Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: دراسات أدبية  :: طرفة  :: شعر  :: قصة  :: خواطر  :: اصدارات

 
 

حصان فلسطيني أحمر
د.أحمد الخميسي   Friday 07-03 -2008

حصان فلسطيني أحمر بالأمس رأيت بين الحقول حصانا أحمر ، كان يقف في هواء أحمر خفيف فظننت أنه حلم لأنه لم يسبق لأحد أن شاهد حصانا بهذا اللون ، ولم يأت ذكر شيء كهذا ، فالخيول تولد بيضاء وسوداء ورمادية وشهباء وبنية وصفراء إلا ذلك اللون . خطوت خطوة واحدة بحذر شديد في اتجاه الحصان الذي كان يشبه بقعة دم كبيرة في الأفق الساكن ، لكن ما أن تحركت حتى رفع الحصان قائمتيه الأماميتين عاليا في الجو متراجعا ملفوفا بهالة من الهواء الأحمر الخفيف. تجمدت مكاني فعاد الحصان إلي وقفته الهادئة، ومال برقبته على الأرض يلوك أعشابا حمراء ، ثم انعطف نحوي قليلا فشاهدت عينين واسعتين مثل فنجانين ممتلئين بالدم، ولا شيء آخر.
في المساء حكت لي جدتي كيف ولد ذلك المهر الذي أصبح حصانا أحمر، وكيف كتب عليه أن يلوك أعشابا حمراء وأن يشرب ماء أحمر وأن يستريح تحت سحب حمراء يغشاها نعاس الوحشة، وكيف راح الحصان يظهر على التلال في الليالي المظلمة. حكت لي أن الخيل توافدت من كل بقاع الأرض ذات يوم واجتمعت في غابة كبيرة لتتفق أخيرا على أنها مهددة بالزوال ما لم يبزغ من بينها حصان يلهم الخيول الصابرة عشق الحرية، على أن يكون أحمر اللون فيصبح مرئيا من أي مكان أو زمان. قالت الخيول، لكن حصانا بهذا اللون بحاجة إلي بحيرات من الدم عاما بعد عام ، يغطيه من قوائمه حتى رقبته وعرفه ثم ينزلق من صدره العريض إلي جنبيه. حصان كهذا يلزمه عشرات السنين ليبقى لونه ثابتا في جلده وذاكرته وعينيه . حصان كهذا لابد أن يولد في حريق يلقنه ألا يأكل سوى أعشاب حمراء، وألا يشرب سوى ماء أحمر ، وأن يقف في الحرائق ليلعق ظلالها الحمراء من فوق الأرض الساخنة . وعندئذ لن يمحو لونه لا ماء ولا مطر. حصان كهذا قالت الخيول سيكون وحيدا جدا ، لا مهرة ترافقه، ولا ولد ، لكنه إذا صهل فوق الجبال أو بين التلال أيقظ الخيل كلها .
قالت جدتي وهي تفرك يديها فوق الحطب المتقد وقد ولد ذلك المهر في غزة ، لأنه لم يكن هناك مكان في العالم مثل هذه المدينة الصغيرة تجري فيه الدماء بهذه الوفرة والغزارة ، فيها تتساقط الصبايا كل يوم والفتيان وفيها وحدها يقتل الأطفال الرضع كل ساعة، فيلفهم من بقى في الحريق على قيد الحياة ، ويقدمهم للأرض مثل باقة ورد . هكذا كان المهر إذا سار في أزقة غزة بين البيوت والدكاكين المهدمة تشبعت قوائمه بالدم ، فإذا ركض إلي الميادين غطت دماء ورش العمال وأفران الخبز صدره ورقبته ، وحين يركض بعيدا إلي الحقول تغمر الدماء رأسه .
هكذا ظهر الحصان الأحمر. وعندما علمت الخيل بالنبأ أخذت تشق طريقها إليه من تل الزعتر ودير ياسين وبحر البقر وصبرا وشاتيلا ورفح وجنين ورام الله والجولان وشبعا والفالوجا ، تنقل إليه دماء تلك النواحي ، لأنها تعلم أن حصانها مازال بحاجة إلي ما يشربه لكي يكون لونه الأحمر ثابتا إلي الأبد. إنك تنظر إلي ذلك الحصان متوهجا بعيدا ولا تدري كم هو وحيد ومنهك من عذابه ، ومن قدره الذي كتب عليه أن يكون نادرا ، وأن يتحمل في سبيل ذلك ألما فوق طاقة الخيل كلها على الصبر. فإذا تمكن أحد – وهذا مستحيل – من امتطاء صهوة ذلك الحصان ، فسوف يرى العالم كله باللون الأحمر : الأشجار الخضراء تصبح حمراء ، الثلوج البيضاء ، السماء الزرقاء ، وحتى القمر بلونه الأبيض الفضي يصبح أحمر . ولكي يزول عذاب ذلك الحصان وألمه لابد له أن يكف عن التوهج في الليل وأن يكف عن صهيله الذي يوقظ به الخيول من فوق الجبال ، وأن يفرغ كل ما في قلبه وجوفه من دماء وذكريات سنوات طوال إلي أن يصبح مثل الخيول الأخرى يشرب ويأكل مما تأكل، ينام مثلها في الحظائر، ويحرث حقلا، أو يجر عربة، ويستريح من لون الحريق.


