Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

المقاومة في سينما يوسف شاهين
عادل الجوجري   Saturday 15-03 -2008

مثلما قال شكسبير على لسان هاملت "لاشئ يحدث في الدنمارك بالصدفة، لاشئ يحدث في بلاد العرب بالصدفة ،ومحاولة إنشاء شركة صهيونية عالمية على ارض فلسطين لم يكن صدفة،واحتلال العراق ونهب نفطه ليس صدفة وتهديد سوريا وإيران فيما الحديث مستمر عن محور اعتدال عربي ليس صدفة، بل أن الصدفة هي أمر مدبر"
هكذا لخص المخرج العربي العبقري يوسف شاهين فكرته عن المقاومة ،والمقاومة عنده لها شقان ثقافي وعسكري ،ولها بعدان وطني وقومي، وتنطلق من أرضية اجتماعية لتطرح أفكارا سياسية،وإذا كانت القضية الفلسطينية قد احتلت مكانة كبيرة في الخلفية الفكرية لأعماله وأفلامه فان فكرة المقاومة بمفهومها الإنساني الشامل ظلت حاضرة في لقطاته حتى المغرقة في الرومانسية.
اثنان وثمانون عاما مروا في جبين الرجل ،تاريخ امة بكل حلوه ومره،انتصارات وإخفاقات ،ثمة مايبهج وثمة ماكاد بدفعه إلى الجنون أو الذبحة الصدرية، وأصبح الصبي العجوز شاهين أكثر أرقا في منامه، تخيلوا انه لازال يحلم بتقديم أفلام عن فلسطين،والعراق والمقاومة، وقال لي حين زرته قبل عامين في مكتبه بوسط العاصمة المصرية أنه لازال يحلم بإنتاج أفلام عن المقاومة الثقافية للاحتلال في العراق والاستيطان العنصري في فلسطين وعن المقاومة وحسن نصر الله والفدائيين ،وكأنه إبن العشرين وقال أيضا أن فلسطين بالنسبة له ليست قضية مركزية،ولاهي الكلام "المجعلص" الذي يلوكه المثقفون مثل العلكة ، وإنما هي محور حياته، وقال أيضا أن فلسطين حاضرة في كل أفلامه يكفي أن تدقق وراء كل مشهد وكل صورة لأن فلسطين موجودة وراء كل قصة حب ،وكل مشكلة زوجية وكل اضطهاد لرأي وكل قمع لفكره ،فلسطين هي أصل الأشياء ولا مجال للمزايدة في هذا المقام.
هل صحيح أن فلسطين –بالنسبة للفنان شاهين-هي "الاتومسفير" هي الهواء والماء والرمل والطين والقمع وصواريخ القسام والملح والقمح والنهب والمساومات وابومازن وطابور الخبز واوسلو والعبوات الناسفة والجن الأحمر.؟
عدت إلى أفلامه في مكتبتي لأشاهدها وكأني أراها لأول مرة مع أنني أحفظها عن قلب ظهر،ووجدت جابريل جارسيا ماركيز يناديني من بعيد "إن الاستغراق في المحلية هو الطريق للعالمية"،ويوسف شاهين وصل إلى العالمية لأنه إبن الحارة، ابن فقراء،ابن اليسار والرغبة في التغيير،وحسبما قال الناقد الفني محمد بدر الدين فأن أول أفلام شاهين"بابا أمين" كان عملاً أخاذاً به جرأة درامية ورؤية تأملية فلسفية في الحياة والموت، وكان بطله هو الممثل العظيم حسين رياض، ويعتبر شاهين في هذا الفيلم أن هزيمة 48 أو النكبة كان لها فوائد فقد أيقظت الوعي القومي والإسلامي بخطورة ما يجري على ارض فلسطين،وانعكس ذلك ايجابيا على مصر بثورة القائد الخالد جمال عبد الناصر التي جرفت المنطقة بعيدا عن الأحلاف العسكرية،والنظم الملكية الفاسدة والمتحالفة مع الاستعمار.
كان شاهين ولا يزال يحب عبد الناصر،ويعتبر نفسه ناصريا رغم انه لا يفضل أن يحجز الفنان نفسه في قطار إيديولوجي واحد وقال لي أن الفنان معادل للتغيير، وإذا وقع في الثبات راح وانتهى،والتغيير هو كلمة السر في فيلم "صراع في الوادي" فهو بحق فيلم عن فلسطين كما اعتقد ،وهو من أمتع الأفلام التي حللت مجتمع الإقطاع والطبقية الصارخة قبل ثورة 1952 وفيه يتم تنفيذ إعدام شخص برئ لأول مرة في السينما العربية، وكان المقصود هنا هو براءة فلسطين من مؤامرات الاستعمار الغربي ،والتأكيد على أن التحالف الإقطاعي الرأسمالي العربي لن يحل قضية العرب في التقدم ،ولن يحسم الصراع العربي الصهيوني وإنما أن الفلاحين والعمال وصغار المنتجين هم أصحاب المصلحة في تحرير الوطن كله وفي مقدمته القدس.
