Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

استشهاد الشيخ أحمد ياسين والزيارة الأخيرة لأمريكا
أ.د. محمد اسحق الريفي   Sunday 25-03 -2012

استشهاد الشيخ أحمد ياسين والزيارة الأخيرة لأمريكا كنت في جامعة ويسكونسن - أوكلير University of Wisconsin - Eau Claire أقضي إجازة التفرغ العلمي sabbatical عندما هاتفتني زوجتي من غزة وأخبرتني أن العدو الصهيوني اغتال الإمام الشهيد الشيخ أحمد ياسين في مارس/آذار 2004، عندها كظمت غيظي وتمالكت نفسي ولم أعبر لزوجتي عبر الهاتف عن مشاعر الغضب والحزن والإحباط التي غمرتني، خشية من قمع المخابرات الأمريكية، التي كانت تتنصت على الهاتف وتراقب رسائل البريد الإلكتروني الصادرة والواردة من حسابي في الجامعة.

كنت أقيم في ذلك الوقت في بيت خاص بالجامعة ينزل فيه ضيوفها الوافدون من جميع البلاد ضمن أنشطة أكاديمية وتعليمية ممولة من مؤسسات أهلية وحكومية أمريكية، وكان يقيم معي في البيت أستاذ من جورجيا اسمه "تيموراز" وآخر من ألمانيا وثالث من الصين. وكنت أتجنب الخوض في المواضيع السياسية عند الحديث مع الناس في البيت وخارجه وفي الجامعة وخصوصا "تيموراز"، الذي أخفيت عليه علمي بخبر استشهاد الشيخ أحمد ياسين، تجنبا للدخول في جدل سياسي معه، ولا سيما أن "تيموراز" كان متعاطفا بشدة لحد الجنون مع (إسرائيل). أما الزميل الألماني، فقد كان متعاطفا مع الشعب الفلسطيني، إلا أنه كان لا يكترث بالأمور السياسية، مثله في ذلك مثل البروفيسور الصيني، الذي كان مشغولا في أبحاثه الأكاديمية.

وبعد عدة ساعات، جاء "تيموراز" ليخبرني عن جريمة الاغتيال الدموية التي نفذها جيش الاحتلال الصهيوني ضد الشيخ أحمد ياسين، وقال لي هل تعلم ماذا حدث اليوم؟ فقلت له ماذا حدث؟ فقال لقد تخلصوا من أكبر إرهابي في العالم. فسألته عن اسمه، فأجابني: أحمد ياسين. فقلت له هل تعلم من هو هذا الذي تصفونه بالإرهابي الكبير؟ فقال نعم إنه الإرهابي الذي يرسل الشباب ليفجروا أنفسهم في الحافلات الإسرائيلية ويقتلوا المدنيين من الأطفال والنساء الإسرائيليين. فقلت له وهل تصدق الإعلام المضلل الذي ينشر مثل هذه الأكاذيب والشائعات؟ وهل تعلم أن الشيخ أحمد ياسين كان مشلولا من القدمين وحتى الرقبة وأنه لا يستطيع التحرك إلا على الكرسي المتحرك بمساعدة الآخرين؟ ثم وجهت له سؤالا آخر: هل تعلم أن الشيخ أحمد ياسين يساعد المحرومين ويطعم الجائعين وينشئ رياض الأطفال والمجمعات الطبية والمدارس والجامعات ولجان الزكاة وغير ذلك مما له أثر كبير على تخفيف معاناة شعبنا الفلسطيني الذي يتعرض لعدوان همجي ووحشي متواصل من المحتل الصهيوني؟! عندها بدت على وجه "تيموراز" علامات الذهول، إذ لم يكن يعرف ظروف الشيخ أحمد ياسين الصحية وأعماله الإنسانية، ولكن تأييد "تيموراز" الأعمى للاحتلال أعمى بصيرته وجعله يصر على أن المحتل الصهيوني ضحية للإرهاب الفلسطيني وفق ما يروج الإعلام الغربي.

