Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

أم أيمن... رحمها الله
د. زهير نافع   Sunday 19-12 -2010

عندما ذهبت الى الجامعة كنت أمني نفسي بأشياء كثيرة وخطط لها أول ولا آخر لها. حتى اذا ما انتهيت فاجأتني دولة العدو الصهيوني البغيض بوضع جديد يغير كل خططي، بل كل خطط العالم العربي الذي قد يكون تعلم أن يكون له شيء من التخطيط! مما دعاني وباصرار أن أضيع في شوارع المدينة التي بدأت تكبر شيئا فشيئا، لمدة عام كامل ما تركت خلالها باب عمل لم أتقدم له في محاولات يائسة أن أجد عملا يناسبني ويسد حاجاتي في عيش كريم. ووحقيقة الأمر التي أخفيها على الآخرين دائما أنني حصلت على بعض الوظائف لكني لم أشعر أنها تتناسب واياي! اذ كنت قد وضعت لنفسي أهدافا ثلاث من دون كل بهارج الدنيا التي يريدها الآخرون وجمالياتها وزيفها الذي يراه الآخرون ولا أراه... أو في حقيقة الأمر أراه لكنه ما كان يشغل ذهني! وسرت في شوارع المدينة عاما كاملا وأنا أبحث عن هدفي وأصر على تحقيقه... وأخيرا كان لي ما أريد فحصلت على وظيفة أحببتها جدا وكان أجمل ما فيها أنها جاءت بعد طول انتظار وأنها متميزة على غيرها وثالثا أنني لا أحمل أي جميل لأحد في وقت لا بد لك من أجل الحصول على وظيفة من لثم الأيادي أو تشويه مؤهلاتك النفسية والعلمية والثقافية ومخزونك الاجتماعي من الكبرياء والعظمة بطرق عدة أصغرها أن تضطر محادثة شخصا لا يسوى في الحياة شيئا لكن شاءت قدرات قريب أو صديق أو حليف أن يجعل منه مسؤولا! فقد عينني شخص أمريكي كان خبيرا في المؤسسة التي عملت بها وكنت أكره، بل ما زلت، ثلاثة أشياء بعد العدو الاسرائيلي وهي أمريكا وأمريكا وأمريكا... ولكن شاءت الظروف أن أجلس معه بالصدفة أكثر من ساعة من الزمن جعلته يحادثني بالسياسة والدين وعلم النفس والاعلام وكل المعارف وكنت أجيبه محتدا بأنه ليس من حقه أن يسأل عن هذه الأمور فهي تخصنا ولا شأن له بنا! وكان يتلقى صدماتي بكل الود والترحاب والابتسام، حتى اذا ما انتهينا سألني عن مؤهلاتي وان كنت أحب أن أعمل في تلك المؤسسة وما كدت أقول نعم حتى أمسك بيدي وأخذني الى مكتب مسؤول كبير وأنا ما زلت أجهل مركز هذا الخبير وصلاحياته ففتح الباب بقوة وكأنه يخبرني من هو ويقول لذلك القابع داخل المكان وعلى كرسي وطاولة أكبر من مكتب الخبير كاملا ذلك المكان البسيط المقتطع من الممر بلوح خشبي بسيط وبه كرسيان واحد للخبير وآخر لضيف ولا متسع أكثر! وأمره قائلا أنني موظف من هذه اللحظة! وابتسمت وعرفت أنني مع شخص غير عادي بالعمل وغير عادي بالعقلية الشرقية الزائفة والا لكان منعني من دخول المنطقة لتطاولي عليه في كل اجاباتي!

وأصبحت موظفا في مؤسسة موقعها الجغرافي في الطرف المعاكس من المدينة للطرف الذي أسكن فيه. وطلبت من صاحب البيت أن يبحث لي عن غرفة بدل كامل البيت الذي أسكنه على أن تكون أقرب للعمل! وكان مستعدا جاهزا فانتقلت الى بيت أصغر الا أنه في منطقة حيوية من المدينة، ولكن مشكلته أنه ليس مستقلا بعيدا عن الناس كالأول، بل كان في وسط عائلي من الأسر والتي لم يحدثني صاحب بيتي عنها، رغم أنني علمت بعد نصف عام أن الحي بكامله كان محتجا على وجود شاب أعزب في مقتبل العمر بينهم ولكنه أعلمهم أنهم ان رأوا شيئا مزعجا مني فهو سيصحح الأمر لأنني كنت أستأجر بيته الآخر أربع سنوات ويعرف عني الكثير.

