Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

ثلاثون عاما وثلاثة أشهر ويومان وثمانية ساعات وربع
نوال السباعي   Friday 25-03 -2011

تتصل الذاكرة بالواقع لتشكيل الأبعاد الحقيقية لمشهد الثورة وقد وصلت سورية ، من جديد ..أعود لأعيش تلك الساعات الرهيبة التي عشتها لدى مغادرتي دمشق قبل ثلاثين عاما ، القتل ، والسحل ، والاعتقالات العشوائية ، أصوات الرصاص والتفجير والدبابات ، دهم وتفتيش للمنازل ، تبادل لإطلاق النار في الحرم الجامعي ، انتشار عناصر "الأمن" على أسطح المنازل ، محاصرة الأحياء وترويع ساكنيها ، انتهاك حرمة المساجد ، وتحويلها إلى مصائد مغلقة على المحتجين ، يُقَتلون ويُذَبحون فيها ، اختفاء الناس ، مابين هارب ومعتقل ومطلوب لاستجواب خمسة دقائق ، امتدت في حياته وحياة أهله إلى أزمان سحيقة من الألم والعذابات التي لانهاية لها .

جيل كامل من المفكرين والكتاب والأدباء وأساتذة الجامعات ونخبة النخبة ، ومن كل الاتجاهات السياسية والانتماآت الدينية والعرقية ، تُخُطِفَ واختفى ، ونشأت من بعده أجيال لاتعرف إلا هذا النظام وآلته الإعلامية وأدواته القمعية ، والقلة القليلة من رجالات سورية ممن لم يبارح ولم يغادر مصابرة ورباطاً، وقرر البقاء هناك على الرغم من الاعتقال والتضييق والتعذيب وشظف العيش، وعلى الرغم من الفتنة التي أصابت البعض .

قبل ثلاثين عاما وثلاثة أشهر ويومان وثمانية ساعات وربع، كنت في الطائرة نحو الخارج ، فتاة صغيرة أرغمها أهلها على السفر خوفا من مثل مصير طل الملوحي ، أو سهير الاتاسي، وبعد اعتقال زميلة في الجامعة قيل لها لدى إطلاق سراحها : ان الأمن سيجدني ويفرم يدي اليمنى بفرامة اللحم ، وقد فعلوا هذا بصحفي لبناني قبل قتله، يوم كانت لبنان تُمتحن بسبب انتشار حرية الرأي والكلمة فيها على حدود سورية العروبة والقومية.
***
في الخارج .. كانت المراجعات الكبيرة والعميقة ، ومواجهة النفس بالأخطاء الجسيمة التي ارتكبها الثوار في هاتيك الأيام العصيبة ،حيث قاموا بثورتهم بعد نجاح الثورة الإيرانية ، استلهموا منها نسائم الحرية ، وظنوا فيها أنها ناصرتهم!.

واجه النظام تلك الثورة المسلحة ، بالسلاح ، وببطش وحشي استرخص الدماء والأعراض والحرمات ، واستباح كل شيء ، واستطاع أن يلجم الثورة ويسحق الشعب سحقا ، ويرغمه على الاستكانة والصمت ثلاثين عاما ، الخوف كان سيد الموقف الذي حكم حياتنا وحركاتنا وسكناتنا ، الخوف الطاغي الذي يختصر إنسانية الإنسان ويجعله يدخل في سلسلة "حياة" – بالمعنى البيولوجي للكلمة- ، ولادة ، نمو، تكاثر ، موت!. السوريون يخافون النظام ، والمخابرات ، ويخافون بعضهم البعض ، والدتي رحمها الله ، كانت تصرّ عليّ في كل هاتف : "الله يرضى عليك، أنت بعيدة في مأمن ، ونحن هنا ، يابنتي ارحمينا واتركي الكتابة" .