احتدم النقاش بيني وبين "تيموراز" لحد الخصومة، وأدركت أنه كان يحمل كراهية دينية ممزوجة بالحقد الشديد على شعبنا الفلسطيني، إذ كان يعد "تيموراز" نفسه يهوديا ويفتخر بما يسمى (إسرائيل) ويؤيد عدوانها ضد شعبنا. وكان ينظر إلى مقاومة شعبنا ضد الاحتلال على أنه إرهاب، ولم يفكر مرة واحدة بموضوعية في الاحتلال الصهيوني لأرضنا وعدوانه على شعبنا، بل لم يخطر بباله أن اليهود احتلوا فلسطين وشردوا شعبها ولا يزالون يسببون له المعاناة المؤلمة والقاسية.

واستمر الجدال بيني وبين "تيموراز" لمدة ساعة ونصف الساعة، بح خلالها صوتي وكدت أفقده تماما، وكنت أتكلم بصعوبة لأرد على اتهاماته الباطلة، ولكنني دافعت ببسالة عن شعبنا وعن الشيخ أحمد ياسين. وحاولت جاهدا إقناع "تيموراز" بأن اغتيال الشيخ ياسين وتحويل جسده إلى أشلاء مبعثرة على الأرض فور خروجه من المسجد جريمة لا مثيل لها في العصر الحديث، وأن السكوت على هذه الجريمة إنما ينم عن جهل وحقد وكراهية دينية غير مبررة ضد شعبنا، ولكن "تيموراز" لم نظر باستهزاء إلى ما أقول، لأنه كان مشحوناً حتى النخاع بالدعاية الصهيونية والكراهية اليهودية ضد العرب والمسلمين والفلسطينيين تحديداً.

وتركز النقاش بعد ذلك مع "تيموراز" حول حق شعبنا في مقاومة الاحتلال بكل السبل المتاحة له، ودافعت عن المقاومة والمجاهدين. وكان "تيموراز" ينتقد بشدة العمليات الاستشهادية في عمق (إسرائيل)، زاعماً أن الاستشهاديين إنما يقتلون الأبرياء الصهاينة واليهود على حد زعمه، وأن الشيخ أحمد ياسين يتحمل مسؤولية تلك العمليات الاستشهادية، لأنه بحسب زعم "تيموراز" كان يرسل الاستشهاديين لتنفيذ العمليات الاستشهادية ضد المحتلين. أخبرت "تيموراز" بأن العمليات الاستشهادية إنما تستهدف من يحتل أرضنا ويعتدي علينا ويسعى لإلغاء وجودنا، وأن هذه العمليات هي حق ومقاومة مشروعة وفق القانون الدولي والمعاهدات والمواثيق الدولية، فهي تأتي في إطار الدفاع عن النفس والأرض والحقوق، وتستهدف عسكرين ومدنيين يهود وصهاينة محتلين لأرضنا، وهؤلاء ليسوا أبرياء.

وتجدر الإشارة إلى أن "تيموراز" هو أصلا من "تبليسي" في جورجيا، المدينة التي تحتلها القوات الروسية، وهو يؤمن بحق جورجيا في مقاومة الاحتلال الروسي، ولكنه ينكر هذا الحق لشعبنا الفلسطيني، ويعد مقاومة الفلسطينيين للاحتلال إرهابا، لأن "تيموراز" ينظر إلى الصراع العربي-الصهيوني من زاوية أيديلوجية مبنية على عنصرية يهودية وكراهية دينية.

