Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

رسالة من برلين
محمد نبيل   Sunday 07-05 -2006

رسالة من برلين عزيزي حمودة

هذا الصباح، اكتشفت أنه لم يعد لي مكان للاستلقاء على بطني. رأسي يؤلمني و أصابعي تقول لي أشياء كثيرة. اخترت أن يكون لي حيز في هذا العالم المغبون. قررت أن أكاتبك و أقول لك بعضا مما أراه في ظلمة الليل الألمانية.

هل تذكرت اليوم الذي حملت فيه حقيبتي الرمادية. كنت تضحك وأنا أعبر لك عن أحلامي الوردية. رحلت بعيدا عن رائحة الخبز التي كنت تخرجها من فوهة الفُرن البلدي. كنت أنت الخباز الذي ينصت إليه أهل الحومة و كأنك أب الجميع. كل الرفاق يأتون إليك من أجل النصيحة. لم تكن بخيلا أو مريضا بلعنة الدرهم كعلال ،صاحبنا الذي باع كل شيء حتى نفسه. هل مازلت وفيا للمسابقة التي كنت تنظمها لأحسن كذاب و أنت الذي تكره الكذب و البهتان؟

أتذكر، كان الجو جميلا و كل الوجوه كانت منيرة من شدة انعكاس أشعة النار التي كانت ترتسم على سحنات بريئة. أيادٍ منقوشة بالحناء و حفلات الناس تزين أجواء البلدة. كم كانت تلك الحلوى لذيذة. عندما كنت أراها يسيل لعابي فأشم فيها رائحة العود المبلل. كنت دائما تحرق الخشب و دموعك تتدلى من عينيك الغائرتين، حسرتك كانت لا تخفي على أحد و أنت تلعن من خرب تلك الغابة و حول أشجارها العاتية إلى حطام ينهبه اللصوص و تجار الأحلام.

أنا لم أنس كما تعتقد. فكذبة رفيقنا بوشعيب الذي فاز بجائزتك الأولى كانت مصنوعة بعناية. لم أكن أصدق أن عقلي قادر على ابتكار تلك الكلمات. عندما كان بوشعيب يحكي كيف كان ينصت للمذياع و إذا بصحافية بورتغالية تدخل معه على الخط وتنبهه بأنه يفسد الموجات الأثيرة بحركة يديه. لقد كنا قرب الحائط الآيل للسقوط نستمتع في حميمية مطلقة بلحظات كان يخرج فيها الخبز من فوهة النار ملتهبا. كنت تلمسه بيديك التي رسمت ملامحها لدغات العقارب و الأفاعي.

في تلك الأمسية، لم يكن بوشعيب كعادته بشوشا. كان يصرخ و كأنه فقد شيئا ثمينا. هل مازلت حافظا لألفاظه الساخرة. لقد كان يقول لنا دون أن ينتبه للنساء اللواتي تنظرن من وراء ثقب النوافذ و الأبواب الموصدة:
ـ ولدي مسخوط الوالدين خرج من المني ديالي و بغا اليوم يعصاني.
بوشعيب يرفض أن يكون لابنه قرار مستقل يجعل منه ذاتا مستقلة لا تعتمد على الآخرين. كلمة هذا الأب الملعون لا تسقط ولو كان الثمن حياة ابنه. من فرط الاستغراب قهقهت كثيرا حتى أغمي علي. أعرف أنه كان علي أن أنظر إليك حتى تعود علامات الحكمة إلى سحنات وجهي.

عزيزي حمودة، عندما أتجول في شوارع برلين أسترجع شريط الذكريات لأرى كيف كنا نخترق الفيافي و البساتين من أجل أكل الكرموس تحت ظلمة ليل هادىء . كم كانت لذة المشي ممزوجة بحديثنا الشيق. كان كل شيء جميلا يطاردنا طيلة بقية الأيام التي كنا نفترق فيها.

هنا ، ليس هناك لا كرموس و لا حتى ذلك الماء المالح الذي كنا نشربه بجوار بائعي الحلزونات المسلوقة . آه كم كنت رائعا عندما تبدأ في سرد حبك الجنوني لموسيقي بوب مارلي و البيتلز . كنت عاشقا ليوكو و جون لينان و غيرهم. ومثلما يحصل في الأفلام التاريخية التراجيدية، وبحركة يديك الغليظتين، كنت هادئا، تتكلم بدون أن ترى في عيني علامات الشوق. لقد صرت بطلا و رمزا لكل محبي الحياة. تحولت إلى مرجع شعبي بامتياز. لن أنسى أيامك بجوار البحيرات و الأنهار عندما كنت تصيد السمك. هنا ،أنت تعرف و الكل يعرف ،أن السمك في هذه البلاد نحيف، خائف، لا يستطيع النظر إليك و لو كآخر مرة قبل أن تصطاده و تجعله أكلة لك. لقد ذهب السمك، المشوي،و جلسات الشاي المنعنع . ذهب من يدفىء أسماعي ويقدم لي دروس الحكمة. ذهب عشاق الليل و أهل الهوى. ذهبوا كلهم و لم تبق سوى صورهم ماثلة أمامي، تحاول أن تحاورني كل يوم، لعلها تجد في نفسي ضالتها الأخيرة.

صحافي و كاتب مقيم بألمانيا
[email protected]
[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  حي الظلام

 ::

  اللاجئات العربيات بألمانيا و حكاية الخوف من المجهول

 ::

  علي الضاحك

 ::

  كيف يدفن الموتى العرب بالمقابر الألمانية ؟

 ::

  عندما تحب كلاوديا

 ::

  حفار القبور

 ::

  سؤال الموت

 ::

  الأمهات العازبات بالمغرب

 ::

  حلاق للكلاب فقط


 ::

  بعد العراق بلاك ووتر في الضفة الغربية

 ::

  عقوبة الإعدام .. رؤية إسلامية

 ::

  حملة شبابية تدعو لتعدد الزوجات

 ::

  اقتراح حل السلطة الفلسطينية لماذا الآن؟

 ::

  كلام فلسطين : البعد الأمني الإسرائيلي في المعادلة الفلسطينية

 ::

  التيار الممانع ورهان التغيير في البحرين

 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.