجات"، الأقباط، محلات الفيديو، الحفلات الموسيقية، الخ..)؟ أما المحور الثاني – القتالي – في إستراتيجية الجماعة الإسلامية فيتصل بالاستعداد القتالي "للجهاد" ضد السلطة القائمة بهدف أسقطاها. ويتضمن هذا المحور بدوره جانبًا دعائيًا هو تربية الكوادر على فكرة القضاء على النظام القائم "الكافر" كخطوة ضرورية لإقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة. كما يتضمن المحور القتالي تكليف مجموعات من كوادر الجماعة في كل منطقة بالتدريب العسكري، بحيث تمثل هذه المجموعات نواة الميليشيا المسلحة التي ستكون رأس الرمح في مواجهة النظام مع بدء الثورة الإسلامية. ويتضمن هذا التدريب تكليف عناصر تلك الميليشيا النواة بمهام تستدعي استخدام القوة مثل الإشراف على عمليات "تغيير المنكر" أو تأمين اللقاءات الأسبوعية التي تعقدها الجماعة في مساجدها، أو الاشتباك مع الشرطة إذا تدخلت لعرقلة نشاط الجماعة. وأخيرًا، اشتمل هذا المحور القتالي على عنصر جوهري تمثل في إرسال كوادر الجماعة إلى أفغانستان للمشاركة في القتال إلى جانب "المجاهدين الأفغان" فضلاً عن اكتساب الخبرات والمهارات القتالية تحضيرًا لمهام أخرى في مصر في المستقبل. هكذا تضمنت إستراتيجية الجماعة الإسلامية السير على خطين متكاملين: الاستعداد القتالي والعسكري من جانب، وبناء النفوذ "من أسفل" من جانب آخر بوسائل تتضمن استخدام القوة ضد الجماهير ذاتها (تغيير المنكر). أما تنظيم الجهاد، فقد تبنى إستراتيجية عسكرية بحتة ترفض أي دور للجماهير في إحداث التغيير المنشود وتؤكد على "أهمية اختراق المؤسسة العسكرية" وعلى ضرورة "اعتماد لهجة خطاب إسلامي موجه للجيش والشرطة فضلاً عن السعي الجاد نحو اختراق مؤسساتها". على هذا الأساس، رفض تنظيم الجهاد أعمال "تغيير المنكر" التي تقوم بها الجماعة الإسلامية لا من منطلق الرفض الشرعي لها، وإنما على أساس أنها تمثل "إهدار للجهود التي ينبغي حشدها نحو الاستيلاء على السلطة". تقول إحدى وثائق الجهاد: "نلفت النظر بشدة على أن معركتنا في جوهرها ليست معركة مع الشرطة كما أنها ليست كذلك معركة مع الواقع الاجتماعي غير الرشيد.. لقد تكرس في واقعنا الإسلامي أنماط محددة للتغيير الاجتماعي كلها تدور حول مواجهة المنكرات المرتبطة بالمعاصي الظاهرة، شرب الخمر.. الفيديو، برغم أن النظرة المستوعبة للتحدي القائم تدعونا على تجاوز هذه المنكرات إلى ما هو أعم وأشمل".
المواجهة الشاملة مع الدولة والطريق المسدود
عمليًا، تمثل أغلب العنف الذي مارسته الجماعة الإسلامية خلال السبعينات والثمانينات في عمليات "تغيير المنكر" وليس العنف الموجه ضد الدولة. والواقع أن الدولة ذاتها تواطأت مع ذلك النوع من العنف. إننا نعرف اليوم بما لا يدع مجالاً للشك أن نظام مبارك عقد خلال الثمانينات صفقات ضمنية مع الجماعة الإسلامية مؤداها السماح للجماعة بفرض سطوتها وقانونها الخاص على مناطق نفوذها في الصعيد وبعض الأحياء الشعبية بالقاهرة الكبرى، بما في ذلك القيام من وقت لآخر بمذابح دموية للأقباط، مقابل كف أذى الجماعة عن الدولة ورجالها، وهي صفقة كانت تتعرض من وقت لآخر للانتهاك من جانب هذا الطرف أو ذلك. في الوقت ذاته كان النظام المصري يمارس أسوأ أنواع التعذيب ضد الإسلاميين المعتقلين، خاصة إذا كانوا متورطين في أعمال ضد النظام. أما عن تنظيم الجهاد، فقد غلبت عليه السلبية طوال الثمانينات (بعد عملية اغتيال السادات)، إذ اعتبر نفسه في مرحلة تحضير طويلة للثورة الإسلامية العسكرية التي طالما بشر بها.
