Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

اليهود وأرض الميعاد
د. محمد عبد العزيز ربيع   Saturday 21-08 -2010

يدعي اليهود بأن ربهم وعدهم أرض فلسطين، وأن قيامهم باستعمار تلك البلاد وتهجير شعبها والاستيلاء على أملاكهم وقتل مئات الآلاف منهم ومصادرة حقوقهم جاء بأمر من ذلك الإله العظيم. لكن إلها يأمر أتباعه بقتل الغير من الناس وارتكاب جرائم شنيعة بحقهم دون سبب لا بد وأن يكون رئيس عصابة تمتهن الإجرام والسرقة والقتل، وليس إلها يأمر بإقامة العدل في الأرض. لن أدخل في نقاش هذا الموضوع لأن الهدف من كتابة هذا المقال ليس الحديث عن أرض الميعاد المُختلقةK ولا من أجل تفنيد أكاذيب كتبهم القديمة التي ربما تحتاج لألف كتاب وألف باحث. إنما الهدف هو الحديث عن أرض الميعاد الحقيقية التي يعيش اليهود فيها اليوم بسلام ويحكموها دون حاجة لارتكاب جريمة جديدة كل ساعة، واختلاق كذبة جديدة كل دقيقة.. أرض يهيمنون عليها وعلى حكامها ويسخرون إمكانياتها لخدمة مصالحهم.
إن من يطلع على أحوال اليهود في أمريكا، ويتعرف على مستويات معيشتهم وتعليمهم ودرجة ثرائهم، والمواقع الرسمية والأكاديمية والمدنية التي يشغلونها سوف يندهش لأنه سيكتشف أنهم يعيشون في أرض ميعاد لا مثيل لها ولم يكن بمقدور إلههم أن يتخيلها أو يحلم بها. لكن يبدو أن اليهود مصرون على خسارة أرض الميعاد هذه كما خسروا مواقعهم في أوروبا بسبب سلوكيات تناقضت مع تقاليد المجتمعات التي عاشوا فيها، ونتيجة لثقافة دينية تعادي وتستعدي الآخر. إن قيام قادة اليهود في أمريكا بتبني أكاذيب الصهيونية وترديدها كالببغاء، ودعم إسرائيل والدفاع عن جرائمها، استوجب قيامهم بتضليل الرأي العام الأمريكي، واستعمار عقول الشباب، والسيطرة على أهم المؤسسات الرسمية وغير الرسمية في البلاد. وبالفعل قامت المنظمات اليهودية بالتعاون والتنسيق فيما بينها والسيطرة على الكونجرس والبيت الأبيض ومعظم مراكز صنع القرار في مجلس الأمن القومي والخارجية، والهيمنة على مؤسسات الإعلام والنشر وبنوك التفكير وصناعة السينما الرئيسية والجامعات الرئيسية، وتوجيه المال اليهودي لمكافأة من يطيع الأوامر ويتبنى قاموس الاكاذيب الصهيونية إنجيلا جديدا له من سياسيين وصحفيين، ومعاقبة من يخرج على عصا الطاعة. ولقد ساهمت الهيمنة على الإعلام وتوجيهه لخدمة إسرائيل في خلق تمحور عقائدي غير مسبوق داخل أمريكا يحول اليوم دون قيام الكونجرس بإقرار برامج وسياسات تحظى بإجماع النخبة السياسية، وبالتالي معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومواجهة التحديات الخارجية.
وضمن سياسة تعزيز أمن إسرائيل ودعم مشاريعها الاستيطانية، وتهديد أمن ومستقبل الشعوب العربية، قام زعماء الصهيونية بحرمان سكان البيت الأبيض السابقيين والحاليين ورجال الكونجرس والصحفين من اتخاذ المواقف التي تمليها عليهم ضمائرهم، كما قاموا بحرمانهم أيضا من طرح قضية التحالف مع إسرائيل وسياساتها للنقاش. وبينما كانت أمريكا تقوم بغزو العراق تلبية لرغبات إسرائيل وعملائها من المحافظين الجدد، كان أثرياء أمريكا الذين يشكل اليهود جزءا كبيرا منهم يقومون بالسطو على خزينة الدولة من خلال شركات التأمين الصحية، والسطو على