Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

نقاط مضيئة فى تاريخ التنمية (1)
عبد المجيد راشد   Friday 14-03 -2008

نقاط مضيئة فى تاريخ التنمية (1) حظيت التنمية باهتمام كثير من المفكرين و الفقهاء المسلمين ، الذين اظهروا انها ليست عملية انتاج فحسب ، و إنما هى عملية كفاية فى الانتاج مصحوبة بعدالة فى التوزيع ، و أنها ليست عملية مادية فقط ، و انما هى عملية انسانية تهدف الى تنمية الفرد و تقدمه فى المجالين المادى و الروحى . ان النصوص الشرعية التى تقرر هده الحقائق و ما يتعلق بها كثيرة نذكر منها :
" هو أنشأكم فى الأرض و استعمركم فيها "[1] أى جعلكم سكانها و عمارها .
" و لقد مكناكم فى الأرض و جعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون "[2]
" هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا فى مناكبها و كلوا من رزقه و إليه النشور "[3]
" وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه "[4]
و ينظر الاسلام الى الحياة الانسانية على اساس ان المجتمع يتكون من افراد لهم صفاتهم الفردية ، و علاقاتهم الاجتماعية ، فكانت عنايته بكل من المصالح الفردية و الجماعية ، وفق نسق خاص يجمع بينهما و يحرص عليهما ما دام ذلك ممكنا ، إلا إذا تعارضتا فتقدم المصالح الجماعية أو العامة لأنها أولى بالإهتمام و الرعاية .
و المصالح سواء كانت فردية ام جماعية تتحقق بإشباع الحاجات و تلبية المتطلبات اللازمة لإقامة مجتمع انسانى راشد تتمثل فيه عمارة الأرض .
و هذه الحاجات على نوعين :ـ
1ـ حاجات فردية : هى التى تضمن للإنسان حياته و كرامته و قدرته على الاستمرار فى عمارة الأرض و هى الطعام و الشراب و اللباس و السكن و الأمن .
2ـ حاجات عامة : هى التى تسهم فى قيام مجتمع قوى من جميع النواحى الصحية و الثقافية و التربوية و الاجتماعية و الإقتصادية و العسكرية ليؤدى دوره فى هذه الحياة .[5]
و الاسلام إذ يعترف بالحاجات الفردية و العامة و يضع من القواعد ما يحقق إشباعها ، فإنه لا يترك هذه الحاجات دون توجيه و تهذيب يكفل خير الانسان و تقدم المجتمع ، بحيث تتم العملية وفق معايير اخلاقية انسانية تبعدها عن كل مظاهر الجشع و التكالب المادى ، و تصونها من مظاهر التبذير و الإسراف ، و يتحقق ذلك بتصنيف هذه المصالح و ترتيبها و تحديد أولوياتها ، و رسم الخطط التنموية عن فهم ووعى لمتطلبات الفرد و المجتمع [6].

و تطبيقا لذلك فقد جاء فى كتاب على بن أبى طالب رضى الله عنه الى واليه فى مصر قوله :
" و ليكن نظرك فى عمارة الأرض أبلغ من نظرك فى إستجلاب الخراج ، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة و من طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد و أهلك العباد "[7]
و تجسيدا لهذا الفهم ، فقد وصف أحدهم حالة الرعية فى أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز رضى الله عنه فقال :

" تركت المدينة و الظالم فيها مقهور ، و المظلوم منصور ، و الغنى موفور، و العائل مجبور ".
و كتب عمر بن عبد العزيز إلى أحد ولاته يقول :
" و انظر الخراب فإن أطاق شيئا فخذ منه ما أطاق ، و أصلحه حتى يعمر " .

و يقول عمر بن عبد العزيز : " لا بد للمرءمن مسكن يسكنه ، و خادم يكفيه مهنته ، و فرس يجاهد عليه عدوه ، و من أن يكون له الأثاث فى بيته "[8]

لقد قرر الفقهاء المسلمون أن سد حاجات الناس هى من فروض الكفاية التى يجب على مجموع المسلمين القيام بها . فإذا قام بها بعضهم سقطت عن الباقى ، و إلا فيأثم جميع القادرين على آدائها .

و من زاوية أخرى ، فإن شرط إقامة الحد أو تطبيق القوانين على الناس فى المفهوم الإسلامى ، هو تحقيق الكفاية لهم ، فإن لم توجد تتوقف الحدود ، و تتعطل القوانين حتى تكتفى الحاجات و ذلك بإيجاد الإستثمارات و تأمين العمل .

