Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

مكتبة البصرة في أمانة أمينة
كاظم فنجان الحمامي   Tuesday 19-03 -2013

مكتبة البصرة في أمانة أمينة عملت (عالية) منذ عام 1994 بوظيفة أمينة في المكتبة المركزية العامة في البصرة, فكانت حقاً أمينة عليها وعلى مقتنياتها لمدة أربعة عشرة عاماً, كانت فيها المكتبة ملتقي عشاق العلوم والفنون والآداب, وملاذهم وواحتهم وديوانهم وحديقتهم الزاخرة بالكنوز والنفائس. .
شعرت (عالية) بالقلق عندما سمعت قرع طبول الحرب خلف حدودنا مع الكويت وفي قاعدة السيلية بقطر, فتراكمت المخاوف في قلبها الذي أرهقته الهجمات الصاروخية الضارية, وتجددت جراحها القديمة التي عمقتها الغارات الجوية العشوائية في الحروب السابقة, كانت تخشى على محتويات مكتبتها من نيران الخراب, وتخشى عليها من قطعان الدمار في بلد مزقته الحروب والمعارك, وتفشى فيه الجهل والتخلف. .
تحولت البصرة بين ليلة وضحاها إلى جبهة حربية من جبهات القتال والمواجهات الساخنة مع الغزاة الزاحفين نحوها براً وبحراً وجواً من الثغور والممرات التي فتحتها لهم دولة الكويت على مصاريعها, فقرر محافظ البصرة الجديد (وليد توفيق) في خطته التعبوية اختيار بناية المكتبة المركزية كموقع بديل له ولقيادات البصرة, وهكذا تحولت المكتبة إلى ثكنة حربية يتجحفل فيها المحافظ وفرق الدفاع المدني, وسرايا الإسناد, وفصائل الحمايات المدججة بالسلاح, وتوزعت منظومات الدفاع الجوي ذات الفوهات الرباعية فوق سطح المكتبة وفي حدائقها. .

أدركت (عالية) خطورة الموقف, فطلبت الأذن من المحافظ للسماح لها بنقل محتويات المكتبة إلى مكان آمن, فرفض طلبها ولم يسمح لها بمناقشة الفكرة, لكنها انتهزت غيابه وانشغاله في جولاته الميدانية الطويلة, وأخذت الأمور على عاتقها, فشرعت بنقل الكتب الثمينة سراً إلى منزلها في حي الكفاءات مقابل مخازن شركة نفط الجنوب في باب الزبير, فاعترض عليها الضابط المقرب من المحافظ, وبادر بإبلاغ وكيل المحافظ السيد (نجيب محمود), فقال الوكيل: أتركوا (عالية) تتصرف بالطريقة التي تراها مناسبة, فهي أعلم من غيرها بقيمة هذه الكتب التي لا تقدر بثمن. .

وفي السادس من نيسان (أبريل) عام 2003 وقع ما كانت تخشاه (عالية), إذ وصلت طلائع القوات البريطانية (جرذان الصحراء) إلى البصرة, وسمح البريطانيون للصوص بإطلاق عفاريت الفوضى الكامنة في نفوسهم المريضة, فانفلتت العفاريت من أوكارها, تخوض غمار الشر على هواها, حاملة بين مخالبها معاول التخريب والترهيب. .

