Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

اليَوْمولوجيا..أو علم الحياة اليومية داخل الرواية
القاص والباحث عبد النور إدريس   Saturday 20-05 -2006

إن الرواية المعاصرة تعيش انزياحاتها نحو تأصيل حقيقة تواجدها ضمن منظومة " المُحتمل" على اعتبار أن مشكل المحتمل هو مشكل المعنى على حد قول جوليا كريستيفا فالرواية المعاصرة تعيش مبدأ التجريب المتواطئ مع فرضيات اللوغوس المتمركز حول ذاته.. عبر الثنائيات التقليدية.
إن ثنائيات الانتظام السيميائي حول "المُحتمل" تجد مساراتها التدليلية في: الروائي / الفلسفي والروائي / اليومي ، حيث الواقع يتلبس بالوهمي والخيال ينصهر في أتون اليومي ، فأصبح المتخيل الروائي واقعا تفيض شروطه اليومية على الفلسفي .
- هل "الروائي" بما هو كذلك له ما يبرره إبستمولوجيا؟
- كيف ينتج المعنى تجلياته في الأسئلة والأجوبة وفي عمق اختياراتنا وكذا في وعينا لذاتنا؟.
لقد كان الراهن اليومي مشاكسا للروائي ، و لقد كانت الرواية منغمسة في اليَوْمُولوجيا *(التي أعني بها علم الحياة اليومية داخل الرواية) ، في تلقي اليومي، في عشق تفاصيله، والراهن كان يتعالى دوما حتى على الفلسفي فيندهش من لذة متناقضاته التي تؤطر اليومي باستمرار، كان الفلسفي يؤرخ للذة القارئ ، لتفاصيل تحدُّها موهبة المتابعة والرفض المستمر للكم الذي تُحيل عليه المفاهيم التقليدية للحقيقة والعالم.
- فهل أخذت الفلسفة شرعيتها الأولى من اليومي اليوناني ،أم من أصل المعاني ؟
- هل ما يزال اليومي العميق يسكننا ويتنفس في وعينا ؟
- هل يستمر اليومي ضمن الروائي مُدركا على الدوام في مفاهيمنا؟
- هل تعتبر الكتابة تدشينا للمعنى واللغة بوصفها اختفاءا للحضور الطبيعي كما يقول جاك ديريدا؟
إن التفكير في اليومي عن طريق الروائي يجعل من الرواية علما للحياة اليومية،" يَوْمولوجيا " نتجت عن تراكمات الرؤية الفنية للواقع والدخول في محاكاته حيث ينفعل اليومي بموضوعيته فينتشر أو ينغلق فيصبح ضد نفسه ، ضد راهنيته فيشكل" سيميولوجيا للحياة اليومية ".
إن اليومي يتجه إلى التحول من قبضة الراهن إلى تقليد ذاته داخل نسق تراث من المفاهيم،إنه يشكل عنف المتعدد الممزوج بشاعرية التغزل في المعيش، يتحرك ضد الأرضنة اليونانية للمفاهيم مشبعا بالإشكاليات.
هذا اليومي الذي ينزلق دائما نحو معارضة المتماسك، لتفكيكه وتفتيته فتصبح الحداثة " علاقة متوترة مع الراهن ...وعي بأن الكائن تحوُّل...وعي بالحركة المتقطعة للزمن" .
- هل الفلسفي يُبئّر اليومي ومن خلاله الروائي الذي يشكل الواقع أهم انشغالاته باعتبار أن النص الروائي يمتلك العالم ؟
الفلسفة إذن" ابن عاق يتنكر لجميع السلطات"(1) ، فزاوية النظر عبر الفلسفي تكتسح المحاكاة ، تجعل من الروائي تشكيلا من ضمن نوافذ ما بعد الحداثة ، تجعل من القارئ من زاوية التلقي التعدد غير المتجانس لكل أشكاله اليومية ، تجعل القراءة تتفاعل داخل الرواية حيث الرغبة في النقد ليست غاية بل محاولة تكليس ذلك الواقع لمحاولة فهمه واستيعابه من حيث أن "الشيء الواضح تماما هو الشيء الجامد"(2) والمتن الروائي يحقق جمود تلك المعاني داخله حيث أنه " ليس ثمة شيء خارج النص"(3) كما قال جاك ديريدا .
إن التفكير في الرواية عبر الفلسفي يُشَرْعِنُ لمقاربة المتخيل في محاكاة الأمثل .. الدخول في عشق مع العالم .. العشق الممكن لكنه مستحيل، بما هو مقبول و غير بعيد عن منطقنا كما قال أرسطو "المقبول المستحيل أفضل من الممكن غير المقبول" و بما هو فوضى كذلك تنتجها ذواتنا الإنسانية" فلو كان النظام موجود في كل مكان لكان مثل الآلهة نفسها"(4) .
إن "ضدية الراهن" استمرت كمقياس جدلي لممارسة التفلسف الذي حاز في لعبة صراعه مع اليومي اهتمام الفلسفة منذ بداياتها اليونانية ، حيث كانت الغلبة الأولى لليومي الذي لم يترك للفلسفي سوى الدهشة وصياغة الأسئلة لمعرفة تماهيه عن الأصل ذلك الأصل الذي يحيلنا إلى محو أثره القصي ARCHI-TRACE حسب ديريدا إلى أصول أخرى. فلنبحث عن الأجدى" عن الأصالة في ضوء علاقة النسبي والممكن والمحتمل ‘إذ من غير الممكن الحديث عن الأول والبداية الأولى من دون إلغاء الآخر" (5).
