Ramadan Changed me
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: طب  :: علم نفس  :: البيئــة

 
 

شجرة السنديان
عبد الرحمن عمار   Friday 26-11 -2010


على مرمى حجر من مدينتي الصغيرة، تنتشر سفوح جبلية عالية ورائعة في طبيعتها وغاباتها المخضرّة، وقد أغرتني، كما أغرت غيري، أكثرَ من مرة بالتوجه إليها والتجوال بين شعابها وقضاء فترة من الوقت عبر مجاهل غاباتها التي تتميز بشجر متنوع الأشكال والألوان، ولا سيما السنديان.
وما يزيد الرحلة متعة وتنوعاً، أن مَن يقصد تلك السفوح، لا بد له من المرور بنهر العاصي وقضاء بعض الوقت على شواطئه، حيث شجر الصفصاف الذي يتدلى على الشاطئين، وكأنه يحاول أن يحنو على مياه النهر الرائقة الصافية التي لم تَغْزُها بعدُ ملوّثات الحضارة، بحيث يمكن للعطشان أن يشرب منه ويرتوي هنيئاً مريئاً بأمان واطمئنان.
تلك السفوح الجبلية تحتضن شجرة السنديان، كما تحتضن الأم وليدها، وأينما يتوجه الإنسان هناك في تلك السفوح، يجد تلك الشجرة فوق هذه الرابية أو في منخفض ذلك الوادي.. منها الطفلة الوليدة، ومنها الفتيّه الناهد، ومنها كذلك الممتلئة قوة وعافية وشموخاً. وهكذا تترسخ تلك الشجرة أجيالاً إلى جانبها أجيال، تعيش معاً وتعمق وجودها بين الهضاب الصخرية الوحشية، وتبقى تمارس وجودها مائة عام، بل ربما مئات.. ومئات، وكأن الزمن، بطبيعته التي تفني وتبدد، يتهيّب من الاقتراب من تلك الأشجار، أو أنه حاول ذلك مراراً منذ دهور و.. دهور، فلم يستطع النيل منها، فأصابه كما أصاب وَعْلَ ذلك الشاعر الذي قال:
كناطحٍٍ صخـرةً يومـاً ليوهِنَـها
فلم يضُرْها، وأعيى قَرْنَه الوعلُ
وإذا كنتَ عزيزي القارئ، تسمع بهذا النوع من الشجر، ولا تعرف ماهيّـته ولا طبيعته، فإنني على استعداد تام لأصفه لك وصْفَ العالِم العارف، بعيداً عن هذر الجاهل الهارف، دون أن أطلب منك لقاء ذلك أجراً كبيراً أو قليلاً من مال بالعملة الأميركية، أو مِنّةٍ وعرفان باللغة الوجدانية. أي باختصار شديد، وبالعربي الفصيح، لا اطلب منك على ذلك، لا جزاء ولا شكورا.
ولنبدأ أولاً من ثمرة تلك الشجرة، واسمها " البلّوط "، وكنت أظن فيما سبق أن البلوط هو نوع من الشجر الغاب، يختلف عن شجر السنديان، ثم تبين لي فيما بعد أن السنديان والبلوط نوع واحد، ولا تفريق بينهما، هكذا قيل لي ، والله أعلم..!!.
وثمرة البلوط تتميّز عن غيرها من ثمار الدنيا كلها، أما كيف ولماذا ومن أين يأتيها هذا التميّز..!! فسوف أقول لكم: أولاً، هي من حيث لونها وشكلها وطبيعة حجمها تشبه رصاصة مسدس من العيار الثقيل، وثانياً، يوجد في رأسها ما يشبه الشوكة التي تذكّرنا بالقول الشعبي المعروف " فلان شوكة في عيون الأعادي "، وثالثاً، يمكن أن يكون لُبُّـها غذاءً لجيرانها من بني الإنسان، سكان الجبال والجُرود، حين يكون الجوع في أيام الشتاء القاسية القارصة سيّدَ المواقف كلها، وهي تُشوى كما تُشوى شجرة الكستناء، ويكون طعمها مقبولاً ومستساغاً في فم الجائعين.
وحتى أقطع الطريق على كل مَن يريد أن يشكّك بهذه المعلومات الهامة التي أقدمها، وبمصداقيتي التي تحتضن تلك المعلومات..!! فإنني أقسم بالقلم، أو بالحاسوب الذي بدأ يحلَّ مكان القلم؛ هي ذي ثمرة البلوط، أُمسكها الآن بيدي اليمنى، وأفتلها بين أصابعي، وأنا أكتب هذه السطور باليد اليسرى، وأتأمّلها تأمُّلَ المندهش من صلابتها وتكوينها الرائع، كصلابة وتكوين أمها شجرة السنديان. وهذا ما يجعلها تصمد أمام عاديات الزمن، لا يأتيها العطب في قشرتها أو لبها طوال أيام الشتاء، إذا ما خُزّنت في بيت أو كهف، فتكون غذاء وعوناً لبني الإنسان، يسد بها جانباً من جوعه المتواصل.
