Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

 
 

إيطاليا المستنزفة
لويجي سبافينتا   Sunday 09-04 -2006

خيبة رجاء الناخبين في بيرلسكوني لا تصب بالضرورة في مصلحة برودي واليسار. فقد كشفت استطلاعات الآراء أن الثقة في “كل” أهل السياسة والأحزاب السياسية قد بلغت أدنى مستوياتها على الإطلاق

ربما كانت إيطاليا الآن على وشك أن تواجه أكثر انتخاباتها أهمية منذ عام 1948 حين أكد الناخبون قيام الجمهورية الإيطالية الجديدة من بين أنقاض نظام موسيليني الفاشستي. ففي يومي التاسع والعاشر من إبريل/ نيسان يتعين على الإيطاليين أن يختاروا ما بين حكومة رئيس الوزراء سيلفيو بيرلسكوني التي تنتمي إلى يمين الوسط، وبين كتلة يسار الوسط تحت زعامة رومانو برودي. لكن أياً من الرجلين لا يبدو من ذلك النوع من الشخصيات الحاسمة القادرة على التعامل مع المأزق الاقتصادي الكئيب الذي تمر به إيطاليا.

إن الشِدّة الاقتصادية التي تعاني منها إيطاليا واضحة تمام الوضوح. فقد كان معدل النمو الاقتصادي التراكمي خلال الخمسة أعوام الماضية الأكثر تباطؤاً في منطقة اليورو 2.3% مقارنة بمتوسط 8.7% مع عامين من الركود التام. كما هبط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ليصبح أدنى من متوسط منطقة اليورو. وعلى الرغم من تزايد معدلات توظيف العمالة، إلا أن مستويات إنتاجية هذه العمالة ظلت ثابتة، كما انحدرت الإنتاجية الإجمالية للمصانع. ومع اقتران هذا الوضع بالارتفاع الحاد في سعر الصرف الحقيقي، فقد أدى إلى خسارة هائلة في ما يتصل بالقدرة على المنافسة، فضلاً عن القدرة التصديرية. ويبدو أن القطاع الوحيد الذي يشهد نمواً الآن هو قطاع الكتب التي تتحدث عن انحدار إيطاليا.

يزعم بيرلسكوني أن الإحصائيات غير جديرة بالثقة، حيث إنها تحجب حقيقة أكثر إشراقاً في ما يتصل بأثرياء إيطاليا. ثمة أعضاء آخرون في الحكومة يعترفون على نحو إكثر واقعية ورصانة بأن إيطاليا تواجه عدداً من المشاكل الخطيرة، لكنهم يلقون باللوم على عوامل خارجة عن إرادتهم: سلسلة من الصدمات الاقتصادية العالمية، وتباطؤ في نمو أوروبا القارية، وانخراط الصين في منظمة التجارة العالمية، والدور الذي يلعبه اليورو.

لكن مثل هذه التفسيرات غير مقنعة. فهذه الصدمات العالمية خلفت آثارها في كافة الدول الأوروبية على السواء، تماماً كما فعل دخول الصين (ودول آسيوية أخرى) إلى منظمة التجارة العالمية. لكن الصادرات الفرنسية على سبيل المثال كانت خسارتها أقل كثيراً، بينما ارتفعت صادرات ألمانيا. والحقيقة أن النمو الأوروبي تراجع بسبب معدلات النمو الهزيلة في ألمانيا، لكن هامش النمو في إيطاليا كان أقل من ألمانيا. وأخيراً، فعلى الرغم من أن عملة اليورو وضعت نهاية لمحاولات تخفيض قيمة العملة الرامية إلى زيادة القدرة على المنافسة، إلا أنها أيضاً قدمت لإيطاليا فائدة ملموسة: تخفيض بلغ 6% من الناتج المحلي الإجمالي في هيئة أقساط الفوائد المترتبة على الدين العام الهائل الذي تراكم أثناء التسعينات.

ولكن ليس من العدل أن نحمل حكومة بيرلسكوني وحدها المسؤولية عن هذا الأداء الرديء. لقد كان نمو إيطاليا أبطأ من نمو أوروبا، علاوة على ضعف الصادرات، طيلة العقد الماضي، وذلك لأن إيطاليا لم تكن معدة على النحو اللائق للتكيف مع الثورة العالمية في مجال تكنولوجيا المعلومات والنمط المتغير الذي تحولت إليه التجارة العالمية. فقد كانت بنيتها الأساسية على المستويين المادي والفكري أكثر ضعفاً، ولم تكن بنيتها الاقتصادية لائقة لمواجهة التحديات الجديدة، بسبب حجم الشركات وتخصصها في القطاعات التقليدية، فضلاً عن انخفاض مستويات التعليم والإنفاق على البحوث والتنمية.

لكن حكومة بيرلسكوني لم تحرك ساكناً للتعامل مع جوانب القصور هذه، على الرغم من كونها الحكومة الأولى في تاريخ إيطاليا التي تتمكن من البقاء لدورة انتخابية كاملة دامت خمسة أعوام. وفي ظل أغلبية برلمانية واضحة، كان بإمكان هذه الحكومة أن تتعهد بعض الإصلاحات الراسخة في ما يتصل بجانب العرض، والمجازفة بالتعرض للنفور الشعبي في البداية.