اتصلت (عالية) هاتفيا بالمكتبة مرارا وتكراراً من دون أن تتلقى أي رد, فعلمت ان المكتبة أصبحت مهجورة تماماً بعد انسحاب المحافظ وجماعته من البناية, وأدركت إنهم تركوها عرضة للنهب والسرقة. .
لم تنم تلك الليلة, ولم يغمض لها جفن, فهرعت إليها صباح اليوم التالي 7/نيسان/2003, تشق طريقها وسط الركام والدخان والنيران المشتعلة في كل مكان, فوصلتها بشق الأنفس, لتجد شبابيكها محطمة, وأبوابها مفتوحة, ورفوفها منهارة فوق بعضها البعض, واكتشفت آثار السراق, الذين نهبوا المعدات الالكترونية والأجهزة الكهربائية والأثاث واللوحات, تاركين ورائهم الكتب والمراجع مكدسة في الصالات, مبعثرة في زوايا القاعات. متناثرة في أركان المبنى, فباشرت على الفور بنقلها إلى قاعات مطعم (حمدان) الملاصق لبنايتها, واستعملت الأكياس وستائر النوافذ للنقل السريع وبكميات كبيرة, على شكل رزم ملفوفة بالقماش, فانضم إليها الدكتور (الطبيب كاظم الربيعي), والمواطن البصراوي الشهم (أنيس محمد) صاحب مطعم (حمدان), واشترك معها أهل الغيرة والنخوة, فابلوا بلاءً حسناً في نقل 70% من الكتب إلى مخازن المطعم عبر جدار ارتفاعه سبعة أقدام, فخبئوها في المطعم, لم يثنهم قصف الطائرات, ودويها المرعب عن إتمام مهمتهم على الوجه الأكمل. .
كان (أنيس) وأخوته مضطرين للسهر على الكتب لتأمين حمايتها من الضياع والتلف, فالمطعم من الممتلكات الخاصة غير المشمولة ببرامج التخريب والنهب التي افتعلتها مخالب الطوابير المغرضة المتسللة إلى البصرة . .
استمرت حملات نقل الكتب من المكتبة إلى المطعم من دون انقطاع حتى ليلة الثامن عشر من نيسان (أبريل) 2003, وهي الليلة التي تعرضت فيها مكتبات البصرة كلها للحرق والتخريب والدمار, فاشتعلت بنيران هولاكو العصر الجديد, واشتعلت معها بعض مكتبات جامعة البصرة بفروعها وأقسامها التخصصية, ومكتبة الأكاديمية البحرية, والمكتبة العامة في المعقل, وتحولت المكتبة المركزية, التي تديرها (عالية) في صباح اليوم التالي إلى كتلة هائلة من الزجاج والرماد والأوراق المتطايرة في سحب الدخان الأسود. .
وقفت (عالية) تذرف الدموع على أطلال قلعتها المنهارة, ومكتبتها المهدمة, ومدينتها المحطمة, فسقطت مغشيا عليها من هول الصدمة, حملها الناس إلى ردهة العناية المركزة في مستشفى البصرة العام, وظهر بعد الفحص والتحليل انها تعرضت لأزمة قلبية حادة كادت أن تودي بحياتها. .
تماثلت (عالية) للشفاء, وعادت في الشهر السادس من العام نفسه لتنقل الكتب من مطعم (حمدان) إلى بيتها بشاحنات كبيرة استأجرتها لهذا الغرض, فخبأت الكتب في غرف النوم وصالات الاستقبال حتى الشهر العاشر من عام 2003, ثم أعادتها ثانية إلى مستقرها الأخير في بناية المكتبة, التي اكتمل بناؤها وتعميرها من جديد بمساعدات مالية سخية قدمتها المنظمات الثقافية العالمية بعد تأثرها وتعاطفها مع ما كتبته عنها المراسلة (شيلا) في الصحف العالمية. .

كانت المراسلة الأمريكية (شيلا ديوان Shaila K. Dewan) تراقب حملات إخلاء الكتب والمراجع, تسجل تحركات هذه المرأة البصراوية الشجاعة, تلتقط لها الصور, لاحقتها سراً حتى بيتها, فشاهدت الكتب مكدسة في كل مكان من المنزل, على الأسرة وفي الدواليب والشبابيك والطاولات وفوق الأرض, بهرها المشهد فوقفت مندهشة, متعجبة من حرص (عالية) على حماية التراث الفكري والثقافي والعلمي لمدينتها, التي نهشتها غربان الشر, فكتبت مقالة عن تضحياتها, نشرتها جريدة (نيويورك تايمز) بعددها الصادر في السابع والعشرين من تموز (يوليو) 2003. .
قرأت الكاتبة الأمريكية (جانيت ونتر Jeanette Witer) ما كتبته (شيلا) عن بسالتها وشجاعتها, فحفزتها لكتابة أروع قصة للأطفال باللغة الانجليزية, حملت عنوان (أمينة مكتبة البصرة (The librarian of Basra , نشرتها مؤسسة (هاركورت) عام 2005, وفازت بالجائزة الأولى في تلك السنة كأفضل قصة أمريكية للأطفال, ثم ترجمت في العام التالي إلى اللغة الايطالية لتنال أعلى الجوائز في مهرجان (Minimondi) المقام بمدينة (بارما) في الثامن عشر من شباط (فبراير) 2006, وكانت (عالية) نجمة المهرجان المحتفى بها, فكرمتها اللجنة المنظمة بدرع المهرجان, ثم ترجمت القصة إلى الفرنسية والاسبانية والروسية واليابانية, وتبنت السيدة سوزان مبارك ترجمتها إلى اللغة العربية, لكنها لم تترجم مهنيا ووطنيا إلى (اللغة العراقية) حتى يتعلم منها أصحاب المناصب الزئبقية مبادئ التضحية والإيثار. .

