Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

اعتراض على هيئة الثوابت، أم تواطؤ على العروبة وفلسطين؟
سليم نقولا محسن   Friday 28-01 -2011

اعتراض على هيئة الثوابت، أم تواطؤ على العروبة وفلسطين؟ * إن من يقول نصف الكلام؛ يتقصد أن لا يحصل على الجواب، مثله من يجتزئ الكلام فيتصيد فقرة من هذا المقال أو ذاك الخطاب ليتهيَأ له حقيقة (مع التسليم بحسن النوايا) مواقفا للغير ليست صحيحة، ومن ثم لينسج على خيوطها ما يرغب من الأطروحات المتشنجة(تدخل فيها الشطارة)، لا مانع بعدها من أن يسخو في تبرعه بها لإلباسها لهذا الغير بهدف النيل من جهوده وجهود كل من يحاول أن يتلمس مخرجا للقضايا الوطنية، وكأن القضايا الوطنية حكرا لجماعة دون غيرها، فإن لم تصدر عنهم اعتبرت باطلة ووصف أصحابها بالخيانة، لكن إذا ما دقق في مضمون هذه الأطروحات سرعان ما يتبين للباحث خلبيَتها، وأنها ليست سوى رصف فوضوي للمفردات ونحت سمج لبعضها وجمع فارغ للعبارات اللغوية للخروج بتركيبات تعبيرية قد تبدو جديدة، لكن لا حظ لها في علم السياسة أو في قضايا الفكر أو كتوصيف لحال تكوين مجتمع إنتاج الدول، ولا يمكن بأي حال الاعتماد على جدية مدلولاتها لاعتبارها طريقا آمنة، وحتما ستصل بمن يتبعها إلى فراغ عبثي إن لم يكن إلى الجحيم، وإننا لنستغرب أن يُستجر إلى مثل هذه المقولات المفبركة من كان أو من لم يزل يحسب على خط المقاومة والتحرير، ويزعم تصديه إلى قضايا مصيرية عربية أساس وفي مقدمتها قضية فلسطين؟،
* فالعروبة في مدلولاتها الحاضرة: إنما تمثل الخلاصة لحصيلة نوعية متطورة أنتجتها تراكمات الحراك المجتمعي الحضاري لشعب المنطقة في ارتحالاته واهتداءاته عبر العصور، هي روحه التي لا تموت، روحه المفارقة في ماهيتها ذوات الأفراد المجتمعين كعرب إلى العقل العارف الجامع الساكن في الجسد السري المطهر الذي يخصهم، والذي يجمعهم في العروبة المعرفية، التي تتجلى في سمات سلوكهم، في خصائص العيش المشترك بين المتعدد المتمايز لسكان أرضهم، وفي أعرافهم وتقاليدهم وطرق إنتاجهم، في تجاوز ما يطرأ من مصائب عليهم، وإيثارهم السلم الأهلي والعدل ضرورة معاشهم وإنتاجهم وحياتهم على العداوات والعدوان،
* لذا فالقضية العربية ليست وليدة الساعة وتاريخها قد اختزنت أحداثه في الذاكرة العربية فأغنتها كما أغنت العقل المفكر العربي عبر تراكمات معرفية هي حاضرة في مواجهة المتغيرات الطارئة، كما أن الرؤى التي أحاطت بها لم تزل متعددة ومتجددة وذات تجاذبات، وهي حصيلة توازنات دولية وإقليمية ومحلية، فالثوابت ليست كالمتغيرات، والقضايا المسماة سياسية، التي يدخل بها علائق الاقتصاد والاجتماع بالمداخلات الدولية ليست أرقاما مجردة كالرياضيات، فهي متغيرات من نوع آخر، إنما تتبع الثوابت، كالثوابت العالمية المفروضة بما يُعتبر: مبدأ أمن الدول الكبرى؟!، وما يُعتبر: مجالاتها الحيوية المتعلقة بنمو اقتصادها؟!، وثوابت الحقوق: كثوابت حقوق الشعب الفلسطيني في الأرض والوطن والحياة وما يترتب على ذلك؟ فالهيئة الوطنية كما ورد في أدبياتها المعلنة: ليست سوى دعوة جدية إلى فضاء عربي جديد للعمل على وقف ما آلت إليه الأمور العربية الحالية عامة من تردي ومن فوضى، من تسييب واستهتار مزدوج لقضايا العرب، أكان من المتولين المتسلطين على أوطان العرب في الداخل أو من الخارج، من تهميش للشعوب وتعطيل لفاعليتها ومنع تقدمها، ومن استباحة الغير المفرط للمسائل الأساس: مصائر شعب فلسطين، ومصائر أمن المواطنين في دولهم وسلامة عيشهم، ولتجاوز ما نحن عليه بدءا من مفصلها وبؤرتها، فلسطين، ولا تحتمل طرح أحجيات تعجيزية كمماحكات الصبيان، ولا تخاريج كلامية أو مقولات ليست في موضوعها؟!
* في الاجتماعات التي تمت الدعوة إليها في أحياء المخيمات الفلسطينية وغيرها، وضمت نخب ذات تجربة وخبرة ممن خاضوا مجال العمل الكفاحي الفلسطيني للتشاور اعتمادا على خبرتهم لوضع تصور للهيئة وكيفية عملها (ضمن حدود تصور مبدئي لحماية الثوابت)، كنا نظن بأن هؤلاء المجتمعون سيخرجون برؤية جديدة حصيلة تراكمات معرفتهم، وسيرفدون هذا التصور بما اختمر لديهم، للخروج بصورة شاملة غنية يمكن أن تكون أساسا لانطلاقة العمل في المشروع الذي أتخذ فيما بعد اسم الهيئة؟!، وتوالت الاجتماعات الدورية وغابت وجوه وانضمت وجوه أفراد جدد إلى حلقات الحوار والبحث، لم يطرح أي شيء جديد، كل ما كان يقال استجرار لخيبات التجارب الشخصية الماضية في التنظيمات والفصائل والأحزاب، فيما بعد تحولت حلقات البحث والحوار والمشورة المفترض أن تكون هادئة إلى مواقف تشنجية ومهاترات واستعراضات عصبية لعبقريات فكرية ولأشرطة من صور نضالية ماضية، يتم التناوب على استعراض تفاصيلها فيما بين من حضر من أفراد، وغابت القضية؟!