فهناك عدد من الإصلاحات التي سنتها الحكومة الإيطالية بعد تأخير طويل: مثل التدخل الخجول في معاشات التقاعد، وإضفاء المزيد من المرونة على سوق العمالة. لكن الحكومة لم تفعل شيئاً في ما يتصل بتحرير أسواق المنتجات من الأنظمة الصارمة التي تحكمها، ولم تقدم الحوافز الملائمة للإصلاح والتغيير، في الوقت نفسه الذي توقفت فيه عملية الخصخصة.

لقد انتهجت الحكومة سياسة “كينيزية” عتيقة الطراز: تخفيضات بسيطة على الضرائب بهدف زيادة الدخل الذي يمكن الاستغناء عنه وزيادة معدلات الإنفاق الحالية. ففي الفترة ما بين عامي 2001 و،2005 ارتفعت معدلات الإنفاق الحالي بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وانخفضت العائدات بنسبة 5.0% من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفع العجز الحكومي العام بنسبة 1% من الناتج المحلي الإجمالي. والأسوأ من ذلك انخفاض الفائض من 2.3% إلى 5.0% من الناتج المحلي الإجمالي. ونتيجة لهذا فقد انخفضت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بمقدار ضئيل حتى عام ،2004 ثم عادت إلى الارتفاع من جديد إلى ما يزيد على 106% في عام 2005.

مما لا شك فيه أن الموقف المالي الضعيف سوف يفرض على أية حكومة تتمكن من الوصول إلى السلطة قيوداً شديدة. والعجيب أن البرنامج الانتخابي الأخرق ليسار الوسط يقترح تخفيضاً بنسبة خمس نقاط مئوية في الضرائب المفروضة على الرواتب، لكنه لم يوضح كيف يمكن تدبير عشرة مليارات يورو لتغطية هذا التخفيض. ولقد قوبلت فكرة زيادة الضريبة المنخفضة (5.12%) على المكاسب الرأسمالية باتهامات مفادها أن برودي يعتزم مصادرة الثروات. لكن البيان الهزيل الذي قدمه اليمين أيضاً يتضمن وعوداً غير قابلة للتحقيق، مثل تخفيض الضرائب على الملكية وزيادتها على معاشات التقاعد المتدنية المستوى.

لقد أصبح الناخبون في إيطاليا في حيرة من أمرهم. ففي عام 2001 وقع بيرلسكوني “عقداً مع الشعب الإيطالي” اشتمل على وعود لم تتحقق. فقد كان يصور نفسه دوماً باعتباره رجل الخلاص، وكان على اقتناع بأنه وحده الذي يستطيع إصلاح أحوال البلاد. ومن هذا المنطلق، كان يجد أنه من غير المعقول أن يرى أي شخص آخر غير ما يرى، أو أن تقف القواعد والقوانين في طريقه. ومن هنا جاءت الجهود الحثيثة من قِبَل حكومته لتمرير القوانين الرامية إلى تغيير الإجراءات القضائية، أو دمج محطات التلفاز العامة (التي تسيطر عليها الحكومة) مع محطته التلفزيونية الخاصة، أو ابتكار قانون انتخابي جديد يعمل لمصلحة التحالف الذي يترأسه.

لكن خيبة رجاء الناخبين في بيرلسكوني لا تصب بالضرورة في مصلحة برودي واليسار. فقد كشفت استطلاعات الآراء أن الثقة في “كل” أهل السياسة والأحزاب السياسية قد بلغت أدنى مستوياتها على الإطلاق. لقد شهدت إيطاليا حملة انتخابية كئيبة ومخزية، حملة كان قوامها كثيراً من الحماسة وقليلاً من العمل. وإننا لنتمنى أن يحرص الطرف الذي سيكتب له الفوز أياً كان، على الالتفات إلى العمل الجاد الذي أصبحت إيطاليا في مسيس الحاجة إليه.

****
أستاذ الاقتصاد بجامعة روما، والرئيس السابق لمجلس إدارة “كونسوب”، اللجنة الإيطالية للسندات والأوراق المالية.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  دكتور شوقي شعث لازلت تسكُنني حتى رمقي الأخير

 ::

  ورد الانفس الحيرى

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 5

 ::

  الليل يضع نظارة سوداء

 ::

  كشف اللثام عن مؤامرات اللئام في الإيقاع بالإسلام ج/2

 ::

  الانترنت سبب رئيسي في ارتفاع نسبة الطلاق بين الشباب في المملكة!

 ::

  قصص في حجم الكف 5

 ::

  مصر والفشل المزدوج

 ::

  صبغات الشعر... وهم من أجل الجمال !!

 ::

  عندما يكون الفلسطيني عدو نفسه



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  من المهد إلى هذا الحد

 ::

  صخب داخل الكيان الصهيوني .. انعاسات وأبعاد!!

 ::

  التنظيمات النقابية والحياة السياسية فى مصر

 ::

  قصة ثلاثة شهداء والتهمة حب فلسطين

 ::

  زمن التحولات الكبيرة

 ::

  الفساد في لبنان أقصر الطرق إلى السلطة

 ::

  ظاهرة «بوكيمون غو»

 ::

  الاستفتاء تم

 ::

  «سايكس- بيكو».. التاريخ والمستقبل؟

 ::

  فلسطينيو سوريا وتراجع المرجعية

 ::

  مرجعية الفساد والإفساد في الوطن العربي... !

 ::

  أزمة الصحافة والإعلام فى مصر

 ::

  العالم... والمشكلة الأخلاقية المعاصرة

 ::

  أصنامنا التي نعجب بها






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.