Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

ايام على ضفاف قلب الزعيم (الى: صديقي غريب عسقلاني)
محمد موسى مناصرة   Wednesday 23-04 -2008

ايام على ضفاف قلب الزعيم (الى: صديقي غريب عسقلاني) الديك الوقت يا صديقي للانصات واحتمال ثرثرتي أم ان صحة ام سامر تستحوذ على يومك وهي تستحق ذلك وما هو اكثر؟
تخيل يا صديقي اني لم أقرأ لمتثقفن واحد من مُتثقفني اليوم ولو تلميحا حول غياب قضايا الديمقراطية عن جدول اعمال القمة وخلو البيان الختامي من اي اشارة للانتهاكات المريعة لحقوق الانسان في هذا البلد العربي او ذاك، وعلى مقربة من موقع قمتهم ترزح النوارة والتاج على رؤوس كل العرب د. فداء حوراني وصحبها في زنازين مظلمة يديرها بشار الاسد.

فكيف اصف لك وجعي وانا ارى دم الشبان يسيل قبيل القمة في القامشلي وفي عيد النيروز كما يسيل دمنا في بيت لحم وغزة ودم اهلنا وناسنا في العراق دون ان يهتم قادة الامة بدمنا وحقوقنا وحرياتنا في قمتهم؟ كيف لي وصف مشاعري تجاه هذا المتثقفن او ذاك ممن باعوا انفسهم وكرسوا اقلامهم لخدمة ابرز رموز الاستبداد في ليبيا أو دمشق وغيرهما من العواصم خلال السامر الاخير للقمة العربية؟!

والمصيبة الاكبر يا غريب أن كثرة شرعوا يطبلون للمتسلط على رقاب الشعب الليبي منذ اربعين عاما، نير ثقيل بالحديد والنار، وبينهم من هو محسوب علينا كفلسطينيين يصفون ما تفوه به في سامر القمة كما لو انه العلاج لامراض المنطقة كلها.

آيه يا صديقي...

ولما كان الشيء بالشيء يذكر، امنحني بعض وقتك وتعال معي للاطلالة على وقائع لم تكشف بعد، عن وقائع زيارة المرحوم الرئيس عرفات الى القذافي في زمن مفصلي، مفرق طرق، كان على ابو عمار اثر تلك الزيارة اما ان يقلب الطاولة وقد تعثرت مفاوضات مدريد عند جلسة الحوار الثامنة وكنت أحد المكلفين بهذا الدور في الاراضي المحتلة (كان هذا سر توجهي الى تونس حتى بدون معرفة زميلي الطوباسي اذ كانت النقابة مظلة لسفري الى تونس وايضا بدون علم او التنسيق مع مكتب السيد حكم بلعاوي الذي كانت لا تدخل ذبابة قادمة من فلسطين الى تونس دون ان يعلم بها او يوافق على دخولها، وكان مخططا ان يقود عملية قلب الطاولة على كل المفاوضات من خارج الارض المحتلة شخصان يحتلان الآن مواقع متقدمة في صنع القرار في السلطة الفلسطينية واستشرتهما اثناء الكتابة وقبل النشر للكشف عن اسميهما وتفاصيل الخطة البديلة عن المفاوضات المتعثرة لكنهما رفضا ذلك لاعتبارات سياسية وامنية واستحقاقات المرحلة الحالية، وكان احدهما يقيم في تونس والثاني في عمان وعلى صلة مباشرة مع الرئيس فقط) او يستجيب للضغوطات الداعية لاعتماد قناة من عدة قنوات تفاوضية سرية اخرى (حسبما انكشف لاحقا) غير قناة مدريد العلنية التي اصطدمت بالعناد الاسرائيلي من جهة وتأثرت بقواعد اللعبة الديمقراطية للاحزاب السياسية في اسرائيل.

ما علينا.. تعال معي نتابع الثرثرة

تذكر يا صديقي انه مع انقضاء صيف العام 1992 تعقدت المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية (الثنائية) بعد الجولة الثامنة من المفاوضات، وتزامن هذا التعقيد مع اشتداد الحصار السياسي والمالي على منظمة التحرير والتف بشكل خاص حول عنق المرحوم الرئيس ياسر عرفات شخصيا.