، لم يكن هنالك هيئة (إذ أن حتى اسمها قد طلب من المتشاورين تسميته)، ولا شكل تنظيمي لها وليس هنالك مسؤولون عنها حتى نقول بأن التشنجات والمهاترات، كانت بين المجتمعين والهيئة، وإنما كانت بين المجتمعين أنفسهم، وكان هنالك تباينات في المقترحات المقدمة من حيث الشكل والمضمون بين أن تأخذ شكل التنظيم الحديدي، وبين أن تكون واسعة الطيف، لكن لم تكن هنالك بالطبع رؤى جديدة ابتكارية لا بالشكل ولا في مضمون الأفكار، فتجربتهم الطويلة التي كانوا يدعونها على ما بدت عليه كانت عاقرا؟!، وتم الأخذ على ما يعتقد أخيرا بمبدأ العمل أي مباشرة العمل النضالي من أجل الثوابت على أساس أن الخبرات المتراكمة لمسار العمل النضالي هي من ستغني الفكر العامل باهتداءات ابتكارية، إذ لا يمكن لشعب ينادي بالثوابت وضرورة الحفاظ والدفاع عنها، يقعد لينتظر الحلول الجاهزة أو هبوط الوحي بشأنها، ومن ثم لينظر كيف يعمل من أجلها، لكن الأخوة المتداعون فيما بينهم على أساس القيام بالعمل، تخلى فيما بعد بعضهم عن البعض أي أن البعض تخلى عن العمل، ولم يكن التخلي سببه خلافا في وجهات النظر على المبدأ (وإن كانت تظهر بعض نزعات التطرف الديني المزاود المقصود بها تخريب أسس العمل الوطني، وليس النهوض بالدين)، وإن ما كان يظهر من تباين في وجهات النظر لم يكن سوى تغليف لشيء آخر لا علاقة له بالعمل من أجل قضية فلسطين والعرب، نستطيع أن نقول عنه أنه من رواسب التجارب الماضية منقولة إلى فضاء العمل الجديد، وهذه تتلخص بمقولة كانت دائمة الترداد على ألسنة من يحضر (يريدون أن يحرثوا علينا) أما من هم الذين سيحرثون فلا فرق؟ إذن في وضع المطلوب فيه من الكل أن يعمل، رأى كل واحد من البعض أن تكون له وحده القيادة والرآسة بحجج الديمقراطية والتشاورية، أو أن تكون له على الأقل الصفوف الأمامية، بحجة أنه بعد التجربة لن يدع أحدا يَحرث عليه، سيكون هو الحارث مع أن القضية الأساس (قضية فلسطين) حسب مفهومنا هي وحدها الحارث وليس غيرها؟!
* بعد الانقلاب الذي حدث في السياسة العالمية أعقاب هجمات أيلول /2001/ على مبنيي التجارة العالمية في نيويورك، وكانت قد مرت عشر سنوات على الانقلاب السياسي العقائدي في موسكو، وتحول روسيا عن الشيوعية، واستباحة استثمار أوروبا الشرقية والعالم أمام الرأسمال الأورو أمريكي أساس قفزاته المعولمة، واستفراد الولايات المتحدة في مصائر العالم كقطب وحيد، وبروز مقولة الفوضى الخلاقة والأرض الخراب المستنسخة من سفر التكوين لبناء ديمقراطية العالم الجديدة، وما استتبع ذلك من ويلات وحروب بعناوين الديمقراطية والتحضر في أفغانستان والعراق ومناطق أخرى من العالم باسم المخاض، ظهرت بشدة في وطننا نزعات ما يسمى الديمقراطية ضد الديكتاتورية (كموضة) ونغمة العالم الحر؟ وأفلت عن ألسنة المثقفين مقولات النظم الاجتماعية التقدمية، ودور الطليعة والطبقة السائدة والدولة والمجتمع وهكذا رأينا الكثير من المتمركسين من مثقفي العناوين يتخلون عن الماركسية البالية بحجة الديمقراطية، فالزمن الآتي هو لعواصف الحرية الأمريكية؟!، وبرروا ذلك بما ادعوا من رؤى مستقبلية سياسية، وبما أسبغوا على أنفسهم من سمات وصفات كأصحاب فكر خلاق، جعلتهم يلوحون بأعلامهم ليل نهار تحية لجيش الغزو الأمريكي قاتل الأبرياء في ساحات بغداد؟!، كما غابت عن الكثيرين من أصحاب النزعات العروبية المتطرفة مقولات المجتمع القومي بحجة أن القومية تورث الديكتاتورية والنزعات الإلغائية الطائفية، أما المتطرفين المتشنجين من أصحاب نزعات التحرير لما هو مغتصب من أراضي العرب انقلبوا على التحرير وصاروا ينادون بضرورة تحرير إسرائيل لأراضي العرب بحجة أن العرب متخلفون ديكتاتوريون توتاليتاريون معادون لكل تقدم مخربون حتى لمجتمعاتهم ولأنفسهم؟ وهكذا اكتشفنا أن الماركسيون الذين عاشوا بيننا لم يكن لهم من الماركسية سوى الشعار، فأما الذي كانوا يضمرونه فهو أمر آخر لغاية الوصول، ومثلهم العروبيون وأصحاب نزعات التحرير، فلقد تأكد بأن كل ما كانوا يدعونه ليس سوى تقليد (موضة) يتماشى مع عصره، وإلا كيف لهؤلاء اليساريون ومنهم رموزا كانوا يحسبون مفكرين ومنظرين للخط الوطني العربي اليساري التحريري: أن ينقلبوا بهذه السرعة، وأن يشطبوا ما أعلن من ماضيهم وما كتبوه؟!، ليلتحقوا بالفكر القادم الآخر الهمجي العاصف لابس الحرير والتحرير؟!