ولدت عالية محمد باقر كاظم الخفاجي في مدينة المعقل بالبصرة عام 1952, أنهت دراستها الابتدائية في مدرسة الميناء المختلطة, وأكملت المرحلة المتوسطة والثانوية في متوسطة المعقل, وثانوية المعقل للبنات, ثم التحقت بالجامعة المستنصرية ببغداد, ونالت منها شهادة البكالوريوس في علم المكتبات. .
كان والدها (محمد) موظفا في الموانئ العراقية, يسكن شارع الأثل بالمعقل, وهو من قبيلة خفاجة من المراونة (آل عصيدة), فعملت (عالية) بعد تخرجها عام 1975 في مكتبة الموانئ العراقية, وظلت على ملاكها حتى عام 1983, ثم انتقلت إلى محافظة ذي قار للعمل كأمينة لمكتبة مدينة الرفاعي (نسبة إلى السيد أحمد الرفاعي), عادت ثانية إلى البصرة عام 1989 لتعمل كأمينة لمكتبتها المركزية على ملاك وزارة الحكم المحلي, وظلت في منصبها هذا حتى عام 1994, ثم ارتقت السلم الإداري لتصبح المديرة العامة لمكتبات البصرة حتى يومنا هذا. .

نجحت بجهودها الشخصية في تأسيس مكتبة الطفل, وقطعت شوطا كبيرا في حفظ المخطوطات, وخصصت جناحا منفردا للكتب والمؤلفات التي حملت لمسات أدباء البصرة وعلمائها, وفي نيتها تأسيس مكتبة شاملة لتراث البصرة وتاريخها السياسي والتجاري والملاحي والزراعي والفني والأدبي. .
نالت أعلى درجات التكريم من المؤسسات العالمية والعربية, وسطع نجمها في دنيا المكتبات, فتألقت واشتهرت على الصعيد العالمي والعربي, لكنها لم تتلق حتى الآن أي تكريم من المؤسسات العراقية, ولم تلمس الاهتمام الذي تستحقه من المنظمات الوطنية العراقية, ولسنا مغالين إذا قلنا إننا شعرنا أنها تعيش ظروف الغربة والاغتراب في مدينتها, فلم تكن بمنأى عن المنغصات والمضايقات, حالها حال أي مبدع في هذا البلد العجيب. .
ختاما نكرر ما كتبه عنها الأديب (رحيم بور) مدير المكتبات في الأحواز بخط يده في الشهادة التكريمية, التي منحها لها:
لأنك أنت النور في زمن الظلمات, والسفينة التي أنقذت العلم والمعرفة والتراث القيم من بحر الضياع, إن ما قمت به من عمل جبار, ومبادرة عظيمة تنبع من رسالتك الإنسانية النبيلة, التي يتشرف بها كل وطني غيور, إن الأمانة التي جعلتها نصب عينيك ذات شأن عظيم وأجر كريم, فأنتِ أهل للإجلال والتقدير, يدين لك الجميع بالشكر والامتنان والعرفان. .

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  السومريون وارتباطاتهم الفضائية المذهلة

 ::

  وأخيراً اعترف البعير

 ::

  من (أور) إلى (أورو)

 ::

  الطبري وكأس أوربا

 ::

  أتعلم هيلاري ولا يعلم نبيل ؟

 ::

  جزر ومضايق عربية للبيع

 ::

  زعماء عرب عند حائط المبكى

 ::

  أشرس المعارك المينائية المستقبلية..معركة الفاو وقناة السويس

 ::

  نداء متجدد فوق الفنارات المهجورة


 ::

  أخبار وعناوين من فلسطين

 ::

  براءة براءة "أكابر "... مكافآت لقتلة الأحلام الوردية في مهدها

 ::

  الانزلاق الغضروفي .. خطأ شائع لا علاقة له بحقيقة المرض

 ::

  المطلوب حكم لا حكومة

 ::

  «خريف الجنرال» عمير بيريتس!

 ::

  كفاك تضليلاً سيادة الرئيس!!

 ::

  إدعموا الفانوس المصري الأصيل في هذه الحرب الثقافية

 ::

  الجلاد الأمريكي والرأس التركي

 ::

  الآعيب النظام المصرى المكشوفة

 ::

  الأدب في خطر !



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  فشل الانقلاب التركي و مسرحية تمرير اتفاقية مع إسرائيل وتصفية المعارضين من الجيش

 ::

  تركيا وقادم الأيام،،هل يتعلم أردوغان الدرس

 ::

  عملاءٌ فلسطينيون مذنبون أبرياء

 ::

  رباعيّة المجتمعات الحديثة الناجحة

 ::

  الملف اليمني يضيف فشلا آخر إلى رصيد بان كي مون

 ::

  من (أور) إلى (أورو)

 ::

  خروج بريطانيا والتمرد على النخب

 ::

  العلمانية والدين

 ::

  مقترحات لمواجهة عجز الموازنة

 ::

  ماذا يريد نتانياهو من روسيا؟

 ::

  ترامب .. وهواجس الزعيم في العالم

 ::

  الواقع الاجتماعي والسياسات الاقتصادية

 ::

  العامل الحكومي وحرية الباحث

 ::

  هلوسات وشطحات






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.