مع مطلع التسعينات حدثت تحولات نوعية على معادلة التفاعل المعقد بين الدولة والإسلاميين الراديكاليين في مصر. فمن جهة، اغترت الجماعة الإسلامية بالنفوذ الهائل الذي تحقق لها عبر الصعيد وفي مناطق عدة بالقاهرة. كما أن الصفقات الضمنية بينها وبين قوات الأمن أعطتها شعورًا عليا بالثقة بالنفس إزاء نظام فاسد قبل طوعًا أن يتنازل عن جانب مهم من سلطته وهيبته لكي يحافظ على "استقراره". وبالمثل فإن ميل النظام للتفاوض سرًا مع الإسلاميين الراديكاليين عندما بدأت عمليات ضرب السياحة في عام 1992 (شارك في تلك المفاوضات وزير الداخلية السابق عبد الحليم موسى بتكليف من النظام ثم راح كبش فداء لها!) أقنع الإسلاميين بأن النظام بلغ حال من التردي والضعف أغراهم بمهاجمته. وأخيرًا، فإن ما توفر للإسلاميين الراديكاليين من خبرة قتالية بفضل تجربة أفغانستان كان عنصرًا حاسمًا في توليد تلك الذهنية التي تلبستهم. وعلى الناحية الأخرى لم يغب التطور الذي أحدثه عودة الأفغان على الحركة الإسلامية عن أعين الدولة وهو الشيء الذي دفعها إلى موقف أكثر حذرًا وميلاً نحو تحجيم هذا الموقف الذي قد يقلب الوضع ضدها. وأدي هذا الوضع إلى إضفاء التوتر على الوضع برمته. ليس معروفًا على وجه الدقة من الذي اتخذ قرار المواجهة الشاملة: الإسلاميون أم الدولة؟ فقد تطورت الأمور على طريقة الأواني المستطرقة. اغتالت مباحث أمن الدولة المتحدث باسم الجماعة الإسلامية أم الدولة؟ فقد تطورت الأمور على طريقة الأواني المستطرقة. اغتالت مباحث أمن الدولة المتحدث باسم الجماعة الإسلامية في يونيو 1990 في منطقة الهرم. وردت الجماعة فإقامة جناح عسكري مركزي من خلال توحيد عمل مجموعاتها القتالية وإضفاء المركزية على عملها واستدعاء العديد من الكوادر ذات التدريب العسكري الراقي من أفغانستان. كما ردت أيضًا باغتيال رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب في أكتوبر من نفس العام (وكان المقصود وزير الداخلية). ومع تشديد قبضة الحصار الأمني على مواقع نفوذ الجماعة، ردت الأخيرة بعمليات ضرب السياحة التي اتخذت في البداية صبغة دفاعية ثم ما لبثت أن أصبحت جزءًا من إستراتيجية تستهدف إنهاك النظام وشل أهم موارده الاقتصادية تمهيدًا لإسقاطه. وإذا بتنظيم الجهاد الذي اشتهر بالحذر والتفكير الإستراتيجية ينجرف مع الموجه ويراهن هو الآخر على السقوط الوشيك فيندفع على أرض المعركة غير متكافئة بكافة المعايير. لم يكن هناك في الواقع أي أساس حقيقي لتلك "الحالة الذهنية" التي عاشتها الجماعات الإسلامية الراديكالية في مطلع التسعينات، والتي دفعتها دفعًا نحو معركة خاسرة. فالدولة كانت تحظى برضا وتأييد مجمل البرجوازية المصرية – قاعدتها الاجتماعية الحقيقية. كما أن الطبقة العاملة – القوة القادرة حقًا على التغيير الاجتماعي والسياسي الجذري – كانت في حالة تراجع في نضالاتها وضعف تنظيمي وسياسي بالغ. أما جماهير البرجوازية الصغيرة، فعلى الرغم من السخط المنتشر بينهم، فإنهم يفتقدون بطبعهم إلى القوة السياسية والتنظيمية، كما أن الطابع السلطوي للحركة الإسلامية جعل هذه الجماهير – في أفضل الأحوال – في وضع المتفرج على معركة الإسلاميين مع الدولة. أما احتمالات الانقلاب العسكري