، ولأن يخدموا برشوة أو بأجر زهيد الآخر: المقصود فيه العالم الإغتصابي، (الإسرائيلي الأوروبي الأمريكي)، صرنا نرى في تلك المرحلة (المجنونة) من كان يساريا قد انقلب على اليسار، ومن هو عروبي انقلب على العرب، ومن كان ينادي بتحرير فلسطين أصبح ينادي بتوسيع إسرائيل، ومن كان علمانيا يأخذ بأحكام العقل والعلم، ومن كان موضوعيا يأخذ بضرورة العدل والعيش المشترك بين أصولات الأمة ومذاهبها وعقائدها ارتج عقله بهذيان الخرافة وأصبح ينادي بإلغاء الآخر المختلف معه؟؟! ولا نتفق مع من يرجعون أسباب ذلك فقط إلى أموال (البترو دولار)، هنالك أمور أخرى تتعلق بالفقر الثقافي وضمور الوعي، أمور أنتجتها العطالة الإنتاجية وإبطال مفهومي العمل والإنتاج الاجتماعي، أمور أخرى مسكوتا عنها تتعلق بالأنا المحبطة المصدومة؟! الهاربة إلى الحلم؟.
* في مسألة سياسية أخرى لها ارتباط بما يجري من خلط في الأطروحات الوطنية، هو المفهوم الوطني ذاته ماهيته وشروطه، ففي الخلط يصبح كل شيء وطنيا وأيضا خيانيا، وكل يقيس الأمور حسب هواه ويضع ما يرغب من مقدمات ليستخلص النتائج؟، فنحن كشعوب في الوطن العربي لم نستحصل على دولنا الوطنية العربية المشرقية وأيضا المغربية في حدودها الحالية بناء على رغبات السكان المقيمين على أرضها، لقد تم انتزاع كياناتها المشرقية من الدولة العثمانية عقب الحرب الأولى/1919/، وبناء على توافقات وتوازنات دولية، وجرى تقسيمها وفق مصالح تلك الدول ونفوذها، كما كان قد تم فيما سبق الاستيلاء على شقيقاتها المغربيات، وهذه الكيانات لم تكن صحراء خالية بل كانت تضم مجتمعات سكانية إنتاجية مستقرة لها أعرافها وتقاليدها المتطورة، عاشت قرونا في كنف الدولة العثمانية، وكانت المدن والقرى أثناءها في علاقاتها المجتمعية والتبادلية بين سكانها وفيما بينها صورة عن باقي المدن والقرى العثمانية، ولم تكن المناطق العربية حالة استثنائية، وإنما المداخلات الغربية فيها منذ القرن /19/ لحساسية وضعها وأهميتها كانت الاستثنائية، لذا فالشعوب العربية لم تنفصل عن المنظومة العثمانية وإنما جرى ترتيب فصلها، وعليه فالقوميون العرب الذين نادوا بالاستقلال والحرية ومقاومة الطغيان كانوا يرومون إقامة دولة العرب الواحدة، على ما كان متعارف عليه المناطق العربية، ذلك بعد أن يئس الوطنيون العرب ممن سبقهم من العثمانية المتتركة، وعندما أقيمت الدول العربية بحدودها من قبل سلطات الدول الإنتدابية أو الاستعمارية، لم يكن ذلك وفق رغبات سكانها وإنما كانت هنالك معارضات عنيفة من قبل السكان بقيادة الوطنيين القوميين، ولكن اضطرار السكان فيما بعد إلى التعايش مع الإجراءات التي اتخذتها السلطات المنتدبة في الدول المستحدثة، لمتابعة مسار حياتهم اليومية المرتبطة بتلك السلطات، لم تكن تعني رضوخهم، لكن ذلك لم يبدل من طموحاتهم ورغباتهم الوطنية والقومية في إنشاء دولتهم القومية الحرة، كما لم يحول من ولاءاتهم وانتساباتهم إلى جنسيتهم الوطنية والقومية ويجعلهم مواطنين فرنسيين أو إنكليز، بل بقوا عربا أصحاب أرض وأصحاب قضية ينتسبون إليها، لذا لم يكن واردا في المخيلة في تلك الفترة، أن سيأتي يوما يُتهم فيه من استحصل على بطاقة شخصية من قبل الاحتلال؟ ولأن يوصم أيضا بقضايا خيانية؟، مع أن هذا بالقياس الحرفي الصبياني ممكن كنتائج منطقية، إلا أن هذه النتائج بأبعاد العقل الوطني الموضوعي العملاني لا تحسب هكذا وليس من الحكمة الأخذ بها؟،
* إذن القضية بين حق مغلوب فيه أصحابه لضعفهم والباطل الجائر القاهر، بين الطموح في إحقاق الحق وانتزاع ما كان ملكا حرا من قبضة غاصبه لإعادته لأصحابه، وبين ما هو ممكن؟، إذن هو بين جموح الطموح وما هو ممكن الحصول عليه، هكذا يجب أن يكون حساب التوازنات والمعادلات في الوطن، وبناء عليها يستحسن أن تكون الأحكام؟،
* ضمن هذا السياق الحضاري المتوارث المشوب بما يَنتقص مِنه التهيمن الغربي وتشويشه، عاشت الشعوب العربية على مختلف طوائفها ومذاهبها وإثنياتها وأصولها في مناطقها وفي دولها الإستقلالية المشرقية المحدثة بعد الحرب الأولى، ومثلها كانت أيضا المغاربية، حيث كانت كل جماعة فيها بمكونات أفرادها على مختلف أنشطتهم، تحتاج إلى الآخر لا إلى إلغائه، ذلك وفق نسق الإنتاج التبادلي الراسخ لديها ومفهومه الإجتماعي الحضاري، وهو ما كان يؤهلها بالمعايير الدولتية لإنتاج صيغة مجتمع المواطنية ولحالة تكوين الدولة العادلة وسلطاتها،