بعد نحو خمسة أشهر من عملي في جامعة ويسكونسن - أوكلير، قررت القيام بزيارة سريعة لغزة، لأطمئن على زوجتي وأبنائي الذين كاد شوقي لهم يذهب بعقلي، ولا سيما أنني كنت أعيش في مدينة صغيرة تتحول إلى مدينة أشباح في عطلة نهاية الأسبوع، وهي مدينة أوكلير في ولاية ويسكونسن، وهي تقع على الحدود الأمريكية الكندية، ولا يبقى في حرم الجامعة أثناء الإجازات إلا الطلاب والزائرون الأجانب، وهم قلة.

أخبرت الجهة المسؤولة عن منحتي، وهي مؤسسة Fulbright، بنيتي السفر إلى غزة لمدة لا تزيد عن أسبوعين، وقمت بعمل الإجراءات اللازمة، واتصلت بشركة السفر لتأكيد موعد السفر. اختارت شكرة الطيران مطار المغادرة بناء على تعليمات تلقتها بشأن سفري من جهات أمنية مختصة، واستغرقت عملية تأكيد السفر أكثر من نصف ساعة، ما جعلني أشعر بالقلق الشديد.

وصلت إلى غزة بعد رحلة طويلة وشاقة، تعرضت خلالها إلى تفتيش مذل من قبل أمن المطار الأمريكي، وتعرضت إلى أسئلة تتعلق بسبب سفري إلى غزة وطبيعة عملي وكمية ما أحمل من مال، ولم أكن أحمل إلا ما ادخرت خلال عملي في الجامعة. سعدت بلقاء عائلتي وأقاربي وأصدقائي طيلة عشرة أيام قضيتها معهم في غزة، قام جيش الاحتلال خلالها باغتيال رئيس حركة حماس الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي. كانت عملية الاغتيال صاعقة لي ولمعظم أبناء الشعب الفلسطيني، وكانت خسارة شعبنا كبيرة بفقدان أحد أبرز قيادات حركة حماس. وبدأت أشعر بقلق شديد من حدوث اضطرابات تعيق سفري إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان الطلاب ينتظرونني لاستئناف التدريس، وكان علي إتمام مشروع البحث حول "استخدام التكنولوجيا لتدريس مساقات الرياضيات في الجامعة."

سافرت إلى القاهرة في 17 إبريل 2004، ومن هناك انطلقت إلى باريس متجهاً نحو الولايات المتحدة الأمريكية. وجدت في مطار تشارل ديغول في باريس صعوبة كبيرة في إتمام إجراءات السفر، على غير ما اعتدت قبل ذلك خلال مروري بالمطار أو سفري إلى فرنسا، حيث لم أتعرض قبل ذلك إلى أية مضايقات أو تحقيق. وفي النهاية سمحت لي شرطة المطار بالصعود إلى الطائرة، بعد عناء كبير، وانطلقت الطائرة صوب الولايات المتحدة الأمريكية.

وصلنا إلى مطار أطلنطا في ولاية جورجيا بعد نحو 8 ساعات من الطيران المتواصل انطلاقا من باريس، وكنت أشعر بالإرهاق الشديد، وكنت أنتظر على أحر من الجمر إتمام إجراءات السفر في مطار أطلنطا لمواصلة السفر إلى مدينة "أوكلير"، وكان أحد أصدقائي ينتظرني في المطار. كانت إجراءات السفر بالنسبة للعرب والمسلمين في ذلك الوقت معقدة جدا، وكانت شرطة المطار تعامل المسافرين العرب والمسلمين معاملة خاصة مهينة، حيث التفتيش، والتحقيق، والانتظار في مكان خاص، وتصوير الوجه، وأخذ بصمات الأصابع، وتعبئة طلبات خاصة... وهكذا. وفي حالات كثيرة، كانت شرطة المطار الخاصة بالهجرة والسفر تستعين بمترجمين لاستجواب العديد من المسافرين العرب والمسلمين، وكان المسافرون العرب والمسلمون يفقدون رحلاتهم بسبب ذلك ويضطرون إلى قضاء أيام وليال في المطار في ظروف مهينة.