كان اليومي يدهش الفيلسوف سابقا وهو ما يزال يدهش الروائي اليوم وقد خلق ويخلق لديهما استراتيجية وضع الأسئلة ، ثم جاءت الفترة التي تعالت فيها الفلسفة على شرطها الوجودي فكانت تجد الأجوبة لكل استشكالات اليومي ، ثم انتقل الرهان إلى انغلاق إشكالية التبئير هاته لتفيض بؤرة المعنى بالوافر من المعاني لتضع الفلسفي في مأزق شرعيته في بنائه لإختياراته من جديد.
- هل واكب الفلسفي والروائي كطرح " الآن" و"هنا" الانفجار المعلوماتي لأصل المعاني؟.
- وهل أعطى هذا التوافد المهول للمعاني لليومي قابليته لأن يُدرك ؟.
لم يكن الإنسان في يوم ما مواكبا لتلقي هذا الانفجار، فهل ينتهك اليومي وباستمرار الطمأنينة المتعالية للفلسفي ؟
وهل أصبح للروائي مبررا ابستيمولوجيا في ذاته ؟ أم أصبح للنظريات الحديثة في جمالية التلقي الاستدلال الأمثل لحضور اليومي بشكل صارخ في ذات القارئ المتجدد ، اليومي الذي يفاجئنا لما نقرأ دون كيشوط .فهل يحتاج اليومي إلى "الباروديا" في تفردها بأساليبها " وملامحها المميزة لإنتاج محاكاة تسخر من الأصل " (6)
لقد خلق التلقي في جمالياته جزرا روائية جعلت الباعث النقدي ينحني لليومي ضمن باروديا تستنسخ أشكالها باستمرار مخافة المزيد من التشظي لبؤرة المعنى ، إن معارضة الفلسفي لليومي ضمن الرواية المعاصرة أفقدها كعلم للحياة اليومية إحساسها الحميمي بالسخرية.
فالرواية تقدم نفسها للوعي الثقافي بما هي مكونات حقيقية تستسيغ الواقع في أشكاله الجامدة ، الرواية تشكل صدمة للمتلقي في تنشيطها لحياة يومية تفرض نفسها على الوعي السوسيولوجي بشكل منظم.
إن اليومي عنيف في بساطته والروائي عنيف في دعابته ومحاكاته وصنعته كما قال افلاطون " حيث توجد محاكاة توجد صنعة" ولم تجد سوسيولوجيا الرواية سوى القرب منهما من حيث القوة التي ينعكس فيها اليومي على الفكر فكان أول طرح لها يجب معالجته يتعلق بمساءلة "العلاقة ما بين أشكال الرومانس ذاتها وبنية الوسط الاجتماعي الذي تطورت داخله، أي الرواية كجنس أدبي والمجتمع الفرداني العصري " (7).
- لماذا تتمكن الأشياء المفارقة في اليومي من ارتياد ثياب جميلة في الروائي وتأخذ شكل صفقات عقلية في الفلسفي ؟.
إن الأشياء في الفلسفة تتحول إلى جواهر تجعلنا باستمرار نخاف من تحطمنا، من تفككنا، من تشضّينا... وحيث ان اليومي ينفعل في ذواتنا بهاجس الاتصال (الفرح) وحيث ان الفلسفي ينفعل بذواتنا بهاجس الانفصال (الحزن) يتكفل الروائي بتشكيل وعينا ، فحين يقدم لنا مادته كرؤية للعالم ، وحين نرى وجودنا في ذاته ، يمنحنا ذلك لذة المعيش واستساغة اليومي وقابلية الفلسفي لأن يُتصوَّر .
إن ألوان اليومي لا تنسخ أصل ألوان الأصل الفلسفي ، هل تسمح لنا هنا والآن أن نقول بضرورة الفلسفة ؟ .
- فهل ما زالت بذلك الحاجة إلى الفلسفة قائمة؟.
إذا كانت لليومي قابلية لأن يصبح جزءا من رواية وتكون من جراء ذلك فكرا فلسفيا حول اليومي فما الرواية سوى ترجمة لما يعيشه اليومي فلسفيا بغير أن يُدرك : ولهذا كانت الرواية قادرة على جعل الممارسة الفلسفية من ضمن انشغالات اليومي.
ينعكس اليومي على الفكر فلا يستطيع أن يواكب استيهاماته،إلى حد ما، سوى الفلسفي ، ويحاول أن ينعكس كذلك على الروائي فيأتي الصوت من الأعلى غزلا يحتفل بالعنف ، خطابا شعريا يهادن عنف الفلسفي عند تأسيسه للراهن واليومي في رواية تكتبها المرأة لتتحرر بها عبر الجسد الذي يذهب في ارتحاله نحو اليومي ،نحو تفجير الراهن في امتلائه. "
فللشعر بالرواية قدرة خارقة على قول الأشياء وتمثيلها في نفس الوقت وفق منظومة المحتمل، فعندما يدرك العقل ماهية اليومي، يرى الخيال الأشياء ماثلة أمامه ويمكن أن تسمعها الأذن.
فالرواية بهذا المعنى حالة توازن تتنفس بين اليومي والفلسفي بين الطبيعي والثقافي ، بين المتصل والمنفصل ، إنها قريبة من المتصل السعيد بالمادة المفرحة/ المحزنة التي تقدمها جاهزة على أعتاب المنفصل.
- فهل سبقت الرواية الفلسفة أم العكس؟