ضاقت الدنيا في وجهه بتوقف جميع مصادر الدعم المالي العربية والدولية للمنظمة، وكثيرون لا يعلمون أن قائدهم في تلك المرحلة لم يكن بمقدوره الهبوط بطائرته في معظم مطارات العالم ومنها العربية للحد الذي تدخل فيه المرحوم الياس فريج رئيس بلدية بيت لحم لدى سويسرا كي تهبط طائرة عرفات –الخطوط الجوية الجزائرية- على أراضيها حسبما اخبرنا في حديث خاص وحميم.

كان ذاك الحصار هو الأخطر على مسيرة الكفاح الوطني وأخطر بكثير من حصار بيروت والخروج منها عام 1982 واخطر حتى من الحصار المالي والسياسي الذي طال السلطة الفلسطينية بعد فوز حركة حماس ب 56% من مقاعد التشريعي.

في تلك الفترة من التاريخ الفلسطيني لم يكن بمقدور منظمة التحرير الانتفاع من أية أموال، فلم تتمكن من التصرف حتى في الأموال التي تخصها ومودعة في البنوك العربية او غير العربية، كما توقفت الدول العربية جميعها عن صرف اية منح او بحسب الالتزامات التي قررتها القمم العربية بما في ذلك مستحقات المنظمة المسماة (مقتطعات أل 5%) التي كانت تحسم من الفلسطينيين العاملين في البلدان العربية الى جانب الحصار السياسي العربي، وبالطبع كل ذلك على أرضية خطأ الرئيس التاريخي تأييده للفعل الجرمي لصدام حسين ضد الكويت.

انعقاد المجلس المركزي لمنظمة التحرير

وايضا إن كنت تذكر... انعقد المجلس المركزي الفلسطيني في أواخر تشرين أول من نفس العام ذاته في مدينة تونس ليقرر ما إذا كان على الوفد الفلسطيني المفاوض أن يتوجه إلى الجولة التاسعة من المفاوضات في واشنطن أم لا، وسط التهديدات باغتيال المرحوم الرئيس ياسر عرفات على ذمة المخابرات السودانية التي أوصلت الرسالة له شخصيا اثناء افتتاح جلسة المجلس المركزي في احد المدارس التونسية وبأنه قد يتم اغتياله في اية سفرة حتى في القاهرة ذاتها.

وعلى ذكر اجتماع المجلس المركزي، هناك فقط يا صديقي، وحيث شاركت والزميل نعيم الطوباسي ممثلين (لنقابة) رابطة الصحفيين الفلسطينيين في الاراضي المحتلة بصفة مراقب، أدركت أية اوهام لدينا في الأراضي المحتلة واية مصيبة نعانيها من هكذا قيادات سياسية وايقنت حينذاك ان لا أمل لشعبنا في قيادات الخارج وأدركت أي أذاً وأي ضرر ألحقناه بشعبنا حين وضعنا جميع بيضاتنا في الداخل في سلة قيادات الخارج واسلمناهم مقود المركب ؟!!!

فتخيل يا صديقي في جلسة اليوم الأول للمجلس المركزي تحدث 18 متحدثا جميعهم طالبوا بمقاطعة الجولة التاسعة وعدم ذهاب الوفد الى واشنطن، وفي تلك الجلسة للتاريخ كان المتحدث الوحيد الذي طالب بالذهاب الى جولة الحوار التاسعة في واشنطن هو السيد نبيل شعث الذي دعا للإقدام على ما أسماه "اختراق" تفاوضي إذ اقترح على المجلس الطلب من الوفد المفاوض التنازل عن القرار 242 كمرجعية للوفد في ادائه التفاوضي لانه حسب قوله امام المجلس هو ما يعيق المفاوضات وكل كلامه وثق بكاميرا التصوير الخاصة بالرئاسة وكل من حضر الجلسة يذكرون وقائع ما جرى؟!!!!!.