و تجسيدا لذلك المفهوم فقد سأل عمر بن الخطاب رضى الله عنه أحد ولاته : " ماذا تفعل لو جاءك سارق ، فقال الوالى : أقطع يده . قال عمر : و إذن فإن جاءنى منهم جائع أو متعطل ، فسوف أقطع يدك . إن الله سبحانه و تعالى استخلفنا على عباده لنسد جوعتهم ، و نستر عورتهم ، و نوفر لهم حرفتهم ، فإذا أعطيناهم هذه النعم تقاضيناهم شكرها ، يا هذا !!! إن الله خلق الأيدى لتعمل ، فإن لم تجد فى الطاعة عملا إلتمست فى المعصية أعمالا ، فأشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية " .[9]

و إذا كان مفهوم التنمية الإقتصادية يعنى ـ ضمن ما يعنيه ـ توفير الفائض و استخدامه فى زيادة قدرات المجتمع الإنتاجية ،بعيدا عن الترف و التبذير ، فإن الشريعة الاسلامية نبهت الى عدم الإسراف ، و دعت إلى صرف الفضل أو ما زاد عن الحاجة أو الكفاية فى مصالح المجتمع و تنميته .. " و آت ذا القربى حقه و المسكين و ابن السبيل و لا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين و كان الشيطان لربه كفورا " [10]

و يقول الرسول صلى الله عليه و سلم :

" ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له ". [11]

و إذا لم يكن للمحتاج قريب غنى تجب نفقته فإن إشباع حاجاته تقوم بها الدولة . يقول الرسول صلى الله عليه و سلم : " من ترك مالا فلورثته ، و من ترك كلاّ فإلينا " .[12]

و يقول أيضا : " أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفى المؤمنين و ترك دينا فعلىّ قضاؤه و من ترك مالا فلورثته " .[13]

لقد شملت عدالة الإسلام تأمين الكفاية للمسلمين و لغير المسلمين من أهل الذمة وممن يقيم فى دار الهجرة و فى دار الإسلام . و تطبيقا لذلك فقد كتب عمر بن عبد العزيز الى عامله على البصرة :" و انظر من قبلك من أهل الذمة ، قد كبرت سنه ، و ضعفت قوته ، وولت عنه المكاسب ، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه .. و ذلك أنه بلغنى أن أمير المؤمنين عمر مرّ بشيخ من أهل الذمة يسأل على ابواب الناس فقال ك ما انصفناك إن كنا قد اخذنا منك الجزية فى شبيبتك و ضيعناك فى كبرك ، قال : ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه " . [14]

وجاء فى كتاب خالد بن الوليد لأهل الحيرة : أيّما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفه من الآفات ، أو كان غنيا فأفتقر ، و صار أهل دينه يتصدقون عليه ، طرحت جزيته و عيل من بيت مال المسلمين ما أقام بدار الهجرة و دار الإسلام " . [15]
و يعتبر الإمام الغزالى أن تلبية حاجات الإنسان و تنمية قدراته هى شرط لإنتظام أمور دينه و دنياه ، حيث يقول :
" إن نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا ... فنظام الدين بالمعرفة و العبادة لا يتوصل إليهما إلا بمعرفة البدن ، و بقاء الحياة ، و سلامة قدر الحاجات من الكسوة و المسكن و الأقوات و الأمن ... فلا ينتظم الدين إلا بتحقيق الأمن على هذه المهمات الضرورية .. و إلا فمن كان جميع أوقاته مستغرقا بحراسة نفسه من سيوف الظلمة ، و طلب قوته من وجوه الغلبة ، متى يتفرغ للعلم و العمل ،و هما وسيلتان إلى سعادة الآخرة ؟ فإذن إن نظام الدنيا ، أعنى مقادير الحاجة شرط لنظام الدين ". [16]

لقد وضع الإسلام حكام البلاد و فقهاءهاعلى الطريق الصحيح لتحقيق الذات و بلوغ التنمية ، و حفلت كتابات المفكرين و الباحثين الإسلاميين بمؤلفات إقتصادية فى مجال التنمية سبقوا بها الكتاب الغربيين بعدة قرون ،. فهذا القاضى أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم المتوفى سنة 182 هـ فى كتابه " الخراج " ، و هذا يحيى بن آدم القرشى فى كتابه " الخراج " أيضا و هذا الإمام الحافظ أبى الفرج رجب الحنبلى فى كتابه " الاستخرج لأحكام الخراج " وضعوا المبادىء العامة لتنظيم الخراج التى شملت الجباية ، العشور ، و الصدقات ، و الجوالى [17]، و القطائع ، و إحياء الأرض ، و حكم مال الخراج و مصارفه ، و غير ذلك من البحوث التنموية ، . و هذا الفقيه الدلجى فى كتابه " الفلاكة و المفلكون " ، أى الفقر و الفقراء يعرض لقضية الفقر و مشاكله بتفصيل و إحاطة ، و عمق نادر فى مقياس زمانه .[18]
-----------------------------------