بدأت في إتمام الإجراءات المطلوبة لمواصلة السفر إلى أوكلير من مطار أطلنتا، غير أنني لم أستطع إكمالها، لأن شرطة الأمن في المطار طلبت مني العودة إلى مطار القاهرة، ولم تسمح لي بدخول الولايات المتحدة رغم أنني كنت أحمل تأشيرة محترمة، ولم يكن هناك سبب مقنع لهذا الإجراء التعسفي، حيث زعمت سلطات الهجرة أنني لم ألتزم بتعليماتها عندما سافرت من أوكلير إلى غزة، وأنني لم أغادر الولايات المتحدة من المطار المحدد لي!

طلبت من أمن المطار منحي فرصة للتواصل مع مؤسسة Fulbright، فرفضوا، وطلبت منهم منحي حقي في رفع دعوة قضائية ضد إجراءاتهم التعسفية، ولكنهم أخبروني بأنهم على استعداد لتوفير محام على نفقتهم لمتابعة قضيتي، ولكن عليّ – كما أخبروني – أن أنتظر في المطار لمدة لا تقل عن شهرين! عندها طلبت منهم العودة فوراً إلى غزة، فأدخلوني في زنزانة خاصة إلى أن جاء موعد العودة بعد نحو ثلاث ساعات قضيتها في الزنزانة.

عدت إلى غزة بعد عناء كبير بسبب الإجراءات الأمنية في مطار باريس، واستغرقت رحلتي إلى ثمانين ساعة متواصلة من السفر دون نوم أو راحة.

تلقت جامعة ويسكونسن – أوكلير خبر ما حدث لي بالصدمة والأسف الشديد، وتواصلت الجامعة مع شخصيات رسمية رفيعة المستوى للوقوف من كثب عن الحادث، ولكنهم لم يتوصلوا إلى شيء غير ما قالته لي شرطة أمن المطار من أنني لم أغادر أوكلير من المطار المحدد لي!

ثم تبين لي بعد ذلك من مسؤول مكتب الزائرين الأجانب إلى جامعة ويسكونسن – أوكلير أن أحد الأشخاص أوشى بي وكتب تقريرا خاصا بي وقدمه إلى المخابرات الأمريكية. وتأكدت بعدها أن هذا الشخص هو "تيموراز"، حيث كتب تقريرا ضدي وقدمه للمخابرات الأمريكية حول ما دار بيني وبينه من جدال حول استشهاد الشيخ أحمد ياسين. وكانت تلك زيارتي الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية!

22/3/2012

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  التخابر الأمني مع العدو والقابلية للسقوط

 ::

  من الربيع العربي إلى الحرب العالمية

 ::

  عندما يجتمع الطغيان والزندقة في قائد الثورة..!

 ::

  الولايات المتحدة في مواجهة إعصار التغيير العربي

 ::

  الدعم الأمريكي للاستبداد.. النظام المصري مثالاً

 ::

  أطلق لثورتك العنان لتستعر

 ::

  السقوط الأمريكي في طوره الثالث

 ::

  غدا يعانقني انتصاري

 ::

  وماذا تقول ويكيليكس في إبليس؟!


 ::

  يجب تفعيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك في ظل الهجمات الإرهابية المتكررة؟

 ::

  بمساعدة ودعم الفقراء.. يمكننا تقليل الكوارث الطبيعية

 ::

  أرونا ماذا لديكم

 ::

  خبير تناسليات مصري: 100 مليون رجل في العالم 'ما بيعرفوش'!

 ::

  التصور الشعبى للقرارات الصعبة التى وعدنا بها الرئيس

 ::

  فرنسا تضيق الخناق على الكيان الصهيوني

 ::

  الانهيار المالي سينهي حرب بوش–تشيني على العراق

 ::

  نتنياهو قلق على إرث بيغن

 ::

  السيميائيات الجذور والامتـدادات

 ::

  بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.