Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

في بيت عمي فوزي حبشي
د.أحمد الخميسي   Saturday 22-01 -2011

في بيت عمي فوزي حبشي في 3 يناير الحالي أتم عمي فوزي حبشي سبعة وثمانين عاما جميلة وحافلة بالعطاء الإنساني والوطني . تعرفت إليه – دون أن أراه – وأنا صبي في الثالثة عشرة حين كنت أسمع من والدي الحكايات العجيبة عن بطولة فوزي حبشي وصموده الأسطوري تحت التعذيب في معتقل الواحات عام 1959 . في صباي استولت على خيالي وشكلتني إلي حد كبير تلك الأساطير : الرجال الذين يتحدون كل شيء ، ويواجهون الصعاب من أجل العدالة ، ويضحون في سبيلها بحياتهم وبيوتهم وعائلاتهم ، وتتكسر قضبان السجون والظلمة من حولهم وهم متقدون بالنور . ولم أكن أعلم أنه مقدر لي أن ألتقي بفوزي حبشي وأن أصبح فردا من أسرته الكريمة ، وأن تغدو هذه الأسطورة الحية جزءا من نسيج عمري ، وأن يتحول هو شيئا فشيئا من الباشمهندس فوزي إلي عم فوزي . في صباي أدهشني صموده داخل السجن وفيما بعد أدهشني صموده داخل الحرية . لأن الحرية في أحيان كثيرة تكون اختبارا أشد وطأة ، ومرواغة ، من الأمتار القليلة بين أربعة جدران . في الحبس لا يبقى للناس في معظم الحالات من خيار سوى البطولة ، أما في الحياة فإن عليهم أن يحتشدوا بكل إرادتهم لمقاومة الأموال والمناصب وأشباه المعتقدات والدروب المموهة التي تقودهم بعيدا عن طرق الحقيقة . وفي كتاب صادر عن ميريت سجل فوزي حبشي سيرة حياته كاملة بعنوان " معتقل لكل العصور" قرأته ثم أدركت أن أسطورة فوزي حبشي لم تكن في أنه كان : " معتقلا لكل العصور " بل في أنه كان : " حرا لكل العصور " من دون أن يتخلى عن مبادئه . في عيد ميلاده تحلقنا حوله ، أنا وأخوتي أبناؤه حسام ، وممدوح ، ونجوى ، وأحفاده ، وأطفال أحفاده ، وبيننا جميعا تتحرك بأقداح المشروبات وأطباق الطعام زوجته الجميلة النادرة ثريا شاكر ، وآخرون كثيرون من عائلة حبشي ، وهو بيننا لا ترى سوى بسمته ولا تسمع سوى ضحكته المجلجلة ، يتذكر كيف أنقذ مكتبة ابن عمه الدكتور لويس عوض من الضياع ويشير إلي الحائط حيث علق كل الأوسمة التي نالها د. لويس ، ثم ينهض ويتقدم إلي صورة لزوجته داخل إطار ويقول : وضعتها في صدفة التقطتها من الرمال حين كنت معتقلا عام .. عام يا سيدي .. ويتذكر : عام 1948 ! أقول له : حينذاك كنت أنا قد ولدت لتوي ! فيضحك ويربت على كتفي مندهشا : والله ؟ معقول ياراجل؟.وتجرجرنا أم ممدوح إلي منضدة طويلة عليها طورطة نقف حولها ونهنئه بعيد ميلاده السابع والثمانين، ويطفيء شمعة ، نغني ونتمنى له من صميم القلب العمر المديد والصحة والسعادة . أقول له في سري : يا عم فوزي عشت حياة جميلة وصعبة تستحق أن تروى. نعود إلي جلستنا في الصالة ، ويسود صمت للحظة ، ومثل سحابة قاتمة تعبر الأحداث الأخيرة فوق رؤوسنا : ماذا جرى في الاسكندرية ؟ من الذي دبر التفجير قبالة كنيسة القديسين ؟ كيف يمكن مواجهة ما وقع ؟ . وأسرح ، أفكر في أن مسئولية الحكومة ووزارة الثقافة ووزارة الإعلام ووزارة التعليم والأزهر واضحة . لماذا لم تنجح تلك الجهات في التصدي للظلام الذي يغمرنا منذ زمن طويل من كل ناحية ؟ مئات الفتاوي تصدر كل يوم بوجوب مقاطعة الأقباط من دون أن يرد الأزهر عليها وهو الجهة المنوط بها ذلك ؟ لماذا لا تعيد وزارة التعليم النظر في المناهج التي لا تلقن التلاميذ سوى الطائفية ؟ . الأسئلة كثيرة جدا ، لكن الخطر الحقيقي يتمثل في أننا لم نعد نرى مخرجا ، أو أن اليأس قد أصابنا من كثرة ما نبهنا دون جدوى ، نشعر في الصمت أننا كأنما ننزلق دون أن نتحكم في سيرنا إلي مايريده بنا الآخرون . ليست المشكلة في المجرم الذي ارتكب الجريمة ، أيا يكن ، المشكلة في حالة الوطن وهو يتلقى تلك الطعنة . حالته التي كانت بحاجة لعلاج من زمن طويل . يمتد الصمت لحظة أخرى نتشبث فيها في خيالنا ببعضنا البعض وبالوطن وبصداقتنا وأخوتنا وبكل الأشياء الجميلة في حياتنا ، ونطفو معا مثل جزيرة على سطح البحر تسبح وحدها . أقول له : مهما يكن سنبقى معا ياعم فوزي، عيد ميلاد سعيد ، ومئة سنة أخرى وبيتك عامر بأنفاس نورا وطارق وماجد وفريد وليلي وميرا وكل من يحبك .

Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  العلم والأدب.. تفاعل مثمر

 ::

  حكايات النفوس الميتة

 ::

  مرحلة انتهت بحكم الإخوان ومرحلة تنهي حكم الإخوان

 ::

  قبضة الفاشية في إعلان دستوري بمصر

 ::

  الحب والفولاذ

 ::

  تجربة إبراهيم عيسى ..

 ::

  مظروف - قصة قصيرة

 ::

  الرئيس أوباما دماثة فقراء وسياسة أغنياء

 ::

  المثقفون البريطانيون " ينبغي لإسرائيل أن تخسر " !


 ::

  النفط .. والوطن.. والهجرة

 ::

  أجهزة كشف الكذب الأمريكية .. تكذب!

 ::

  المواطنة لمن؟

 ::

  خيانة الصمت

 ::

  رصاصة

 ::

  التحدي المشروع والخوف الممنوع

 ::

  كذب اقل لصحة أفضل

 ::

  بنك الأهداف الإسرائيلية في غزة

 ::

  نص فرخة !!

 ::

  هل أنت ضفدعة ..؟؟



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  تداعيات ثورة 30 يونيو علي منطقيونيو، الأوسط

 ::

  هيروشيما و الحضارة الفاجرة

 ::

  تكلفة طلاق المصريين

 ::

  من غزة الى بنغلادش .. هنا الفوضى الخلاّقة

 ::

  الهند تنبذ «داعش»

 ::

  قمَّة عربية لأوطان تتمزّق!

 ::

  معارضة شعبية ايرانية للديكتاتورية الدينية الحاكمة في إيران

 ::

  الموقف العربي المطلوب, وحتمية إسقاط المشروع الصفوي الخميني على أرض العراق!!

 ::

  الذاكرة الفلسطينية وتل الزعتر

 ::

  بوضياف .. الأيام الأخيرة

 ::

  مدلول زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي ولقائه بقادة دول حوض النيل

 ::

  هل فلسطين أكثر... ام تركيا أفضل...؟!

 ::

  الرشوة اقتصاد خفي في مصر (1-3)

 ::

  الرواية بين الخيال والواقع






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.