Booking.com
          

  الرئيسية  ::  الإفتتاحية ::  كلمتنـا ::  ادعمنا ::  سجل الزوار ::  راسلنا   :: أضف مقال

:: مقالات سياسية  :: صحافة واعلام  :: حوارات  :: العالم الإسلامي  :: العالم المتقدم

 
 

تطور المقاومة الفلسطينية خلال الأعوام من 1987 ـ 2004 / الجزءالثاني
تغريد كشك   Sunday 20-01 -2008

تطور المقاومة الفلسطينية خلال الأعوام من 1987 ـ 2004 / الجزءالثاني 2. انتفاضة الاقصى
مع امتداد السلطة الوطنية الفلسطينية إلى الضفة الغربية عام 1995 ازدادت المسئوليات الملقاة على عاتقها، لا سيما بعد تصاعد العمليات الفدائية في قلب المدن والتجمعات الإسرائيلية؛ حيث بذلت كل ما تملكه من إمكانيات من خلال تنظيمها "فتح" لتنفيذ المهمة الأمنية؛ أملاً في الحصول على مكاسب سياسية قد تنتهي بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على جزء من أرض فلسطين التاريخية.

وجاءت مفاوضات المرحلة النهائية التي انطلقت في العام 1999 لتظهر بعد أشهر من بدئها أن التوصل إلى حلول حقيقية ومقنعة لقضايا الوضع النهائي ما تزال بعيدة عن الواقع، لا سيّما أن الموقف الإسرائيلي من هذه القضايا لم يتحرك إلاّ شكليا، وقد شكلت السياسة الإسرائيلية خلال السنوات السبع التي تلت توقيع اتفاق أوسلو وسبقت انتفاضة الأقصى جملة من التراكمات كانت بمثابة وقود للانتفاضة ودافعا مهما لها لمدة طويلة، والتقى ذلك الغضب مع ترسانة إسرائيلية تقودها سياسة لم تتخل عن استمرار السيطرة على الفلسطينيين، واعتقدت أن الانتفاضة فرصة لهزيمة الشعب الفلسطيني وقيادته التي رفضت شروط كامب ديفيد، إضافة إلى أن هذا الانتصار في حال تحقق قد يعيد للجيش الإسرائيلي بعض كرامته التي فقدها إثر هزيمته وانسحابه من جنوب لبنان قبل أربعة أشهر من بدء الانتفاضة.

وبدأت انتفاضة الأقصى لتكون أكثر من مجرد ردة فعل آنية على الزيارة التي قام بها رئيس حزب الليكود الإسرائيلي في ذلك الوقت "إريئيل شارون" للمسجد الأقصى، بل يعتقد الكثيرون أنها جاءت أيضا لتعبر عن الرفض الشعبي للحلول السياسية التي تم التوصل خلالها إلى تفاهمات غير موقعة بخصوص قضيتيّ القدس واللاجئين. وقد أكدّ على ذلك غياب الصورة التي شاهدها الملايين في تموز 2000، حين كان رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك ـ الذي اعتبر في إسرائيل خليفة رابين ـ والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، يدفع أحدهما الآخر بحميمية نقلتها معظم وسائل الإعلام للدخول إلى إحدى مباني منتجع كامب ديفيد، تعكس صورة احترام ما يمثله كل طرف أمام الآخر، لأنه حين عادت الأطراف من كامب ديفيد خالية الوفاض وتبادلت الاتهامات، لم يشك أحد بأن الفلسطينيين والإسرائيليين سيعودون لبدء القتال مرة أخرى، وقد شعر الفلسطينيون أن هذا الاتفاقات لا تهدف لإزالة الاحتلال وتنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بالصراع، بل تهدف إلى تغيير أساس السيطرة على الأراضي الفلسطينية وإدامتها، وهنا كان لابد من الاصطدام، وعلى ذلك علق الصحفي الإسرائيلي رافي مان بعد بداية الانتفاضة بشهر في قراءته للحالة التي نجمت بعد سنوات التفاوض ملامساً الحقيقة "تراكم الأخطاء جميعها ينبع من الخطيئة الأولى وهي الافتراض الساذج بأن احتلال شعب آخر يمكن له أن يستمر إلى الأبد". فقد جزأ اتفاق أوسلو الحل على مرحلتين الأولى مفاوضات انتقالية والثانية نهائية، حيث تصل الأطراف خلال المرحلة الانتقالية إلى نقطة معينة تسهل الدخول في مفاوضات الحل النهائي التي كان من المفترض أن تنتهي بتطبيق قرارات مجلس الأمن 242 و338، أي أن هناك قضايا معجلة وقضايا مؤجلة، الأولى أساس للثانية والأخيرة نتيجة تراكمية للأولى، لكن قضايا الحل الانتقالي شهدت عدم تطبيق وتضليل للتفاسير مكنّت الطرف الإسرائيلي من تطبيق ما يراه دون اكتراث بالطرف الآخر وبالعملية نفسها، ومن فرض أمر واقع للقضايا المعجلة، وكانت الانتفاضة نتيجة طبيعية لذلك، وما يؤكد ذلك هو ما حصل في ربيع 2000 حين أصدرت مجموعة أكاديميين فلسطينيين بياناً موجهاً للجمهور الإسرائيلي حذر من الطريق الذي ستنتهي إليه المفاوضات نتيجة سوء النوايا الإسرائيلية واستمرار إهانة الفلسطينيين جاء فيه "نخشى أن ما يزرع اليوم ليس بذور السلام بل بذور الحرب المستقبلية.. يعتقد معظم الفلسطينيين أن هذا السلام يستند إلى مبادئ أساسية هي العدل واحتياجات الحياة المشتركة في المستقبل ولكن ما يحدث اليوم بعيد عن هذه المبادئ ثمة طرف مقتنع بأن ميزان القوى يميل لصالحه لذلك فهو يستطيع إهانة الطرف الثاني ويفرض عليه قبول كل شيء بحيث يتحول الحل التاريخي المأمول إلى حل بين الإسرائيليين أنفسهم وليس بينهم وبين الفلسطينيين".