* فالعالم الغربي في توجهه إلى الشرق العثماني منذ أوائل القرن /19/ كان مثله كمثل الدول الطامعة قديما من الفرس إلى روما؛ والدول الإمبريالية الرأسمالية الحديثة، تلك التي يسود عقلية القائمين عليها مبدأ الربحية المسروقة أي بدون مقابل لم تشذ عن ذلك، كانت تسعى ليتم لها تلك الربحية إلى تفتيت الدولة العثمانية والاستيلاء على أسواقها، رغم ما كان لها من امتيازات، فكان لها ذلك عقب الحرب الأولى، ومنها المنطقة العربية، كما أن هذه العقلية كانت قديما مصاحبة للفرنجة الايطاليين الأوروبيين المتاجرين منذ القرن/11/، فأرض فلسطين كأهمية تجارية كانت من أولوياتها لذا غزت القدس، وسعت إلى تدمير دولة بيزنطة سلف الدولة العثمانية، كما أن بونابارت الفرنسي أوائل القرن /19/ كانت من أولوياته لأسباب استراتيجية احتلال فلسطين، وإقامة دولة غريبة سكانيا عليها، هذه الأسباب هي ذاتها التي دفعت الغرب في منتصف القرن /20/ إلى إنشاء دولة إسرائيل، فإسرائيل ليست دولة فحسب إلى جانب الدول العربية التي أنشئت، وإنما هي دولة إغتصابية عدوانية، غريبة في تكوينها عن روح المنطقة، اغتصبت أرضا ليست لها وشردت شعبا مستقرا منتجا عن أرضه، هي أداة رأسمالية غربية، تسعى إلى إضعاف دول المنطقة واستنزاف شعوبها وإفقارها والعمل على تسهيل إستيلاء الغير على ثرواتها، ليست ضد وحدة العرب وتقدمهم فقط، وإنما عملت وتعمل على تقسيم العرب ودول العرب المستحدثة، فإسرائيل ليست دولة بالمعنى السياسي رغم شكلها الدولتي وعيش أفرادها بالرفاه المُغدق، فالرفاه السكاني وامتلاك ابتكارات التقنية واستعمالها لا يُكون دولا؟ وإنما يُكونها المجتمع المؤهل؛ فدولة إسرائيل ليست سوى تجمعا سكانيا لشتات، صممت وصنعت كبؤرة تخريب، يمكن أن تلتقط وتستقطب بعضا من العرب، تقوي بعضهم وتضعف الآخرين، تعمل على احتراب بعضهم على بعض، إلى أن صارت نقطة لقاء وتوازن وضمان لبقاء بعض حكام دول المنطقة على سلطاتهم رغم إرادة شعوبهم؟، لم تشرد شعب فلسطين فقط وإنما عملت وتعمل على تشريد الشعوب العربية في أوطانها؟،
* لسنا في صدد الدخول إلى عمق عقل قادة شعب الشتات في إسرائيل هل هم يعملون من أجل الشعب الإسرائيلي الساكن الآن في فلسطين؟، أم هم يعملون على دمار الشعب اليهودي في إسرائيل والعالم، أم هم مأجورون أغبياء؟
بعد أفول شمس الدولة العثمانية، وتجزيء المنطقة العربية وإنشاء دول عليها بما يتوافق مع استراتيجية ومصالح ونفوذ دول الغرب القوية آنذاك، والترتيب كما الوعد الشهير لإقامة دولة إسرائيل، سعت دول الغرب أو من ناب عنها لاحقا إلى تفتيت الشعوب العربية في مناطقها ودولها، وتحويلها من مجتمعات مستقرة لها مقوماتها إلى مجرد تجمعات سكانية شبيهة بتجمعات الشتات، تجمعات تسودها الفوضى، إما سلما أو عنفا، ولنا في كل من لبنان والعراق والصومال، وما حدث ويحدث فيهم أمثلة، ومحاولات أيضا مثلها تجري في كل من مصر واليمن والسودان وغيرها؟ لذا نستطيع أن نستنتج بأن إقامة دولة إسرائيل كان بداية المشروع الغربي في تفتيت شعوب المنطقة بعد أن تم لهم تثبيت تجزئتها بحدود دولها القطرية، فالمدن العربية كانت تضم أحياء لطوائف من اليهود العرب، وكان لأفراد أسرها وظيفتهم الإنتاجية الاقتصادية ومساهماتهم الاجتماعية والسياسية في مدن المجتمعات العربية المستقرة إلى جانب غيرهم من الطوائف التي كانت تشكل آنذاك عماد المدن، ولا نستطيع أن نوصف نقل اليهود العرب إلى أرض فلسطين من أحيائهم في المدن العربية التي استقروا فيها طويلا، سوى خلخلة لطبيعة البنى الاجتماعية الاقتصادية المتوازنة في مجتمعات المدن العربية التي انتقلوا منها، وسوى البداية لإعادتهم إلى مجتمع الشتات لكن في أرض فلسطين وتحت مسمى مخادع جديد له بريق ديني لهم واستفزازي لسواهم (أرض الميعاد)، وهكذا بقية اليهود الذين أتوا إليها من الأحياء والمدن في أنحاء العالم، إذ نقلوا أيضا من مجتمعات مستقرة كانت لهم مساهماتهم فيها ليودعوا في أرض فلسطين، وليس خافيا أن بعض بورجوازيات المدن ومنها عربية (المغرب) قد ساهمت في تهجيرهم من مناطقهم السابقة للحلول مكانهم والاستيلاء على أنشطتهم، فليس مستغربا إذن على يهود إسرائيل بعد أن فقدوا حالة تطورهم الاجتماعي كمجتمع منتج مستقر في بلدانهم السابقة وأوطانهم، أن يتجردوا من لبوسهم المديني المبني على المواطنية الحرة المؤسسة على العمل والعلاقات التبادلية في مفهوم تطور علائقها التاريخي، المنتجة بالضرورة للسلام الأهلي، وإلى أن يتحولوا في الدولة الجديدة إلى مجتمع قبلي بدائي عنصري يوحدهم الخطر الجماعي، وإلى قطعان مخربة يهيجها الرمز الديني، ويقودها قادتهم إلى حيث يشاءوا؟، وعليه فمن البداهة الاستدلال على أن في مثل هذه الدولة البدائية المصنعة يستحيل وجود مكان للتعايش فيها ولا حتى أي مشروع ممكن لدولة أو لدولتين؟!،