مرت شهور ستة وأنا لم أر واحدا من الجيران ولم أتعرف على أحد فقد أحببت عملي وكنت أذهب اليه والناس في أعمالهم وربات البيوت في عز انشغالهن البيتي ولا أعود الا بعد انتصاف الليل فيكون الحي بكامله في النوم. الى أن كان يوما مثل هذه الأيام من العام،قمت من نومي لأسمع حركة ونشاط في الحي، أطللت من نافذة الباب الصغيرة لأجد الدنيا يغطيها الثلج النظيف وكل الناس في اجازة من العمل! وما ان فتحتها حتى رآني الجيران قبالتها فصاح علي الجار المقابل صباح الخير جار وينك تفضل تعال نشرب شاي ونتعرف على بعضنا ونلعب شدة أو طاولة زهر؛ لا أذكر.. وقبلت الدعوة، غيرت ملابسي وذهبت اليهم سلمت على الجيران من حول بيتينا 1ذهبت للداعي ليعرفني على نفسه وزوجته وولده وبناته كفراخ القطا ما شاء الله وزد وبارك وزوجته "أم أيمن" وأصبحت هذه الأسرة أسرتي الحقيقية بعيدا عن أسرتي التي فرقني عنها المستعمر المحتل! وقضينا وقتا ولا أحلى ولكن ظروفا سياسية في المنطقة ولانخراطي بالعمل السياسي عادت وفرقتنا وابتعدت عن بيتي الذي عندما عدت اليه وجدت أن أسرة أبا أيمن قد غادرت لأنهم قد بنوا أو اشتروا بيتا في مكان آخر لم استدل عليه فافترقنا الى أن قدّر للصديقة العزيزة والوالدة والأخت الكبيرة أو كما يحلو لها أن أناديها وتناديني" خالتو" أن تحصل على رقم هاتفي من مكان عملي وما ان سمعت صوتها حتى عرفتها رغم طول السنين فانهارت بالبكاء وأعلمتها أنني أريد الحضور لأراها وأسرتها ، الاأنها طلبت مني أن أؤجل زيارتي للغد لأنها تريد أن تعمل لي مفاجأة! فذهبت في الغد وكانت تقف أم أيمن وأبو أيمن وأيمن وبناتها وأحفادها جميعا... وطلبت أن أتعرف عليهم! وكانت ليلة ولا أحلى.

ومرت الأيام ومرضت أم أيمن واشتد بها المرض ولكنها قاومته بصبر وأناة وما فارقتها ابتسامتها، على الأقل ووفق معرفتي، عندما كنت أحدثها أو ألتقيها.

وكنت في بلاد الغربة عندما رن هاتفي المحمول وكان أحد أصهارها وهو صديق وأخ عزيز ولم أتمكن من الرد عليه لأسباب تقنية وكلفت من اتصل به ليعرف أنه يريد طرح السلام! وحقيقة بأن خوفي وصل الى الركب! خفت على أم أيمن! وما أن عدت حتى ذهبت اليها لتستقبلني بابتسامتها المعتادة... وأعلمتها أنها تبدو بصحة جيدة فأجابتني والله يا خالتو ما في شي بيرجع زي ما كان! وضحكت وضحكت ولكني كنت أعلم حقيقة أن لا شيء يرجع لم كان عليه!

ومرت أيام قليلة عندما فوجئت بهاتف من صهرها بأن أم أيمن قد توفاها الله وأنهم في طريقهم للدفن لأنهم من ساعات الصباح وهم يريدون اخباري ولكن الهاتف المحمول عندي لا يعمل! فلم أتمكن من وداعها ولا حتى المشاركة في التشييع أو الدفن. يا الهي كم أمقت هذا الهاتف المحمول الذي لا أحبه أبدا بل أمقته وقد أنساه أياما وليال دون أن أعره اهتماما فتفرغ بطاريته ويصبح مشلولا لا فائدة منه، بل تماما كما أحبه أن يكون!

وتعرفت على أسرة العزيزة الغالية المرحومة، أسرتها البعيدة أولئك الذين حضروا من بلدان مختلفة لوداعها وكانوا ربما يستغربون عن العلاقة التي تجمعنا الا بكلمة من أبنائها أنني واحد منهم! أنني أخوهم أيضا!

رحم الله أم أيمن التي ما عرفت أن لا علاقة تربطها بفلسطين أبدا الا بعد وفاتها! كنت أحادثها على أنها فلسطينية قلبا وروحا وجسدا وحقيقة! أعرف أنها سورية لكني كنت أمني نفسي أن الأب أو الأم أو الجد أو الأصل هو حتما فلسطيني! هكذا كانت توحي لي وتحب حديثي عن فلسطين وذكريات فلسطين وروح فلسطين حتى اختلط علي الأمر!

الى جنة الخلود أيتها العزيزة الراحلة... الى جنات النعيم... الى فردوس بحجم قلوب محبيك من عائلتك وأصدقائهم وأصدقائك، لتنر لك دربك وتكوني في السماء كما كان يحلو لك أن تكوني وأنت على الأرض بل أكثر قليلا وأوسع كثيرا !

شفى الله ابنك وحفظ زوجك وبناتك وأسرهنّ جميعا وأحفادك وأسرهم وحفظهم جميعا بكل العافية وقرب كما كانوا على العهد في وجودك!

ليت الموت ما كان!



 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  حال الأعراب

 ::

  من هناك بدأت كل الحكايا

 ::

  بوس الأيادي

 ::

  صيف الوطن!

 ::

  اليهودي الفلسطيني

 ::

  هل الحياة الا بعض العطاء؟!

 ::

  عيد ربيع فلسطيني

 ::

  من فلسطين الى الشهيدة راشيل!

 ::

  افساد الأسرة وغنائم الوطن!


 ::

  حملة شبابية تدعو لتعدد الزوجات

 ::

  اقتراح حل السلطة الفلسطينية لماذا الآن؟

 ::

  كلام فلسطين : البعد الأمني الإسرائيلي في المعادلة الفلسطينية

 ::

  التيار الممانع ورهان التغيير في البحرين

 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه

 ::

  قائدة الثورة المصرية.. أسماء محفوظ..محطمة حاجز الخوف

 ::

  العلاج بالروائح العطرية



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.