الإسلامي الذي عول عليه تنظيم الجهاد، فقد كانت شبه معدومة لعدة أسباب أهمها القوة البالغة والبطش البالغ للمخابرات العسكرية في دولة مبارك الديكتاتورية واتساع أعداد الضباط من ذوي الرتب الصغيرة والمتوسطة بشكل هائل يجعل من شبه المستحيل تنظيم قطاع واسع منهم في تنظيم سري من نمط الضباط الأحرار مثلاً. إن الانقلاب العسكري في دولة كمصر اليوم يظل احتمالاً قائمًا، إلا أنه احتمال مرهون بقيادة كبار الجنرالات لمثل هذا الانقلاب؛ وبالطبع فإن المصالح الطبقية لهؤلاء لا يمكن أن تدفعهم للعمل لصالح الإسلاميين الراديكاليين! كانت نتيجة المواجهة الشاملة مع النظام إذن محتومة. ومع أواخر التسعينات كان الإسلاميون الراديكاليون قد تعرضوا لضربة قاصمة قضت على قوتهم القتالية وفككت بنيتهم التنظيمية وقواعدهم الجماهيرية، كما أصيبوا لما يشبه الانهيار السياسي الشامل وراحوا يسارعون لإعلان التوبة والصراخ مطالبين بوقف العنف. أما جماعة الإخوان المسلمين، فقد نالها "من الحب جانب". فمن نظر الدولة، كانت هذه الجماعة الإسلامية "المعتدلة" بمثابة صمام الأمان الذي يمتص نزعات "التطرف" ويهذبها ويلطف منها، ومن هنا جاء تسامح الدولة ضمنا مع تصاعد نفوذ الإخوان النقابي والبرلماني والطلابي. أما وقد قررت الدولة خوص مواجهة شاملة مع الراديكاليين، فإن دور صمام الأمان يصبح زائدًا عن الحاجة. وهكذا شنت الدولة ضد الإخوان حرب إقصاء ما لبث أن قضت على مجمل ما حققوه من نفوذ على مدى عقدين. ، إذا كان التفكير في الحرية هو بالأساس تفكير في الدولة والمجتمع، فإنه يمكن القول إن نظرية الدولة عن العروي، التي تربط الأخلاق بالسياسة، والعدل بالتقدم، إنما هي دعوة للقطيعة مع الدولة المملوكية المستبدة والتأسيس للحرية، وبنفس الوقت تقوية جهاز الدولة باعتبارها أداة التقدم والتحديث، شرط أن تكون الدولة بخدمة المجتمع وليس المجتمع بخدمة الدولة، وهذا ما يفسر تساؤله مع بداية الألفية الجديدة في بحث له عن "إرث النهضة وأزمة الراهن": هل عرف أي قطر عربي في أية فترة من تاريخه حالة تسبيق المجتمع على الدولة؟ أو حالة توظف فيها قدرات الدولة لتأسيس المجتمع على شكل يؤهله للاستغناء لاحقاً وبالتدريج عن كثير من صلاحيات تلك الدولة؟"(45). على العكس مما يشتهي العروي، فقد شهد عقد الثمانينات احتلالاً صهيونياً لبيروت عاصمة الثقافة العربية، وعايش هذا العقد حروباً أهلية وثورات جياع امتدت على طول الساحة العربية، وخاضت هذه الدولة أو الدولة القائمة بحسب تعبير العروي، حروباً ضد المجتمع انتهت بتدمير المجتمع، وبدا للعيان ذلك الاستقطاب الحاد بين الرافعين لشعار "الحاكمية" وكما فهمه المتبصرون من المسلمين على حد تعبير رضوان السيد(46) وأن الإسلام دين ودولة، وبين القائلين إن الإسلام دين وأن الدولة شيء آخر. في هذا السياق جاء كتاب محمد عمارة ليقدم إجابة توفيقية تشهد على سمة الخطاب السياسي الإسلامي في سعيه إلى تلطيف الإجابة بهدف طمأنة الليبرالي العربي وتهدئة مخاوفه من الدولة الدينية التي طرحتها الحركات الإسلامية الراديكالية بعنف، والتي راحت تنعت القومية العربية كرابطة سياسية بأبشع النعوت، معتبرة إياها صنماً فكرياً وبديلاً ممقوتاً عن فكرة الخلافة الإسلامية التي من شأنها أن تؤسس لإقامة الدولة الإسلامية الكبرى(47). في كتابه "الدولة الإسلامية: بين العلمانية والسلطة الدينية، 1988" والذي