* وبالمقابل كان التهجير لمجتمعات مستقرة هم سكان فلسطين العرب ليعيشوا الفقر في مخيمات الشتات، ومن ثم تحويلهم إلى تجمعات سكانية تعيش على المساعدات واستعطافات الهيئات الدولية، أن يؤدي هذا بالضرورة إلى إفقادهم خصائص وجودهم وإلى تجريدهم من صفة المجتمعات المؤهلة المستقرة التي كانوا عليها، والتي تجتمع لها حالة تكوين الدولة المتصفة بالمواطنية، وجعلهم في مخيماتهم في أماكن شتاتهم (شعبا ينسى ما كان عليه) بؤرا متعدية تنقل الفوضى إلى مجتمعات من لجأوا إليهم، لذا كان من الطبيعي أن يكون الضمان الوحيد لبقاء شعب فلسطين ومنع ذوبانه واندثاره، وأيضا بقاء وجود المجتمعات الفلسطينية على حالتها السياسية المتطورة في أماكن الشتات (كشعب مؤهل لتكوين الدولة)، هو اعتماد صيغ التحرير لاسترجاع الأرض الوطن، وعليه فإن أعمال التحرير والمقاومة من أجل البقاء والعودة إلى أرض الوطن هي شرعية الوجود لشعب فلسطين، إذ لا شرعية لوجود شعب في الشتات ولا بقاء له دون قضيته، ولا شرعية لشعب لا أرض له، وهي شرعية مرهونة أساسا ومستمدة من مجتمع التحرير الذي في الشتات لكونه المادة البشرية الحية للبقاء والتحرير، إذن ليس من المقبول كمنطق أو المعقول أن تستبدل القضية الفلسطينية من قضية شعب وأرض، (للعودة بها كما هو مفترض بالحق والعدل على ما كانت عليه في البدء)، إلى نموذج دويلة لفلسطين (غير مؤهلة) تتم مقايضتها بكل شعب فلسطين وحقوقه الثابتة، ويعطى لسلطتها كل شرعية الوجود الفلسطيني في فلسطين والشتات، وأن ترتهن كامل قضية فلسطين وهي قضية لا تجزيء فيها، إلى سلطة دويلة منشأة على جزيء من التراب الفلسطيني، بموافقة سلطات الاحتلال ومحكومة من الاحتلال؟،
* كما أنه ليس من المنطقي أو المعقول أن يهيمن على شرعية الشعب الفلسطيني أفرادا يدعون بأنهم المنظمة، بما يعنيه هذا بأنهم شعب فلسطين، وتأسيسا على هذا الادعاء لهم أن يقرروا عنه ما يشاءون، فالشرعية الوحيدة حكما كما هو متعارف عليه، هي لشعب فلسطين الذي تمثله منظمة التحرير، والمنظمة تمثل الميثاق الوطني الناظم الصادر عن الشرعية التي هي شعب فلسطين، فالمنظمة هي دولة الشتات في المنفى، والأولية المفترضة لمهام سلطتها هو التحرير، وأية دولة مقامة يكون أساسها العقد أي الاتفاق بين شعبها على إقامتها، ويمثله غالبا الدستور المكتوب، لكن لا يعني هذا أن أساس كل شعب هو العقد، فالعقد هو اتفاق مكتوب أو غير مكتوب يعقده الشعب، أي أساسه الشعب، والميثاق الفلسطيني هو الاتفاق والعقد الحاصل بين كل الشعب الفلسطيني، فهو يمثل شعب فلسطين، فالميثاق بجميع مواده هو الشرعية الفلسطينية المستمدة من شعب فلسطين وتبعا له منظمة التحرير، فالشعب الفلسطيني هو مصدر الشرعية الوحيد وليس غيره، فليس لأحد إذن خرق الميثاق أو تبديله أو الاجتزاء منه أو تعديل نصه ومواده، فمن يتلاعب بالعقد يُسقط العقد ويبطله وهو الميثاق ومن يبطل الميثاق يخرج عن الشرعية أي عن شعب فلسطين، ويبطل هو لا شعب فلسطين؟، فالميثاق يمثل الثوابت وإليه تعود هيئة الثوابت، ومن المواد التي شملها الإلغاء والتعديل مثلا/ المادة -1- التي تنص: فلسطين وطن الشعب العربي الفلسطيني، وهي جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير، والشعب الفلسطيني هو جزء من الأمة العربية؛ والمادة -7- الملغاة من الميثاق التي تنص: الانتماء الفلسطيني والارتباط المادي والروحي والتاريخي بفلسطين حقوق ثابتة، وأن تنشئة الفرد الفلسطيني تنشئة عربية ثورية واتخاذ كافة وسائل التوعية والتثقيف لتعريف الفلسطيني بوطنه تعريفا روحيا وماديا عميقا وتأهيله للنضال والكفاح المسلح والتضحية بماله وحياته لاسترداد وطنه حتى التحرير: واجب قومي،
* والجدير بالملاحظة: أن المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول المنعقد في مدينة القدس يوم (28 أيار/ مايو 1964، قد وضع الميثاق القومي الفلسطيني، وأعلن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، للحفاظ على حقوق شعب فلسطين وتثبيتها وبدء آلية التحرير لاستعادة حقوق شعب فلسطين، وفق تصور منطقي متأصل بأن تحرير فلسطين جزء من العمل القومي العربي، لكن هذا التصور التحريري من جانب آخر كان لا بد من أن تعوقه وتشوبه السياسيات والتوازنات الدولية والإقليمية، فقضية فلسطين ليست معزولة عن الحسابات الدولية وإلا لم يكن وجود لدولة إسرائيل أصلا؟