أحرقوا كل كتبي ، ودفاتري ، ألغوني من وجودهم ، وكلما جاء رجال الأمن للسؤال ، كان الجواب جاهزا ، لانعرف أين هي!! ، تبرأت سورية منا.. ماذا فعلت لتتبرأ بلدي مني ؟! كنت أكتب ! بالضبط كما كانت تكتب طل الملوحي التي جاءت بعدي بثلاثين عاما ، اعتقلوا طهارتها وبراءتها وشموخها واعتزازها بأنها سورية عربية حرة ، لفقوا لها تهمةَ إفكٍ ، عارٌ سيطوق رقابهم إلى يوم القيامة بحبال من مَسَدِ العدالة التي تنشد القصاص!.

ثلاثون عاما من الغربة والنأي ، التي عشنا فيها أنواعا أخرى من القهر والذل والعذاب ، وكما قال أحد شباب ليبيا المولودين في بريطانيا ، لأولئك الذين يتهمون المغتربين بالعمالة والتمتع بالعيش الرغيد بعيدا عن آلام بلادهم : " لقد كانت كل ساعة في غربتنا تعدل ثلاثة أعوام من معاناتكم تحت سلطة هذه الانظمة المجرمة .

مضينا نحو أقدارنا ، البعض أُخرج رغماً ،وآخرون اختياراً ، ثم مُنع الجميع من العودة ، إما بقانون الطوارئ أو بإجراآت تعسفية يتناقلها الركبان عن الإهانات والقذارات والتهديدات التي يلقاها الناس في السفارات والمطارات ونقاط التفتيش كلما زاروا سورية ، تركنا الآلاف من خيرة شباب وشابات سورية تتعفن أحلامهم وآمالهم وعظامهم وحياتهم في السجون تحت أيدي وحوش لاترحم ، كانت الثورة يومها "إسلامية" ، و" مسلحة" ، وقام الشعب بكل انتماآته يرفع الصوت في وجه نظام أخطبوطي طائفي ، لم يتردد في قصف المدن والثوار بالطائرات الحربية ، متسببا وفي يوم واحد في قتل مالايقل عن عشرين ألف مواطن في مدينة حماة الشهيدة ، وتشريد أضعاف هذا العدد ، وانسياح السوريين في أرجاء الأرض فرارا من البطش.
***
ثلاثون عاما وثلاثة أشهر ويومان وثمانية ساعات وخمسة وثلاثون دقيقة ، مضت ، ومازال الحال هو الحال ، لاجديد ، القتل والسلاح والقهر والتعذيب والتشكيك وفبركة الاتهامات ، هي اللغة الوحيدة التي تفهم التعامل بها هذه الأنظمة التي استعبدتنا باسم الأمن والوحدة الوطنية وخدمة القضية.

منح الشعب السوري النظام فرصة ذهبية ، وأقر ّ بتوريث الجمهوريات ، اختراع سوري بامتياز!! ، بل لقد قام السوريون بخطوة هائلة ، عندما منحوا رئيسهم الشاب غير الشرعي ، مشروعية انطلقت من محبتهم وثقتهم بل وفخرهم به، كان الجميع يريد أن يفتح صفحة جديدة ، كان الجميع مبتهجا بوعود الإصلاحات ، وإلغاء قانون الطوارئ ، وإطلاق سراح المعتقلين ، وفتح أبواب سورية لأبنائها المغتربين دون قيد أو شرط ، حتى أنني كنت أجد صعوبة هائلة في نشر أية كلمة قد تجرح مشاعر النظام السوري ، أو الدولة السورية ، أو الشعب السوري نفسه.