وإذا ما انتقلنا إلى غريزة حب البقاء وقانونه الطبيعي، لوجدنا أن من طبيعة شجرة السنديان، حين تنضج ثمارُها، تقذف بذلك البلّوط عن حكمة ودراية، وبين حين وآخر في الجهات كافة، لا تفرّق بين شرق وغرب ولا شمال وجنوب، كما يفعل بعض بني الإنسان، حين ينهبون النسبة العظمى من أموال الدنيا وطعامها وحاجياتها، ويكدسونها بشكل مُتْخَم في أمعاء الغرب والشمال، ويتركون الشرق والجنوب يعانيان العَوَز والفاقة والتخلف.
والمدهش في السنديان، حين يقذف بثماره، فإنه يقذفه بشكل سريع وفجائي، تماماً كما تنطلق الرصاصة من المسدس، فينغرس بعضها في الأرض، حيث تجد التربة الصالحة والملائمة للنشوء والارتقاء، بعيداً بعض الشيء عن الشجرة الأم.
وهكذا، بعد حين، تتحول الثمرة المدفونة في الأرض إلى جنين، لا يلبث أن يطلّ برأسه نحو الضوء والأعالي برعماً يمتلك الطراوة والعنفوان معاً، ثم يتفرع في الآن ذاته ويمتد في باطن الأرض وفوقها، حتى يتشكل كحلقة دائرية خضراء ممتدة، لا تفريق بين الجذور والأغصان، فالكل يتشبث في الأعماق، والكل يطمح نحو الأعالي، حتى إذا آنَسَت تلك الجذورُ والأغصانُ القوّةَ على التحدي والقدرة على النهوض، يصعد من وسطها غصن، بل جذع واحد، هو الأقوى بين الجميع، ويبدأ بالتنامي والتطاول، دون أن يهاب المنون، فكل ما في تلك الحلقة الدائرية الخضراء، من جذور وأغصان، تحميه وتحرسه وترعاه بكل ما تحمله من حنانٍ ونباهةٍ وتوثّبٍ وغضبٍ على كل من يحمل في نفسه بذور الشر والجريمة، ويحاول أن يعتدي على حَرَم تلك الحلقة الدائرية الخضراء.
وتبقى الحال هكذا، حتى يتطاول الجذع ويلتفّ على نفسه بقوة وتمكّنٍ، ومن ثم يتكون شجرةً متناسقة بأغصانها وفروعها واخضرارها. وآنئذ تبدأ تلك الحلقة الدائرية تصفرّ أوراقها وتنشف، ويدبّ فيها اليباس والتلاشي، بعد أن تطمئن على أن شجرتها الوليدة قادرة على حماية نفسها والدفاع عن وجودها وبقائها، وتموت مطمئنّة راضية. هكذا هي سنة الحياة في عالم أدعوه عالم السنديان.
******
والآن، عليّ أن ألتقط أنفاسي قليلاً، وأغمض عينيّ حالماً بجلسة هادئة، أسند فيها فكري المرهق وظهري المتعب على جَذع إحدى تلك الأشجار.. أشجار السنديان، وأنعم بالفيء تحت عنفوانها، ثم يخيّم التساؤل التالي فوق ذهني وذاكرتي: ليتني أدري ما الذي دفعني لكي أتحدث هذا الحديث المستفيض عن شجرة السنديان. هل هو اليأس العربي الذي يمتد ويستشري في طول البلاد وعرضها، بجبالها وسهولها ومياهها وصحاريها وأرضها وسمائها، وفي وقت أرى فيه الهشيم خانعاً.. صامتاً.. هشّاً.. ضعيفاً.. يابساً.. متكسراً..!!؟. أم هو الأمل الذي أبصره وألمسه وأحسّ به في وجداني، يَنْبَني حجراً فوق حجر، وقطرة دم في إثْر قطرة دم، وروحاً تُبذل راضية بعد أخرى، ليصعد من وسط كل ذلك الفداء الإنساني النبيل جَذْعُ وطن، متناميةٌ ومخضرّةٌ أغصانُه.. هكذا دون اكتراث بذلك الهشيم الخانع الضعيف، تماماً كما صعد ذلك الغصن السنديانيّ الأبيّ من وسط تلك الحلقة الدائرية الخضراء، ليصبح فيما بعد شجرة صلبة شامخة..!!؟.