يحيلنا عنوانه الفرعي إلى ذلك الاستقطاب الحاد بين العلمانيين الذين يؤكدون على أن الإسلام دين وليس دولة وبين القائلين ـ وهم هنا رواد الحركات الإسلامية الراديكالية ـ بأن الإسلام دين ودولة. أقول بين هذا وذاك، راح عمارة يسوق أمامه مجموعة من التعريفات والمفاهيم ليذكي في الختام رؤيته التوفيقية ونتائجه التي طبعت الخطاب الإسلامي في العقود الأخيرة كما يرى الجابري في تحليله للخطاب الإسلامي، فمع إقراره بأن قضية السلطة الدينية هي قضية " قديمة ـ جديدة " فعمارة يرى أن السلطة الدينية التي تعني " أن يدَّعي إنسان يتولى منصباً دينياً أو سياسياً أو مؤسسة فكرية أو سياسية ما لنفسه صفة الحديث باسم الله وحق الانفراد بمعرفة رأي السماء وتفسيره، وذلك فيما يتعلق بشؤون الدين أو بأمور الدنيا.."(48) هو رأي غريب على الفكر الإسلامي الذي لا يقره وذلك باستثناء الشيعة، فكل تيارات الفكر الإسلامي ومذاهبه تنكر وجود السلطة الدينية(49). وإذا كان عمارة لا يقر بوجود السلطة الدينية في الإسلام، فهو يرفض بنفس الوقت أن تكون العلمانية هي الحل. فالاستقطاب الحاد بين العلمانية والسلطة الدينية، هو شاهد على غربة " المصلح والثوري العربي والمسلم"(50) عن واقع أمته الإسلامية وبقائه مرتهناً، بوعي منه أو بغير وعي، للحضارة الأوروبية الغازية. يقول عمارة: عندما نواجه القلة من "علماء" الدين الإسلامي الذين جعلوا من أنفسهم "كهنة ورجال دين" فإننا لا نواجههم "بالعلمانية"، التي تعزل "الدين" عن الدولة، وإنما نواجههم "بالإسلام: الدين"، الذي ينكر الكهانة والسلطة الدينية، والذي لم يحدد للمسلمين نظاماً معيناً ومفصلاً في الحكم، أو في السياسة أو في الاقتصاد؟ … والذي ـ في ذات الوقت ـ لم يدر ظهره لأمور الدنيا وشؤون الدولة، وإنما وضع القواعد العامة والأطر المرنة، والقوانين الكلية، ثم أطلق للعقل والتجربة العنان ليضعا النظم والقوانين والنظريات المتغيرة دائماً والمتطورة أبداً، وفق المصلحة، وعلى ضوء هذه المثل والكليات(51) فالعلمانية ليست سبيلنا إلى التقدم(52). كما أسلفت، فإن عمارة يتخذ موقفاً وسطاً، مثله مثل كثيرين من قادة الرأي في التيار الإسلامي السني، وذلك في إطار جوابه على التساؤل: هل الإٍسلام دين أم دولة؟ فمن وجهة نظره إن الوسطية التي تجمع "شيئاً من هذا الطرف وشيئاً من ذلك الطرف " هي التعبير الحي عن خاصية الحضارة العربية الإسلامية في الموازنة والتوازن، وهذا الموقف الوسط هو ما يسميه عمارة بموقف " الدين " و" الدولة " والذي ينطوي كما لمَّح العروي على شيء من التساكن. والذي فيه كما يرى عمارة:
أ- "أن يكون الحاكم الأعلى في المجتمع نائباً عن الأمة ووكيلاً لها فيما تفوضه إليه من سلطات.
ب- "أن يكون منفذاً للقانون، الذي وضعه مجتهدو الأمة، بالشورى والرأي والنظر، في إطار كليات الدين ومثله العليا ووصاياه العامة.. أي أن الأمة هي مصدر السلطات شريطة أن تتقيد سلطاتها بالوصايات الدينية المتمثلة في النصوص القطعية الثبوت والقطعية الدلالة، طالما بقيت هذه النصوص محققة لمصلحة الأمة في مجموعها".
ج- إن " للدين " مدخلا في " الدولة "، لكنه لا يرقى إلى مستوى " الوحدة "، كما أن علاقتهما لا تنزل إلى مستوى " الفصل " بينهما، وإنما هو" التمييز " بين " الدين " و"الدولة "."فالتمييز" هو المصطلح الأصح والأدق للتعبير عن نوع هذه العلاقة بينهما"(53)