[1] - هود 61
[2] - الأعراف 10
[3] - الملك 15
[4] - الحديد 7
[5] - د. إبراهيم العسل : التنمية فى الاسلام : مفاهيم ، مناهج تطبيقات ، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع ، بيروت ، ط1 ، 1996 ، صـ 65
[6] - السابق ، نفس الصفحة
[7] - الشريف محمد الرضى : نهج البلاغة للإمام على بن أبى طالب ، شرح الشيخ محمد عبده ، و تحقيق عبد العزيز سيد الأهل ، مكتبة الأندلس ، بيروت ، الطبعة الأولى ، 1954 ، صـ 18
[8] - أبو عبيد ، القاسم بن سلام ،كتاب الأموال :، تحقيق محمد هرّاس ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط1 ، 1986 ، صـ 552
[9] - د. إبراهيم العسل ، مرجع سابق ذكره ، ص 66 / 67
[10] - الإسراء 17
[11] - رواه مسلم و أبو داود و أحمد بن حنبل
[12] - رواه البخارى بشرح فتح البارى ج 11 ، ص 441 ، و رواه مسلم بشرح النووى ، ج 11 ، ص 61
[13] - رواه البخارى و مسلم بشرح اللؤلؤ المرجان ، ج2 ، صـ 160
[14] - أبو عبيد القاسم بن سلام ، مرجع سابق ذكره ، صــ 50
[15] - أبو يوسف ، يعقوب بن إبراهيم ، كتاب الخراج ، دار المعرفة ، بيروت ، ط1 ، صـ 144
[16] - أبو حامد الغزالى : الإقتصاد فى الإعتقاد ، القاهرة ، مطبعة حجازى ، دون تاريخ ، صــ 105
[17] - جمع جالية و أصلها الجماعة التى تفارق وطنها و تنزل وطنا آخر
[18] - د. إبراهيم عسل : مصدر سابق ذكره ، صــ 69

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  تحرير مصر كتلة تاريخية تنمو ..و قوى وطنية فى انتظار ائتلاف التغيير

 ::

  خدود خالد يوسف الحمراء

 ::

  سياسة التثبيت و التكيف الهيكلى

 ::

  الطريق الى العصيان المدنى

 ::

  سياسة " الإنفتاح الاقتصادى" بمصرو نتائجها

 ::

  معضلات الاقتصاد المصرى

 ::

  تكريس التبعــــــــــية

 ::

  مشروع أمريكا الامبراطورى فى غرفة الانعاش

 ::

  مخطط تفتيت الأمة


 ::

  بين حوار القوة وقوة الحوار

 ::

  بيان حول جريمة قتل الايزيديين رجماً بالحجارة في محافظة كركوك

 ::

  بيان المؤتمر الآشوري العام - يوم الشهيد الآشوري

 ::

  الرئيس اليمني المقبل للمجتمع الدولي: ادعمونا لنستعيد اليمن

 ::

  السيطرة الدولية بسياسية الإرهاب الاقتصادي

 ::

  بعد سقوط القذافي .. ضد من تتواصل عمليات الناتو؟

 ::

  طبيعةالصراع البشري

 ::

  الطائفية والاعتراف باسرائيل

 ::

  جراحة المخ والأعصاب

 ::

  نحن ويهودية الدولة والبحث عن الفكرة الرادعة



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  العالم... والمشكلة الأخلاقية المعاصرة

 ::

  «سايكس- بيكو».. التاريخ والمستقبل؟

 ::

  فلسطينيو سوريا وتراجع المرجعية

 ::

  مرجعية الفساد والإفساد في الوطن العربي... !

 ::

  أزمة الصحافة والإعلام فى مصر

 ::

  ظاهرة «بوكيمون غو»

 ::

  أصنامنا التي نعجب بها

 ::

  الاستفتاء تم

 ::

  عندما قابلت الرئيس عبد الناصر

 ::

  النزعات الانعزالية والانفصالية سبب للإصابة بـ «الانفصام التاريخي»!

 ::

  عظم الله أجورنا في شهيداتنا السعوديات

 ::

  حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة، خطر على شعوب العالم

 ::

  بعد الهزيمة في ليبيا هل يجد «داعش» ملجأً في تونس؟

 ::

  لماذا نرفض الانقلابات العسكرية؟






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.