قاطعه الرئيس ياسر عرفات بانفعال شديد ونادى على المرحوم الرفيق بشير البرغوثي امين عام حزب الشعب، الشيوعي الفلسطيني سابقا (الذي بدا متعبا جراء سهرة في الليلة الفائتة امتدت للصباح حسبما اخبرني الرفيق غسان الخطيب عضو الوفد المفاوض وجاء للجلسة دون ان يغمض له جفن وبصعوبة انتقل من كرسيه الى المنصة ودون أي تحضير ولم يكن اسمه مدرجا على قائمة المتحدثين) للرد على نبيل شعث وعاكسه بمداخلة كلماتها تعد على الاصابع قال فيها حرفيا "علينا التمترس وراء القرار 242 و 338 ولا يجوز التنازل عنهما باي حال من الاحوال". كما رد على السيد نبيل شعث ايضا بقوة وحزم المرحوم الرئيس ياسر عرفات نفسه وهو يقول باللهجة المصرية :" ايه ده... ايه ده يا نبيل...؟!" ووجه حديثه للمجتمعين يؤكد تعهده أمام المجلس المركزي بعدم التنازل عن ثلاث "القراران 242 و 338، حق العودة، وعن القدس".

والمهم هنا انه برغم ان عدد المتحدثين الرافضين لفكرة التوجه نحو الجولة التاسعة قد زاد عن ثلاثين متحدثا خلال اليوم الثاني ولكني لأول مرة في حياتي وجدتني مذهولا ولم يعد لدي اية قدرات على الفهم حين تبين بعد الاقتراع ان الحضور صوتوا بالإجماع على الذهاب للجولة التاسعة وبما يخالف مداخلاتهم!!!!!! وبالطبع أصوات الجبهة الديمقراطية لم تحسب لعدم دخولهم اصلا قاعة التصويت فقد كانوا اتفقوا مع الجبهة الشعبية عشية جلسة الاقتراع على عدم الدخول للقاعة لضمان عدم اكتمال النصاب لكن الجبهة الشعبية دخل مندوبوها للقاعة يتقدمهم الشهيد ابو علي مصطفى لأسباب تتعلق باحتياجات الجبهة المالية. وبقيت الجبهة الديمقراطية وحيدة خارج عملية الاقتراع.

ما علينا يا صديقي:

المهم انه في ذلك الوقت لم يكن بحوزة المنظمة وشعبها ما يسد أقل الالتزامات المالية، بدا الرئيس عرفات موجوعاً أشد الوجع، واذكره يوجه حديثه للزميل نعيم الطوباسي رئيس نقابة الصحفيين الفلسطينيين (الذي كان يعامله كما لو كان أحد أبنائه ولا اعرف للآن سر هذه العلاقة الحميمة بينهما) موضحا عدم قدرته على دفع اية مخصصات لأسر الشهداء المطحونة بالعذاب في لبنان ومخيماته وليس فقط في الاراضي المحتلة وحدها ، وأوضح كم هو مشغول الفكر في المعتقلين وأسرهم واحتياجاتهم وليس بيده حيلة في ذلك الوقت والحصار المالي والسياسي تتعاظم مخاطرهما على كل المناحي.

كانت المرة الأولى والأخيرة في حياتي التي ارافق الرئيس فيها عن قرب وأراه يئن من وجع الاستحقاقات المالية، والرواتب التي لم تدفع لكامل الجهاز البيروقراطي للمنظمة المنتشر في دول المنطقة، واحتياجات الارض المحتلة والاردن ولبنان واليمن وعدم قدرته على دفع اجور المقرات والضيافات ولا بدل السكن لا في تونس ولا في أي مكان آخر، ولا حتى فواتير الهاتف للضيافات التي تشغلها المنظمة في تونس وناولنا وهو غاضب ويقول "معندهمش مسئولية" ناول الطوباسي صورة عن فاتورة هاتف دار الضيافة التي كان قد غادرها الامين العام الرفيق نايف حواتمة لتوه وحللنا فيها محله والبالغة عشرة آلاف دينار تونسي كلفة اقامته فيها لقاء فترة قصيرة.