إن التوفيقية التي يستند إليها عمارة، هي التي تدفعه إلى التفكير بصورة مثالية في الدولة الإسلامية كما يجب أن تكون، لا كما كانت في التاريخ، ولا كما هي في الواقع الحالي، وهذه هي شيمة الخطاب السياسي العربي المسكون بالمثال لا بالواقع، وفي رأيي أن المثالية والتوفيقية..(54- 55).
في مأزق الدولة العلمانية وطريقها المسدود
في كتابه "الدولة والدين: نقد السياسة،1991"، لاحظ برهان غليون أنه مع بداية عقد السبعينيات من القرن المنصرم، أخذت الضغوط والطلبات تزداد على الفكرة الإسلامية من قبل الشارع، ومن قبل الدولة نفسها في بعض الأحيان، في حين شهدت الفكرة القومية والعلمانية التي ارتبطت بها شيئاً فشيئاً، تراجعاً كبيراً على المستوى النفسي والعقدي والسياسي. بل لقد أصبحت الوطنية، بما هي تأكيد على الاستقلال الذاتي، ورفض للتبعية وعداء لهيمنة الغرب الحضاري، تبحث عن مصدر نموها وإلهامها في الفكرة الدينية نفسها. وما كان يظهر كصراع بين الجامعة الإسلامية والدولة القطرية، أو بين السلطة الخلافية والسلطة القومية، أصبح يتخذ اليوم صورة الصراع بين السلطة العلمانية والسلطة الدينية. فقد حل مفهوم الدولة الإسلامية محل مفهوم الخلافة أو الإمامة، في حين أصبحت العلمانية رديفة للحداثة القومية.وهكذا أعيدت صياغة التعارض البدئي في النظر السياسي العربي المعاصر على أسس جديدة أكثر قوة في التمايز والانغلاق مما كانت عليه في أي حقبة ماضية، بقدر تطورها في المنحى المعرفي والفلسفي ذاته. وتأكدت بذلك من جديد القطيعة التقليدية المتزايدة بين فريقين، يعتقد الأول أن بناء الدولة لن يستقيم إلا إذا أخذ بما يظن أنه نظرية الدولة الحديثة بامتياز، أي فلسفة العلمانية كدين للدولة. ويؤمن الثاني بأن العرب والمسلمين لن يتمكنوا من الخلاص وتحقيق الأمن والاستقرار والسعادة الأرضية والأخروية إلا إذا نجحوا في إعادة بناء الدولة العربية على الأسس ذاتها التي قامت عليها دولة الرسول الكريم، والتي كانت وراء تحول العرب من قبائل وعشائر مقسمة ومتخلفة إلى أمة عظيمة وإمبراطورية عالمية"(56) وسعياً منه إلى تعميق إشكالية الدين والدولة في الخطاب العربي المعاصر وبالتالي تأسيس المجال السياسي من جديد، وتجاوز حالة الاستقطاب السائدة والتي تحكم على السجالات العربية بالعقم والاستحالة (سبق لغليون أن اشتكى مراراً من الغلبة السجالية وذلك في كتابه عن "اغتيال العقل"(57))، راح غليون يحف مشروعه بمزيد من الأسئلة التي تتعلق بماهية الدين وبماهية السياسة، وعلاقة الدين بالسياسة، وبماهية الدولة ومفهومها..الخ:هل الدولة هوية جماعية تجسد نفسها في كيان سياسي متميز يعكس روح الجماعة وإرادتها المستقلة، أم نقصد بها جهازاً إدارياً وتقنياً، وبالتالي نربط مفهومها بنوعية الوظائف الإدارية والقسرية والدفاعية التي تقوم بها؟ وهل نقصد بالدولة النظام السياسي، أو بنية السلطة ومصدرها وطبيعة تنظيمها وما يطرأ عليها من صفات وخصائص، وطرق ممارستها في المجتمع وفي الدولة، أم نعني بها المبدأ الأخلاقي العام المقوم للمجتمع والناظم له، الذي يجعل منه اجتماعاً مدنياً، ونطابق مفهومها ومفهوم السياسة بما هي تحديد لأهداف الممارسة، وتوظيف للسلطة وتوجيه لها...الخ؟