Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

أربع ساعات وعينيك
مجدولين جبريل   Tuesday 27-06 -2006

صباح جديد... ربما سيكون مختلفاً عن سابقيه... رغم شكي بذلك إلا أنني فتحت عيني هذا الصباح وكلي أمل بنهار مشرق وجميل... نظرت إلى ساعتي... ما زالت تشير للخامسة والنصف صباحاً... بقي لموعد نهوضي من السرير نصف ساعة ولكني لم أعد نعسانة، لذا أطفأت المنبه خوفا من أن يرن ويزعج أختي اللتان تغطان بنوم عميق... فاليوم عطلة بسبب الانتخابات ولن تذهبا للجامعة...
تثاءبت وانسللت من سريري بهدوء... وتوجهت نحو المطبخ لوضع إبريق الماء على الغاز... وذهبت للحمام... وقفت أمام المرآة أنظر لوجهي... رغم أنني اقتربت من منتصف عقدي الرابع إلا أن ملامح وجهي توهم من يراني بأني ما زلت في العشرينات من عمري وربما أصغر... هذه خصلة اكتسبتاها من والديّ... بعد أن غسلت وجهي ذهبت لأحضر فنجان القهوة... لأجلس على الشرفة قليلا... لأن الوقت ما زال مبكراً...
استقبلني قطي الأسود السمين وبدأ بفرك رأسه بطرف منامتي.. ابتسمت له ووضعت قطعة من الكعك في طبقه... هجم عليها يفترسها.. بعد أن أنهيت قهوتي ذهبت لأستعد للخروج نحو العمل.. وبعد أن ألقيت نظرة أخيرة على ملابسي... و قرأت ملاحظات والدتي لي ولأختي على الثلاجة، لأتأكد بأنها لا تطلب مني شيئاً هذا اليوم... خرجت نحو حديقة منزلنا... وقفت أمام نباتات الصبر التي تزين المدخل وابتسمت... لقد أهداني هذه الصبرات حبيب وصديق عزيز قبل عشر سنوات... قال لي طالما أحبك وتحبيني ستبقى هذه الصبرات صامدة... تستمتع بالحياة... وهو لم يكذب فنبات الصبر لا يحتاج لكثير من العناية... ولكنه يحتاج لقليل من الاهتمام.. ولابد من بثه القليل من المشاعر والكلمات الرقيقة... قرأت هذه المعلومة في كتاب وظننتها في البداية طرفة أو مجرد كلمات... ولكن بعد عشر سنوات تأكدت من صدق هذه المعلومة… فأنا ما زلت أحبه… ومتأكدة من أنه بقي يحبني لآخر لحظة في حياته…
مسحت الدمعة التي خانتني وتدحرجت على طرف خدي الذي اشتعل محمراً لذكرى صديق وحبيب استشهد فطواه التراب… ولم يطوه قلبي… نظرت إلى سيارتي المتوقفة أمام الباب والتي لم أعد أستخدمها للمشاوير البعيدة لأن ثمن الوقود ارتفع و الموصلات أصبحت أسهل في حالة لم يوقفنا الجنود على الحواجز الثابتة أو على الحواجز الطيارة…
وقفت أنتظر عند محطة الباص وأنا أمني نفسي بأن يكون سائق الباص الوسيم أو "الأمور" كما تسميه أختاي، من سيقلن هذا الصباح… وفعلاً كان هو… ابتسمت عندما صعدت إلى الباص ووضعت النقود في يده وألقيت عليه تحية الصباح… نظر إلى عيني مباشرة… ورد التحية بابتسامة ساحرة وأعطاني التذكرة شاكراً… بحثت عن كرسي أستطيع وأنا جالسة فيه مراقبة وجهه من خلال المرآة… تحرك الباص وجلست أتأمله كالعادة…