، لذا يمكن الاستنتاج هنا: أن استخدام (القومي) كان بالمعنى السياسي المتداول عربيا بمعنى وطني، ولا يمكن أن نستدل من ورودها أنها كانت بالمعنى القومي العقائدي، كما يذهب إليه البعض ويتشاطر، إذ كيف لمؤتمر وطني فلسطيني، أن يضع الميثاق القومي العربي لفلسطين، فالعبارة واضحة (الميثاق القومي الفلسطيني) بما يعني هذا كل فلسطين؛ وهذا ما يمكن أن نستنتجه بالعودة إلى الحيثيات والإشكالات السياسية المرافقة لوضع الميثاق القومي الفلسطيني وإعلان تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، إذ بعد إعلان دولة إسرائيل فوق الأرض الفلسطينية في (15/أيار/1948، كانت قد بقيت من الأرض الفلسطينية ثلاثة أجزاء هي الضفة الغربية مع جزء من القدس، وقطاع غزة، ومنطقة الحمة في حوزة الدول العربية الملاصقة لها، وكان المناخ السياسي العربي مهيئا لقبول قيام هذه المنظمة كرديف وغطاء سياسي لتحرك الدول العربية، ذلك بعد التحركات الإسرائيلية العسكرية المريبة حينها المرافقة لتحويل مجرى نهر الأردن، وما جرى من محاولة العرب لاحتوائها، في انعقاد القمة العربية الأولى في القاهرة(13/1/1964، وإعلان تشكيل القيادة العربية الموحدة واقتراح التوصيات بأن يبادر الشعب الفلسطيني لتشكيل حركته السياسية الناطقة باسمه، لذا جاء في بيان إعلان المنظمة الصادر باسم الشقيري، ما يفهم أنه كان تطمينا للدول العربية، بأن عمل المنظمة التحريري منطلقه قومي (بالمعنى السياسي) أي بموافقة الدول العربية ... كما جاء: تأكيدا لحتمية تحرير الجزء المغتصب... تحقيقا لأمنية مؤتمر القمة العربية الأول... أعلن قيام منظمة التحرير الفلسطينية؟، وأيضا ما جاء في مقدمة الميثاق القومي الفلسطيني عن استرداد الوطن السليب بأكمله، ما يؤكد الصيغة التطمينية للعرب؟ على أن مهام المنظمة الأساسي يتعلق بالتحرير لفلسطين بقرار عربي، ولتأكيد عدم تعارض قيامها وممارساتها مع أي سيادة عربية، (بما يؤكد هذا أن إعلان العمل بالمفهوم القومي كان سياسي)، نجد أن الميثاق قد خصص فقرة (المادة24) التي تقول: (لا تمارس المنظمة أية سيادة على الضفة الغربية ولا على قطع غزة ولا منطقة الحمة...)
* بعد هزيمة الجيوش العربية في حرب حزيران عام/1967/ وما تضمنته توصيات مؤتمر القمة العربية في الخرطوم، وتغير المناخ السياسي الفلسطيني والعربي، استقال أحمد الشقيري، ودخلت الفصائل الفدائية الفلسطينية إلى عضوية منظمة التحرير بصفة رسمية، وكان ذلك في المجلس الوطني الفلسطيني الرابع المنعقد في القاهرة(10/7/1968)، وهو المجلس الذي شهد تعديل الميثاق القومي الفلسطيني..
يقول الأستاذ بلال الحسن قي كتابه الرواية الشاملة ل: تعديل وإلغاء الميثاق: " أدخلت على الميثاق تعديلات عديدة، كتغيير اسم (الوطني بدل القومي)، وإلغاء بعض البنود، وإضافة أخرى، وتغيير طريقة انتخاب رئيس اللجنة التنفيذية بما يحقق الفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ولكن التغيير الجوهري كان يدور حول مسألتين أساسيتين:
المسألة الأولى: اعتماد الكفاح المسلح وسيلة للعمل،
المسألة الثانية: تعديل مسألة السيادة على الأراضي الفلسطينية الملحقة بالبلاد العربية، وقد تم حذف تلك المادة،
أما ما عدا ذلك كله فقد حافظ الميثاق الجديد على الأفكار والمبادئ الأساسية كافة كما وردت في الميثاق القديم، ومن ضمنها هدف (تحرير فلسطين بأكملها). وبهذا المعنى فإن تعديل الميثاق كان خطوة إلى الأمام بالنسبة إلى الفكر السياسي الفلسطيني، فقد غير أسلوب العمل دون أن يلغي مضمونه (التحرير)، وعالج مسألة السيادة باتجاه تعميقها لا باتجاه المساس بها، ولذاك لم يلق تغييره أي نوع من الانتقاد أو المعارضة، بل لقي ترحيبا شعبيا وسياسيا، ولعب دورا جامعا في تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية، وهي تكريس مكانة منظمة التحرير الفلسطينية ككيان معنوي للشعب الفلسطيني " ...
* وفي مفصل ملغوم لنسف الحقوق الثابتة الفلسطينية وتوريط المنطقة العربية وشعوبها في الفوضى، كان وراء الإلغاء والتعديل في مواد الميثاق، عدا عن الوقاحة المباشرة التي تجلت في تفريغ الميثاق من مضمونه، ولا يخفى على من تقصدوا ذلك نتائجه وإلى ما ستؤول إليه الأمور من خطورة، ليس على الجانب الوطني الفلسطيني فقط وإنما في الجانب العربي أيضا، في تحويل القضية الفلسطينية من مسألة حقوق لشعب حضاري مستقر في أرضه ووطنه إلى مسألة عنصرية (بين اليهود والعرب) لتعميمها بما لها من ذيول وتداعيات، ويبدو أنه قد ظهرت نتائج أعمال التعديل والإلغاء في كل ما يتداول من مقولات معارضة عرجاء بشأن تجديد العمل الفلسطيني، فالمتفق عليه أن ليس من شرعية لمطالب عادلة في غياب العدل الدولي وتغليب مطالب المصلحة وحق القوة، ولا استرجاعا للحقوق؛ هكذا نشأت ضرورة الكفاح المسلح ضمانة لحقوق شعب فلسطين، وبقاء للقضية ولشرعية الوجود، فغياب حق الشعب الفلسطيني في التحرير الوطني، وتخلي من يدعون تمثيله عن حركة