مدخرات الشعب من خلال بنوك الاستثمار، وخفض معاشات العمال والطبقة المتوسطة. وبسبب التكلفة الباهظة لحروب أمريكا، ووصول العملية السياسية لحالة من الشلل بسبب التمحور العقائدي، فإن أمريكا وجدت نفسها تتحول بسرعة من دولة عظمى وحيدة إلى دولة كبرى مثقلة بالديون والأعباء والمشاكل وغياب الرؤية ودون قيادة وطنية تحظى بشعبية. وهذا يجعل من الصعب ظهور زعيم أمريكي ضمن اللعبة الديمقراطية في مقدوره تحرير بلاده من الابتزاز الإسرائيلي والاستعمار الصهيوني. وهذا يعني أن عملية التحرر قد تتأخر كثيرا، مما قد يفتح المجال لظهور تيارات يمينية شعبية متطرفة معادية لليهود وللمؤسسة السياسية في واشنطن تطالب بتغيير النظام القائم، وتقوم بحرمان اليهود من التمتع بالعيش بسلام في أرض الميعاد الحقيقية. وتشير آخر استطلاعات الرأي العام إلى أن الدولة بفروعها الثلاثة، السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية خسرت ثقة الشعب، كما خسرها الإعلام الذي يعتبر سلطة رابعة، وأن فقدان الثقة يشمل أيضا البنوك وشركات التأمين والشركات التجارية والصناعية.
يتحكم يهود أمريكا اليوم في معظم المؤسسات الرئيسية التي تقوم الدولة من خلالها بتسيير شؤون البلاد والتعامل مع الغير من دول ومنظمات دولية. فعلى سبيل المثال، يستطيع اللوبي الإسرائيلي أن يستصدر من الكونجرس أي قرار يريده خدمة لإسرائيل، وأن يوقف أي قرار رئاسي يمس مصالح الدولة العبرية. وفي مجال النشاطات المالية، يسيطر اليهود على معظم بنوك الاستثمار التي تسببت في وقوع الأزمة الأخيرة، ويحتكرون مركز محافظ البنك المركزي ومعظم المراكز الرئيسية في وزارتي المالية والتجارة، كما يحتكرون مركز رئيس البنك الدولي، فرئيسه الحالي يهودي جاء خلفا ليهود أمريكي آخر. أما الإعلام، فقد هيمن عليه اليهود منذ عقود وسخروه لخدمة إسرائيل ولما يهمهم من قضايا أخرى. في عهد الرئيس كلنتون، كان كل مساعدي وزير الخارجية المسئولين عن كافة مناطق العالم من اليهود، كما كان ثلثي أعضاء مجلس الأمن القومي بما في ذلك رئيس المجلس منهم. حين حاول الرئيس أوباما وقف عمليات الاستيطان في الضفة الغربية فشل في حمل إسرائيل على احترام قراره، مما جعله يبتلع سم الهزيمة ويتراجع أمام نتنياهو على مرآى من العالم أجمع. وبدلا من استخدام المعونات الأمريكية أداة للضغط على إسرائيل، طلب أوباما من الكونجرس تخصيص 205 مليون دولار معونة عسكرية إضافية لتمويل برنامج تطوير صواريخ إسرائيلية. وحين ذهب السيد جميس جونز رئيس مجلس الأمن القومي الحالي للاجتماع بالرئيس محمود عباس أثناء زيارته الأخيرة لواشنطن، كان برفقته ثلاثة أشخاص كلهم من اليهود، يتقدمهم دينيس روس، أكبر فاشل في تاريخ المفاوضات في العالم.