لقد كان من المفترض أن تتم مفاوضات المرحلة الانتقالية لتعيد إسرائيل انتشار قواتها وتنتهي المرحلة وفق جدول محدد بتسلم الفلسطينيين معظم الضفة الغربية (عدا القدس أو المستوطنات "دون توسع" ومواقع عسكرية) وهذه لا تتجاوز مساحتها 310 كم2 من مساحة 4500 كم2، وفي نهاية العملية لم يكن تحت سيطرة السلطة سوى أقل من 20% من مساحة الضفة الغربية وحوالي ثلثي قطاع غزة، أما قضايا الحل النهائي (لأرض، المياه، الحدود، القدس، المستوطنات) فقد عملت إسرائيل على إحداث تغييرات هائلة طيلة السنوات الماضية تجعل من المستحيل التراجع عنها فيما لو بدأت مفاوضات الحل النهائي. وكانت تلك سياسة إسرائيلية ثابتة لم تنل منها تغيير الحكومات والبرلمانات وتناوب اليمين واليسار على رئاسة الوزراء فتواصل توسيع المستوطنات وأعمال الهدم والاعتقالات والإهانات وازدادت الحواجز وتدهورت حرية حركة الفلسطينيين بسبب سياسة الإغلاق التي فرضت بشكل شبه دائم على المناطق الفلسطينية مما أدى إلى المس بمجالات أخرى مثل حق العلاج الطبي والتعليم وكسب الرزق.

وفشلت قمة كامب ديفيد الثانية بشكل مخالف لكل التوقعات التفاؤلية بسبب سياسة باراك وإيمانه ونواياه وحساباته المسبقة، فقد عرضت صفقة متكاملة إما أن ترفض بالكامل أو تقبل بالكامل، ولم تكن شروطها مقبولة على الطرف الفلسطيني لأنها ستعطي إسرائيل 9% من مناطق 67 يتم معادلتها و1% لصالح الفلسطينيين وتجاوز قضية اللاجئين واقتراحات غير مقبولة في قضية القدس، وقد كتب عن أسباب فشل قمة كامب ديفيد ما يحمل باراك المسؤولية ـ منها ـ رواية روبرت مالي مساعد الرئيس كلينتون للشؤون العربية، قد قال مالي "إن الاتهامات التي تحمل السلطة الوطنية المسؤولية عن فشل كامب ديفيد تقع في إطار التشخيص بالغ السطحية وينطوي التعامل معها من باب المسلمات على تداعيات خطيرة".

بعد عودة الوفود من كامب ديفيد والحملة الدبلوماسية الإعلامية الإسرائيلية التي تلتها، أصيبت القيادة الفلسطينية بالحرج نتيجة محاصرتها بالرواية الإسرائيلية، وكانت الانتفاضة مخرجا حقيقيا لإعادة صورة المحتل، وتذكير العالم بأن كل الحملات لا تخفي مواقع الاحتلال وعنفه ومستوطناته وحواجزه، وتلك الصورة التي كاد العالم ينساها بعد سنوات من توقيع اتفاق أوسلو بفضل الإعلام القادر على قلب الحقائق والذي لم يتوقف عن نقل مشاهد اللقاءات والمصافحات والابتسامات وإخفاء الصورة الحقيقية عن الحالة في الأراضي التي لا تزال تخضع للاحتلال.