عينان واسعتان لونهما عسلي، وشعر أسود تتخلله شعرات بيضاء… وجه مربع أسمر يزدان بشفتين رقيقتين دائمتا الابتسام… واسمه محمد العابد… بهذا الاسم يناديه سائقو الباص في المحطة… لا يلبس في يديه أي خاتم… لقد راقبته جيداً فهي ليست المرة الأولى التي أركب فيها معه… فأنا وأختاي نتأمله ونركب معه منذ أكثر من عام… وأصبح قصة نتندر فيها كل مساء… بل أصبحنا نسأل بعضنا هل رأيت السائق "الأمور" اليوم؟ وكأنه جزء من العائلة..
جلست أراجع أفكاري... فمنذ يومين قررت زميلتي في العمل تقديم استقالتها... لقد أحزنني ذلك فقد تعودت عليها... رفيقة في هذا المكتب الموحش... نتحادث ونشرب القهوة ونعمل معاً لمدة عامين... ونحن كالأختين... أتذكر دموعها الغالية التي سقطت عندما أهديتها مسودة مجموعتي القصصية الأولى... التي لم يتسنى لي ولحد الآن نشرها... سأفتقد رائحة القهوة في المكتب... وصحن السلطة الذي تعده... وصوت فيروز الذي كان يمتع أذنينا كل صباح...
لقد قررت الاستقالة... لأنها أحست بأنها تضيع وقتها وعمرها في مؤسستنا العجيبة... فهي تعمل فيها منذ خمس أعوام ولم تستطع تغير أي شيء... أما أنا فربما بعد 100 عام لن أستطيع ترك هذه المؤسسة.... ليس لأني أحبها... بل لأني أحب الذكريات التي عشتها فيها...
باغتتني دموعي وجرت على طرف خدي... وانتبهت إلى أن "الأمور" يتطلع إلي بطرف عينيه... فسارعت بمسحها... لست أدري على ماذا أبكي...على حبيبي الذي خطفته يد الغدر قبل أن أفرح به... أم على زميلتي التي ستبتعد... وربما لن أستطيع لقاءها من جديد... أم ربما أنا أبكي الهم الوطني... ربما...
توقف الباص... في البداية ظننته سينزل أحداً... أو سيصعد أحداً... لكنه كان كما العادة حاجز إسرائيلي آخر... ولم تكن مفاجأة وجود عدد كبير من السيارات سبقتنا في الوقوف على الحاجز... قدرت بأنني لن أخرج من هذا الموقف قبل ساعات... لذا اتصلت بالعمل وأخبرتهم بأني مؤكداً سأتأخر... لحظتها تأملت الركاب حولي وقررت أن أحاول تمضية الوقت بتخيل ما يجول في خاطرهم... خاصة وأن فيروز بدأت بغناء "على هدير البوسطة"...
في البداية فكرت بـ "الأمور"... لكني قررت تركه للنهاية... وهذه المرة انتبهت إلى أنه يتأملني بشكل صريح... فحاولت أن أظهر عدم اهتمامي لكني كنت أمنع نفسي من الضحك بصعوبة... نقلت نظري نحو تلك الفتاة التي تجلس في المقعد الأول بجوار طفلة صغيرة... على الأغلب هي ابنتها... كانت ذات بشرة بيضاء... ليست جميلة ولكنها ملفتة للنظر... تلبس فستاناً أسود وتزين عنقها بسلسلة ذهبية تحمل صليباً صغيراً... وتربط شعرها الأسود كذيل حصان... منذ البداية وهي تحدق بالبعيد... تغطي ملمحها... آثار حزن جديد...
" لم أعد أستطيع الاحتمال... لماذا تركتني يا فادي؟؟؟ ماذا سأفعل أنا وهذه الصغيرة الآن؟؟؟ كنت كالملكة في حياتك... والآن أنا أرملة وحيدة... تبكي شبابها... ووحدتها... لماذا تركتني؟؟؟ ما زلت بحاجتك..."