ظننا ان الصبر الطويل قد غير الأوضاع والأفكار ، وأن الجلادين قد ماتوا أو تغيروا أو رحلوا ، ولكن مانراه اليوم أثبت أنهم لم يموتوا ولم يتغيروا ولم يرحلوا ، هاهم من جديد، أبناؤهم يقتلون أبناءنا ، في ليبيا ومصر وتونس واليمن والخليج والآن في سورية ، جندهم يستأصلون الجيل الجديد الذي يريد أن يحيا ، أغوالهم تعتقل حرائرنا !، سكتنا طويلا ، رجاء أن تتبدل الأحوال ، و يعاد "تدوير" هؤلاء الظلمة ، ليشعروا أنهم جزء من هذا الشعب الذي صبر ثلاثين عاما حقنا للدماء ، لتندمل الجراح ، ولترقأ الدموع ، حفاظا على الوحدة الوطنية ، وفداء للقضية الفلسطينية ، ودعما لجبهة الصمود ، التي نرجو أنها لم تكن واجهة لتدمير صمودنا ووجودنا .

ماذا تغير بعد ثلاثين عاما؟ لاشيء على الاطلاق ،من جهة الأنظمة ، لم يتغير حقدها على شعبها ، ولاكراهيتها له ، لم يتغير احتقارها لمواطنيها واعتبارهم " شرذمة وجرذان" ، لم يتغير اتهامها لهم بالعمالة والاندساس ، "أشياء" أو "حيوانات" – بالمعنى الشعبي للكلمة- ، ستذهب كلمة القذافي مثلا في التاريخ : "من انتم" ؟!..من أنتم ياأبناء شعبي الصابر المحتسب !؟ من أنتم ياشباب الامة الذي ملّ رؤية الآباء وقد أرهقهم الذل والقهر والصمت والسكوت ؟!"

أما من جهة الشعوب .. فلقد تغير الكثير الكثير ، فهمت أنها يجب أن تتكلم ، يجب أن تتألم ، يجب أن تقول ماتظنه حقا ، يجب أن تعبر عن رأيها ، مجرد رأيها ، بشكل سلمي ، دون عنف ولاحمل للسلاح ولاشن غارات على أجهزة الدولة ولااعتداء على الأبرياء، وفهمت أن ثورتها لايجب أن تكون باسم فئة من الشعب ولو كانت غالبية ، ولكن ينبغي ان تكون باسم الشعب كله ، كل مكوناته العرقية والدينية والسياسية والفكرية والإنسانية .

.إنه امتحان عسير ، نجحت فيه تونس ومصر بسبب من وعي الطلائع الشعبية فيهما ، وتماسك البنى الداخلية للمجتمع ومؤسساته ،وتحييد موقف الجيش ، ورسب فيه هؤلاء الذين بقوا في حالة النزع يعانقون أرجل الكراسي ، منبطحين ، يريقون ماء وجوههم ، ودماء العباد ، يدمرون البلاد من أجل أن يبقوا وأسرهم المتسرطنة في مقام "أنا ربكم الأعلى"! ، هل يختلف مايجري في ليبيا كثيرا عما يجري في دول أخرى في المنطقة ؟! ، لعل الفرق الوحيد هو قدرة إعلام البعض على تقديم صورة أنيقة عن مصاصي دمائنا، صورة حراس القضية ، والتلويح بالخصوصية ، وضرورة استمرارها للحفاظ على الوحدة الوطنية ، التي كانت سياسة ثابتة دؤوبة بيد هذه الأنظمة عينها ، التي طالما تحالفت مع الأعداء ولعبت على أوتار القبلية والانتماآت القومية والطائفية والمذهبية والدينية والسياسية ، وكانت ترسخ سياسة التفريق لتسود.
***
ثلاثون عاما وثلاثة أشهر ويومان وثلاثة عشرة ساعة ، مرت منذ خروجي من سورية ، ولم يتغير شيء، جريمة الصمت والسكوت لايجب أن تستمر بعد ثلاثين عاما ، ولكننا لم نصمت ولم نسكت في حقيقة الأمر ، حاولنا النهوض بالأمة ، وظننا في مرحلة من المراحل أن الأمة لاتقرأ ، وأن كلماتنا كانت تذهب أدراج الرياح ، فاجأتنا الأمة بأنها كانت حيّة تتنفس ، وأن شبابها نفضوا عن أنفسهم الذل والاستكانة ، وقاموا يطالبون بحقوقهم الإنسانية في الحرية والكرامة والحياة، لايريدون حكما ولاسلطة ولامالا ، إنهم يريدون أن يعيشوا في أمن وكرامة ، شرطان أساسيان للحياة الإنسانية ، لكن هذه الأنظمة المتعفنة تأبى أن تنظر إلى الموضوع إلا من زاوية "ماعلمت لكم من إله غيري" ، تأبى إلا لغة الدم مع …مع أطفال ، أطفال رددوا أغنيات الحرية والشروق التي كانوا يسمعونها في وسائل الإعلام ، نفسها ..التي تعامت عما يحدث في سورية، وخذلت السوريين في محنتهم ، أطفال ، كانت جريمة اعتقالهم ، السبب في تفجير هذه الثورة ، جريمة سيسجلها التاريخ للنظام السوري بأحرف من لعنات أزلية لاتزول ولاتغتفر.