وكان انتخاب باراك يمثل للكثيرين دخولاً إلى الشوط الأخير في السباق نحو إنهاء الصراع التاريخي، وقد ترافق ذلك مع مناخ اقتصادي متفائل يعود أساساً إلى ازدهار شركات التكنولوجيا المتقدمة، كل هذا منح المجتمع الإسرائيلي المرهق بفعل أعوام كثيرة من الصراع، أملاً بمستقبل جديد تستطيع إسرائيل أن تصبح فيه واحدة من الدول الغربية التكنولوجية.

‌أ. السلطة الوطنية وتنظيم فتح رؤية مختلفة للمقاومة

ما حقيقية دور السلطة الفلسطينية في انتفاضة الأقصى؟ ولماذا تأرجح هذا الدور خلال أشهر قليلة بين الاستثمار السياسي والدعوة إلى الاستمرار والتصعيد والمشاركة الفاعلة من خلال تنظيم فتح؟ وكيف انعكس هذا الموقف على الانتفاضة و الفصائل الفلسطينية التي تتبنى المقاومة كخط إستراتيجي؟

السؤال الأخير مهم جدا؛ لأن الجدل الفلسطيني حول استمرارية المقاومة المسلحة، بما فيها " العمليات الفدائية "، وكذالك حول الأهداف المراد تحقيقها من هذه الانتفاضة وقضية بناء النظام السياسي الفلسطيني، لا يدور في بيئة عربية ودولية محايدة، فهناك تأثيرات قوية للبيئة الإقليمية والدولية على اتجاه هذا الجدل ومحتواه ومصيره أيضا، خاصة وأن النظام العربي الرسمي أصبح يحمل مفهوم السلام كخيار إستراتيجي وحيد حتى الآن، ما يجعل المقاومة الفلسطينية في موقف عداء مع هذا النظام، هذا الوضع ينطبق أيضا على موقف النظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة التي تعيش حالة تحالف مع إسرائيل خاصة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001.

وهكذا فإن أصحاب الخيار السلمي التفاوضي فلسطينيا كانوا في تلك الفترة يخوضون جدلهم بشأن وسائل النضال في مناخ دولي وإقليمي لم يعد مقبولا لديه استهداف المدنيين، فيما يقع معارضوهم من التيار الإسلامي وأجنحته بالذات في وضع ضاغط مضاد.

نتيجة هذه الأحداث نجد أن تفعيل خيار المقاومة بكامل طاقته الفلسطينية، أي بإجماع القوى الوطنية الفلسطينية أصبح يتطلب انعطافات بنيوية وفكرية بالغة الحدة، فلسطينيا وعربيا ودوليا، يصعب تصورها على المدى القريب أو المتوسط، وفي الوقت ذاته ليس من المتوقع أن تدع القوى المتمسكة بهذا الخيار سلاحها جانبا وتنضم إلى ركب المفاوضين لأن هذا التحول يمس الأسس الأيديولوجية والعقدية الدينية التي تتمسك بها هذه الحركات في ميدان القضية الوطنية، خاصة وأن إتباع الكفاح المسلح وصولا إلى العمليات الفدائية هو في صلب هذه الأسس وترك هذا الجانب أو التسامح بخصوصه يضعف مصداقية هذه القوى.

يبدو أن الشعور الغريزي لدى الفلسطينيين بوجود السلطة الوطنية والمبالغة في النظر إلى قدرتها على التصدي للمشاكل التي رافقت ونجمت عن انتفاضة الأقصى ومعالجتها، كان له تأثير واضح في عدم تجديد المبادرات الشعبية التي أثبتت جدواها خلال الانتفاضة الأولى ولو أن شيئا من هذه المبادرات مثل اللجان الشعبية في الأحياء عاد في فترة اجتياحات قوات الاحتلال الإسرائيلي في بعض المدن التي تعرضت لنظام منع التجول. ويبدو أن هذا الركون المبالغ فيه جاء كتعبير عن تفاؤل مفرط وقصور في إدراك محدودية إمكانيات وصلاحيات السلطة إضافة إلى سوء الأداء والإدارة؛ خاصة بعد أن ثبت عجز وتخلف الأجهزة الأمنية الفلسطينية عن أداء دورها في حين تمكن أهالي مخيم جنين من الصمود في وجه آلة الحرب الإسرائيلية. وينبغي لنا الافتراض هنا أن هذا التقاعص والفشل من قبل الأجهزة الأمنية الفلسطينية سيترك أثره اللاحق على نظرة المواطن الفلسطيني لها وطريقة تعامله معها.