ولتوضيح صورة الوضع المالي للمنظمة في ذلك الوقت أذكر عندما كنت في عمان قبل السفر لمقابلة الرئيس في تونس وبعد انتهائي من تقديم مداخلة وتشخيص للأوضاع في الأراضي المحتلة وحول الاتجاهات الاجتماعية والسياسية للشعب امام اللجنة العليا للانتفاضة، اقترح احد الأصدقاء أن نذهب لمكتب السيد عباس زكي بصفته رئيس اللجنة العليا للانتفاضة وكان قد حلّ مكان المرحوم ابو جهاد في المسئولية عنها، فتدخل الصديق مروان البرغوثي وقال "لن نجد عنده غلوة قهوة ولا ورقة او قلم، معندوش يشتري ورق للفاكس تعالوا نذهب الى مكان آخر على الاقل نلاقي غلوة قهوة".

في آتون هذا الوضع وبعد ان تناولنا طعام الغداء على مائدة الرئيس الخاصة في منزله في الطابق العلوي وبحضور الزميل نعيم الطوباسي وابو علي شاهين ومحمد لطفي ومروان البرغوثي وجبريل الرجوب وعقيلة الرئيس وآخرين من المسئولين في مكتبه أذكر فقط من اسميتهم لمعرفتي بهم خلال فترة وجودنا معا في السجون الاسرائيلية ، همس الرئيس للزميل نعيم الطوباسي خذ مناصرة واسبقوني الى طرابلس.

السفر الى ليبيا

توجهنا في اليوم التالي إلى وزارة الداخلية التونسية لمساعدتنا في الحصول على وثيقة سفر مؤقتة بديلة عن وثائقنا حتى لا نتعرض لاذى الاحتلال الاسرائيلي عند العودة ورفض طلبنا. فتوجهنا لزيارة مكتب السيد حكم بلعاوي وحين علم بما جرى معنا في الداخلية التونسية تدخل مع احدهم في الداخلية التونسية وفقط ب"مكالمة"، وهكذا كان، قال لنا اذهبوا الآن للداخلية ستجدون وثيقة السفر مع احدهم عند الباب الرئيس للبناية وحين تعودون من ليبيا سنلتقي.

وهكذا حصلنا على وثيقة سفر تونسية وسافرنا بالطائرة الى مطار "جربة" ومن ثم برا الى طرابلس نظرا للحصار الجوي الذي كان مفروضا على نظام القذافي في حينه.

كان الامل والافق الوحيد المتبقي أمام الرئيس عرفات كي يتمكن من مواجهة الحصار المالي والسياسي وأن يستمر في مفاوضات مدريد من موقع الندية والقوة، وأن لا يذهب للموافقة على أي نتائج لأي مفاوضات علنية او سرية مقترحة إلا من مركز تفاوضي قوي، وكان العامل الحاسم هو ان يفي القذافي بالتزاماته المالية تجاه المنظمة والشعب الفلسطيني او بعضها، وعلى الاقل الافراج عن المخصصات ال (5%) المعروفة لصالح صندوق المنظمة.

ومصدر التفاؤل لدى الرئيس عرفات وكما فهمته منه هو ان المنظمة والقذافي كلاهما تحت الحصار ومستهدفان من الولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، وان القذافي ليس له مصلحة في التخلي عن الشعب الفلسطيني والمنظمة في هذه المحنة ولم افهم كيف تجاهل ابو عمار اللماح بطبيعته المعلومات (وكان يعرفها) عن اتصالات القذافي بالولايات المتحدة وبدول اوروبا ومحاولاته المتكررة تقديم التنازلات لصالح فك الحصار الدولي المضروب حوله.