تحرك الباص قليلاً ... وصوت هاني شاكر وهو يغني "حتخسري" قطع حبل أفكاري... وجعلني أنتقل بإلحاح لأنظر إلى عيني "العابد"... ماذا سيقول والدي؟؟ لو حضرت يوما وقلت له بأنني قررت الزواج من سائق باص... ربما لا يحمل شهادة الثانوية العامة... أنا التي أنهيت درجة الماجستير... وأحضر لنيل الدكتوراه... أظنه كان سيفاجأ وربما يرفض رفضاً قطعياً... ولكن ربما الحب يتخطى كل الفوارق؟؟؟ من أخدع؟؟ أنا حتى لم أكن لأوافق... ليس فقط بسبب الفارق الاجتماعي... فهذه لم تكن مشكلة في عائلتنا فأمي مدرسة... ووالدي عامل في ورشة... المشكلة بأن قلبي لم يتخطى حبي "لصاحب الصبر"...
"ربما هي تنظر إلي كما أنظر إليها... أعلم بأني جذاب... وألمح هذه الحقيقة في عيون جميع الفتيات اللواتي يركبن معي... لا ألبس في يدي خاتم... ولكني متزوج... لقد تزوجت ابنة عمي إرضاء لوالدي... مباشرة بعد أن أنهيت دراستي في الجامعة... وإرضاءً له أنا أعمل سائقاً على باص... فوالدي صاحب شركة الباصات... ستكون مفاجأة للجميلات اللواتي يركبن معي ويعتقدن بأني مجرد سائق باص جذاب..."
عدت لأنظر لتلك الفتاة التي تجلس في المقعد الأول... لقد انهمرت دموعها هذه المرة وانتبه لها السائق فقدم لها بعض المناديل الورقية... وعبد الحليم يغني... " أي دمعة حزن... لا... لا..."
"سامحني يا فادي... سامحني... لقد كنت رجلا رائع... لكني لم أحبك يوماً... لقد كنت بحاجتك وما زلت... ولكني لم أحبك... تزوجتك من أجل تلك السيارة الرائعة... والمجوهرات التي أغرقتني بها... وكنت تكبرني بعشرين سنة... ولكن بيتك الكبير جعلني لا أفكر إلا بالعشرين ألف دولار مهري... والآن أنا وحيدة... وهذه الصغيرة... ربما سينسيني المال الذي ورثته كل شيء... هذا إن ترك لي أولادك من زوجتك المرحومة شيء بعد صراعنا في المحكمة..."
تحرك الباص قليلاً... تفحصت الركاب من جديد... الباص ليس مزدحماً كنا عشرة ركاب فقط... أنا... والفتاة وابنتها... وهناك ثنائي مسن يجلس خلفي.. وثلاثة شباب صغار... مما يبدو بأنهم ما زالوا في المدرسة... وفتاتين جامعيتين... إحداهما تلبس جلبابا ومنديل... وزميلتها تلبس على الموضة من منبت شعرها إلى أخمص قدميها...
أحسست بأن السيدة العجوز تنظر إلي باهتمام... فعدلت من جلستي بحيث أصبحت أواجه النوافذ على الجهة المقابلة لمقعدي... وادعيت بأني أراقب قطيع الأغنام الذي يستمتع بدفء الشمس ونداوة العشب... وبقيت أنظر إليها بطرف خفي...
أمسكت السيدة العجوز بيد زوجها بحنان ولسان حالها يقول: "...." رن هاتفي وإذا بها والدتي تذكرني بشراء البازلاء البلدية لوالدي... لأنه يشتهيها... أخبرتها بأني لم أنسى... فقد أخذت معي نقوداً إضافية لأشتري البازلاء فور انتهائي من العمل... وبأني الآن على الحاجز...
عدت للسيدة العجوز التي ما زالت ممسكة بيد زوجها بحنان ولسان حالها يقول: " إن ما يحدث الآن يشبه الحلم... لو قلتم لي قبل 30 عام بأني سأقضي ما تبقى من عمري بجواره لما صدقتكم... لقد كانت ظروفنا صعبة جداً... كان قد تزوج بعد أن فقدنا الأمل بموافقة والدته عليّ... ومباركة والدي لهذا الزفاف... فقررنا البقاء أصدقاء... وقد كان صعباً عليّ أن أستمر بهذه الطريقة... أمام عيني وبعيد عني... فقررت السفر لأكمل دراستي في الخارج..."