خلاصة القول أن السلطة الفلسطينية لم تستطع أن تقف في وجه الانتفاضة العارمة أو لم ترد فعل ذلك، إذ ربما تكون قد وجدت فيها أداة ضغط على الحكومة الإسرائيلية لتحسين الشروط التفاوضية للموقف الفلسطيني من قضية القدس على الأخص، وقد شهد موقف السلطة الفلسطينية توجها غير معلن لتخفيف قبضة الأجهزة الأمنية على المقاومة، خاصة مع تعرض السلطة نفسها ومقرّات أجهزتها للضرب من قبل القوات الإسرائيلية، وقد يعود السبب في هذا الازدواج في تعامل السلطة الوطنية الفلسطينية مع الانتفاضة إلى كون قيادات فتح التي بدأت من برنامج التحرير كانت قد اعتقدت أن أمامها بعد مدريد أن تسير في برنامج سلام خاص، أو أن تخرج نهائيًّا من الساحة لأن الحكومات العربية أخذت بمبدأ التفاوض مع إسرائيل، ولما كانت حكومة مصر قد وصلت إلى اتفاق مع إسرائيل في كامب ديفيد، وحكومة الأردن في وادي عربة، وكانت إسرائيل تلوح بالخروج من لبنان بلا قيد أو شرط، وكان لدى الحكومة السورية أوراق تستخدمها، فإن القيادة الفلسطينية الرسمية خشيت أن تظل خارج إطار السلام؛ ولذلك أسرعت إلى ميدان المفاوضات ولكن من موقع الضعف، ومن موقع من يريد أن يبقى طرفًا مهما كانت النتائج.

وكان ما يخيف هذه القيادة أن حركتيّ حماس والجهاد الإسلامي قد بدأتا تبرزان كقوة قيادية شعبية جديدة وهو ما قد يجعلهما بديلاً سياسيًّا يحسب له حساب وتلتف حوله قطاعات وقوى وجماهيرية محددة، وتراهن عليه بعض الأطراف الإقليمية في صراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تصبحان ـ أي حماس والجهاد الإسلامي ـ مركز استقطاب لتوحيد قوى المقاومة الفلسطينية المعارضة في دمشق وفي كل مكان للاتحاد من اجل بناء منظمة تحرير فلسطينية بحلة جديدة، وقد يكون هذا ما جعل قيادة المنظمة الرسمية تحاول أن تسابق على الاحتفاظ بموقعها من خلال تحولها إلى طرف رسمي دولي يؤمِّن للشعب بعض المكاسب.

‌ب. التحول من قيادة المقاومة إلى قمع المقاومة

انقلب دور قيادة فتح من قيادة مقاومة من أجل التحرير، إلى سلطة فلسطينية وظيفتها الأساسية التفاوض والعمل لإنجاح مبادئ أسلو وإدارة مؤسساتها الإدارية والاجتماعية والسياسية، وقد نجحت قيادة المنظمة الرسمية إلى حدّ ما في استبدال دورها والتحول نحو الحل السياسي، وهذا وضع المقاومة المسلحة والحركة السياسية الفلسطينية أمام مأزق في الداخل والخارج، ففي الداخل تقف السلطة الفلسطينية في مواجهة مع قوى المقاومة المسلحة، وهذا المأزق تفاقم؛ لأن قوى الداخل كان يهددها العدو الإسرائيلي بإجراءاته القمعية الجديدة، كما يتهددها دور السلطة الفلسطينية وإجراءات السلام العربية، أما قوى الخارج فإنها بدأت تعاني إشكالات ترهلها وعدم قدرتها على التجدد، وعدم البحث عن أساليب جديدة لمرحلة ما بعد أوسلو.

ساد الاعتقاد في الأيام الأولى لانتفاضة الأقصى أن الصدامات لن تستمر طويلاً وأن الانتفاضة قد تشكل مخرجا للقيادتين الفلسطينية والإسرائيلية ولعملية السلام التي دخلت إلى ممر مجهولة نهايته، فرئيس الوزراء الإسرائيلي كان يعيش أزمة برلمانية تهدد حكومته في أية لحظة وسيبحث الإسرائيليون عن بديل، وقد ظهر البديل بصورة أرئيل شارون الذي سببت زيارته للحرم معركة بين الجانبين، بالإضافة إلى أن البديل السياسي لسياسة رئيس الوزراء إيهود باراك هو الصدام، وبالتالي فقد وقف الإسرائيليون أمام خيارين، إما استمرار باراك وسياسته أو الحرب التي سيدفع ثمنها الشعب الإسرائيلي.

أما الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات فقد أعطته الانتفاضة في أيامها الأولى رسالتين اعتقد أن بإمكانه استخدامهما في مواجهة الإسرائيليين، الأولى أن لديه أوراق قوة يمكن إخراجها إذا استدعى الأمر وهو ليس أعزلا إلاّ من التفاوض، والثانية أنه لا يمكن أن يقبل تسوية أقل من التي يقبلها الشعب الفلسطيني لأن الموقف الذي قدّمه في كامب ديفيد هو موقف الشعب الفلسطيني ككل وليس موقفه منفرداً حسب ادعاء الإسرائيليين الذين اعتبروا أن الرئيس عرفات كان الأكثر تصلباً في القمة.