ولأن حركة التحرر الوطني العربية واحدة، وهناك تواصل بين مفردات الجسد الواحد كان فيلم شاهين "جميلة الجزائرية" شاهدا توثيقيا لمعركة المليون شهيد ضد الاحتلال الفرنسي البغيض وبكل وحشيته، وبطبيعته الاستيطانية "الاحلالية" على نحو ما رأينا في جنوب أفريقيا وما زلنا نرى في فلسطين، وأدت دور البطلة الفدائية الجزائرية الشابة "جميلة بو حريد" الممثلة الفنانة ماجدة ولا يزال الفيلم باقياً ومؤثراً في ذاكرة السينما والشعب العربي،وهو من أحب الأفلام إلى قلب شاهين لأنه عكس أو جسد مشاعره أيام الشباب والفتوة.
كما تظل فيلم شاهين بل أو ملحمته "الناصر صلاح الدين" من كلاسيكيات السينما المصرية العربية، وقد جمع بين النضج الكبير الفني والجمالي وبين تجسيد رؤية تؤمن بوحدة وعروبة الأمة، وبأن الالتفاف حول قيادة واحدة مخلصة قادرة وتوحيد جهود العرب هو طريقهم إلى تحرير القدس واستعادة كل الحقوق السليبة، وقد أدى دور القائد القومي التاريخي صلاح الدين الأيوبي الفنان الكبير أحمد مظهر، وصور شاهين مشاهد ممتعة فنياً ولا تنسى بينه وبين الملك الصليبي (ريتشارد قلب الأسد) الذي أداه الفنان الكبير حمدي غيث رحم الله هؤلاء الفنانين الذين قدموا فنا ممتعا وملتزما في آن فيوسف شاهين من أنصار مدرسة الالتزام في الفن التي تقدم فنا جميلا فيه مضمون وليس مواعظ وحكم وشعارات ،فهو بالكاميرا يستطيع أن يقول مايريد.
وهنا يقول الناقد محمد أن المرحلة الأولى من مراحل سينما شاهين (والتي استمرت على مدى عقدي الخمسينيات والستينيات الماضية) إلى قمتها بفيلم "الأرض" عام 1970، يقدم فيه مخرجنا عبر بناء درامي متماسك وشاهق، وبمنهج واقعي بالغ الإتقان والرهافة، رؤية لذروة تمسك الإنسان البسيط الفلاح بالأرض والحق الأصيل، إن فيلم "الأرض" ليس فحسب رؤية لحال الأرض والفلاح والوطن فى مصر قبل ثورة 1952، إنما هو رسالة أيضاً إلى الحاضر والمستقبل، عن الحق العربي والأرض العربية وقيمة وحتمية طريق الكفاح فى سبيلها وسيبقى الفلاح المصري البسيط العظيم "محمد أبو سويلم" الذي أداه باقتدار وبراعة الفنان محمود المليجى، من النماذج البشرية الخالدة فى الفن السينمائي خاصة والدرامي عامة التى لا تنسى والتي تشير وتلهم باستمرار!.
ومن يتأمل الفيلم جيدا سيجد أن الأرض المقصودة هنا ليست أراضي الفلاحين المصريين في عصر الإقطاع فقط بل هي فلسطين التي سرقتها عصابة دولية لتأمين تجارتها وهيمنتها على نفط المنطقة وهي جنوب لبنان التي تسرق مياهها إسرائيل كما تسرق مياة بحيرة طبريا،وهي بغداد حاضرة المدن وعاصمة الخلافة وموطن العلم والفن والعشق في زمن الرشيد ،القضية هنا عند شاهين ذات أبعاد وطنية وقومية وإنسانية أيضا،وسوف يكتشف المشاهد أن مايحصل من تخاذل عربي اليوم موجود أيضا في الفيلم ،وللأسف على يد المثقفين أو ماشبه إليهم ،كما أن فكرة المقاومة هي أخر مايتركه شاهين للمشاهد في فيلم الأرض حيث يتمسك محمد أبو سويلم بأعواد القمح ،فيما المغتصبون يجرونه على الأرض بعد أن قيدوه .