***
أحمد الخميسي . كاتب مصري
Ahmad_alkhamisi@yahoo.com

.

 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         



لا توجد تعليقات سابقة


 ::

  العلم والأدب.. تفاعل مثمر

 ::

  حكايات النفوس الميتة

 ::

  مرحلة انتهت بحكم الإخوان ومرحلة تنهي حكم الإخوان

 ::

  قبضة الفاشية في إعلان دستوري بمصر

 ::

  في بيت عمي فوزي حبشي

 ::

  الحب والفولاذ

 ::

  تجربة إبراهيم عيسى ..

 ::

  مظروف - قصة قصيرة

 ::

  الرئيس أوباما دماثة فقراء وسياسة أغنياء


 ::

  أخبار وعناوين من فلسطين

 ::

  براءة براءة "أكابر "... مكافآت لقتلة الأحلام الوردية في مهدها

 ::

  الانزلاق الغضروفي .. خطأ شائع لا علاقة له بحقيقة المرض

 ::

  المطلوب حكم لا حكومة

 ::

  «خريف الجنرال» عمير بيريتس!

 ::

  كفاك تضليلاً سيادة الرئيس!!

 ::

  إدعموا الفانوس المصري الأصيل في هذه الحرب الثقافية

 ::

  الجلاد الأمريكي والرأس التركي

 ::

  الآعيب النظام المصرى المكشوفة

 ::

  الأدب في خطر !



 ::

  التاريخ الموجز للأنظمة القطبية ( 1800ـ 2020 م )

 ::

  إذا لم يستحي الانتهازي، فليفعل ما يشاء...

 ::

  تساقط الشعر : أسبابه وعلاجه

 ::

  العلاقات التركية الروسية (ما بعد الخصام المر)

 ::

  الطبقة الوسطي في مصر وتأثيرها بغلاء المعيشة والأسعار

 ::

  برامج وخطط أمريكية للهيمنة على الوطن العربي -لبنان نموذجا-

 ::

  أثرالتحليل المالي ومجمل المعطيات الانتاجية على تطور المؤسسات وتميزها

 ::

  مشروع «الشرق الأوسط الكبير» متى بدأ؟ وأين ينتهي؟

 ::

  الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أو المقولة التي تأدلجت لتصير إرهابا 1

 ::

  مفهوم الاغتصاب الزوجي



 ::

  فشل الانقلاب التركي و مسرحية تمرير اتفاقية مع إسرائيل وتصفية المعارضين من الجيش

 ::

  تركيا وقادم الأيام،،هل يتعلم أردوغان الدرس

 ::

  عملاءٌ فلسطينيون مذنبون أبرياء

 ::

  رباعيّة المجتمعات الحديثة الناجحة

 ::

  الملف اليمني يضيف فشلا آخر إلى رصيد بان كي مون

 ::

  من (أور) إلى (أورو)

 ::

  خروج بريطانيا والتمرد على النخب

 ::

  العلمانية والدين

 ::

  مقترحات لمواجهة عجز الموازنة

 ::

  ماذا يريد نتانياهو من روسيا؟

 ::

  ترامب .. وهواجس الزعيم في العالم

 ::

  الواقع الاجتماعي والسياسات الاقتصادية

 ::

  العامل الحكومي وحرية الباحث

 ::

  هلوسات وشطحات






Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.