وضع يده الأخرى على يدها بمحبة تظهر في عينيه... "أذكر بأنها سافرت وأحسست بأن روحي ستخرج من مكانها... وربما هي خرجت ولحقتها... ساءت حالتي واقتربت من الموت... فاحتارت زوجتي بي... واحتار الأطباء... ولكن أمي لم تحتار فهي كانت تعلم علتي.. وكانت زوجتي حامل بطفلتنا الأولى..."
تحرك الباص قليلاً للأمام... وقتها بدأ الشبان في المقعد الخلفي للباص بالغناء... "طلع الصبح ولك علوش... سبقونا هالحصادي..." التفت إليهم جميع من في الباص... وبصعوبة منع الجميع نفسهم من الضحك...
التفت اليهم " العابد"... وطلب منهم الهدوء... فأشار إليه الرجل العجوز... بأن اتركهم فليس هناك مشكلة بغنائهم...
واستمر الشباب بالغناء... وعندما أحسوا باهتمام الفتيات... ازداد حماسهم... وأصبحوا يغنون كل الأغاني التي يحفظونها.. ويضحكون بطريقتهم اليافعة الغريبة... نظرت إلى الفتاتين... " انظري إليهم ... يستطيعون الغناء والضحك والصراخ دون أن يقول لهم أحد لماذا وعيب... وأنت بنت... لا يصح... لقد لبست هذا الجلباب عن قناعة... ولست أراه مقيداً لحركتي بل أنا سعيدة بلبسه... ولكن أنا حزينة لأنه رغم لبسي للجلباب فإن الشباب لم يتوقفوا عن إرسال الكلمات لي بالهواء... صحيح أنا أحصل على عدد أقل من التعليقات التي تحصلين عليها... لكنهم يبتكرون التعليقات والمعاكسات... بعضها مقرف... وبعضها يجبرني على التماسك خوفا من أن تفلت مني ابتسامة.. أو نظرة مشجعة... لن تصدقي عندما سأقول لك ماذا قال لي الشاب الذي كان يجلس عند الموقف عندما صعدنا للباص... لقد قال لي: يا ليتني مسلم... وأطلب يدك... وأبوك يوافق... "
"هذه مشكلة سنبقى نعاني منه طوال الوقت... فنحن تربينا في مجتمع يعطي كثير من الحقوق للذكور ويحرم الإناث من الكثير... لكن يجب أن نحمد الله لأن أهلنا من الناس الذين يسمحون لنا بالدراسة... فربما لو كنا موجودين قبل 50 سنة... كنا على ما أعتقد قد أنجبنا كل واحدة فينا 5 أولاد أو 10... وما ألبسه الآن كان سيكون وصمة عار على جبين الأمة..." وضحكتا بهدوء... بحيث كان من الصعوبة علي... أن أسمع ضحكتهما... وابتسمت أنا الأخرى... وأنا أنظر للسيدة بالثوب الأسود...
"أخبرتني أمي... بأن "جاد" ابن الجيران شاب في مقتبل عمره... صحيح مؤدب ومحترم.. ومتعلم... وتربى معي... لكن وظيفته لن تطعمني خبز... لذا كان "فادي" خياراً مناسب لمستقبلي... لقد تألمت لنظرة خيبة الأمل التي ارتسمت على وجه "جاد" عندما أخبرته برفضي الزواج منه... وخيبته كانت أكبر عندما علم بزواجي من "فادي"... أنا مستغربة لماذا لم يتزوج للآن؟؟"
الآن "الأمور" قرر أن يشغل الراديو (المذياع)... وإذا بالمذيع بتحدث عن اقتحام قوات الاحتلال لمدينة رام الله... ومحاصرتهم لعمارة اللؤلؤة.. وبأن عدد الشهداء والجرحى بازدياد... عندها أحسست بأن أحد الأولاد في الخلف اضطرب اضطراباً شديداً ... " إن أخي يعمل هناك... لابد أن أتصل به..." ورأيته يحاول الاتصال به... مرة... ومرة أخرى دون فائدة... إن الشبكة تعاني من ضغط شديد الآن ومن الصعب تحصيل أي شخص الآن...