وبعد إنجاز فيلم "الأرض" فى عام 1970 يدخل يوسف شاهين مرحلة جديدة بفيلم "الاختيار" و"عودة الابن الضال" وسيرته الذاتية التى تعد أهم سيرة ذاتية لمخرج فى السينما العربية حتى اليوم.وقد ولدت من بطن المعاناة ومن دخان هزيمة حزيران من جديد فكرة المقاومة الشعبية حيث لا ينوب أحدا مهما مخلصا ،وصادقا عن الشعب في التحرير،وهذا ما طرحه شاهين في فيلميه "الاختيار" "العصفور" فى أعقاب نكسة يونيو 1967، حيث النقد الجارف لفساد النخبة،ورفض الهزيمة ورفض سيطرة فئة على القرار ورفض المؤامرة الدولية بأسلوب فني رشيق وليطور تلك الرؤية ويقدمها فى فيلمه "عودة الابن الضال" 1976 كرؤية شاملة ـ وكذلك نقدية ـ لمصر خلال مسيرة ثورة يوليو، ثم انكسار تلك المسيرة خاصة فى أواسط السبعينيات الماضية.
هو وعبد الناصر
لم يجامل حاكما في حياته رغم الإغراءات ورغم الدعوات المتكررة من حكومات عربية لكنه ظل يبحث عن الاستقلالية وعن حريته كفنان ينتج ويبدع بعيدا عن قانون السوق فاعتقد البعض أن أفلامه غامضة لكنه كان يؤكد دائما انه يبحث عن المشاهد الذكي الذي يستمتع بالعمل الفني وليس المشاهد الذي ينام وسط الفم ثم يستيقظ على زواج البطل والبطلة ،أن أفلام شاهين تحاكي العقل وتفتش عن مواطن الجمال والنقد وإعطاء مساحة للتفكير أمام المشاهد، ونلمس ذلك بوضوح في فيلم "عودة الابن الضال" الذي هو رحلة امة في البحث عن هويتها الحضارية ورغم أن الفيلم ظهر في نهاية السبعينات إلا انه كان يعبر عن الضياع المترتب على رحلة السادات المشؤومة إلى القدس ومرحلة التيه التي دخلتها الأمة العربية بعد فك ارتباط مصر بالصراع،حيث انفرط العقد الذي تكون أثناء حرب 73 ليحل محله الحلول الانفرادية،والتحليق في أوهام السادات بالرخاء القادم مع نيكسون فإذا السراب هو سيد الموقف.
وهناك علاقة جدلية عند شاهين بين تحرير العقل وتحرير الوطن نلمسه بوضوح في فيلمه "المصير"والآخر، فقد كان سباقا في التفاعل مع إشكالية صراع الحضارات وهو رجل –أصلا- غير معقد من العامل مع الآخر بل هو الذي قدم رؤية متوازنة لوجود نابليون بونابرت في المنطقة العربية ،وقدم إطارا فنيا لفكرة تواصل وتلاقح الحضارات وليس صراعها بالضرورة،وكان ذلك رد بالصورة على ماكتبه هنتجتون بالكلمات في أطروحته عن حتمية تصادم الحضارات.".
وفاجئ الناس جميعا بفيلم بسيط عبقري "هي فوضى"الذي مثل صدمه لأهل الحكم وللشعب، وهو فيلم فلسفي عميق رغم بساطته على غير عادة شاهين حيث نجد القصة الحدوتة،التي يألفها القطاع الأكبر من المشاهدين البسطاء فإذا به يطرح فكرة موغلة في العمق ،وهي فكرة خطورة السلطة المطلقة لأنها مفسدة مطلقة،إذ الأزمة لا تكمن فحسب عند فساد حاكم فرد بل أن هذا الفساد ينتج فسادا اصغر في كل المستويات والطبقات والمراحل،وفي ظل هكذا مجتمع لابد من المقاومة،مقاومة الطاغية الأصغراولمرت أو المالكي تجر بالضرورة إلى بوش،ومقاومة رجل الشرطة المستبد الطاغية تجر إلى ماهو أعلى بكثير ،وهنا بيت القصيد.


 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  الزبـــادي وما أدراك ما الزبـــادي

 ::

  الشرطة في بهدلة الشعب

 ::

  ثورة الدجاج ( قصة قصيرة)

 ::

  ما وراء الأفق الشيعة قادمون

 ::

  حكومةأ مونة

 ::

  كل عام انتم والامة الاسلامية بحال أفضل

 ::

  التدين الشيعي.. فرز بين خطابين

 ::

  انطلاق المارثون من جنوب سيناء نحو مقاعد مجلس الشعب

 ::

  الكتب هي الأولى في هدايا الهولنديين للنجاح والإجازات

 ::

  العقرب ...!



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.