(58). وانطلاقاً من سعيه إلى تكوين مجال سياسي تمارس فيه السياسة بعيداً عن الدين، يؤكد غليون بأن الإسلام " لم يفكر إذن بالدولة، ولا كانت قضية إقامة الدولة من مشاغله، وإلا لما كان ديناً، ولما نجح في تكوين الدولة. لكن الدولة كانت دون شك أحد منتجاته الجانبية والحتمية"(59). فالدين هو روح الدولة التي ستصبح بدورها جسد الدين وسلاحه وذراعه(60). ويضيف غليون" إن الدولة الإسلامية لم تكن بحال دولة الله، بل دولة المسلمين بما هم كائنات بشرية قابلة للخطأ والصواب، وبما هم جماعة مدنية ذات مصالح متضاربة.الخ"(61). ما يشفع لغليون، هي، كثرة استدراكاته والتي تحول بينه وبين الوقوع في شراك الاستقطاب وفخ الإيديولوجيات المتساجلة حول الدين والدولة، وهذه الاستدراكات تنطلق من أهمية الموقع الذي شغله الدين الإسلامي في الدولة الإسلامية، فقد كان الدين على مسار تاريخي طويل روحاً للأمة والدولة التي كانت بدورها جسداً للدين، ترعاه ويرعاها (62). ولكن ـ أي هذه الاستدراكات ـ تبحث في النهاية عن حل لها، وهذا الحل يجده غليون في الدولة الديمقراطية التي تمهد للمصالحة بين الدين والدولة، يقول غليون: يعتقد الإسلاميون أن قضية الشرعية مرتبطة بتطبيق القيم الدينية، باعتبار أن الحكم في النهاية لله وحده، ويعتقد العلمانيون أن الشرعية مستمدة من القيم الوطنية الحديثة وفي الحالتين ترتبط الشرعية بالعقيدة، باعتبارها التعبير عن الأهداف والقيم الاجتماعية السائدة.لكن ما يجمع النظرتين ويوجههما معاً الواحدة ضد الأخرى هو كونهما تنطلقان في الواقع من فرضية الدولة الاستبدادية، فلو انطلقنا من فرضية الدولة الديمقراطية لأدركنا أن مبدأ السيادة الشعبية قادر بنفسه على حل هذا التناقض الحقيقي في القيم، ذلك لأنه لا يهتم مسبقاً بالقيم والمعايير والأفكار التي ينبغي على هذه السيادة أن تلتزم بها، وإنما يحدد فقط الطريقة الإجرائية التي يمكنها أن تساعد الجماعة على الوصول إلى إجماع في موضوع هذه القيم والأفكار"(63). كما أسلفت، يؤكد غليون على المأزق العقيدي والسياسي للعلمانية العربية، فالسعي إلى علمنة الدولة التي يبني عليها محمد أركون –كما سنرى- آمالاً كبيرة، أي تسليحها بعقيدة وضعية خاصة، في مقابل العقيدة أو التنوع العقائدي السائد على مستوى المجتمع، وكأنه نكوص نحو الماضي، لا يختلف كثيرا عن النكوص الذي يمثله السعي إلى إعادة بناء الدولة حسب النموذج التاريخي(64). فالدولة العلمانية تضع الصراع العقائدي في مقدمة الصراع السياسي، وأحياناً بديلاً عنه، وبالتالي تدفع بالمعركة الإصلاحية إلى طريق مسدود كما يقول غليون. يتفق غليون مع العروي، بالقول إن الهدف هو بناء الدولة ذاتها، لأن كل دولة في نظره دنيوية ومدنية. وهذا ما لم يدركه المثقفون العرب والذين ما زال قسم كبير منهم يناحر وحش الدولة الاستبدادية العلمانية الجديدة، فالمشكلة ليست محاججات نظرية بين المثقفين، ولا حجج عقلية أو تاريخية بحسب برهان غليون، بل تتعلق المسألة بتعيين الأسس الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع والسياسة على السواء"(65)، وهذا ما انتبه إليه العروي كما رأينا في فقرة سابقة وما أهمله جيش المثقفين والمفكرين الذين راحوا يناصرون الدولة العلمانية على عماها، ويقرؤون بصورة انتقائية التراث التنويري العربي الممتد من علي عبد الرزاق إلى طه حسين إلى محمد أحمد خلف الله(66). يعزو غليون استمرارية إشكالية الدين والدولة في خطابنا المعاصر إلى غياب مفهوم الدولة وضعف الاشتغال عليه من قبل الحركات الإسلامية المعاصرة. وكذلك