هوامش الدراسة
1- د. عبد السلام بنعبد العالي" الفكر الفلسفي في المغرب" دار الطليعة للطباعة والنشر،بيروت، ط الأولى 1983 ص"51.
2 - عبد الله العروي ،" الأفق الروائي"حوار بمجلة الكرمل العدد 11 سنة 1984، ص:171.
3 - Jacques Derrida, DE LA GRAMMATOLOGIE, collection, critique, les éditions de minuit, 1967, p :158.
4- تيري إيغلتون"أوهام ما بعد الحداثة " ترجمة د.منى سلام، مراجعة د.سمير سرحان ،أكاديميا الفنون وحدة الاصدارات،دراسات نقدية (1) مطابع المجلس الأعلى لآثار سنة 2000ص"19.
5- عمر كوش" أقلمة المفاهيم، تحولات المفهوم في ارتحاله" المركز الثقافي العربي ،الدار البيضاء، ط:الأولى 2002،ص:133
6 -التحول الثقافي ،مرجع سابق ص:25.-
7-L.GOLDMANN,Pour une sociologie du roman,Tel, Ed,Galimar 1964.p :34/35




[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  بين الأنا الشعري والأنا الصوفي :قراءة سيميائية في ديوان "العري على موائد اللغة " لزين العابدين اليساري

 ::

  عندما ينتمي الاشتهاء إلى دوائر الصمت : قراءة جندرية في ديوان شهوات الريح لمليكة بنمنصور

 ::

  إصدار جديد للدكتور عبد النور إدريس موسوم ب" النقد الأدبي النسائي والنوع الاجتماعي (الجندر

 ::

  النص الديني بين ميثولوجيا المقدس و العقل الفقهي

 ::

  مواصلة قمع سكان اشرف الشرفاء

 ::

  جمجمة - الداخل

 ::

  جمجمة في خريطة الميثولوجيا

 ::

  عشق اللبلاب

 ::

  كتابة الثمالة والمحو


 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه

 ::

  العلاج بالروائح العطرية

 ::

  قائدة الثورة المصرية.. أسماء محفوظ..محطمة حاجز الخوف

 ::

  الصحافة ايام زمان

 ::

  الفلافل.. مكونات مختلفة لوجبة متكاملة القيمة الغذائية

 ::

  مساواة المرأة بالرجل في الثرثرة!

 ::

  النباهة والاستحمار



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.