أما على الصعيد الشعبي الفلسطيني فقد ساد الاعتقاد أن الانتفاضة ستقدم البديل عن سياسة القيادة الفلسطينية وعن عملية السلام التي شهد تأييدها تراجعا في الشارع الفلسطيني ظهر في استطلاعات الرأي، لكن الانتفاضة كانت تملك من المقومات ما جعلها تتجاوز الاعتقاد السائد، فحجم الغضب الفلسطيني المتراكم، وفقدان الأمل في التحرر واستمرار الاحتلال خلال مرحلة السلام عبر عن نفسه ميدانياً، فقد رأت قوى المقاومة الفلسطينية في الانتفاضة مرحلة جديدة ومختلفة من الصراع فقامت بترتيب أوراقها وأوضاعها الداخلية بشكل سريع لتصعيد المقاومة، وقد ساعدها على ذلك الأجواء الجديدة التي أدت إلى إطلاق سراح معظم قياداتها من السجون الفلسطينية، وقامت بتنفيذ العديد من العمليات العسكرية المؤثرة ضد الاحتلال والمستوطنين، سواء في الأراضي المحتلة سنة 1967، وفي عمق الكيان الإسرائيلي المقام على الأراضي المحتلة عام 1948 حسب استطلاع الرأي رقم 5 الذي أجراه مركز دراسات التنمية لجامعة بيرزيت.

أما "السلطة الفلسطينية" فقد عملت على استثمار الانتفاضة سياسيًا فحصرتها في إطار الفعاليات الشعبية في محاولة لإعادة الاعتبار لمسيرة التسوية السياسية بهدف تحقيق السيادة الفلسطينية على القدس، وتفكيك جزء كبير من المستوطنات، وبالتالي فإن مهمة تحويل الانتفاضة إلى أجندة عمل شعبي هي واحدة من أهم عناصر تواصل الانتفاضة التي حاولت السلطة الوطنية إرساءها، ولكن هذه المواقف لم تتميز بالثبات وقد انعكس ذلك بشكل طبيعي على القوى الفلسطينية، وعلى الأخص حركة فتح والتي بدأ فكرها السياسي بالاختلاف بين تيارين:

الأول: تيار اعتمد على السلطة وتوجهاتها وارتبط بها بشكل ما من خلال المصالح والمنافع والمناصب، ولكنه يدعم الانتفاضة الشعبية ولا يؤيد عمليات المقاومة التي تضع السلطة في موقف حرج سياسيًا على المستوى الدولي من خلال اتهامها بدعم العنف والإرهاب، ويعتقد أن هذا النوع من المقاومة يضعف إمكانية التأثير في توجهات الحكومة الإسرائيلية لصالح القبول بالمطالب الفلسطينية.

الثاني: تيار يمثل الكثير من كوادر حركة فتح في المراتب القيادية المتوسطة والقاعدة الجماهيرية للحركة، وهذا التيار لا يرتبط مباشرة بمنافع السلطة، ولكنه قد يعاني تسلط فئة محددة واستئثارها بالمناصب والمنافع، وهذا التيار هو الذي تبنى مطالب الشارع التي تدعو إلى استمرار الانتفاضة والمقاومة، وقام ببعض عمليات المقاومة داخل الأراضي المحتلة عام 1948 وضد المستوطنين وقد ساعد الفصائل الأخرى لوجستياً على تنفيذ هذه العمليات، ويظهر أن هذا التيار حظي بشعبية كبيرة في صفوف حركة فتح خاصة مع استهداف قياداته بعمليات التصفية الإسرائيلية، ويسلط زئيف شيف، المحلل العسكري في هآرتس، الأضواء على حقيقة دور فتح في الانتفاضة بقوله: "إن نحو 80 حتى 90 في المائة من العمليات يقوم بها اليوم التنظيم، والذي هو الذراع العسكري لفتح". ويؤكد روني شكيد، المحلل في معاريف، هذه الحقيقة: "منذ بدأت انتفاضة الاستقلال غدا تنظيم فتح حزب الله المناطق: ميليشيا تقوم في النهار بتحريض الشارع الفلسطيني وفي الليل تنفذ عمليات عصابية ومهام إرهابية وخصوصاً إطلاق الرصاص على المستوطنات والمنشآت العسكرية أو نصب كمائن بالرشاشات أو العبوات الناسفة على الطرقات". ويحتار أليكس فيشمان في تفسير ظاهرة إعلان نشطاء فتح مسؤوليتهم عن هجمات إرهابية حيث يتساءل " هل من الجائز أنه (عرفات) لا يسيطر حتى على رجاله؟ أم أن رجاله ربما جرى إفهامهم أن العمليات الإرهابية مسموح بها في منطقتي (ب) و(ج) ضد المستوطنين والجنود، وأن العمليات على الطرق هي جزء من قواعد لعبة وقف إطلاق النار؟" وبرأي صحيفة هآرتس فإن "عرفات حرك ضد إسرائيل وبوسائل مشابهة أجهزة رسمية (القوة 17) ومنظمة غير حكومية خاصة (فتح ـ التنظيم) إلى جانب المنظمات التي تعتبر الإرهاب عقيدة".