abdalrahmanammar.jeeran.com/a1a1a1
[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         
  مراو -  كويت       التاريخ:  15-01 -2012
  مشكورين يا أحلى موقع دخلته على معلومات الي نستفيد منه وكل شكر لمشرف محدثتكم مريم


 ::

  بلطجية يتولون حماية خطيب مسجد بالعاصمة النمساوية...فيينا

 ::

  أحكام التعامل مع المعاهدين خارج الدولة الإسلامية

 ::

  دوالي الساقين.. الجراحة المبكرة قبل أن تداهمك المضاعفات

 ::

  القاضي رزكار محمد أمين : عظمة صدام وشيبته ووقاره و الحق الذي يقف به امامي سبب استقالتي

 ::

  خدعوك فقالوا : عدالة انتقالية!

 ::

  وهل يملك الإخوان بديلاً غير الأسوأ ؟!

 ::

  انتفاضة يوم الأرض سبعة وثلاثون عاما

 ::

  ;في ذكرى ياسين ، أبو عمامه جاء من أمريكا ليلقي علينا الدروس؟

 ::

  قمة الدوحة.. اية نقمة ايها العرب..!!؟

 ::

  مغامرات سياسية دكتاتورية



 ::

  هل الاونروا مؤسسة دولية إنسانية أم مؤسسة تآمرية؟

 ::

  سوريا....تساؤلات تنتظر الواقع ليجاوب عليها

 ::

  نحو معيارية اكاديمية للمعرفة الاسلامية

 ::

  وهل يملك الإخوان بديلاً غير الأسوأ ؟!

 ::

  مغامرات سياسية دكتاتورية

 ::

  أحكام التعامل مع المعاهدين خارج الدولة الإسلامية

 ::

  انتفاضة يوم الأرض سبعة وثلاثون عاما

 ::

  خدعوك فقالوا : عدالة انتقالية!

 ::

  قمة الدوحة.. اية نقمة ايها العرب..!!؟

 ::

  ;في ذكرى ياسين ، أبو عمامه جاء من أمريكا ليلقي علينا الدروس؟


 ::

  لماذا التمسك باحتلال فاشل ومرفوض?

 ::

  حتى يكون السلام!

 ::

  اليمن :والقيادات البالونية

 ::

  «الحرب والسلام» في جورجيا والمنطقة

 ::

  قتل بنكهة الموساد

 ::

  للجُبنِ أيضا رجاله!

 ::

  لحظات الانجاز والانتصار

 ::

  المساجد وترشيد الاستهلاك

 ::

  إلى الذين يخافون الله وينطقون بالحق..!!

 ::

  الانقلاب "البوذي" الليبرالي


 ::

  المفكر المسلم مالك بن نبي/2

 ::

  دمشق تحتضن معرض دلفا

 ::

  ساعد دون ان تنزع سروالك

 ::

  ضم اسرائيل الى عضوية حلف الناتو

 ::

  في ضيافة الرحيل

 ::

  اليسار الفلسطيني ... عندما يقتات على الفتات

 ::

  منظمة التحرير .. جدلية التمثيل وحتمية التغيير

 ::

  بلسم الروح

 ::

  الشاعر محمد ياسين يحي أمسيته الشعرية

 ::

  حكومة أولمرت- بيرتس وأجندة الحل الأحادي الجانب

 ::

  لا للإرهاب الفكري

 ::

  عملية غزة: صورتان ومصير واحد!

 ::

  بيروت يا أمل الأمة

 ::

  وراء قانا ما وراء دير ياسين






radio sfaxia
Ramadan Changed me



جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

website statistics
اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.