التحرر الوطني الفلسطيني قبل التحرر، يعني وأد القضية الفلسطينية ووضعها في متاحف التاريخ، كما أن بيع عرب /48/ واليهود العرب، وشطبهم من جنسية العروبة من قبل حكومة عباس بما تعتبر ذاتها، ويعتبرها المتوافقون المتواطئون الأعداء، ليس سوى استجرارا للنوايا في إنهاء القضية، لكنه في الوقت ذاته، يعلن ويؤكد في سابقة تآمرية تدميرية: تحويل إسرائيل من كيان عنصري (وحيد الجنس) مكشوف ومرفوض، إلى دولة استئصالية إلغائية مشروعة، لها أن تستبيح على أرضها وعلى من يجاورها كل ما يخالف عنصريتها، مما يعطي هذا المشروعية في المناطق العربية إلى تكوينات سياسية فيها بإنشاء دولها العنصرية، وما يعنيه من دفع مزيد من الاتجاهات السياسية الوطنية المعتدلة فيها إلى اتجاهات متشنجة أصولية، كردود فعل في أجواء تغييب العقل، وإلى صنع تيارات فكرية متخلفة تبتعد عن المواطنية باسم الوطن وتفرخ الفوضى، تسوغ إلغاء الآخر وتهجيره، كما القول عربا ويهود، ليصبح عربا وشيعة، وعربا وسنة، عربا ومسيحيين الخ، كما سبق وحدث في لبنان الحرب الأهلية، ويحدث في العراق، وبعضه في السودان ومصر ومناطق أخرى، أي تحويل البلاد العربية في النتيجة إلى أماكن شتات وسكانها إلى تجمعات لاجئين، وربما هذا ما يلتقي عليه المعارضون للهيئة الوطنية وأيضا ما يتوافقون عليه مع حكومة عباس ضمنا وتواطؤا لإلغاء وتعديل مواد الميثاق،
فالمادة /6/ الملغاة من الميثاق تنص: اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني لها يعتبرون فلسطينيين، أي عربا؟ بحكم المادة /1/ من الميثاق قبل التعديل، وأيضا المادة /5/ من الميثاق التي تنص: الفلسطينيون هم المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى عام 1947، سواء من أخرج منها أو بقي فيها. وكل من ولد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو فلسطيني،
إن إلغاء المادة /6/ من الميثاق بما يعني: عدم الاعتراف بوجود يهود عرب كانوا يعيشون في فلسطين، وأن اليهود العرب هم جنس صهيوني علاقتهم مع الحركة الصهيونية؟، وعدم الاعتراف بوجود الهوية الفلسطينية في أية مرحلة تاريخية مع أنها كانت قائمة ويحملها اليهود أنفسهم، منذ العهد العثماني، فحتى عام 1948 كان اليهودي يحمل جواز سفر فلسطين؟، كما يعني إلغاء المادة/7/ من الميثاق، إلغاء التاريخ الفلسطيني، وإلغاء رواية احتلال إسرائيل لفلسطين، وإلغاء أرض فلسطين، وإلغاء وجود عرب /48/،
* إن إيراد نص البند /6/ من بيان فلسطين (المدرج في كراس المبادئ والأهداف الصادر عن الهيئة)، والذي جرى استغلاله لتحشيد الوطنيين من فلسطينيين وعرب ضد الهيئة بعد تشويهه والتصرف في مضمونه، وللتعرض لرموز فيها والتشكيك في نواياهم بما لا يليق، إنما كانت الغاية من إيراده، كما يفهم من شكله ومضمونه: هو تجاوز ما يهدف إليه الحذف والتشويه المتعمد لنصوص مواد ميثاق منظمة التحرير، ذلك لتثبيتها بالمقابل كمطلب أساس وأهداف تتوافق مع الروح العربية الحضارية في عالم ينحو إلى التشكيك والتسويف والخباثة والمزايدات، وأيضا بغاية الحفاظ على حقوق شعب فلسطين في الداخل (عرب/48/) وعلى خصائصهم العروبية، ومنع قهرهم واقتلاعهم، والتصرف بهم في دولة أحادية الجنس أعدت لتنحو إلى التطهير العنصري. وإلى الحفاظ على حقوق شعب الشتات وفلسطينيي الضفة والقطاع من فقدان الهوية والضياع، وعلى منع نقل حالة الجنوح الفوضوي المعد لها تآمريا في دولة إسرائيل إلى المنطقة لاجتياحها بالطائفية والعنصرية والخراب، ليس هذا فقط، بل إلى نزع سلاح التوصيفات الإرهابية الدولية الجاهزة، التي تصدر عادة من معسكر الدول المعادية ومن بعض السلطات العربية المتواطئة في اتهام أي تحرك فلسطيني (سلمي أو كفاحي) يهدف إلى الدفاع والحفاظ على حقوق شعب فلسطين الثابتة ولا يتوافق مع مخططات وترسيمات الدول صاحبة الشأن حول فلسطين والمنطقة، بالإضافة إلى ضمان حق المقاومة والكفاح المسلح من أجل فلسطين كحق نضالي مشروع لشعبها تضمنه المواثيق الدولية،
فما أورده البند /6/ من بيان فلسطين/ الفقرة التي تقول: لا يمكن تحقيق السلام مع الاحتلال، ولا يمكن تحقيق السلام مع العنصرية الصهيونية، أو مع الكولونيالية/. وقد سبقتها فقرة من ذات البند/6/ شكلت مقدمة لها تقول: /يمكن تحقيق السلام بين الشعوب والأفراد عربا وغير عرب، بغض النظر عن أصولهم الطائفية وانتماءاتهم الدينية إسلامية ومسيحية ويهودية، وعلى العيش المشترك والاحترام المتبادل والمساواة التامة في الحقوق. هذا ممكن وهذا واجب، وهذا ما يعنيه التحرر من العنصرية الصهيونية والاحتلال/. طبعا أن هذه الفقرة لا يمكن اجتزاءها عن ما ورد في كامل البند /6/ من البيان، للمتاجرة فيها كما اتفق، بل إنها تعني كما هو مفترض وكما هو سياقها: يمكن تحقيق السلام (في كيان سياسي متحرر من الاحتلال والعنصرية الخ)، كما لا يمكن فهمها إلا في إطار كامل البيان ومضمونه، هذا وقد جرى إقرار تعديل صياغة هذا البند من بيان فلسطين (لتوضيحه) في المؤتمر التأسيسي في 27/28 – 11 – 2010 ..