عاد المذيع ليخبرنا بأن سبب هذا الاقتحام هو محاولة إنقاذ عدد من المستعربين (هي وحدة تابعة لقوات الاحتلال يحمل أعضاءها ملامح عربية ويتنكرون بملابس العرب لينفذوا مهمات مختلفة في المناطق الفلسطينية) الدخلاء الذين كانوا يقومون باعتقال مطلوب لسلطات الاحتلال... وقد كشف أمرهم الشباب . المدينة... وحاصروهم في عمارة اللؤلؤة... وقد حصل إطلاق نار أدى لوقوع الشهداء... ولقد أغلقت مداخل مدينة رام الله والجيش يتدفق لداخل المدينة... والطائرات العمودية تحلق في السماء...
لاحظت الآن بأن الجميع يحاول استخدام الهاتف النقال دون جدوه... فالضغط على الشبكة كبير جداً... ولاحظت بأن حركة الجيش حولنا مريبة... وكان صوت الطائرات يدوي فوق رؤوسنا.... وفجأة هاتف الولد الذي يعمل أخيه في عمارة اللؤلؤة بدأ يرن... " أخي العزيز... هل أنت بخير؟؟؟ الحمد لله.. إذا أنت لست في العمارة... جيد.. لقد قلقت عليك... أنا ما زلت في الباص على الحاجز... لا لم أدخل بعد... لا تخف... انتبه لنفسك.."
كانت السيدة العجوز قد عدلت من جلستها... ونظرت بحنان للأولاد في آخر الباص... " عندما أنهيت دراستي عدت للبلاد... وعلمت بأن زوجته توفيت نتيجة حمى النفاس... وبأن والدته تعتني بالطفلة الصغير... وبأنه يعاني من حالة إكتآب شديدة.. أدت إلى ضعف جسده ورقوده بالمستشفى... أسرعت إليه ووجدته يرقد هناك فاقداً للوعي... ومقيداً بالأجهزة والمحاليل الطبية... جلست بجوار سريره باكيةً سوء حظي وحظه..."
عاد المذيع ليخبرنا بأن القصف لم يتوقف في غزة... وبأنهم أسقطوا ثلاثة شهداء آخرين من قيادي المقاومة... في هذه اللحظة لم أستطع منع دموعي من التساقط... ونظرت حولي فوجدت الرجل العجوز ينظر إلي باستغراب لتساقط دموعي وهذه المرة كانت المناديل الورقية من نصيبي... مد يده بها وقال لي: " اسألينا نحن يا عمي عن الدنيا؟؟ وسوف نحكي لك ليس هناك شيء يستحق دموعك... وصدقيني... الله كبير... وفي الآخر ستفرج..." نظرت إليه وتمتمت بكلمات الشكر...
"عندما استيقظت من غيبوبتي... بعد عدة أشهر... أخبرتني أمي بأنها... لم تترك غرفتي طوال الأيام السابقة... وبأنها كانت تعتني بها وبالصغيرة... وتوفر لهما كل ما تطلبان... وبأنها كانت عوناً كبيرا لهما... وقتها تساقطت دموعي... وطلبت أمي مني السماح... وأعلمتها بأنه ليس هناك ما تطلب من أجله السماح... فهي أم ولها الحق بأن تتمنى لولدها عروسا جيدة حسب ما ترى هي... أذكر بأنها دخلت الغرفة في لحظتها... وعندما وجدتني مستيقظاً سقطت مغشياً عليها... ولضعف جسدي لم أستطع الوقوف لأذهب إليها... فهرع الطبيب إليها... وأيقظها... فنظرت إلي وابتسمت ومن ثم انخرطت ببكاء شديد... شاركتها فيه أنا وأمي... وبعد هذه الحادثة بشهر واحد كنت أنا وهي ووالدتي رحمها الله وطفلتي التي أصبحت كابنتها في بيت واحد... ولقد أنجبت لي ولدين آخرين... وها نحن... ما زلنا نعيش في السعادة التي أنعمها الله علينا..."