والتقينا مع الرئيس ابو عمار في طرابلس ليبيا حيث توجه إليها في اليوم التالي لوصولنا وفقا لترتيبات مسبقة مع المسئولين الليبيين وتحديد مسبق لموعد اللقاء مع القذافي، وعلى رأس جدول الاعمال النقاش حول سبل تعزيز صمود المنظمة امام الحصار المالي وتعزيز صمود انتفاضة شعبنا في الأراضي المحتلة ولبنان الذي كان الفقر في حينه ينهش جسده نهشا والحاجة الى المال كما الحاجة للماء والهواء.

مضيف غير مضياف
وسلوك غير مهذب

بالطبع لم تفلح جهود الرئيس ياسر عرفات، وتكسرت توقعاته وتبين خطأ تعويله على القذافي، فقد عدل صاحب الجمل الثورية اللفظية عن مقابلة الرئيس عرفات وأشاح بوجهه عنا، ولم يتصرف كمضيف محترم، وقدموا لنا حاشية القذافي ذريعة واهية بانه مريض، بينما شاهدناه في نفس الموعد على شاشة التلفاز الليبي يتفقد مجرى ماء ويرمي فيه الحصى "لقياس عمق الماء" بحسب تفسير سخيف من مقدم البرنامج في التلفزيون الليبي!!!

ارسل الرئيس عرفات من يبحث عنا حيث حرصت على زيارة لاحد المفرج عنهم من السجون الليبية بعد ان قضى عشرين عاما دون ان يعلم لماذا اعتقل، ولم يكن يعلم عن اي متغيرات جرت في العالم الى ان خرج من السجن بعد انقطاع كامل عن كل ما هو خارج أقبية السجن، المهم جاءنا من طلب منا الطوباسي وانا ان نترك إقامتنا في الفندق الكبير ونحزم حقائبنا ونتوجه للاقامة معه، واذكر اني التقيت الرفيق تيسير قبعة وصافحته على باب الفندق عند خروجنا ولم اكن التقيته منذ افترقنا في ايلول عام 1970 في "معبار" سجن نابلس المركزي، كنت منقولا من سجن رام الله لنابلس فيما تيسير يخرجونه منه لابعاده خارج الارض المحتلة.

ابو عمار وحيدا في اتون زمن لم يعد فيه ثوار او اصدقاء!

سرنا باتجاه فندق مجاور حيث يقيم الرئيس عرفات. وحين ولجنا الى جناحه الخاص كان قد اهتم بان نلتقي ونتعرف على المواطن الليبي الذي عثر على طائرته يوم تحطمت في الصحراء الليبية في نيسان من نفس العام على ما اذكر وبعد التعارف وتبادل المشاعر ذهب الرجل وفوجئنا بالرئيس يطلب من الجميع بمن فيهم الرجل الشهم طيب الخلق السفير الفلسطيني (تخونني الذاكرة بشأن اسمه) وطاقم السفارة والمنظمة وممثلي القوى السياسية مغادرة الجناح وقال لنا موجها حديثه للطوباسي لا تدخل احدا ولا اريد ان ارى أي مخلوق انتم في الارض المحتلة فقط الأصيلين والباقي (......) تفوه بعبارات قاسية واحتضن الطوباسي بحنان أب لابنه.

وفيما امضينا الوقت انا والطوباسي في صالة الجناح اغلق الرئيس على نفسه باب غرفته ولليوم التالي لم يسمح لاحد بالدخول حسب تعليماته حتى الحراس المرافقين ابقاهم في خارج الجناح في البهو، ورفض الرئيس كل وجبات الطعام التي استلمناها له، بقي على الجوع كل الوقت، كنا نشعر به يتمشى في الغرفة او يستخدم هاتفه الخاص، لم ينم ولو دقبقة واحدة، ورجاه نعيم الطوباسي "يا والدي كُلْ ولو حبة تفاح واحدة على الأقل" ولم يقبل.

في اليوم التالي لاعتصامه بغرفته موجوعا يشعر بالقهر من تصرف القذافي غير المهذب... فتح الباب وطلب تذاكر االطائرة خاصتنا من الزميل الطوباسي، أخذها وقال لا تلزمكم ستعودون معي...