ويرى بعض المراقبين أن انتقال "فتح" إلى الإعلان المباشر عن عملياتها عبر كتائب شهداء الأقصى وكتائب العودة، جاء استجابة للحاجات التي فرضتها تطورات الانتفاضة وبضغط من الكوادر الميدانيين، وفي إطار رؤية فتحوية ترى ضرورة إيجاد هامش بين "فتح" والسلطة، وأيضا في سياق محاولة "فتح" إعادة الاعتبار لذاتها والحيلولة دون استثمار الفصائل الأخرى لنضالاتها؛ أما تاريخ الإعلان عن هذه الكتائب فجاء بعيد اغتيال حسين عبيات يوم 9 تشرين ثاني2000، في بداية الشهر الثاني للانتفاضة.وقد تنبهت القيادة الفلسطينية إلى التغيير الذي جرى في أوساط هذا التيار من حركة فتح وحاولت استيعاب توجهاته وتجنبت التصادم مع أفراده خاصة بعد تسلم "شارون" رئاسة الحكومة الإسرائيلية وعدم إظهاره استعدادا للبدء في المفاوضات السياسية، ويبدو أن السلطة الفلسطينية رأت في تلك المرحلة أن تخفيف القيود عن المقاومة الشعبية قد يكون إشارة لحكومة شارون مفادها أنها لن تستطيع من خلال تطبيق برنامجها الأمني إجبار السلطة الفلسطينية على القبول ببرنامجها السياسي، غير أن رياح التغيير التي أثارتها المقاومة لم تأت كما تشتهي السلطة الفلسطينية، إذ لم تعد قادرة على ممارسة لعبة الازدواج في تعاملها مع الانتفاضة، فتارة تحاور الإسرائيليين وتنسق معهم أمنيا وتارة أخرى تمتشق البندقية لتصبح أكثر ثورية من تنظيمات القوى الفلسطينية، وبالتالي وجدت نفسها مطالبة من جانب الإسرائيليين والأميركيين في الوقت ذاته باستنكار العمليات الفدائية والمقاومة بشكل عام؛ وهو ما حصل فعلا وأفقدها التفاف الشارع الفلسطيني الذي تمكنت من اكتسابه في بداية الانتفاضة وحصار رئيسها ياسر عرفات في مقره بمبنى المقاطعة في مدينة رام الله.

وأدى تنامي المقاومة إلى تولد قناعة لدى الإسرائيليين والأمريكيين بأن السلطة لم تعد قادرة على القيام بدورها في السيطرة على الشارع الفلسطيني، وبالتالي يجب تغيير نهج التعامل معها، وهو ما دفع الجانبين الإسرائيلي والأميركي إلى المطالبة باستبدال ياسر عرفات وإحلال قيادة بديلة مكانه، خاصة وأن عدم تصدي الرئيس عرفات رأس السلطة الفلسطينية ومنذ البداية لمنع العمليات ضد المدنيين الإسرائيليين داخل الخط الأخضر، تسبب وما يزال، بمصاعب خطيرة عانى منها الشعب الفلسطيني وقضيته ولم تتضح كامل أبعادها بعد.