نقلت نظري من على العجوزين الذين تشع عيونهما بالدفء والحنان... لتلك الصبية المتشحة بالسواد..." لقد حضر "جاد" للقداس السنوي ذاك اليوم... وأخبرني بأنه ما زال راغبا بالزواج مني... وبأن ابنتي ستكون ابنته... وأخبرني بأنه قد يستطيع طلب المساعدة من صديق له يعمل محامياً فيما يخص قضية الورثة... وحضانة الطفلة... وأعلمني بأن النقود لا تعني له شيئاً وبأن سعادتي وسعادة طفلتي أهم من كل شيء... ونصحني بالتخلي عن جزء من ورثتي لصالح أولاد زوجي... حتى يتنازلوا عن حضانة الطفلة... ولا يطالبون بها بعد زواجي منه أو من غيره... أخبرته بأني سأفكر بعرضه... فقد كان صعباً علي التخلي عن تلك الثروة خاصة وأني تزوجت في البداية فقط من أجلها.. لكني لن أنكر بأني أميل له... وبأني بحاجة لرجل يحبني وأحبه... وطفلتي بحاجة لأب يربيها و"جاد" شاب رائع... وأنا كنت أحبه... وربما أستطيع أن أحبه من جديد... ليكن سأخبر أولاد زوجي بقراري التخلي عن ذاك الجزء من الورثة... فأنا ما زلت شابة... وحياتي ما زالت أمامي...وحقاً سعادتي وسعادة صغيرتي أهم من كل شيء..."
لقد أصبحت الصبية المتشحة بالسواد فجأة تشع بجاذبية ملفتة... حتى أني لاحظت السائق ينظر إليها بإعجاب... وهاهو يبتسم لي بعد أن انتبه بأني أراقبه بطرف عيني من جديد...
تحرك الباص قليلاً وصعدت إليه المجندة السوداء... ذات الشعر الجعدي... وزميلتها البيضاء المنمشة.. ذات الشعر الأحمر... هي وذاك المجند الأشقر الذي وقف عند الباب كأنه يحرسهما... نظرت لساعتي... لقد قضينا أربع ساعات هنا... صرخت بعربية مكسرة... "ارفع هوية..." رفع الجميع هوياتهم... ونظرنا إليها ونظرت إلينا بقرف وإحساس بكره متبادل... لا أعتقد بأنه سيتحول لأي إحساس آخر في المستقبل....
عندها سار الباص بنا... وبدأ الأولاد في مؤخرة الباص يغنون من جديد... ولكن هذه المرة أغنية وطنية... صدحت بها حناجرهم وبكل قوة... "منتصب القامة أمشي... مرفوع الهامة أمشي... وعلى كتفي نعشي... وأنا أمشي... وأنا أمشي..."
نظرت إليهم وابتسمت ابتسامة ممزوجة بدموع القهر... وربما الفخر... وعدت لأراقب عينيه... عينان واسعتان لونهما عسلي، وشعر أسود تتخلله شعرات بيضاء… وجه مربع أسمر يزدان بشفتين رقيقتين دائمتا الابتسام...

حزيران 2006

------
أربع ساعات... وعينيك!! (كتبت هذه القصة تحية لكل سائق وراكب عانى الأمرين على الطرق والحواجز.)

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  فرار

 ::

  ابتسامة... ومجرد إيماءة!!!!

 ::

  كراسي في الأراضي الممزقة!!!

 ::

  انطلق

 ::

  فلسطين... والانتخابات

 ::

  أرملة...


 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  قائدة الثورة المصرية.. أسماء محفوظ..محطمة حاجز الخوف

 ::

  العلاج بالروائح العطرية

 ::

  الصحافة ايام زمان

 ::

  الفلافل.. مكونات مختلفة لوجبة متكاملة القيمة الغذائية

 ::

  مساواة المرأة بالرجل في الثرثرة!

 ::

  النباهة والاستحمار



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.