وهكذا غادرنا مدينة طرابلس "مكسور خاطرنا" غادرناها فيما كان الرئيس يكرر التمتمة على مسامعنا "يريدنا ان نركع حتى يرضيهم" ، "لم يقابلنا ليقول للأميركان انا شريك معكم ضده" (ويقصد القذافي).

ولا يحتاج المرء أو أي مراقب مطلع لأي جهد كي يكتشف الصلة بين رفض القذافي احترام موعده بالاجتماع مع المرحوم الرئيس ياسر عرفات ومد يد العون والدعم المالي للمنظمة وموافقة الرئيس في أوائل كانون اول 1992 بعد أقل من 25 يوما على الزيارة الفاشلة للقذافي وقرار الشروع في استكمال إجراءات الحوارات السرية مع الإسرائيليين (وهي الاتصالات التي لم تنقطع يوما بالطبع) مع فارق ان المرحوم ياسر عرفات قرر المضي في استمرار الاتصالات السرية وأوعز في مطلع كانون أول للرئيس ابو مازن بتولي الامر.

وللتاريخ تعتبر بدايات كانون اول 1992 واتصالات السيد الرئيس ابو مازن وقتها هي بداية البداية لما سمي لاحقا باتفاقيات اوسلو كما هو معروف، ولكن مع الفارق أن الرئيس ياسر عرفات بعد فشل توقعاته من القذافي اعتقد انه في هذه الفترة الزمنية بالذات مابين 10 - 30 تشرين ثاني 1992 قرر التعاطي مع اقتراح المفاوضات في النرويج فيما هو بات مقتنعا ان لا فائدة في قنوات الاتصال السرية الموجودة وعدم جدوى مفاوضات مدريد واشنطن العلنية وايقن انه اصبح وحيدا ومعزولا عربيا ودوليا وليس بيديه اية اوراق او نقاط قوة سياسية والاهم ليس بيده اية اوراق مالية في ذلك الوقت.

وحتى الإخوة التوانسية، من صاحب دكان صغير الى الحكومة كانوا يريدون بدل اقامة المنظمة في بلدهم واذكر انه حتى السيد محمد دحلان مدير مكتب غزة في حينه الذي تشرفت باستضافته لي للغداء في بيته بمعية الصديق المناضل أبو علي شاهين، علمت بطريقة ما كان قد مضى عليه اكثر من ستة اشهر ولم يدفع بدل ايجار البيت الذي يقيم فيه، حاله كحال كل المسئولين الفلسطينيين بالطبع، فيما كانت المنظمة وجيوب الرئيس عرفات فارغة من اية ملاليم، والقذافي الذي كان الخندق الاخير على الأقل لتصميد الارض المحتلة ولبنان ماليا وماليا فقط (لأن الرئيس عرفات لم يكن يعول عليه اطلاقا بأي شأن سياسي) انضم لمقاطعة الرئيس عرفات والمنظمة وحصارهما لتحسين صورته لدى الاوروبيين والولايات المتحدة وفي رسالة لهم اني برغم حصاركم لي اشارككم في الضغط على ياسر عرفات، وأدار ظهره لكل واجباته الوطنية والعربية والقومية والثورية التي سطلنا بمتاجرته بها على الطالع والنازل!!!.

وكم اغتاظ عندما أقرأ لبعض كتبة القذافي من الفلسطينيين بطانته المداحين لفرديته وتسلطه على العباد منذ قرابة اربعين عاما الذين يهاجمون اتفاقيات اوسلو او يهاجمون الرئيس ابو مازن او يستخدمون مصطلح "زمرة اوسلو" متناسين ان من قصم ظهر الرئيس ابو عمار، ليس الحصار المالي والسياسي العربي والدولي على قساوته بالنسبة لشعبنا في الارض المحتلة، فانا على يقين لو أن القذافي التزم بمقابلة الرئيس عرفات وأوفى على الأقل بالتزاماته المالية تجاه المنظمة وأكاد أجزم لكان موقف المرحوم ياسر عرفات من قرار المفاوضات في أوسلو وما نتج عنها مختلفا تماما، فقد كان خذلان القذافي للمرحوم ياسر عرفات وتخليه عن دفع استحقاقات ادعاءاته الثورية تجاه شعبنا المالية هو لحظة المعيار، لحظة انقطاع التدرج الكمي في صمود ياسر عرفات امام الضغوط العربية والدولية منذ غزو صدام للكويت.