‌ج. أشكال المقاومة خلال انتفاضة الأقصى

يتطلب العمل الجماهيري نوعا من تعطيل الحياة العامة الاعتيادية لصالح النشاطات غير الاعتيادية، بعض المعامل والمصانع تتعطل عن العمل، ومن المحتمل أن تكون هناك بعض الإضرابات التي تشل الحياة العامة، وربما تتعطل بعض المؤسسات مثل المدارس والجامعات، وقد تتوقف دوائر حكومية عن العمل، وفي انتفاضة الأقصى لم يعد الظرف يسمح بالاستمرار بنفس الأساليب التي سادت خلال الانتفاضة الأولى خاصة وأن إجراءات الاحتلال الإسرائيلي المضادة كانت تؤدي إلى المزيد من التعطيل حيث يغلق الاحتلال الطرق في الضفة الغربية وقطاع غزة ويحاصر المدن والقرى ويدفع بالحركة ما بين المدن باتجاه التوقف، وبما أن الشعب الفلسطيني لم يطور أوضاعاً اقتصادية خاصة به خلال السنوات السبع التي امتدت من توقيع اتفاق أوسلو وحتى انطلاقة انتفاضة الأقصى، فقد بقي عشرات الآلاف من الفلسطينيين يعتمدون في مصادر دخلهم على العمل داخل إسرائيل، وهذا أدى إلى مزيد من التعطيل للحياة الاقتصادية للشعب الفلسطيني، وعليه فإن العمل الجماهيري أفرز عوامل ضغط ذاتية تم تدعيمها بعوامل ضغط احتلالية، بالإضافة إلى تحمل المخطط الفلسطيني وصاحب القرار مسؤولية عدم اتخاذ السياسات الاقتصادية والعمالية والاجتماعية المناسبة والضرورية لتحرير الفلسطينيين من الضغوطات الإسرائيلية، والنقطة الجدلية التي كانت قائمة في بداية انتفاضة الأقصى هي أن العمل الجماهيري الاحتجاجي لم يستطع الاستمرار، فالعامل يضغط من اجل أن يعاود مزاولة عمله، والتاجر يتذمر بسبب عدم قدرته على الوفاء بالتزاماته المالية، والطالب يتحسب من ضياع السنة الدراسية، وقد حاول بعض السياسيين والقادة الميدانيين أمثال مروان البرغوثي إطالة أمد الانتفاضة الجماهيرية، وربما نجحوا في ذلك إلى حد ما عبر محاولتهم التخفيف من تذمر الناس من خلال العودة بالحياة العامة إلى وضعها الاعتيادي والاستمرار بالمسيرة التفاوضية، لكنهم لم ينجحوا تماماً، فالعودة بالحياة الاعتيادية إلى ما كانت عليه تؤدي إلى إنهاء الانتفاضة، كما أن الإبقاء على حياة اعتيادية يؤدي إلى تذمر جماهيري مع مرور الأيام، ومهما كانت الجهود السياسية للإبقاء على جماهيرية العمل فإنها فشلت في النهاية خاصة مع تطور عمل وأنشطة حماس والتيار الإسلامي في تلك المرحلة من المظاهرات والمواجهات الشعبية، حيث امتدت من قذف القنابل الحارقة والطعن بالسكاكين وتصفية العملاء، إلى العمليات الفدائية المسلحة ونصب الكمائن، وقد جاءت هذه التطورات تحت تأثير الخسائر الفادحة في الأرواح وفشل استراتيجيه اعتماد الحجر كأسلوب وحيد للمقاومة، فقد بدأ التحول تدريجيا نحو عسكرة الانتفاضة في ظل توفر الأسلحة الخفيفة . وجاء هذا الانعطاف التكتيكي نحو السلاح بمثابة انزلاق نحو ملعب العدو في كافة المواجهات التالية بين الطرفين، ولا يمكن هنا إلاّ أن نبحث عن الأسباب التي قد تكون دفعت أو ساعدت على الدفع باتجاه الانعطاف صوب السلاح والتي تأتي بمجملها نتيجة لزيادة أعمال القتل الإسرائيلية في الوقت الذي كانت فيه الأسلحة قد تركزت بأيدي مقاتلين انعدمت خبرتهم في العمل العسكري وتدنى تقييمهم للعمل الجماهيري .

برز التيار الإسلامي وظهر تأثيره بشكل واضح خلال انتفاضة الأقصى أكثر من الانتفاضة السابقة، خاصة في ظل عدم قناعة هذا التيار حتى الآن بالتسوية السياسية وانحيازه الكامل للعمل المسلح، وقد استسلمت القيادة الفلسطينية والتنظيمات الفلسطينية وقبلت بهذا التحول نحو عسكرة الانتفاضة في ظل عجزها عن طرح تكتيك بديل لسلاح الحجر والمشاركة الشعبية، وقد زاد من التوجه نحو السلاح إغلاق إسرائيل الباب بشكل دائم في وجه أي خيار سياسي.