غياب مفهوم السياسة من قبل الحركات العلمانية كنشاط متميز عن الدولة أو عن الصراع من أجل السلطة(67) 0ومن هنا نفسر دعوته إلى ضرورة التمييز بين السياسة والدولة، وليس الدين والدولة، والذي من شأنه أن يوفر المناخ لبلورة مفهوم الدولة الديمقراطية التي تجعل من السياسة حقلاً مستقلاً، لنقل حقلاً من إنتاج المجتمع بحيث تنحصر وظيفة الدولة في تنظيم هذا الحقل كمجال حيوي للمجتمع السياسي المرتقب الذي يهيأ القاع للنهوض بالدولة والمجتمع، ولحماية المجتمع من فك الدولة وغولها المفترس(68). إذا كان غليون قد بين مأزق الدولة العلمانية، فإن الشيخ راشد الغنوشي يرفضها نهائيا ويصفها ب"دولة التجزئة العلمانية الدكتاتورية" وينعت نخبتها السياسية بـ"الكهنوت الجديد"(69) الذي يسعى إلى فرض دينه الجديد على المجتمع العربي الإسلامي عنوة، وهذا ما يثير مخاوف وقلق الشيخ راشد، الذي يبدي في الحقيقة قلقاً مضاعفاً من واقع عربي، ينوس بين بين، بين الدكتاتورية العلمانية التي تزعم الحداثة والتقدم وبين الدكتاتورية الدينية والتعبير له التي تجعل من الدولة الإسلامية أصلاً من أصول الدين، وتنتهي بالتالي إلى ممارسة مزيد من الغلو والتطرف. وفي محاولة منه للانعتاق من هيمنة الاستبداد الفكري الذي تمارسه الحركات الإحيائية الإسلامية التي ترى في الدولة شأناً عقيدياً، ومن هيمنة استبداد الدولة العلمانية التي صادرت المجتمع العربي والحياة العربية، راح الشيخ الغنوشي يصيغ بيانه الجديد عن " الحريات العامة في الدولة الإسلامية، 1993" وأشير إلى كتابه الصادر مع بدايات عقد التسعينات من القرن المنصرم والذي يحمل العنوان السابق. فمن وجهة نظر الشيخ راشد، أن السلطة في الإسلام ضرورية، لأن سنن الاجتماع تقتضي ضرورة قيام السلطة من وجهة نظره هي قيامة الدين. فللسلطة كما يقول " وظيفة اجتماعية لحراسة الدين والدنيا، وأن القائمين عليها ليسوا إلا موظفين وخداماً عند الأمة"(70)، فالدين أسٌّ والسلطان حارس. ويضيف الغنوشي "السلطة بهذا الاعتبار، سلطة مدنية من كل وجه، لا تختلف عن الديمقراطية المعاصرة إلا من حيث علوية سيادة الشريعة أو التقنين الإلهي"(71). إذا ضربنا صفحاً عن هذا الخلط بين الدولة والسلطة الذي يجعل منهما وجهان لحقيقة واحدة في خطاب الغنوشي، فإن خطاب الغنوشي يثير الحيرة ويدفع إلى التناقض، بين ضرورة الدولة كونها من سنن الاجتماع وبين وظيفتها التي تكمن في حراسة الدين وإذكاء مثله الأعلى. بين ديمقراطيتها التي عليها أن ترعى المجال السياسي للأحزاب بمختلف أشكالها، وبين نزوعها الديني الذي يجعل منها دولة دينية، وبين هذا وذاك، يظل خطاب الشيخ راشد توفيقياً، والتوفيقية تأتي من كونه يفكر في المثال على حساب الواقع التاريخي، لأن الواقع التاريخي يقول إن الدولة لم تكن حارسة للدين بل هو الذي حرسها وهذا ما سنراه لاحقاً في أطروحة رضوان السيد في هذا المجال، أضف إلى ذلك إن مقولة حراسة الدين مستعارة بالجملة من ثقافة أخرى لم ينتبه الغنوشي إلى جذورها البعيدة، فسعى عبر ذلك إلى التوليف بين الماضي والحاضر، لنقل بين السلطة الدينية والديمقراطية على أمل أن يجد في ذلك مخرجًا على طريقة عمارة، يرضى به الطرفان ويساهم في خروجنا من نفق الاستبداد الذي تحاصرنا به دولة الاستبداد التي قطعت مع كل العقود التي يسعى الغنوشي إلى تسويرها بها من خلال قوله بأن "الإمامة عقد" أ