كم هو صعب ان تكون قائد، ومكسور الخاطر

وهكذا غادرنا طرابلس فيما الرئيس ابو عمار مكسور الخاطر، جائع، مريض، ومثقل بمطالب الاستجابة لاستحقاقات الحصارين السياسي والمالي واستحقاقات التهديد باغتياله حسب تقارير المخابرات السودانية، وموجوع بعجزه كقائد عن تقديم أي اسناد مالي لشعبنا في لبنان او للانتفاضة في الارض المحتلة لجرحاها واسر الشهداء واستحقاقات العمل الوطني ومحتملا مشاق الطريق الصحراوي لأكثر من خمس ساعات هي المسافة بين طرابلس الغرب ومطار "جربة" في الجنوب التونسي، تماماً كما كان الحال في الذهاب إليها.

عزيزي غريب:
ماذا جرى في مطار جربة؟؟
ابو عمار الانسان

في مطار جربة وأمام الطائرة رفض حراس الرئيس السماح لي بالصعود معه فيما سمحوا للزميل نعيم الطوباسي فقط بالصعود، لا ادري لماذا؟ ربما لمعرفتهم اني لست من فتح او لعدم وجود متسع كما اتضح او حسبما سمعت نقاشهم مع ابو عمار بان ذلك يتطلب ترتيبات مع السلطات التونسية لا اعرف، لكني رايت ابو عمار يخرج من الطائرة ووقف على الارض بجانبي معتصما وقال للحراس "أنا باق معه ولن اصعد الا ومناصرة معي"!!!

وبعد حوار احتاج لوقت غير قليل، وأمام إصرار الرئيس استسلم الحراس وطاقم الطائرة، وهكذا كنت معه في رحلة العودة من جربة جنوبا الى تونس العاصمة اجلس بجانبه لعدم وجود متسع لي، كنت معه فيما انجلت لي أجمل صور الإنسان في شخصه، فقد جازف بأمنه وأمن الطائرة وراحة حراسها وطاقمها الذين فوجئوا برفقتي لهم.

وأذكر عندما كنا في الجو، والظلام حولنا هو السيد، ومن النافذة، وراء الآفاق البعيدة الغارقة في الظلمة وراء البحر شرقاً كان الوطن هناك والشعب، نظرت نحوه وقلت في نفسي: إنه هو لم ينم منذ أكثر من ثمان وأربعين ساعة، هو يعاني هنا بعد أن خذله أدعياء الثورية في ليبيا والشعب يعاني هناك، يتحسس ويفهم معاناتهم هناك في جباليا والدهيشة أو العروب ومخيمات صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة في لبنان والبقعة في عمان، لكنهم هناك، يعانون وحسب ولا يعرفون ما يعانيه!!!!.

وحين وصلنا إلى تونس، ما زلت أذكر برد ليلها في تشرين ثاني، كنت أرتدي قميصاً صيفياً مخططاً بالأخضر والأبيض، فثمة وقائع تظل واضحة لا يستطيع أي زمان محوها من الذاكرة، كان ندى الليل ورياح الظلمة في تونس التي حملت معها برودة البحر كله، تنخر جسدي حتى العظم، ترجلنا من الطائرة، وما أن حطت قدما الرئيس أرض المطار، كان جمهور المسئولين الفلسطينيين وبعض المسئولين التونسيين في الانتظار، تقدم مسرعاً وهم يحيطون به، يخفونه بأجسادهم حتى عن هواء تونس وبرد ليلها، بقيت وحيدا في عتمة المدرج الخاص الذي هبطنا فيه، لم يتعرف علي أحد، وربما ظنت الحاشية في تلك اللحظة أني من موظفي المطار، بقيت واقفا أسفل الطائرة لا اعرف ماذا افعل، غادروا وبقيت.