إن ما يدركه الصهاينة ولكن يرفضون الاعتراف به هو أن إسرائيل كيان عنصري استعماري غير قابل للحياة، وأن توقيع معاهدات سلام مع بعض الدول العربية ومعاهدة استسلام مع السلطة الوطنية الفلسطينية لن توقف المد العربي والإسلامي الرافض للكيان الإسرائيلي، بل إنها ستؤدي إلى تصاعد ذلك المد واتساع نطاقة. ومن الدلائل على موقف الرفض الكامل لوجود إسرائيل، مقاومة الشعوب العربية لسياسات التطبيع، وتنامي قوة التيارات الإسلامية المتطرفة، وتوالد المنظمات المرتبطة بالقاعدة في كل بلد إسلامي تقريبا وحصولها على دعم معظم الفقراء والكثير من الأثرياء والعديد من الكتاب، وحتى بعض أفراد الجاليات الإسلامية في أوروبا وأمريكا. إن أكبر خدمة يقدمها اليهود لأنفسهم وللأرض الموعودة التي يعيشون فيها هي تشجيع أكبر عدد ممكن من يهود إسرائيل على الهجرة لأمريكا والتفاهم مع العرب على تصفية الكيان الصهيوني بطرق سلمية قبل فوات الأوان. لا أعتقد أن هناك إمكانية لإقناع غلاة الصهاينة بهذا المنطق، لكنني أعتقد أن التصفية قادمة، وقد تتم خلال سنوات معدودة، وقد لا تتم قبل ثورة الشعب الأمركي على الاستعمار الصهيوني. إن يهود أمريكا لا يتحكمون في أمريكا فقط، بل يوفرون الحماية لكل الجاليات اليهودية في أوروبا الغربية والشرقية من خلال هيمنتهم على أمريكا، لكنهم يقامرون بكل شيء في سبيل قضية خاسرة.. إن ما يقوم به اليهود اليوم يشبه ما كانت تقوم به الكنيسة الكاثوليكية في العصور الوسطى حين كانت تُعين الملوك والأمراء وتُسخرهم مع الشعوب التي يحكمونها لخدمة أهدافها ورجالها، فإسرائيل تقوم اليوم بتعين صانعي القرار في واشنطن، وتسخير أمريكا لخدمة إسرائيل ومصالح الجاليات اليهودية في كل مكان. وهذا يعني أن الشعب الأمريكي سيستخدم نفس الأداة التي استخدمتها شعوب أوروبا للتخلص من سيطرة وسطوة الكنيسة.. الثورة على الصهيونية ورجالها وفكرها.
إن أزمة أمريكا السياسية ستتصاعد ومشاكلها الاقتصادية ستتزايد وتتعقد، وإحساسها بالأمن سيتراجع، ومصداقيتها على الساحة الدولية ستتقلص، وستبقى نظم حياتها ومؤسساتها الرئيسية موظفة في خدمة إسرائيل ما دامت إسرائيل موجودة ككيان سياسي على أرض فلسطين. وهذا أيضا هو حال العرب، إذ بدون تصفية الكيان الصهيوني لن ينعم الحكام العرب بالطمأنينة، ولن تتوقف التيارات الدينية المتطرفة عن تجنيد المزيد من الشباب لإرتكاب أعمال إرهابية، ولن تتحرر الشعوب العربية من الكبت والاستبداد، ولن تحقق التنمية. وإذا كان بإمكان الحركة الصهيونية السيطرة على أمريكا وإذلال رؤسائها، فماذا سيكون عليه حال القادة العرب الذين يتقربون من إسرائيل، خاصة إذا أقاموا صلحا معها وفتحوا أبواب بلادهم أمام اليهود للتغلغل في المجتمعات العربية والسيطرة على النشاطات الاقتصادية.


[email protected]
www.yazour.com

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  تاريخ القراءة

 ::

  الحصار الظالم على شرفاء اشرف

 ::

  حرام عليهـــــم...: قصة قصيرة

 ::

  قصيدة :الراية البيضاء

 ::

  مفهوم الحرية

 ::

  دمعتان ووردة

 ::

  تونس ترسم بقوة معادلة الشعوب العربية

 ::

  : قاتل الله . . . . السفر . . ! ! !

 ::

  زمن الرويبضات

 ::

  بديلُ ثـقافةِ العُنْفِ ... لتغييرِ وإصلاحِ الأنظمة



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!



 ::

  ثلاث حكومات في الربيع

 ::

  مراجعات الصحوة والعنف... قراءة مغايرة

 ::

  تكفير التفكير.. الصحوة والفلسفة

 ::

  العقرب ...!

 ::

  مجلس الأمن والصراع في ليبيا

 ::

  أين ستكون بياناتك بعـد مليـــون سنــة؟






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.