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  المشاكل الاقتصادية للمجتمع من اثر الطلاق

 ::

  كيف يمكن ترشيد الإنفاق الحكومي

 ::

  كيف نشجع المصريين في الخارج على تحويل مدخراتهم ومواجهة مخططات الإخوان لجذب هذه المدخرات وضرب الإقتصاد

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  تداعيات الحراك السوري على العلاقات التركية الروسية

 ::

  الحماية التأديبية للمال العام

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي

 ::

  دور البرادعي في تدمير العراق وبث الفوضى في مصر


 ::

  طقوس شم النسيم عاده فرعونيه أصيله

 ::

  كشٌاف فنزويلي

 ::

  من هنا.. وهناك 17

 ::

  زمن الكوابح لا المفاوضات

 ::

  الإقتصاد الصيني .. إلى أين ؟

 ::

  هل مصر تستعيد دورها؟؟؟

 ::

  كوكتيل

 ::

  منظمة التحرير هي الكيان السياسي الفلسطيني (2)

 ::

  مفكرٌ للأمة

 ::

  انظر للشرق واذكرني



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  هل انتهى تنظيم داعش حقا؟!

 ::

  الصهيونية فى العقل العربى

 ::

  30 يونيو .. تلك الأيام !!

 ::

  سوريا والعالم من حولها قراءة لما لا نعرف!

 ::

  تداركوهم قبل لبس الأحزمة

 ::

  الجنسية مقابل الخيبة

 ::

  اليمن .. الشرعية التي خذلت أنصارها

 ::

  الدستور الإيراني والإرهاب

 ::

  في إنتظار الإعلان عن وزير أول تفرزه مخابر ما وراء البحار

 ::

  الغنوشي والإخوان.. ميكافيلية تجربة أم فاتورة فشل!

 ::

  المسلمون وداعش وكرة القدم

 ::

  تداعيات التغيرات الداخلية بأضلاع مثلث الاقليم

 ::

  الصهيونية والرايخ (الامبراطورية) الثالث

 ::

  بين تركيا ومصر.. درسان مهمان






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.