وتظل انتفاضة الأقصى دون الحرب التحريرية الشاملة، وأكثر من مجرد التظاهر السلمي أو العصيان المدني، بل ربما تكون قد جمعت من جرّاء ذلك في طورها الراهن على الأقل بين سلبيات الأمرين دون أن يُرجى من أي منها أية نتائج ايجابية؛ فهي من الجانب الفلسطيني حالة حرب من حيث عدد ضحاياها من شهداء و معاقين بالآلاف، ومن حيث ما يكابده سكان الأراضي المحتلة من حصار ومن تدمير لبيوتهم ومنشآتهم وممتلكاتهم وأسباب رزقهم، وهي حالة تظاهر أو عصيان شديد الفتك قد تكون جاريةً في غير مجالها، طالما أنها تضع في مواجهة قوات عسكرية مدججة بالسلاح بالغة التحصين، لا تتردد في تعمد القتل؛ شبانًا وصبيانًا عزلاً إلاّ من الحجارة وبعض السلاح القليل، ومثل ذلك الواقع هو ما قد يتطلب إستراتيجيةً مركبةً متعددةَ الأوجه، عمادها الأساسي الوصول بإسرائيل والعالم إلى قناعة مفادها عدم جدوى الاحتلال، خاصة وأن استعمال الجانب الفلسطيني للسلاح افتقر منذ البداية إلى عنصرين أساسيين أولهما، عدم وجود قيادة موحدة، والثاني هو عدم وجود قوة مقاومة مسلحة بخطة عمل محددة الأهداف وتتسم بالوعي في الوقت ذاته، بحيث يتم استخدام السلاح بشكل يخدم الهدف السياسي ولا يلحق الضرر به، خاصة وان أشكال النضال المختلفة هي وسائل للوصول إلى غاية ولا يمكن اعتبارها غاية بحد ذاتها، ولافتقار المقاومة الفلسطينية لهذين العنصرين مارس كل من تبنى أسلوب الكفاح المسلح عملياته وفق قناعاته وإمكاناته من حيث تحديد الأهداف والتوقيت والتنفيذ، خاصة وان استخدام السلاح تم توجيهه نحو جميع قطاعات المجتمع الإسرائيلي بما فيها المدنيين؛ مما تسبب في نشوء تعقيدات لا تعود بفائدتها على النضال الفلسطيني العادل ضد الاحتلال بقدر ما تؤدي إلى التفاف الجمهور الإسرائيلي حول كل من يمنع تحقيق تسوية عادلة مع الشعب الفلسطيني، بالإضافة إلى إجهاضها وحدّها من إمكانية تطور آفاق حركة جماهيرية إسرائيلية معادية للاحتلال وداعية لتسوية النزاع على أساس قيام دولة فلسطينية.


 


      اضف تعليقك على هذه المادة     

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


*   لن يتم نشر التعليقات التي تخرج عن آداب الحوار


         
  محمد بلغريسي -  لجزائر       التاريخ:  04-05 -2008
  بارك الله فيكم و شكرا


 ::

  مشاهد حب صامتة

 ::

  فضاءات صقر

 ::

  في حديقة البنفسج

 ::

  جسد وجمال

 ::

  صرخة الموت

 ::

  عندما نبحث عن الوطن في الجهة اليسرى من القلب

 ::

  خيوط يرسمها الزمن

 ::

  ذاكرة فرح وراء القضبان

 ::

  ظاهرة العنف بين طلاب المدارس الفلسطينية


 ::

  قرغيزستان , طريق المضطهدين في العالم العربي

 ::

  الجبهة الشعبية ،،،الرفاق عائدون

 ::

  إسرائيل في مواجهة الوكالة الدولية للطاقة الذرية

 ::

  كن أقوى من منتقديك وواصل طريقك ..

 ::

  لماذا يكره قادة بعض الدول العربية الاسلام

 ::

  واشنطن وثورات المنطقة

 ::

  بعد العراق بلاك ووتر في الضفة الغربية

 ::

  عقوبة الإعدام .. رؤية إسلامية

 ::

  حملة شبابية تدعو لتعدد الزوجات

 ::

  اقتراح حل السلطة الفلسطينية لماذا الآن؟



 ::

  مساعداتٌ خيريةٌ يبطلُها التوثيقُ وتفسدُها الصورُ

 ::

  ماذا تعني تسمية الحرس الثوري منظمة إرهابية؟

 ::

  مستقبل السودان

 ::

  هل خرج البشير حقاً؟

 ::

  السودان ودروس الانقلابات والانتفاضات

 ::

  نقد رواية الغائب لنوال السعداوى

 ::

  إدارة الحروب النفسية في الفضاء الالكتروني: الإستراتيجية الأمريكية الجديدة في الشرق الأوسط

 ::

  الجثمان

 ::

  مستقبل الشرق الأوسط والأكراد في ظل التغيرات المستقبلية

 ::

  زلزال متوقع وخطر داهم على العرب!








Booking.com
radio sfaxia

Booking.com


جميع الحقوق متنازل عنها لان حق المعرفة مثل حق الحياة للانسان .

 

اعلن معنا |   غزة تحترق | منتدى | مواقع الكتاب  | ملفات | صدام حسين | الأحواز | خطوات للتفوق | انفلونزا الطيورراسلنا  
جميع ما ينشر بالموقع من مقالات أو آراء أو أفكار هي ملك لمن كتبها، و الركن الأخضر لا يتبنى بالضرورة هذه الآراء أو الأفكار.