* إن تأطير تجمع سكاني ما في دولة، ووضع دستور ومجموعة قوانين ناظمة تربط السكان في قمة هرمها، لا يؤدي بالضرورة إلى وجود مجتمع الدولة، بل إلى تجمع سكاني مؤقت في نظام دولتي يشبه الدولة يغلب عليه القهر، كما في التجمع الإسرائيلي، كما أن مختلف تعاملات السكان مع قوانين هذه الدولة وسائر نظمها هو من باب تسيير مناحي الحياة المعاشية اليومية المختلفة، لذا لا يمكن محاسبة عرب /48/ مثلا على أساس هذا التعامل الضروري لمعاشهم، لتوزيع مختلف الاتهامات إليهم، وجعلها ذريعة لتهميشهم وإبعادهم عن المشاركة في قضايا العرب وهم في قلبها، ويحاسبون في مناطق سكناهم على متغيرات مواضيعها، فهم الأقدر على معرفة الطرق في تسليك أمور حياتهم لضمان بقائهم وتأمين وما هو ضروري لهم،
* ولعل أهمية عرب /48/ في فلسطين، تكمن في كونهم المجتمع الوحيد المستقر في مناطق سكناهم(رغم المضايقات)، والمجتمع الذي يعيش آلية القمع الفوضوي العنصري دون أن ينجر إلى آلية مثيلها مقابلة خاضعة لردة الفعل، والمجتمع الذي يعيش همومه وهموم باقي شعب فلسطين في ما بقي من وطن وفي الشتات، وهموم أشقائه العرب وهموم يهود دولة إسرائيل العرب منهم وغير العرب، المجتمع الذي لم يزل محافظا على مفهوم العلاقات المجتمعية المتطورة المتوازنة (كحصيلة تاريخية مترسخة) في دولة شتات اليهود الجديد (إسرائيل)، والذي لم يزل محافظا بالضرورة على حالة مجتمع المواطنية الحرة المنتجة للدولة، والذي يمكن له في الشروط الطبيعية أن يطور التجمع السكاني الإسرائيلي ذاته ويعيد صياغته وينقله إلى حالة مجتمع متطور ينتج السلام الأهلي ومفهوم الدولة بعيدا عن المجتمع الذي أنتجته عصابات الإجرام، وهذا ما يتناقض مع ما تم بموجبه بناء التجمع الدولتي في إسرائيل ودوره، لذا يمكن أن نفسر مواقف قادة إسرائيل المتشنجة اتجاههم، تلك المواقف المرتبطة بالمخططات الرأسمالية العالمية وتوجهاتها والمتعلقة بدور إسرائيل في تشتيت وتفتيت مجتمع المنطقة، وبالتالي أسباب العداء لهم، والتهديد باقتلاعهم وطردهم؟،
وفي سياق متصل يمكن ذكره، أن اليهود الذين أتى بهم القادة العلمانيون اليهود لإقامة مجتمع السلم والديمقراطية والرفاه في دولتهم المثالية الفاضلة (كما صُور لهم)، بعيدا عن أجواء الخوف والإضطهادات وأهوال الحروب في أوروبا، كانوا علمانيون متنورون (كما يحسبون) والمتدينون المتشددون بينهم أقلية مهمشة لا وزن لها، فحزب العمل هو من كان يقود ويحكم إسرائيل؟ أما اليوم وعقب المتغيرات التي أحدثتها بنية التجمع الإسرائيلي على سكان إسرائيل، فإن هؤلاء العلمانيون قد أصبحوا هم الأقلية المهمشة، ومن يقود إسرائيل اليوم هم المتدينون العنصريون، أما حزب العمل فلم يعد له وزنا؟، فاليهود في فلسطين لم يتسنى لهم إذن بناء مجتمع السلم الذين حلموا به، بل أنتج تجمعهم الوافد إلى أرض فلسطين مجتمعا آخرا متشنجا عصابيا لا يعرف سوى الخوف والعدوان؟
وبناء عليه يمكن أن نستدل إلى ما يمكن أن يساهم به عرب /48/ ليس في إعادة تركيبة التجمع الشتات السكاني في إسرائيل ونقله من تجمع للاحتراب والحرب إلى مجتمع السلم، بل أيضا في إعادة صياغة المفهوم القومي العربي وفق المنظور الاجتماعي العربي التاريخي (مشحون بتجربة بؤرة الحدث) وكذلك أسلوب التحرك العملاني من أجل تحقيق وحدة العرب والتحرير، وبناء دولة تقدمهم الواحدة؟ بعيدا عن الضحالة والمهاترات.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  الأصلاح..؟

 ::

  الوضع السوري: مثاقفة لعبة الجحيم..؟

 ::

  حراك الوضع في سوريا

 ::

  الاهتداء

 ::

  على هامش الرئاسيات اللبنانية

 ::

  اهتداءاتُ إبنُ آيا الدِمَ ش قي ( 8 )

 ::

  أطياف الأميرة نرسيسا

 ::

  لغةٌ طائفيةٌ عرجاء في احتفالات حرب الأضاحي، وسلامٌ مخطوف


 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  قائدة الثورة المصرية.. أسماء محفوظ..محطمة حاجز الخوف

 ::

  العلاج بالروائح العطرية

 ::

  الصحافة ايام زمان

 ::

  الفلافل.. مكونات مختلفة لوجبة متكاملة القيمة الغذائية

 ::

  مساواة المرأة بالرجل في الثرثرة!

 ::

  النباهة والاستحمار



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.