لم تكن هذه ثورة مخطط لها ، حتى يفبرك النظام روايته سيئة الإعداد والإخراج !!، ويدس نقوده وقنابله في المسجد العمري في درعا ، ليبرر ذبح المصلين المعتصمين فيه ، وليُخرج أبواقه علينا بجعجعاتهم ودندناتهم التي تثير الاشمئزاز ، لقد جاءت انتفاضة درعا ردة فعل عفوية على جُرمٍ لاأجد له وصفاً يليق به في عالم جرائم أنظمتنا ، التي تعامل أطفالنا بمثل المعاملة التي يلقاها أطفال فلسطين على يد العدو الإسرائيلي الحاقد ، فقط.. إسرائيل هي التي تجرأت على ذبح زغاريد الحرية في أفواه أطفال الفلسطينيين ، إن هذه الأنظمة ليست أقل حقدا على المواطن العربي من الصهاينة ، وليست أقل كراهية له منها ، إنها فقط ، تنطق بالعربية ، وقد استحكمت من رقابنا نصف قرن باسم مقارعة العدو الصهيوني .

إنهم لايريدون للجيل القادم أن يعرف طعم الحرية ، والكرامة ، والحياة ، جريمة أولئك الأطفال أنهم تجرأوا على الحلم ، فمارسوا لعبة الثورات بالطباشير .

بعد ثلاثين عاما وثلاثة أشهر ويومان وسبعة عشرة ساعة ، أعتذر لأمي في قبرها …ولكن ..ياأمي ..ماعاد باليد حيلة ، إن الصمت والسكوت اليوم جريمة وأية جريمة، فلانامت أعين القتلة ، ولانامت أعين جبناء.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  "التغريبة السورية"

 ::

  المنظومة الفكرية التي تقف وراء الثورة

 ::

  عنق الزجاجة التي امتلأت بالدم

 ::

  حول شعار «الإسلام هو الحل» 3/3

 ::

  حول شعار «الإسلام هو الحل» 2/3

 ::

  الإسلام ليس هو الحل!! 1/3

 ::

  اللحظة الأليمة ..حيث لانصر..ولاهزيمة

 ::

  آباء النصر ..وأبناء الهزيمة

 ::

  بين ديكتاتوريات القتل والنهب .. وديمقراطيات التغييب والخديعة


 ::

  نزار.. و»الغياب» و»ربيع الحرية»..؟!

 ::

  شرب الشاي قد يحمي من حصوات وسرطان المرارة

 ::

  أسرار وخفايا من تاريخ العراق المعاصر :المتصارعون على عرش العراق

 ::

  بدران وامير الانتقام

 ::

  أرجو التكرم بإضافة توقيعى على بيان المبادرة الوطنية للإفراج عن المعتقلين

 ::

  إيران تعد لتصدير الغاز إلي إسرائيل عبر تركيا

 ::

  مهزلة العقل البشري

 ::

  المرأة الإسرائيلية سلاح فعال ضد العرب!

 ::

  مسرحية فلسطينية يشارك الجمهور في تمثيلها

 ::

  قصصً قَصيرةً جداً



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.