فجأة توقف الموكب عند مخرج المطار الخاص ورأيت الرئيس يترجل واقفا بجانب مركبته، نظرت نحوه باستغراب، لا أدري ما الذي استوقفه في حينه، انهارت في نفسي كل الأسئلة عما كان سيحدث معي بعد انطلاق الموكب، وشاهدت الجميع ينظرون باتجاه نظراته نحوي، وكأني بهم يتساءلون: من هذا؟ من أين جاء؟ هل كان مع القائد؟ وعندها، توقفت عندي حتى أعز الاندفاعات الإيجابية نحو نفسي، وخشيت أن أكون مضحكاً، وافترض أنه لو كان أي كان في مكاني، لتمنى أن لا يكون!.

لوح لي بيده، تقدمت ببطء حين أدركت أنه في انتظاري ويريد قول شيء، قرأت ذلك في عينيه، لملمت نفسي وظهري الذي تقوس للأمام من شدة البرد، وعدلت كتفاي اللذان ضما إلى أقصى حد للأمام كي أحمي صدري من البرد القارس. وإذا به يسأل:

- "ليه مش لابس جاكيت؟".

ذهلت أمامه، لم أجب، تدفقت في داخلي حرارة خاصة، وتحول برد الرياح في ليل تونس والسحب الثقيلة التي كانت تصفر في جنبات المطار المكشوف، فاستحال علي أن أفكر في أي أمر آخر غير الإنصات إليه وهو يتابع:

- "لازم تنتبه لصحتك أكثر".

وطلب من أحدهم إعطائي جاكيت يقيني من البرد وهكذا كان، وفجأة أصبحت موضع الاهتمام من جميع من كان في استقباله فأنقذني من حيرتي ومن أسئلتي لنفسي، والأهم من كل ذلك، بدا الرئيس ياسر عرفات أمامي على حقيقته، ليس فقط كقائد أو رئيس ، ليس فقط كأخ لجميع أبناء شعبه، بدا ياسر عرفات الإنسان، ولهذا من باب الوفاء إليه، وتعبيراً عن المحبة لنبله، وعن تلاحم المشاعر معه، علينا المجاهرة بما نشعر ونحس به وبما نعرفه وبالاخص تجاه دكتاتور متسلط مثل معمر القذافي الذي خذل شعبنا وخذل الرئيس عرفات في اخطر مفارق الطرق، وحتى يكف عن بيعنا بضاعته التالفة عن القومية والاممية والثورية.

[email protected]

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  التهدئة: ليست زفة امام موكب العريس شاليط فقط !!!

 ::

  نعم..... إلى هذه الدرجة الحقيقة واضحة لنا ؟

 ::

  التنازل لصالح الشعب معيار لصدق الوطنية

 ::

  فيض الذاكرة

 ::

  الحذر واجب .... واليقظة مطلوبة (3)

 ::

  الحذر واجب...... واليقظة مطلوبة (2)

 ::

  الحذر واجب ... واليقظة مطلوبة (1)

 ::

  إلى أنصار السلام والقوى الديمقراطية اليهودية في إسرائيل


 ::

  عقوبة الإعدام .. رؤية إسلامية

 ::

  بعد العراق بلاك ووتر في الضفة الغربية

 ::

  حملة شبابية تدعو لتعدد الزوجات

 ::

  اقتراح حل السلطة الفلسطينية لماذا الآن؟

 ::

  كلام فلسطين : البعد الأمني الإسرائيلي في المعادلة الفلسطينية

 ::

  التيار الممانع ورهان التغيير في البحرين

 ::

  يوميات الفقدان

 ::

  الإعلام الغربي وفرصة المناظرة بين مسلمي مجتمعاته

 ::

  زكي نجيب.. أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء

 ::

  في مقابلة مع رايس تتحدث عن العالم ومناطق التوتر فيه



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.